النص المفهرس

صفحات 61-80

الدولة بالإِسكندرية، ثم سكن القاهرة، وكان حادًّ(١) الذهن، وبرع في الفقه
والأصول، وولي حُسبة القاهرة مراراً ووكالة بيت المال، مع الكسوة. ثم نظر
الجيش، وسعى في القضاء فلم يتمّ له، ودفع في كتابة السرِّ قنطاراً من الذهب وهو
عشرة آلاف دينار فلم يتفق له، وقُبض عليه ثم أفرج عنه، وولي قضاء الإِسكندرية؛
فلم يلبث أن مات بها مسموماً في المحرَّم.
· وفيها بدر الدّين محمد بن محمد بن عبد البرّ بن يحيى بن علي بن تَمَّام
السُّبْكي الخَزْرَجي الشافعي (٢).
٤
أسمع في صغره من ابن أبي اليسر، ونفيسة بنت الخَبَّاز، وعلى ابن العزّ
عمر، وغيرهم، واشتغل بالفقه والأصول، وولي القضاء مراراً وفوض(٣) له قضاء
الشام لكن عُزِل قبل أن يتوجّه إليه، وولي خطابة الجامع بعد ابن جَمَّاعة، ودرَّس
بالأتابكية بدمشق، وكان لين الجانب، قليل الحُرْمَة في مباشرته، وكان بخيلاً
بالوظائف وغيرها، مع حُسن خُلُقٍ وفُكّاهَةٍ، كثير الإِنصاف، وإذا وقع عليه البحث
لا يغضب بخلاف والده، واستقرَّ في يده تدريس الشافعي إلى أن مات في ربيع
الآخر وقد جاوز السبعين.
· وفيها أبو عبدالله محمد بن محمد بن محمد بن عرفة الوَرْغَمِيِّ التونسي
المالكي (٤) شيخ الإِسلام بالمغرب.
سمع من ابن عبد السلام الهَوّاري ° والوادي آشي، وابن سَلَمة، وغيرهم.
واشتغل بالفنون.
قال ابن ظهيرة في ((معجمه))٥) إمام علّامة.
١
(١) في (آ)) و((ط)): ((حديد)) والتصحيح من مصدري الترجمة.
(٢) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٣٣٣/٤) و((الضوء اللامع)) (٨٨/٩) و((الدارس في تاريخ المدارس))
(١٣٥/١).
(٣) تحرفت في (آ)) و((ط)) إلى ((وفرض)) والتصحيح من ((إنباء الغمر)).
(٤) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٣٣٦/٤) و((الضوء اللامع)) (٢٤٠/٩) و((نيل الابتهاج على هامش
الدیباج) ص (٢٧٤).
(٥ - ٥) ما بين الرقمين سقط من ((آ)) وأثبته من ((ط)).
٦١

ولد بتونس سنة ست عشرة وسبعمائة، وقرأ بالروايات على ابن سَلَمة وغيره،
وبَرَعَ في الأصول، والفروع، والعربية، والمعاني، والبيان، والفرائض،
والحساب، وسمع من الوادي آشي ((الصحيحين)).
وكان رأساً في العبادة، والزهد، والورع، ملازماً للشغل بالعلم. رحل إليه
الناس، وانتفعوا به، ولم يكن بالعربية من يجري مجراه في التحقيق، ولا من
اجتمع له في العلوم ما اجتمع له. وكانت الفتوى تأتي إليه من مسافة شهر، وله
مؤلفات مفيدة، منها ((المبسوط في المذهب)) في سبعة أسفار، و((مختصر الحوفي))
في الفرائض.
وقال ابن حجر: أجاز لي، وكتب لي خطه لما حجَّ. وعلّق عنه بعض
أصحابه كلاماً في التفسير كثير الفوائد في مجلدين.
وتوفي ليلة الخميس الرابع والعشرين من جمادى الآخرة ولم يخلِّف بعده
مثله .
• وفيها بدر الدِّين محمد بن محمد (١ بن محمد١) بن عمر بن الفقيه أبي
بکر بن قوام الصّالحي(٢).
قال ابن حجر: كان ديِّناً، خيّراً، به طرش كثير. سمع الكثير من الحجّار
وإسحاق الآمدي وغيرهما، فقرأنا عليه شبيهاً بالأذان، وكنا نتحقق أنه يسمع ما
نقرؤه بامتحانه تارة وبصلاته على النَّبِيِّ - وَّهِ - أُخرى، وبالرِّضا عن الصحابة
کذلك.
مات في شعبان محترقاً بدمشق وقد جاوز الثمانين انتهى.
· وفيها محبّ الدِّين محمد بن محمد بن محمد بن منيع الصالحي المؤقت
المعروف بالورَّاق(٣).
(١ -١) ما بين الرقمين سقط من ((آ)) وأثبته من ((ط)).
(٢) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٣٣٩/٤) و((الضوء اللامع)) (٢٦٢/٩).
(٣) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٣٤٠/٤) و((الضوء اللامع)) (٦/١٠).
٦٢
٠

