النص المفهرس
صفحات 81-100
العدل، وقضاء دمشق سنة تسع وستين وسبعمائة، فباشره مدة يسيرة، ثم عاد إلى القاهرة، وسافر إلى حلب سنة ثلاث وتسعين صحبة الظّاهر بَرْقُوق، واشتغل بها، ثم عاد صُحبة السلطان، وعظم، وصار يجلس في مجلس السلطان فوق قضاة القضاة، وأكب على الأشغال والتصنيف، وانتفع به عامة الطلبة، وأتته الفتاوى من الأقطار. ومن تصانيفه: شرحان على ((الترمذي)) ((تصحيح المنهاج)) لكنه لم يكمل (١ وغير ذلك١)، وكان أعجوبة زمانه حفظاً واستحضاراً. قال برهان الدِّين المُحَدّث: رأيته فريد دهره، فلم تَرَ عيني أُحْفَظَ للفقه ولأحاديث الأحكام منه، ولقد حضرت دروسه وهو يُقرىء ((مختصر مسلم)) للقُرطبي (٢) يتكلم على الحديث الواحد من بكرة إلى قريب الظّهر، وربما أَذَّن الظّهر ولم يفرغ من الحديث الواحد، واعترفت له علماء جميع الأقطار بالحفظ وكثرة الاستحضار. انتهى. وتزوج بنت ابن عقيل، ولازمه(٣) في شبيبته. وممن أخذ عنه حافظ دمشق ابن ناصر الدِّين وأثنى عليه بالحفِظ وغيره، والحافظ ابن حجر وقال: خرَّجت له أربعين حديثاً عن أربعين شيخاً حَدَّث بها مراراً، وقرأت عليه ((دلائل النَّبوة)) للبيهقي فشهد لي بالحفظ في المجلس العام، وقرأت عليه دروساً من ((الروضة)) وأذن لي، وكتب لي (٤) خطه بذلك. انتهى. وتوفي بالقاهرة نهار الجمعة حادي عشر ذي القعدة وصلّى عليه ولده جلال الدِّين عبد الرحمن، ودفن بمدرسته التي أنشأها. (١) ما بين الرقمين لم يرد في ((ط)). (٢) هو الإمام الحافظ المُحَدِّث أحمد بن عمر بن إبراهيم الأنصاري القُرطبي المالكي، المتوفى سنة (٦٥٦)، وقد تقدمت ترجمته في المجلد السابع ص (٤٧٣) ومختصره لصحيح مسلم طبع في مصر منذ فترة قريبة، وقد صنّف شرحاً لمختصره المشار إليه سمَّاه ((المفهم في شرح مختصر مسلم)) وهو شرح نفيس جدير بالنشر والإخراج نظراً لما فيه من الفوائد النافعة. (٣) في ((ط)): ((ولازمته)) وهو خطأ. (٤) لفظة ((لي)) سقطت من ((ط)). ٨١ وفيها عَمِيد بن عبدالله الخُرَاساني الحَنَفي (١)، قاضي تمرلنك. مات بعد رجوعه من الرُّوم في هذه السنة. قاله ابن حجر. • وفيها أمُّ عمر كَلْثَم(٢) بنت الحافظ تقي الدِّين محمد بن رافع السَّلامي الدمشقية(٣). سمعت من عبد الرحيم بن أبي اليسر حضوراً وغيره، وأجازت لابن حجر. وتوفيت في ربيع الأول. • وفيها شمس الدِّين محمد بن محمد بن أحمد (٤) بن محمود النَّابلسي (٥) الحنبلي، الشيخ الإِمام العلّامة. تفقه على الشيخ شمس الدِّين بن عبد القادر، وقرأ عليه العربية وأحكمها ، ثم قدم دمشق بعد السبعين، فاستمر في طلب العلم في حلقة بهاء الدِّين السُّبكي، ثم جلس [في الجوزية] يشهد، واشتهر أمره، وعلا صيته [وكان له معرفة وكتابة حسنة]، وقصد في الاشتغال(٦)، ولم يزل يترقى حتّى ولي قضاء قضاة الحنابلة بدمشق، وعزل وتولى مراراً، وكانت له حلقة لإِقراء العربية يحضرها الفضلاء، ودرس بعدة مدارس، وكان ذا عظمة وبهجة زائدة، لكن باع من الأوقاف كثيراً بأوجهٍ واهيةٍ سامحه الله، وتوفي بمنزله بالصالحية ليلة السبت ثاني عشر المحرم. ، وفيها جمال الدِّين محمد بن أحمد البَهْنَسي ثم الدمشقي الشافعي (٧). (١) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (١٠٩/٥) و((الضوء اللامع)) (١٤٧/٦). (٢) تصحف اسمها في ((آ)) و((ط)) إلى ((كليم)) والتصحيح من مصادر الترجمة . (٣) ترجمتها في ((إنباء الغمر)) (١١٥/٥) و((الضوء اللامع)) (١١٨/١٢) و((أعلام النساء)) (٢٨٤/٤). (٤) كذا في ((آ)) و((ط)) و((المنهج الأحمد)) للعليمي مصدر المؤلف: ((محمد بن محمد بن أحمد)) والذي في باقي المصادر ((محمد بن أحمد)». (٥) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (١١٦/٥) و((المقصد الأرشد)) (٣٦٦/٢) و((الضوء اللامع)) (١٧٠/٧) و ((المنهج الأحمد)) الورقة (٤٧٩) من القسم المخطوط وما بين الحاصرتين في الترجمة زيادة منه. (٦) في ((آ)) و((ط)): ((في الأشغال)) والتصحيح من ((المنهج الأحمد)) مصدر المؤلف و((المقصد الأرشد». (٧) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (١١٩/٥) و((الضوء اللامع)) (١٢٥/٧). ٨٢ اشتغل بالقاهرة، وحفظ ((المنهاج)) واتصل بالقاضي بُرهان الدِّين ابن جَمَاعة، ولما ولي قضاء الشام استنابه واعتمد عليه في أمور كثيرة، وكان حسن المباشرة، مواظباً عليها، وعنده ظَرْف ونوادر، وكان مُقِلَّاً، مع العِفَّةِ، ولما وقعت الكائنة العظمى بدمشق فَرَّ إلى القاهرة، فاستنابه القاضي جلال الدِّين. ومات في ذي القعدة. • وفيها عَلَم الدِّين محمد بن ناصر الدِّين محمد بن محمد الدمشقي القَفْصي المالكي(١). كان أبوه جندياً، ثم ألبس ولده كذلك، ثم شغله بالعلم وهو كبير، ودار في الدروس، واشتغل كثيراً لكن مع قصور فهم وقِلّة عقلٍ وعنايةٍ بالعلم. ولي قضاء دمشق إحدى عشرة مَرَّة في مدة خمس وعشرين سنة، أولها سنة