قال في ((إنباء الغمر)): سمع من ابن أبي التائب، وابن الرّضي، وغيرهما.
سمعت منه الكثير، ومات في رمضان بدمشق.
• وفيها بدر الدِّين محمد بن محمد بن مُقَلّد المقدسي ثم الدمشقي
الحنفي(١).
ولد سنة أربع وأربعين وسبعمائة، وبرع في الفقه والعربية والمعقول، ودرَّس
وأفتى، وناب في الحكم. ثم ولي القضاء استقلالاً نحو سنة ثم عُزل؛ ولم تحمد
مباشرته، ثم سار إلى القاهرة؛ فسعى في العود فأعيد، فوصل إلى الرَّمْلَة فمات بها
في ربيع الآخر.
• وفيها محمد بن محمد البُصْرَوي ثم الدمشقي الضَّرير(٢) قرأ بالروايات،
واشتغل في الفقه، ومات في رجب.
• وفيها محمد بن محمود بن أحمد بن رُمَيثة بن أبي نُمي الحُسَيني
المكي(٣) من بيت الملك، وقد ناب في إمرة مَكّة، وكان خاله علي بن عجلان
لا يقطع أمراً دونه، وكانت لديه فضيلة، وينظم الشعر، مع كرم وعقل.
مات في شوال وقد جاوز الأربعين.
• وفيها القاضي شَرَف الدِّين موسى بن محمد بن محمد بن أبي بكر بن
جمعة الأنصاري الشافعي (٤)، قاضي حلب.
ولد سنة ثمان وأربعين وسبعمائة، ونشأ في حِجْر عَمّه شِهَاب الدِّين خطيب
حلب.
قال في ((المنهل)): تفقه على شمس الدِّين محمد العراقي شارح ((الحاوي))،
وعلى الشيخ شِهَاب الدِّين الأذرعي، وقدم القاهرة، فأخذ عن الجمال
(١) سبقت ترجمته قبل قليل. انظر ص (٦٠).
(٢) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٣٤٢/٤) و((الضوء اللامع)) (٤١/١٠).
(٣) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٣٤٢/٤) و((الضوء اللامع)) (٤٢/١٠) و((العقد الثمين)) (٣٤٨/٢).
(٤) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٣٤٣/٤) و((الضوء اللامع)) (١٨٩/١٠) و((الدليل الشافي)) (٧٥٣/٢).
٦٣