تسع وسبعين، وولي قضاء حلب وحماة مراراً، وكان عفيفاً. قال القاضي علاء الدِّين في ((ذيل تاريخ حلب)): أصيب في الوقعة الكبرى بماله، وأسرت له ابنة، وسكن عقب الفتنة بقرية من قرى سمعان إلى أن نزح التتر عن البلاد، فرجع(٢) إلى حلب على ولايته. قال: وكان بيننا صحبة، وكان يُكرمني، وولّني عدة وظائف علمية، ثم توجه إلى دمشق فقطنها، وولي قضاءها، ومات بها في المحرم ولم يكمل الستين، وهو قاضي دمشق. انتهى. ● وفيها محمد بن يوسف الإِسكندراني المالكي(٣). قال ابن حجر: كان فقيه أهل الثّغر، درَّس وأفتى، وانتهت إليه الرئاسة في العلم، وكان عارفاً بالفقه، مشاركاً في غيره، مع الدِّين والصَّلاح. انتهى. ● وفيها محمود بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن عبد المجيد بن هِلَال الدولة عمر بن مُنير الحارثي الدمشقي (٤)، موقع الدست بدمشق. (١) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (١٢٢/٥) و((الضوء اللامع)) (١٣/١٠). (٢) في ((آ)) و((ط)): ((رجع)) والتصحيح من ((إنباء الغمر)) مصدر المؤلف. (٣) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (١٢٣/٥) و((الضوء اللامع)) (١٣٧/١٠) و((نيل الابتهاج)) ص (٢٧٩). (٤) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (١٢٤/٥) و((الضوء اللامع)) (١٤٣/١٠). ٨٣ كان كاتباً، مجوِّداً، ناظماً، ناثراً، مشهوراً بالخِفَّة والرقاعة والضّنانة بنفسه. أخذ عن صلاح الدِّين الصَّفَدي وغيره، وسمع من إبراهيم بن الشِّهَاب محمود، وأجازت له زينب بنت الكمال. ومن عيون(١) شعره ما قاله في فرجية خضراء أعطاه إيَّاها بعض الرؤساء: وَمَا جِئْتُ فيما قُلْتُ بِدْعاً وَلاَ وِزْرًا مَدَحْتُ إِمَامَ العَصْرِ صِدْقاً بحقِّهِ فَمِنْ أَجْلِ هَذَاقَدْ أَظَلََّنِ الْخَضْرَا(٣) تَبِعْتُ أبا(٢) ذَرِّ بِمِصْدَاقٍ لَّهْجَتي وتوفي بالقاهرة فجأة وله فوق الستين. · وفيها بدر الدِّين محمود بن محمد بن عبدالله العَيْنتابي (٤)، الحنفي العابد الواعظ . أخذ في بلاد الرُّوم عن الشيخ موفق الدِّين، وجمال الدِّين الأقصرائي، ثم قدم عينتاب فنزل بجامع مؤمن مدة يُذَكِّر الناس، وكان يحصل للناس في مجلسه رِقّة (٥) وخشوع وبكاء، وتاب على يده جماعة، ثم توجه إلى القدس زائراً، فأقام مدة، ثم رجع إلى حلب، فوعظ الناس في الجامع العتيق. قال البدر العينتابي: أخذت عنه في سنة ثمانين تصريف العزّي، والفرائض السراجية، وغير ذلك، وذكرته في هذه السنة تبركاً انتهى. (١) في ((آ)) و((إنباء الغمر)): ((ومن عنوان)). (٢) في ((ط)): ((أبي)). (٣) إشارة منه إلى حديث رسول الله وله: ((ما أظلّت الخضراء، ولا أقلَّت الغبراء على رجل أصدق لهجة من أبي ذرّ) رواه الترمذي رقم (٣٨٠٢) في المناقب: باب مناقب أبي ذرِّ رضي الله عنه، وابن ماجه رقم (١٥٦) ورواه الحاكم في ((المستدرك)) (٣٤٢/٣) وصححه، ووافقه الذهبي، وهو حديث صحیح. (٤) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (١٢٥/٥) و((الضوء اللامع)) (١٤٦/١٠). (٥) في ((آ)) و((ط)): ((دقة)) والتصحيح من ((إنباء الغمر)) مصدر المؤلف. ٨٤ • وفيها أُمُّ عيسى مريم بنت أحمد بن أحمد بن قاضي القُضَاة شمس الدِّين محمد بن إبراهيم الأذرعي(١). قال ابن حجر: سمعت الكثير من علي بن عمر الواني، وأبي أيوب الدّبُوسي، والحافظ قطب الدِّين الحلبي، وناصر الدِّين بن سَمْعُون، وغيرهم، وأجاز لها التّقي الصَّائغ وغيره من المُسْنِدين بمصر والحجاز، وغيره من الأئمة بدمشق، خَرَّجتُ لها ((معجماً)) في مجلدة، وقرأت عليها الكثير من مسموعاتها وأشياء كثيرة بالإِجازة، وهي أخت شمس الدِّين المتقدم ذكره في هذه السنة عاشت أربعاً وثمانين سنة ونعمت الشيخة كانت دِيَانةً وصيانةً ومحبةً في العلم، وهي آخر من حَدَّثت عن أكثر مشايخها المذكورين، وقد سمع أبو العلاء الفَرَضي من يوسف الدبوسي، وسمعت هي منه، وبينهما في الوفاة مائة وبضع سنين. انتھی . (١) ترجمتها في ((إنباء الغمر)) (١٢٦/٥) و((الضوء اللامع)) (١٢٤/١٢) و((أعلام النساء)) (٣٧/٥). ٨٥ ٠ سنة ست وثمانمائة • وفيها توفي إبراهيم بن محمد بن صِدِّيق بن إبراهيم بن يوسف المُؤذِّن، المعروف بالرسَّام(١). كان أبوه بوَّاب الظَّاهرية، مُسْنِدُ الدُّنيا من الرجال، سمع صاحب الترجمة الكثير من الحَجَّار، وإسحاق الآمدي، والشيخ تقي الدِّين بن تَيْمِيَّة، وطائفة، وتَفَرَّد بالرواية عنهم، ومُتُّعَ بسمعه وعقله. قال ابن حجر: سمعت منه بمگّة، وحَدَّث بها بسائر مسموعاته، وقد رحل في السنة الماضية إلى حلب ومعه ((ثَبَتُ)) مسموعاته، فأكثروا عنه وانتفعوا به، وألحق جماعة من الأصاغر بالأكابر، ورجع إلى دمشق ولم يتزوج، فمات في شوال وله خمس وثمانون سنة وأشهر. انتهى. • وفيها أحمد بن إبراهيم بن علي العَسْلَقي (٢) - نسبة إلى عسالق عرب(٢) -. قال ابن الأهدل في ((تاريخ اليمن)): كان فقيهاً، نحوياً، لغوياً، مُفَسِّراً، مُحَدِّثً، وله معرفة تامّةً بالرجال والتواريخ، ويدٌ قويَّةٌ في أصول الدِّين. تفقه بأبيه وغيره، ولم يكن يخاف في الله لومة لائم، في إنكار ينكره(٤) الشرع، لازم التّدريس وإسماع الحديث والعكوف على العلم، وعليه نورٌ وهيبة، وأضر بأخرةٍ. قاله السيوطي في ((طبقات النّحاة)). (١) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (١٥٧/٥) و((الضوء اللامع)) (١٤٧/١). (٢) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (١٩٧/١) و((بغية الوعاة)) (٢٩٤/١) وقد تأخرت هذه الترجمة في ((آ)) إلى عقب ترجمة القاضي السلطان برهان الدين أبي العبّاس التي سترد بعد قليل. (٣) وقال السخاوي في ((الضوء اللامع)): ((نسبة إلى العسالق طائفة من العرب)). (٤) في ((آ)) و((ط)): (ما أنكره)) والتصحيح من ((بغية الوعاة)) مصدر المؤلف. ٨٦ · وفيها أحمد بن علي بن محمد بن علي البكر العُطَارِدي المؤذِّن، المعروف بابن سُگر(١) . سمع بإفادة أخيه شمس الدِّين من يحيى بن يوسف بن المِصْري وغيره، وحَدَّث بالقاهرة، فسمع منه ابن حجر وغيره. وتوفي في رجب وقد جاوز السبعين. ● وفيها عبدالله بن عبدالله الدّكاري(٢) المغربي المالكي(٣)، نزيل المدينة. أقرأ بها، ودرّس، وأفاد، وناب في الحكم عن بعض القُضاة، وكان يتجرأ على العلماء سامحه الله. قاله ابن حجر. ، وفيها الحافظ زين الدِّين عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن إبراهيم المَهْرَاني المولد العراقي الأصل الكردي العراقي الشافعي (٤)، حافظ العصر. قال في ((إنباء الغمر)): ولد في جمادى الأولى سنة خمس وعشرين وسبعمائة، وحفظ ((التنبيه)) واشتغل بالقراءات، ولازم المشايخ في الرواية، وسمع في غُضون ذلك من عبد الرحيم بن شَاهد الجيش، وابن عبد الهادي، وعلاء الدِّين التّركماني، وقرأ بنفسه على الشيخ شِهَاب الدِّين بن البابا، وتشاغل بالتخريج، ثم تنَّه للطلب بعد أن فاته السَّماع من مثل يحيى المصري آخر من روى حديث السّلَفي عالياً بالإِجازة، ومن الكثير من أصحاب ابن عبد الدائم، والنَّجيب بن علاق، وأدرك أبا الفتح الميدومي فأكثر عنه، وهو من أعلى مشايخه إسناداً، وسمع أيضاً من ابن الملوك وغيره، ثم رحل إلى دمشق، فسمع من ابن الخَبَّاز، ومن أبي عبَّاس المرداوي، ونحوهما، وعُني بهذا الشأن، ورحل فيه مَرَّات إلى دمشق (١) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (١٦٠/٥) و((الضوء اللامع)) (٣٣/٢). (٢) في ((آ)) و((ط)): ((الأكاري)) والتصحيح من مصدري الترجمة. (٣) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (١٦٨/٥) و((الضوء اللامع)) (٢٩/٥). (٤) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (١٧٠/٥) و((الضوء اللامع)) (١٧١/٤) و((ذيل طبقات الحفاظ)) للذهبي ص (٣٧٠) و((الدليل الشافي)) (٤٠٩/١) و((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (٣٣/٤) و((طبقات الحفاظ)) ص (٥٣٨ - ٥٤٠) و((حسن المحاضرة)) (٣٦٠/١). ٨٧ وحلب والحجاز، وأراد الدخول إلى العراق ففترت هِمَّته من خوف الطريق، ورحل إلى الاسكندرية، ثم عزم على التوجه إلى تونس فلم يقدر له ذلك، وصنَّف ((تخريج أحاديث الإِحياء)) واختصره في مجلد ولم يبيضه(١)، وكُتِبَتْ منه النسخ الكثيرة، وشرع في إكمال ((شرح الترمذي)) لابن سَيَّد الناس، ونظم ((علومٍ الحديث)) لابن الصلاح وشرحها، وعمل عليه نُكَتّاً، وصَنَّف أشياء أخر كباراً وصغاراً، وصار المنظور إليه في هذا الفَنِّ من زمنِ الشيخ جمال الدِّين الإِسنائي وهلم جرا، ولم نَرَ في هذا الفَنِّ أتقن منه، وعليه تَخرَّج غالب أهل عصره، ومن أخصهم به نور الدِّين الهيثمي، وهو الذي دَرَّبه وعَلّمه كيفية التخريج والتصنيف، وهو الذي يعمل له خُطَبَ كتبه ويسميها له، وصار الهيثميّ لشدة ممارسته أكثر استحضاراً للمتون من شيخه، حتَّى يَظُنَّ من لا خبرة له أنه أحفظ منه وليس كذلك، لأن الحفظ المعرفة، وولي شيخنا العراقي قضاء المدينة سنة ثمان وثمانين، فأقام بها نحو ثلاث سنين، ثم سكن القاهرة، وأنجب ولده القاضي القضاة ولي الدِّين. لازمت شيخنا(٢) عشر سنين تخلل في أثنائها رحلاتي إلى الشام وغيرها، وقرأت عليه كثيراً من المسانيد والأجزاء، وبحثت عليه شرحه على منظومته وغير ذلك، وشهد لي بالحفظ في كثير من المواطن، وكتب لي خطه بذلك مراراً، وسئل عند موته من بقي بعده من الحُفّاظ فبدأ بي، وثنَى بولده، وثلَّث بالشيخ نور الدِّين، وتوفي عقب خروجه من الحَمَّام في ثاني شعبان وله إحدى وثمانون سنة وربع سنة، نظير عمر شيخنا شيخ الإِسلام سِرَاجِ الدِّين، وفي ذلك أقول في المرئية: العَامُ كالعَامِ حَتَّى الشَّهْرُ كَالشِّهَرِ لا يَنْقَضِي عَجبي مِنْ وَفقِ عُمْرهما ورُبْعُ عامٍ سوى نقصٍ لِمُعْتَبِرِ عَاشَا ثمانينَ عاماً