الإِسنوي (١)، والولي الملوي، وسمع من الحافظ مُغَلْطَاي وغيره، وبدمشق من ابن
المُهَنْدس، وأحمد الأيكي المعروف بابن زغلش. ثم عاد إلى حلب، وقد بَرَعَ في
فنون، وتولّى خطابة الجامع، ثم استقرّ قاضي قضاة حلب، وفي أيّامه قدم تيمور
إلى البلاد الشّامية، وحضر مجلس تيمور، ورسم عليه ثم أفرج عنه(٢)، وكان
عالماً، كبيراً، مشكور السيرة وله ((شرح الغاية القصوي)) للبيضاوي.
وتوفي بحلب في شهر رمضان.
• وفيها يُوسف بن إبراهيم بن عبدالله الأذرعي (٣) نزيل حلب.
اشتغل كثيراً في الفقه وغيره بدمشق، ثم قدمٍ حلب، فَقُرِّر في قضاء الباب،
ثم قضاء سَرْمِين، وكان فاضلاً في الفقه، مقتصراً عليه.
مات في الكائنة العظمى. قاله القاضي علاء الدِّين في ((تاريخ حلب)).
• وفيها جمال الدِّين يوسف بن موسى بن محمد بن أحمد بن أبي
تكين(٤) بن عبدالله المَلَطي ثم الحَلَبي الحنفي (٥).
أصله من خَرْتَ بِرْت(٦)، وولد سنة ست وعشرين وسبعمائة، ونشأ بمَلَطْية،
واشتغل بحلب، حتّى مَهَرَ، ثم رحل إلى الديار المصرية وهو كبير، فأخذ عن
علمائها، وسمع من العزّ بن جَمَاعة، ومُغَلْطَاي، وحَدَّث عنه بالسيرة النبوية، وذكر
أنه سمعها منه سنة ستین(٧)، واشتغل، وحصَّل، وأفتی، ودرَّس، وکان یستحضر
(١) كذا في ((ا)) و((ط)) و((الضوء اللامع)): ((الاسنوي)) وفي ((إنباء الغمر)): ((الاسنائي)).
(٢) لفظة ((عنه)) سقطت من (آ)).
(٣) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٣٤٥/٤) و((الضوء اللامع)) (٢٩٢/١٠).
(٤) في ((آ)) و((ط)): (ابن أبي بكر)) والتصحيح من مصدري الترجمة.
(٥) ترجمته في (إنباء الغمر)) (٣٤٦/٤) و((الضوء اللامع)) (٣٣٥/١٠).
(٦) كذا في ((آ)) و((ط)) ومصدري الترجمة (خرت برت)) مفصولة وفي ((معجم البلدان)) (٣٥٥/٢):
((خَرْتَبِرْت)) بالفتح ثم السكون، وفتح التاء المثناة، وباء موحدة مكسورة، وراء ساكنة، وتاء مثناة من
فوقها، هو اسم أرمنيّ، وهو الحصن المعروف بحصن زياد الذي يجيء في أخبار بني حمدان في
أقصى ديار بكر من بلاد الروم، بينه وبين ملطية مسيرة يومين، وبينهما الفرات.
(٧) يعني وستين وسبعمائة.
٦٤

((الكشاف)) والفقه على مذهبهم، فاستدعاه بَرْقُوق لما مات شمس الدِّين
الطَّرَابُلسي، فحضر من حلب سنة ثمانمائة، واستقرَّ في قضاء الحنفية مدة قدرها
مائة وعشرة أيام فباشر مباشرة عجيبة، فإنه قَرَّب الفُسَّاق، واستكثر من استبدال
الأوقاف، وقتل مسلماً بنصرانيّ، ثم لما مات الكلستاني، استقرَّ بعده في تدريس
الصّر غتمشية، واشتهر أنه كان يفتي بأكل الحشيش وبوجوه من الحيل في أكل
الرِّبَا، وأنه كان يقول: من نظر في كتاب البخاري تزندق. قاله ابن حجر.
وقد أثنی ابن حجي على علمه.
وقال العَيني: كان عنده بعض شُح وطمع، وتغفِّل، وكان قد حَصّل بحلب
مالاً كثيراً فنُهب في الفتنة، وكان ظريفاً ربع القامة.
قال: وهو أحد مشايخي، قرأت عليه بحلب سنة ثمانين انتهى.
وقال القاضي علاء الدين الحلبي في ((تاريخه)): لما هجم اللّنكية البلاد عقد
مجلس بالقضاة والعلماء لمشاطرة الناس في أموالهم، فقال المَلَطي: إن كنتم
تعملون بالشوكة فالأمر لكم، وأما نحن فلا نفتي بهذا، ولا يحلّ أن يعمل فوقفت
الحال، وكانت من حسناته، ولما طلب إلى مصر على رأس القرن قال لي: أنا الآن
ابن خمس وسبعين، ومات بالقاهرة في ربيع الآخر. انتهى.
وقال في التاريخ المذكور: مات في هذه السنة من الفقهاء الشافعية في
الكائنة وبعدها :
· علاء الدِّين الصّرْخَدي(١).
• وشرف الدِّين الداديخي(٢).
• وشهاب الدِّين بن الضعيف(٣).
(١) هو علي بن محمد بن يحيى الصَّرْخدي. ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٣٠٣/٤) و((الضوء اللامع))
(٣٦/٦).
(٢) هو أبو بكر بن سليمان بن صالح الدَّاديخي. ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٢٦٧/٤) و((الضوء اللامع))
(٣٤/١١).
(٣) هو أحمد بن يونس الغزي ثم الحلبي الشافعي. ترجمته في ((الضوء اللامع)) (٢٥٣/٢).
٦٥

• وشمس الدِّين البَابي(١) .
• وبهاء الدِّين داود الكردي(٢).
• وشمس الدِّين ابن الزّكي الجَعْبَري(٣).
(١) هو محمد بن إسماعيل بن الحسن بن صُهيب البابي ثم الحلبي. ترجمته في ((إنباء الغمر))
(٣٢٠/٤) و((الضوء اللامع)) (١٣٦/٧).
(٢) هو داود بن علي الكردي. ترجمته في ((إنباء الغمر) (٢٧٧/٤) و((الضوء اللامع)) (٢١٤/٣).
(٣) ذكره ابن حجر في ((إنباء الغمر)) (٤ /٣٥٠) كما ذكر في كتابنا، وانظر تعليق محققه عليه.
٦٦

سنة أربع وثمانمائة
• فيها توفي بُرهان الدِّين إبراهيم بن محمد بن رَاشِد المَلَّكَاوي
الشافعي(١) .
اشتغل بدمشق، وحَصَّل، ومَهَرَ في القراءات، وكان يُشْغِلُ بالفَرَائض
بالجامع بين العِشَاءَين. وتوفي في جُمادى الآخرة.
• وفيها شِهَابُ الدِّين أحمد بن الحسن بن محمد بن زكريا بن يحيى
المَقْدسي ثم المِصْري السّويدائي (٢) - نسبة إلى السّويداء قَرَيةٌ من أعمال حَورَانَ -
الشَّافعي .
اعتنى به أبوه، فأسمعه الكثير من يحيى ابن المِصْري وجماعة من أصحاب
ابن عبد الدّائم، والنَّجيب، وغيرهم، وأكثر له من الشيوخ والمَسْمُوع، واشتغل في
الفقه، وبحث في ((الروضة)). وكان يتعانى الشُّهادات، ثم أَضَرَّ بأخرةٍ وانقطع
بزاوية الست زينب خارج باب النّصر.
قال ابن حجر: قرأت عليه الكثير، ونِعْمَ الشيخ كان، وتَفَرَّد بروايات كثيرة،
وكان الشيخ جمال الدِّين الحَلَاوي يشاركه في أكثر مسموعاته، مات في تاسع عشر
ربيع الآخر وقد قارب الثمانين أو أُكْمَلَها.
· وفيها شِهَابُ الدِّين أحمد بن عبد الخَالق بن علي بن حَسَن بن
عبد العزيز بن محمد بن الفُرَات المالكي (٣).
(١) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٢٦/٥) و((الضوء اللامع)) (١٤٦/١).
(٢) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٢٦/٥) و((الضوء اللامع)) (٢٧٨/١).
(٣) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٢٨/٥) و((الضوء اللامع)) (٣٢٣/١).
٦٧