بعدها سنةٌ انتھی باختصار. · وفيها القاضي بل السُّلطان بُرهان الدِّين أبو العَبَّاس أحمد [بن عبد الله](٣) (١) في ((آ) و((ط)): ((وبيضه)) والتصحيح من ((إنباء الغمر)). (٢) يعني المترجم. (٣) ترجمته في ((درر العقود الفريدة)) للمقريزي (٢٥٣/١ - ٢٥٦) و((الضوء اللامع)) (٣٧٠/١ - ٣٧١) = ٨٨ صَاحب سيواس وقاضيها وسلطانها. ولد بها وبها نشأ، ثم قدم حلب، وقرأ بها مدة قليلة، وقدم القاهرة، وأقام بها مدة، ثم عاد إلی سیواس. قال المقريزي: أحمد حاكم قيصرية، وتوقات، وسیواس. اعلم أن مملكة (١) الرُّوم كانت أخيراً لبني قلج أرسلان الذين أقاموا بها دينَ الإِسلام لما انتزعوها من يد ملك القسطنطينية، وكان كرسيهم قونية وأعمالهم كثيرة جداً إلى أن اتخذت سيواس كرسي ملكهم، ثم إن صاحب الترجمة قدم القاهرة وأخذ بها عن شيوخ زمانه، فعرف بالذكاء حتّى حَصَل على طرف من العلم، فَبشِّره بعض الفقراء بأنه يتملك بلاد الرُّوم وأشار إليه بعوده إليها، فمضى إلى سيواس ودرَّس بها وصَنَّف، ونظم الشعر وهو يتزيا بزي الأجناد، وسلك طريقة الأمراء فيركب بالجوارح والكلاب إلى الصيد، ويلازم الخدم السلطانية إلى أن مات [السلطان] ابن أرثنا (٢) صاحب سيواس عن ولد صغير اسمه محمد، فأقيم بعده، وقام الأمراء بأمره، وأكبرهم الذي يرجعون إليه في الرأي قاضي سِيوَاس، والد البرهان هذا، فدبَّر الأمر المذكورون مدة حياة القاضي، فلما مات ولّي ابنه برهان الدِّين هذا مكانه، فَسَدَّ مَسَدَّهُ، وأربى عليه بكثرة علمه، وحسن سياسته، وجودة تدبيره، وأخذ في إحكام أمره، فأول ما بدأ به بعد تمهيد قواعده أن فَرَّق أعمال ولايته على الأمراء، وبقي من الأمراء اثنان فريدون وغَضَنْفَر فثقلا عليه فتمارض ليقعا في قبضته، فدخلا عليه يعودانه، فلما استقرَّ بهما الجلوس خرج عليهما من رجاله جماعة أقعدهم في مخدع، فقبضوا عليهما وخَرَجَ من فوره، فملك الأمر من غير منازعٍ ، ولُقِّب بالسلطان ثم خرج فاستولى على مملكة قرمان، وقاتل من عصی عليه، ونزع توقات، واستمال إليه تتار الرُّوم، وهُمْ جمع كَبِيرٌ لهم بأس ونجدة وشجاعة، وانضاف إليه الأمير عثمان قَرَايُلُك (٣) بتراكمينه فعزَّ جانبه، ثم إن قَرَايُلُك = وما بين الحاصرتين في صدر الترجمة زيادة منه. (١) في ((آ)) و((ط)): ((ممالك)) والتصحيح من ((درر العقود الفريدة)) مصدر المؤلف. (٢) في ((درر العقود الفريدة)): ((ابن أرثنا)) ولفظة ((السلطان)) مستدركة منه. (٣) في المواطن الخمسة من ((آ)) و((ط)): ((قرانبك)) وما أثبته من ((السُّلُوك)) (١٠٤٢/٣/٣ و١١٥١ = ٨٩ خالف عليه ومنع تقادمه التي كان يحملها إليه، فلم يكترث به القاضي برهان الدِّين احتقاراً له، فصار قَرَايُلُك يتردد إلى أماسية وأزرنجان، إلى أن قصد ذات يوم مصيفاً بالقرب من سيواس، ومَرَّ بظاهر المدينة، فشق عليّ القاضي برهان الدِّين كونه لم يعبأ به، وركب عجلاً بغير أهبة ولا كثرة جماعة، وساق في أثره ليوقع به، فَكَرَّ عليه قَرَايُلُك بجماعته فأخذه قبضاً باليد، وتفرَّقت عساكره(١) شَذَرَمَذَرْ، وكان قَرِآيُلُك عزم أن يعيده إلى مملكته، فنزل عليه شيخ نجيب، فما زال به حتَّى قتله. وكان - رحمه الله - فقيهاً، فاضلاً، كريماً، جواداً، قريباً من الناس، شديد البأس، أديباً، شاعراً، ظريفاً، لبيباً(٢)، مقداماً، يحبُّ العلم والعلماء، ويُدني إليه أهل الخير والفقراء، وكان دائماً يتخذ يوم الاثنين والخميس والجمعة لأهل العلم خاصة، لا يدخل عليه سواهم، وأقلع قبل موته، وتاب، ورجع إلى الله تعالى. ومن مصنّفاته كتاب ((الترجيح على التلويح)). وكان للأدب وأهله عنده سوقٌ نافق(٣). وقتل في ذي القعدة. انتهى كلام المقريزي باختصار. · وفيها الشيخ الكبير الولي الشهير العَارِفُ بالله تعالى الشيخ أبو بكر بن داود الصَّالحي (٤) الحنبلي المسلك، المخلص الفقيه المتين. قال الشِّهَاب بن حجي: كان معدوداً في الصَّالحين، وهو على طريقة السُّنَّة، وله زاوية حسنة بسفح قاسيون فوق جامع الحنابلة، وله إلمام بالعلم. ومات في سابع عشري رمضان. انتهى أي ودفن بحوش تربته من جهة الشمال قريباً من الطريق. قال الشيخ إبراهيم ابن الأحدب في ((ثَبَتِهِ)) والدُّعاء عند قبره مستجاب (٥). = و١١٦٦) و((النجوم الزاهرة)) (٥٩/١٣) والضبط عنه. وفي «درر العقود الفريدة)): (قرايلوك)). (١) في ((ط)): ((عسكره)). (٢) في ((درر العقود الفريدة)): ((ليناً)). (٣) في ((درر العقود الفريدة)): ((سوق نافقة)). (٤) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (١٦٦/٥) و((الضوء اللامع)) (٣١/١١) و((السحب الوابلة)) ص (١٢٧). (٥) قلت: وذلك من المبالغة في الإطراء، فالدعاء لا يحتاج قبوله من الله تعالى إلى وسيط. قال تعالى : = ٩٠ وقال فيه أيضاً: له التصانيف النَّافعة، منها ((قاعدة السفر)) ومنها ((الوصية النَّاصحة)) لم يسبق إلى