اشتغل بالفقه، والعربية، والأصول، والطبّ، والأدب، ومَهَرَ في الفنون،
ونظم الشعر الحسن، ومنه:
ويستحسِنُ الأَقْوَامُ منك التَّقْبُّحَا(١)
إِذَا شِئْتَ أنْ تَحْيَا حَيَاةً سعيدةً
وَإِلَّ فجانِبْهُم وَكُنْ مُتَصَوْلِحاً
تَزَيًّا بِزِيِّ التّرْكِ وَاحْفَظْ لِسَانَهم
● وفيها نُور الدِّين أحمد بن علي بن أبي الفتح الدمشقي(٢) نزيل حلب،
المعروف بالمُحَدِّث.
سمع الكثير من أصحاب الفخر وغيرهم بدمشق وحلب، واشتغل في علم
الحديث وأقرأ فيه مدة بحلب ودمشق، وأخذ الأدب عن الصَّلاح الصَّفَدي، وكان
حَسَنَ المحاضرة.
• وفيها القاضي تقي الدِّين أحمد بن محمد (٣ بن محمد ٣) بن المُنَّجَّى بن
عُثْمَان بن أسعد بن محمد بن المُنَّجَّى الحنبلي الشيخ الإِمام (٤).
حصَّلَ ودَأَبَ، وكان له شَهَامَةٌ ومَعْرِفَةٌ وذهنٌ مستقيمٌ. وناب لأخيه القاضي
عَلَاءِ الدِّين، ثم اشتغل بقَضَاء قُضَاة دمشق بعد فتنة تيمور مدة أشهر، وذكر عنه
الشيخ شرف الدِّين بن مُفْلح أنه ابتدأ عليه قراءة ((الفروع)) لوالده، فلما انتهى في
القراءة إلى الجنائز حضره أجله، ومات معزولاً في ذي الحجّة ولم يُكمل الخمسين
سنة .
• وفيها شِهَابُ الدِّين أحمد بن محمد بن محمد المِصْري، نزيل القَّرَافَة
ابن النَّاصِحِ(٥).
(١) في ((إنباء الغمر)) و((الضوء اللامع)): ((المُقَبَّحَا)).
(٢) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٢٩/٥) و((الضوء اللامع)) (٣٥/٢).
(٣ -٣) ما بين الرقمين سقط من ((آ).
(٤) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٣٠/٥) و((الضوء اللامع)) (٢٠٢/٢) و((المقصد الأرشد)) (١٨٣/١)
و((الدارس في تاريخ المدارس)) (٤٨/٢).
(٥) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٣٠/٥) و((الضوء اللامع)) (٢٠٢/٢).
٦٨

قال ابن حجر: سمع من الميدومي، وذكر أنه سمع من ابن عبد الهادي،
وحَدَّث عنه بمكّة بـ ((صحيح مسلم)) وحَدَّث عن الميدومي بـ ((سنن أبي داود))
و «جامع الترمذي)» سماعاً. أخذت عنه قليلاً، وكان للناس فيه اعتقاد، ونِعْمَ الشيخ
كان، سمتاً وعبادةً ومروءةً.
مات في أواخر رمضان، وتقدم في الصلاة عليه الخليفة. انتهى.
• وفيها شِهَابُ الدِّين أبو العَبّاس أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن
المُهَنْدِس المقدسي الحنبلي (١) المتقن الضّابط.
ولد سنة أربع وأربعين وسبعمائة، ورحل، وكتب، وسمع على الحفّاظ،
وروى عنه جماعة من الأعيان، منهم القاضي (٢) سعد الدِّين الدّيري الحنفي،
وتوفي بالقدس الشّريف في شهر رمضان.
• وفيها تقي الدِّين أبو بكر بن عثمان بن خليل الحَوْرَانِي المَقْدسي
الحنفي(٣) سمع من الميدومي، وحَدَّث عنه، وناب في الحكم، وتوفي في أواخر
السنة ببيت المقدس.
• وفيها عِمَادُ الدِّين أبو بكر بن أبي المجد بن ماجد بن أبي المجد بن
بدر بن سالم السَّعْدي الدمشقي ثُمَّ المِصْري الحنبلي (٤) .
ولد سنة ثلاثين وسبعمائة، وسمع من المِزِّي والذّهبي، وغيرهما، وأحبّ
الحديث فَحَصَّلَ طرفاً صالحاً منه، وسكن مصر قبلِ الستين فقرّر في طلب
الشّيخُونية، فلم يزل بها حتَّى مات، وجمع الأوامر والنّواهي من الكتب الستة،
واختصر «تهذيب الكمال)).
قال ابن حجر: اجتمعت به وأعجبني سمته وانجماعه وملازمته للعبادة،
وحَدَّث عن الذهبي، ومات في أواخر جمادى الأولى.
(١) ترجمته في ((المنهج الأحمد)) الورقة (٤٧٨) من القسم المخطوط.
(٢) في ((المنهج الأحمد)): ((القاضي القضاة)).
(٣) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٣٢/٥) و((الضوء اللامع)) (٤٩/١١).
(٤) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٣٢/٥) و((الضوء اللامع)) (٦٦/١١).
٦٩

● وفيها بَرَكَةُ السَّيِّدُ الشريف المعتَقدِ، المعروف بالشريف بركة(١).
قال في ((المنهل الصَّافي)): كان لتيمور فيه اعتقاد كثير إلى الغاية، وله معه
ماجريات، من ذلك أن تيمور لما أخذ السّلطان حسين صاحب بلخ سنة إحدى
وسبعين وسبعمائة، ثم سار لحرب القآن تَقْتَمُش ملك التتار وتلاقيا على أطراف
تركستان، واشتدّ الحرب بينهما، حتّى قتل أكثر أصحاب تيمور، وهَمَّ تيمورُ
بالفِرار، وظهرت الهزيمة على عسكره، ووقف في حيرة، وإذا بالسَّيِّد هذا قد أقبل
على فرس، فقال له تيمور: يا سيدي انظر حالي، فقال له: لا تخف، ثم نزل عن
فرسه ووقف على رجليه يدعو ويتضرَّع، ثم أخذ من الأرض مِلءَ كَفَّه من
الحَصْبَاء، ورمى بها في وجوه عسكر تَقْتَمُش خان، وصرخ بأعلى صوته: باغي
قجتي ومعناه باللغة التركية العدو هرب، فصرخ بها معه تيمور وعسكره، وحمل
بهم على القوم، فانهزموا أقبح هزيمة، وظَفِرَ تيمور بعساكر تَقْتَمُش وقَتَلَ وأَسَرَ على
عادته القبيحة، وله معه أشياء من هذا النمط، ولهذا كانت منزلته عند تيمور إلى
الغاية، ودام معه إلى أن قدم دمشق سنة ثلاث وثمانمائة، وقد اختلف في أصل هذا
الشريف، فقيل: إنه كان مغربياً حَجَّاماً بالقاهرة، ثم سافر إلى سمرقند، وادعى أنه
شريفٌ علويٌّ، وقيل: إنه من أهل المدينة النبوية، وقيل: من أهل مكة، وعلى كل
حال فأنا لا أعتقد عليه لمصاحبته وإعانته لتيمور على أغراضه الكُفْرية، فأمره إلى
الله تعالى. انتهى باختصار.
• وفيها صَالح بن خليل بن سالم بن عبد النّاصر بن محمد بن سالم الغَزِّي
الشّافعي(٢).
سمع من الميدومي، وحَدَّث عنه، وناب في الحكم، وتوفي في ذي القعدة
ببيت المقدس.
· وفيها زين الدِّين عبد اللطيف بن تقي الدِّين محمد بن الحافظ
(١) ترجمته في ((الدليل الشافي)) (١٨٩/١).
(٢) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٣٤/٥) و((الضوء اللامع)) (٣١١/٣).
٧٠

قُطب الدِّين. عبد الكريم بن عبد النّور بن منير الحلبي ثم المصري(١).
قال ابن حجر: أحضر على ابن عبد الهادي، وسمع من الميدومي،
وسمعت منه، وكان وَقُوراً، خَيِّراً.
مات في وسط صفر.
• وفيها عبد المؤمن العينتابي المعروف بمؤمن الحنفي(٢).
قال العيني في ((تاريخه)): كان فاضلاً في عدة علوم، منها الفقه، وكان حسن
الوجه، مليح الشكل، درَّس بعينتاب، ثم تحوّل إلى حلب، فأقام بها إلى أن
مات.
• وفيها فخر الدِّين عثمان بن عبد الرحمن المَخْزُومي البَلْبيسي ثم المِصْري
الشافعي (٣) المقرىء الضرير، إمام الجامع الأزهر.
تصدى للاشتغال بالقراءة فأتقن السبع، وصار أُمَّةً وحده.
قال ابن حجر: وأخبرني أنه لما كان ببلبيس كان الجِنُّ يقرؤن عليه. قرأ عليه
خلق كثير، وكان صالحاً خيِّراً، أقام بالجامع الأزهر يَؤْمُّ فيه مدة طويلة، وقد حَدَّث
عنه خلق كثير في حياته، انتفع به ما لا يُحصى عددهم في القراءة، وانتهت إليه
الرئاسة في هذا الفَنِّ، وعاش ثمانين سنة، وتوفي في ثاني ذي القعدة.
· وفيها سِرَاجُ الدِّين أبو حفص عمر بن أبي الحسن علي بن أحمد بن
محمد بن عبدالله الأنصاري الأندلسي الوادي آشي ثم المصري، المعروف بابن
المُلَقِّن(٤).
قال في ((المنهل)): رحل أبوه نور الدِّين من الأندلس إلى بلاد التُّرك، وأقرأ
أهلها هناك القرآن الكريم، فنال منهم مالاً جزيلاً، فقدم به إلى القاهرة واستوطنها،
(١) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٣٥/٥) و((الضوء اللامع)). (٣٣٥/٤).
(٢) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٣٥/٥) و((الضوء اللامع)) (٩٠/٥).
(٣) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٣٦/٥) و((الضوء اللامع)) (١٣٠/٥) و((غاية النهاية)) (٥٠٦/١).
(٤) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٤١/٥) و((الضوء اللامع)) (١٠٠/٦).
٧١