مثلها، ومنها (النَّصيحة الخالصة)) وغير ذلك من التصانيف النافعة الدالة على فقهه وعلمه وبركته، له مغارة في زاويته انقطع عن الخلق فيها. انتهى . • وفيها عبد الصَّادق بن محمد الحنبلي الدمشقي(١). كان من أصحاب ابن المُنجَّى، ثم ولي قضاء طرابلس، وشُكرت سيرته، وقدم دمشق فتزوج بنت السّلاوي زوجة مخدومه تقي الدِّين بن المُنجَّى، وسعى في قضاء دمشق. وتوفي في المحرم سقط عليه سقف بيته فهلك تحت الرَّدم. ● وفيها نُور الدِّين أبو الحسن علي بن خليل بن علي بن أحمد بن عبدالله الحكري المصري(٢)، الفقيه الحنبلي، العالم الواعظ، قاضي القُضاة. ولد سنة تسع وعشرين وسبعمائة، واشتغل في الحديث والفقه، وولي القضاء بالديار المصرية بعد عزل القاضي موفق الدِّين في جمادى الآخرة سنة اثنتين وثمانمائة، وقدم مع السلطان الناصر فرج(٣) إلى دمشق، وكان يجلس بمحراب الحنابلة يعظ الناس، وكانت مدة ولايته للقضاء خمسة أشهر، واستمرَّ معزولاً إلى أن مات في تاسع المحرم. ● وفيها علاء الدّين أبو الحسن علي بن عمر بن سَلْمعان الخُوَارزمي (٤)، وكان أبوه من الأجناد فنشأ هو على أجمل طريق وأحسن سيرة، وأَكَبَّ على الاشتغال بالعلم، ثم طالع في كتب ابن حزم فهوي كلامه، واشتهر في محبّته والقول بمقالته، وتظاهر بالظّاهر، وكان حسن العبادة، كثير الإقبال على التضرع = ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبادي عَنّي فإني قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إذا دَعَانٍ﴾ (البقرة: ١٨٦). (١) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (٢٠٨/٤) و((السّحب الوابلَةَ)) ص (٢٢٠). (٢) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (١٧٧/٥) و((الضوء اللامع)) (٢١٦/٥) و((المقصد الأرشد)) (٢٢٣/٢) و((الجوهر المنضد)) ص (٨٦) و((السحب الوابلة)) ص (١٨٥). (٣) في ((ط)): ((الفرج)). (٤) ترجمته في (إنباء الغمر)) (١٧٨/٥) و((الضوء اللامع)) (٢٦٦/٥). ٩١ والدُّعاء والابتهال، ونزل عن إقطاعه سنة بضع وثمانين، وأقام بالشام، ثم عاد إلى مصر، وباشر عند بعض الأمراء. وتوفي في تاسع صفر. • وفيها نُور الدِّين علي [بن محمد] بن عبد الوارث بن جمال الدِّين محمد بن زين الدِّين عبد الوارث بن عبد العظيم بن عبد المنعم بن يحيى بن حسن بن موسى بن يحيى بن يعقوب بن محمد بن عيسى بن شعبان بن عيسى بن داود بن محمد بن نوح بن طلحة بن عبدالله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصِّدِّيق القُرشي البكْري التَّيمي (١) الشافعي ظناً. اشتغل بالعلم، ومَهَرَ في الفقه خاصة، وكان كثير الاستحضار، قائماً بالأمر بالمعروف، شديداً على من يطلع منه على أمر منكر فجرَّه الإكثار من ذلك إلى أن حَسَّن له بعض أصحابه أن يتولى الحِسْبَة، فولي حسبة مصر مراراً، وامتُحن بذلك حتَّى أضرَّ ذلك به. ومات في ذي القعدة مفصولاً وله ثلاث وستون سنة. • وفيها زين الدِّين عمر بن إبراهيم بن سُليمان الرّهَاوي الأصل ثم الحلبي (٢)، كاتب الإِنشاء بحلب. قرأ على الشيخ شمس الدِّين الموصلي، وأبي المعالي بن عشائر، وتعانى الأدب، وبرع في النظم وصناعة الإِنشاء وحسن الخط، وولي كتابة السِّرِّ بحلب، ثم ولي خطابة جامع الأموي بعد وفاة أبي البركات الأنصاري، وكان فاضلاً ذا عصبيةٍ ومروءةٍ. وهو القائل: دُ الفؤاد بسهم البين مَسْفُوكُ يا غائبينَ وفي سِرِّيّ محلّهم والقَلبُ في رِبْقَةِ الأشْواقِ مَمْلُوكُ أَشْتَاقُهُمْ ودُموعُ العينِ جاريةٌ (١) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (١٧٩/٥) و((الضوء اللامع)) (٣١٧/٥) وما بين الحاصرتين مستدرك منهما . (٢) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (١٧٩/٥) و((الضوء اللامع)) (٦٤/٦). ٩٢ ومن شعره: وجَهاً ويحكيه القَنَا قَدًّا وحائكٍ يحكيهِ بدرُ الدُّجی مِنْ غَزْلِ جَفْنَيْهِ وَقَدْ سَدًّا يُنْسُجُ أكفاناً لعُشَّاقِهِ توفي في ثاني ربيع الآخر. • وفيها أبو حَيَّن محمد بن فريد الدِّين حَيَّن بن العَلَّمة أثير الدِّين أبي حَيَّن محمد بن يوسف الغَرنَاطي ثم المصري(١). ولد سنة أربع وثلاثين وسبعمائة، وسمع من جَدِّه، ومن ابن عبد الهادي، وغيرهما، وكان حسن الشَّكل، مُنَّوّر الشَّيبة، بهي المنظر، حسن المحاضرة، أَضَرَّ بأخرةٍ، وسمع منه ابن حجر وغيره، وتوفي في ثالث رجب. • وفيها شمس الدِّين محمد بن سعد بن محمد بن علي بن عثمان بن إسماعيل الطّائي الشافعي ابن خطيب الناصرية(٢). ولد سنة ثلاث وأربعين، وحفظ ((التنبيه)) وتفقه على أبي الحسن البابي، والكمال بن العَجَمي، والجمال بن الشّريشي، وسمع من بدر الدِّين بن حبيب وغيره، وولي خطابة النّاصرية، واشتهر بها أيضاً، وكان كثير التِّلاوة والعِبَادة، سليم الصَّدر، وهو والد قاضي قضاة حلب. وتوفي في جمادى الأولى . • وفيها شمس الدِّين محمد بن سلمان(٣) بن