فولد له بها سِرَاج الدِّين هذا في يوم السبت رابع عشري ربيع الأول، سنة ثلاث
وعشرين وسبعمائة، وتوفي والده وله من العمر سنة واحدة، وأوصى إلى الشيخ
شرف الدِّين عيسى المغربي المُلَّقُّن لكتاب الله بالجامع الطولوني، وكان صالحاً،
فتزوّج أُمَّ الشيخ سِرَاجِ الدِّين، وربَّه، فعرف بابن المُلَقّن نسبة إليه، وقرأه القرآن
ثم العُمدة، ثم أراد أن يشغله على مذهب الإمام مالك، فقال له بعض أولاد ابن
جَمِاعة: أقرتْهُ ((المنهاج)) فأقرأه وأسمعه على الحافظين ابن سَيِّد الناس،
وقطب الدِّين الحلبي، وأجاز له الحافظ المِزِّي وغيره من دمشق ومصر وحلب،
وطلب الحديث بنفسه، وعُني به، وسمع الكثير من حُفّاظ عصره، كابن عبد الدائم
وغيره، وتخرَّج بابن رجب ومُغلطاي، ورحل إلى دمشق في سنة سبع وسبعين،
فسمع بها من متأخري أصحاب الفخر بن البُخَاري، وبرع، وأفتى، ودَرَّس، وأثنى
عليه الأئمة، ووصف بالحافظ، ونوه بذكره القاضي تاج الدِّين السُّبكي، وكتب له
تقريظاً(١) على شرحه لـ ((المنهاج))، وتصدى للإفتاء والتدريس دهراً طويلاً، وناب
في الحكم، ثم طلبٍ للاستقلال بوظيفة القضاء فامتحن بسبب ذلك في سنة
ثمانينٍ، ولزم داره، وأَكَبَّ على الأشغال والتصنيف، حتَّى صار أكثرَ أهل زمانه
تصنيفاً، وبلغت مصنّفاته نحو ثلاثمائة مصنّف، وكان جُمَّاعةً للكتب جداً، ثم
احترق غالبها قبل موته، وكان ذهنه مستقيماً قبل أن تحترق كتبه ثم تغيّر حاله بعد
ذلك، وهو ممن كان تصنيفه أحسن من تقريره، وبالغ بعضهم فقال: إنه أحضر إليه
بعض تصانيفه فعجز عن تقرير ما تضمنه، وقام من المجلس ولم يتكلم، وأخذ عنه
جماعات من الحُفَّاظ وغيرهم، منهم حافظ دمشق ابن ناصر الدِّين، ووصفه
بالحفظ والإتقان .
وقال ابن حجر: كان مُوَسَّعَاً عليه في الدنيا، مديد القامة، حسن الصورة،
يُحِبُّ المُزَاحَ والمُدَاعَبة، مع ملازمة الاشتغال والكتابة، حسن المحاضرة، جميل
الأخلاق، كثير الإِنصاف، شديد القيام مع أصحابه، وربما اشتهر بابن النّحوي،
وربما كتب بخطّه كذلك ولذلك اشتهر بها ببلاد اليمن وتغيَّر حاله بأخرةٍ فحجبه
(١) في ((ط)): ((تقريظاً)) وكلاهما بمعنى.
٧٢