عبدالله بن الحَرَّاني الشافعي الحموي(٤)، نزیل حلب. أصله من الشرق، وأقدمه أبوه طفلًا فسكن حماة، وعلّمه صناعة الحرف، ثم ترك وأقبل على الاشتغال، وأخذ عن شرف الدِّين يعقوب خطيب القلعة، (١) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (١٨٤/٥). (٢) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (١٨٥/٥) و((الضوء اللامع)) (٢٤٩/٧). (٣) في ((آ)) و((ط)): ((محمد بن سليمان)) والتصحيح من مصدري الترجمة. (٤) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (١٨٦/٥) و((الضوء اللامع)) (٢٥٥/٧). ٩٣ والجمال يوسف بن خطيب المنصورية وصاهره، ثم رحل إلى دمشق، وأخذ عن بدر الدِّين القُرشي، ورأس، وحَصَّل، وشارك في الفُنون، ثم قدم حلب سنة ثلاث وسبعين، وناب في الحكم، ثم ولي(١) قضاء الرُّهَا، ثم قضاء بزاعة(٢) ثم ناب في الحكم بحلب أيضاً، وولي عدة تداريس، وكان فاضلاً تقياً، مشكوراً في أحكامه. وتوفي في سابع ربيع الأول بالفَالج. • وفيها محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن حسن المِصْري القمني الصُّوفي(٣). سمع من شمس الدِّين بن القَمّاحِ (صحيح مسلم)) بفوتٍ، وسمع من غيره، وحدّٹ، فسمع منه ابن حجر وغيره. وتوفي عن سبع وسبعين سنة . • وفيها أبو بکر یحیی بن عبدالله بن عبدالله بن محمد بن محمد بن زکریا الغَرْنَاطي (٤). كان إماماً في الفرائض والحساب، وشارك في الفُنون، وصَنّف في الفرائض كتاب ((المفتاح)) وولي القضاء ببلده. وتوفي في ربيع الأول. (١) لفظة ((ولي)) سقطت من ((ط). (٢) قال ياقوت في ((معجم البلدان)) (٤٠٩/١): بزاعة: سمعت من أهل حلب من يقوله بالضم والكسر، ومنهم من يقول: بزاعا بالقصر، وهي بلدة من أعمال حلب في وادي بُطنان بين منبج وحلب .... وفيها عيون ومياه جارية وأسواق حسنة وقد خرج منها بعض أهل الأدب. (٣) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (١٩٣/٥) و((الضوء اللامع)) (٢١٢/٩). (٤) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (١٩٤/٥) و((الضوء اللامع)) (٢٢٩/١٠). ٩٤ سنة سبع وثمانمائة ● فيها توفي محيى الدِّين أبو اليسر أحمد بن تقي الدِّين عبد الرحمن(١) بن نُور الدِّين بن محمد بن محمد بن محمد بن الصّائغ الأنصاري(٢) نزيل الصَّالحية. ولد سنة تسع وثلاثين وسبعمائة، وسمع من الوادي آشي، وأحمد بن علي الجَزَري، وزينب بنت الكمال بعناية أبيه فأكثر، وسمع من زين الدِّين بن الوردي، وعني بالآداب، وطلب بنفسه، وكتب الطِّبَاق، وتخرَّج بابن سعد، وتفرَّد بأشياء سمعها، وسمع منه ابن حجر وغيره بدمشق، وكان عسراً في الرواية . توفي في شهر رمضان. وفيها شِهَاب الدِّين أحمد بن كُنْدُغْدِي(٣) - بضم الكاف وسكون النُّون ودال مضمومة وغين معجمة ساكنة ودال مهملة مكسورة، لفظ تركي معناه بالعربية ولِدَ النهار - الإِمام العَلَّمة الفقيه الحنفي. ولد بالقاهرة، وكان أبوه علاء الدِّين أُستادار(٤) للأمير آقتمر، وكان شِهَابُ الدِّين هذا يتزيًّا بزِيِّ الجُند، وطلب العلم، واشتغل على علماء عصره، (١) في ((إنباء الغمر)) و((الضوء اللامع)): ((أحمد بن عبدالله)). (٢) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٢٢٦/٥) و((الضوء اللامع)) (٣٦٨/١). (٣) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٢٢٧/٥) و((الضوء اللامع)) (٦٤/٢) و((الطبقات السنية)) (١٢/٢ - ١٣). (٤) قال الشيخ محمد أحمد دهمان رحمه الله في ((معجم الألفاظ التاريخية)) ص (١٤): الأستدار، بضم الهمزة، لقب مملوكي يُطلق على القائم على شؤون الخاصة للسلطان. ٩٥ وبَرَعَ في الفقه، والأصول، والعربية، وغير ذلك، وتفقه به جماعة؛ وصحب الأمير شيخ الصّفوي، ثم اختصَّ عند الملك الظّاهر بَرْقُوق، وعظم في الدولة بذلك. قال المقريزي: وكان يُتَّهَمُ بأنه هو الذي رَخَّص للسلطان في شرب النَّبيذ على قاعدة مذهبه، فأفضى ذلك إلى أن تعاطى ما أجمع على تحريمه، وقد شافهته بذلك فلم ينكره منّي، فلما كانت أيام الناصر فرج بعثه رسولاً إلى تيمور بعد أن عُيِّنْتُ أنا، فمات بحلب في شهر ربيع الأول وقد قارب الخمسين أو بلغها، وكان من أذكياء الناس وفضلائهم. انتهى. ، وفيها تاج الدِّين تاج بن محمود الأصفَهَنْدي العَجَمي الشَّافعي(١)، نزيل حلب. قدم من بلاد العجم حَاجّاً، ثم رجع فسكن في حلب بالمدرسة الرّواحية، وأقرأ بها النحو، ثم أقبلت عليه الطلبة فلم يكن يتفرغ لغير (٢) الاشتغال، بل يُقرىء من بعد صلاة الصبح إلى الظهر بالجامع، ومن الظهر إلى العصر بجامع مَنْكلي بُغا، ويجلس من العصر إلى المغرب بالرّواحية، وكان عفيفاً، ولم يكن له حظّ ولا يطلع إلى (٣) أمر من أمور الدنيا، وأُسِرَ مع الّنكية فاستنقذه الشيخ إبراهيم صاحب شماخي وأحضره إلى بلده مُكَرَّماً، فاستمر عنده إلى أن مات في ربيع الأول، وأخذ عنه غالب أهل حلب وانتفعوا به، وشرح ((المُحرر)) في الفقه. وتوفي عن ثمان وسبعين سنة. • وفيها تمر وقيل تيمور - كلاهما يجوز- ابن ايتمش قنلغ بن زنكي بن سيبا بن طارم طربن طغربك بن قليج بن سنقور بن كنجك بن طغر سبوقا الطاغية تيمور كوركان ومعناه باللغة العجمية صهر الملوك (٤). (١) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٢٢٩/٥) و((الضوء اللامع)) (٢٥/٣) و((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (٢٣/٤) و((بغية الوعاة)) (٤٧٨/١). (٢) في ((ط)): ((بغير)). (٣) في ((ط)): ((على)). (٤) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٢٣١/٥) و((الضوء اللامع)) (٤٦/٤) و((النجوم الزاهرة)) (٢٥٣/١٢). ٩٦ ولد سنة ثمان وعشرين وسبعمائة بقرية تسمى خواجا أبغار من عمل كَشّ أحد مدائن ما وراء النهر وبُعد هذه البلدة عن سمرقند يوم واحد. يقال: إنه رؤى ليلة وُلدَ كأنّ شيئاً يشبه الخُودة تراءى طائراً في جو السماء، ثم وقع إلى الأرض في فضاء فتطاير منه شَرَرٌ حتى ملأ الأرض، وقيل: إنه لما خرج من بطن أَمِّه وجدت كَفَّاهُ مملوءتين دماً فزجروا أنه تسفك على يديه الدماء، وقيل: إن والده كان إسكافاً، وقيل: بل كان أميراً عند السلطان حسين صاحب مدينة بلخ، وكان أحد أركان دولته، وإن أُمَّه من ذُرِّيةِ جنكز خان، وقيل: إن أول ما عُرف من حاله أنه كان يتحرم فسرق في بعض الليالي غنمةٌ وحملها ليمرّ بها فانتبه الراعي ورماه بسهم فأصاب كتفه ثم رَدَفَهُ بآخر فلم يصبه، ثم بآخر فأصاب فخذه، وعمل عليه الجرح الثاني حتى عرج منه، ولهذا يسمى تمرلنك، فإن لنك باللغة العجمية أعرج، ثم أخذ في التحرم وقطع الطريق، وصحبه في تحرمه جماعة عدّتهمٍ أربعون رجلاً، وكان تيمور يقول لهم في تلك الأيام: لا بد أن أُمْلِكَ الأرض وأَقْتُلَ ملوكَ الدُّنيا فيسخر منه بعضهم ويُصَدِّقُهُ البعض لما يروه من شِدَّة حزمه وشجاعته. قال ابن حجر: كان من أتباع طقتمش خان آخر الملوك من ذُرِّية جنكز خان، فلما مات وقُرِّر في السلطنة ولده محمود استقرَّ تيمور أتابكة(١)، وكان أعرج، وهو اللّنك بلغتهم، فعرف بتمر اللنك، ثم خُفَّفَ وقيل: تمرلنك، وتزوج أمَّ محمود وصار هو المتكلم في المملكة، وكانت هِمّته عالية، وتطلع(٢) إلى الملك، فأول ما جمع عسكراً ونازل صاحب(٣) بخارى فانتزعها من يد أميرها حسن المغلي، ثم نازل خوارزم فاتفق وفاة أميرها حسن المغلي، واستقرّ أخوه يوسف وانتزعها اللّنك أيضاً، ولم يزل إلى أن انتظم له ملك ما وراء النهر، ثم سار إلى سمرقند، وتملّكها، ثم زحف إلى خراسان وملكها، ثم ملك هَرَاة، ثم ملِك طَبْرستان وجُرجان بعد حروب طويلة سنة أربع وثمانين، فلجأ صاحبها شاه وتعلّق بأحمد بن أويس صاحب العراق فتوجّه اللّنك إليهم فنازلهم بتبريز وأذربيجان فَهَلَكَ شاه في (١) في ((ط)): ((أتابك)). (٢) في ((آ): ((ويطّلع)) وفي ((ط)): ((ويتطلع)) وما أثبته من ((إنباء الغمر)) مصدر المؤلف. (٣) لفظة ((صاحب)) لم ترد في ((إنباء الغمر)). ٩٧ الحصار، وملكها اللّنك، ثم ملك أصبهان، وفي غضون ذلك خالف عليه أمير من جماعته يقال له قمر الدِّين وأعانه طقتمش خان صاحب صراي، فرجع إليهم، ولم يزل يحاربهم إلى أن أبادهم واستقلَّ بمملكة المغل، وعاد إلى أصبهان سنة أربع وتسعين فملكها، ثم تحول إلى فارس وفيها أعيان بني المُظَفِّر اليزدي فملكها، ثم رجع إلى بغداد سنة خمس وتسعين فنازلها إلى أن غلب عليها، وفرّ أحمد بن أویس صاحبها إلى الشام، واتصلت مملكة اللّنك بعد بغداد بالجزيرة(١) وديار بكر، فبلغته أخباره الظّاهر بَرْقُوق فاستعدّ له، وخرج بالعساكر إلى حلب فرجع إلى أذربيجان فنزل بقراباغ(٢)، فبلغه رجوع طقتمش إلى صراي فسار خلفه ونازله إلى أن غلبه على ملكه في سنة سبع وتسعين، ففرَّ إلى بلغار، وانضم عسكر المغل إلى اللّنك، فاجتمع معه فرسان التتار والمغل وغيرهم، ثم رجع إلى بغداد، وكان أحمد فرَّ منها، ثم عاد إليها فنازلها إلى أن ملكها، وهرب أحمد ثانياً، وسار إلى أن وصل سيواس فملكها، ثم حاصر بَهْنَسا مدة، وبلغ ذلك أهل حلب ومن حولها فانجفلوا، ونازل حلب في ربيع الأول فملكها وفعل فيها الأفاعيل الشنيعة، ثم تحول إلى دمشق في ربيع الآخر - أي سنة ثلاث وثمانمائة - وسار حتى أناخ على ظاهر دمشق من دَارَيًّا إلى قطنا والحُولة وما يلي تلك البلاد، ثم احتاط بالمدينة، وانتشرت عساكره في ظواهرها تتخطف الهاربين. وقال صاحب ((المنهل الصَّافي)) وصار تيمور يُلقي من ظفر به تحت أرجل الفيلة، حتّى خرج إليه أعيان المدينة بعد أن أعياه أمرهم يطلبون منه الأمان، فأوقفهم ساعة ثم أجلسهم وقدَّم إليهم طعاماً وأخلع عليهم وأكرمهم ونادى في المدينة بالأمان والاطمئنان، وأن لا يعتدي أحد على أحد، فاتفق أن بعض عسكره نهب شيئاً من السوق فشنقه وصلبه برأس سوق البُزوريين، فمشى ذلك على الشاميين وفتحوا أبواب المدينة فوزّعت الأموال التي كان فرضها عليهم لأجل الأمان على الحارات، وجعلوا دار الذهب هي المستخرج، ونزل تيمور بالقصر الأبلق(٣) (١) يعني جزيرة أقور. (٢) قراباغ: ورد ذكرها في كتاب ((بلدان الخلافة الشرقية)) ص (٢١٣) وقال عنها: هي في شرقي الرّان. (٣) كان القصر الأبلق في مكان التكية السلمانية الشهيرة وسط دمشق على ضفة بردى، وعلى أنقاضه = ٩٨ من الميدان، ثم تحول منه إلى دار وهدمه وحرقه، وعبر المدينة من باب الصغير، حتى صلّى الجمعة بجامع بني أمّيَّة، وقدّم القاضي الحنفي محمود بن الكشك للخطبة والصلاة، ثم جرت مناظرات(١) بين إمامه عبد الجَبَّار وفقهاء دمشق، وهو يترجم عن تيمور بأشياء، منها وقائع علي بن أبي طالب رضي الله عنه مع معاوية، وما وقع ليزيد بن معاوية مع الحسين، وأن ذلك كُلّه كان بمعاونة أهل دمشق له، فإن كانوا استحلوه فَهُم كُفَّار، وإلّ فهم عُصَاةٌ بُغَاةً، وإثم هؤلاء على أولئك، فأجابوه بأجوبة قَبِلَ بعضها ورَدَّ البعض، ثم قام من الجامعِ وجدَّ في حصار القلعة حَتَّى أعياه أمرها، ولم يكن بها يومئذ إلّ نفرٌ يسيرٌ جداً، ونصب عليها عدة مناجيق، وعمر تجاهها قلعة عظيمة من خشب، فرمى مَنْ بالقلعة على القلعة التي عَمَرَها بسهم فيه نار فاحترقت عن آخرها، فأنشأ قلعة أخرى، ثم سَلّموها له بعد أربعين يوماً بالأمان، ولما أخذ تيمور قلعة دمشق أباح لمن معه النّهب والسَّبي(٢)، والقتل والإِحراق، فهجموا المدينة ولم يدعوا بها شيئاً قدروا عليه، وطرحوا على أهلها أنواع العذاب، وسبوا النّساء والأولاد، وفجروا بالنساء جهاراً، ولا زالوا على ذلك أياماً، وألقوا النار في المباني حتّى احترقت بأسرها، ورحل عنها يوم السبت ثالث شعبان سنة ثلاث وثمانمائة، ثم اجتاز بحلب وفعل بأهلها ما قدر عليه، ثم على الرُّها وماردين، ثم على بغداد وحصرها أيضاً حتى أخذها عَنْوَةً في يوم عيد النَّحر من السنة ووضع السيف في أهلها، وألزم جميع من معه أن يأتي كل واحد منهم برأسين من رؤوس أهلها، فوقع القتل، حتى سالت الدماء أنهاراً وقد أتوه بما التزموه، فبنى من هذه الرؤوس مائة وعشرين مئذنة، ثم جمع أموالها وأمتعتها وسار إلى قرى باغ فجعلها خراباً بلقعاً. ثم قال ابن حجر: فلما كان سنة أربع وثمانمائة قصد بلاد الرَّوم فغلب عليها = أقيمت التكية على عهد العثمانيّن حكام آخر الدول الإسلامية الكبرى. انظر ((غوطة دمشق)) لكرد علي ص (١٨٥). (١) في ((ط)): ((مناظرة)). (٢) في ((ط)): ((والسّلب)). ٩٩ وأَسَرَ صاحبها - أي أبا يَزِيد بن عُثمان - ومات معه في الاعتقال، ودخل الهند، فنازل مملكة المس لمين حتى غلب عليها، وكان مغرى بقتل المسلمين وغزوهم وترك الكُفّار، وكان شيخاً، طوالاً، شكلًا، مهولاً، طويل اللّحية، حسن الوجه، بطلًاً شجاعاً جَبَّاراً، ظلوماً، غَشوماً، سَفَّاكاً للدماء، مِقداماً على ذلك، وكان أعرج، سلت رِجْلَهُ في أوائل أمره، وكان يصلي عن قيام، وكان جَهْوَري الصَّوت، يسلك الجِدَّ مع القريب والبعيد، ولا يُحِبُّ المُزَاحِ، ويحب الشطرنج، وله فيها يدٌ طولى، وزاد فيها جملاً وبغلاً، وجعل رقعته عشرة في أحد عشر، وكان ماهراً فيه لا يلاعبه فيه إلا الأفراد، وكان يُقَرِّبُ العلماء، والصُّلحاء، والشُّجْعَان، والأشراف، وينزلهم منازلهم، ولكن من خالف أمره أدنى مخالفة استباح دمه، وكانت هيبته لا تدانى بهذا السبب، وما أخرب البلاد إلّ بذلك، وكان من أطاعه في أول وهلة أَمِنَ، ومن خالفه أدنى مخالفة وَهِنَ، وكان له فكرٌ صائبٌ ومكائد في الحرب، وفِرَاسٌ قَلَّ أن تخطىء، وكان عارفاً بالتواريخ لإِدمانه على سماعها، لا يخلو مجلسه عن قراءة شيءٍ منها سفراً ولا حضراً، وكان مغرىً بمن له صناعة ما، إذا كان حاذقاً فيها، وكان أُمّيّاً لا يُحسن الكتابة، وكان حاذقاً باللغة الفارسية والتركية والمغلية خاصة، وكان يقدم قواعد جنكز خان ويجعلها أصلاً، ولذلك أفنى جمعاً جَمَّاً بكفره، مع أن شعائر الإِسلام في بلاده ظاهرة، وكان له جواسيس في جميع البلاد التي ملكها والتي لم يملكها، وكانوا ينهون إليه الحوادث الكائنة على جليتها ويكاتبونه بجميع ما يروم، فلا يتوجه إلى جهة إلّ وهو على بصيرة من أمرها، وبلغ من دهائه أنه كان إذا قصد جهةً جمع أكابر الدولة وتشاوروا إلى أن يقع الرأي على التوجه في الوقت الفُلاني إلى الجهة الفلانية، فيكاتب جواسيس تلك الجهات، فيأخُذ أهل تلك الجهة المذكورة حذرها ويأنس غيرها، فإذا ضرب بالنَّفير وأصبحوا سائرين ذات الشمال، عَرَّج بهم ذات اليمين فلا يصل الخبر الثاني إلّ ودَهَم الجهة التي يريد وأهلها غافلون، وكان أنشأ بظاهر سمرقند بساتين وقصوراً عجيبة، وكانت من أعظم النُّزه، وبنی عدة قصاب سَمَّاها بأسماء البلاد الكبار، کحمص، ودمشق، وبغداد، وشيراز. انتهى. وقال في ((المنهل)) وكان يستعمِل المُرَكّبَات والمعاجين ليستعين بها على ١٠٠