ولده نور الدِّين إلى أن مات في سادس عشري(١) ربيع الأول بالقاهرة، ودفن على
والده بحوش الصُّوفية خارج باب النّصر.
• وفيها نجم الدِّين محمد بن نور الدِّين علي بن العَلَّمة نجم الدِّين
محمد بن عَقيل بن محمد بن الحسن بن علي البَالسي ثم المِصْري الشافعي (٢).
قال ابن حجر: تفقه كثيراً، ثم تعانى الخدم عند الأمراء، ثم ترك ولزم بيته،
ودرّس بالطّيبرسية إلى أن مات، وأَضَرَّ قبل موته بيسير، ونِعْمَ الشيخ كان، خيراً،
واعتقاداً، ومروءةً، وفكاهة لازمته مدة وحَدَّثني عن ابن عبد الهادي، ونور الدِّين
الهَمْدَاني، وغيرهما.
مات في عاشر المحرم وله أربع وسبعون سنة. انتهى.
• وفيها أبو جعفر محمد بن محمد بن عَنْقَة - بنون وقاف وفتحات -
البَسْكري - بفتح الموحدة وبعدها مهملة، نسبة إلى بسكرة(٣) بلد بالمغرب - ثم
المدني (٤) .
كان يسكن المدينة ويطوف البلاد، وقد سمع من جمال الدِّين بن نُبَاتة
قديماً، ثم طلب بنفسه، فسمع الكثير من بقية أصحاب الفخر بدمشق، وحمل عن
ابن رَافِع، وابن كثير، وحَصَّل الأجزاء، وتعب كثيراً، ولم ينجب.
قال ابن حجر: سمعت منه يسيراً، وكان متودداً، رجع من إسكندرية إلى
مصر فمات بالسَّاحل غريباً، رحمه الله تعالى.
· وفيها عزّ الدِّين يوسف بن الحسن بن محمود السُّرَّائي الأصل التّبريزي،
الشهير بالحلوائي - بفتح أوله وسكون اللام مهموز - الفقيه الشافعي (٥).
ولد سنة ثلاثين وسبعمائة، وتفقه ببلاده، وقرأ على القاضي عَضُد الدِّين
(١) في ((ط)): ((في سادس عشر)) وهو خطأ.
(٢) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٤٩/٥).
(٣) انظر ((معجم البلدان)) (٤٢٢/١ -٤٢٣) و((الروض المعطار)) ص (١١٣ - ١١٤).
(٤) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٥٠/٥ - ٥١) و((الضوء اللامع)) (١٧٢/٩).
(٥) تقدمت ترجمته في وفيات سنة (٨٠٢) ص (٣٧).
٧٣

وغيره، وأخذ ببغداد عن شمس الدِّین الگرْماني الحدیث و «شرحه للبخاري» ومهر
في أنواع العلوم، وأقبل على التدريس، وشغل الطلبة، وعمل على البيضاوي
شرحاً، وتحوّل من تبريز لما خرّبه الدعادعة وهم أصحاب طقتمش(١) خان إلى
ماردين، فأقام بها مدة، ثم راسله (٢) مرزا ابن اللّنك، وقدم عليه تبريز فبالغ في
إكرامه فأقام بها، وكتب على ((الكشاف)» حواشي، وشرح ((الأربعين النووية)).
وكان زاهداً، عابداً، معرضاً، عن أمور الدنيا، مقبلاً على العلم، حجَّ وزار
المدينة وجاور بها سنة، وكان لا يُرى مهموماً قَطُّ. ورجع إلى الجزيرة لما كثر
الظُّلم في تبريز فقطنها إلى أن توفي بها، وخلّف ولدين بدر الدِّين محمد،
وجمال الدِّین محمد.
• وفيها يوسف بن حسين الكُرْدي الشّافعي(٣) نزيل دمشق.
كان عالماً، صالحاً، معتقداً، تفقَّه وحَصَّل.
قال الشيخ شِهَاب الدِّين الملكاوي: قدمت من حلب سنة أربع (٤) وستين
وسبعمائة، وهو كبير يُشار إليه، وكان يميل إلى السُّنَّة ويُنكِرُ على الأكراد في
عقائدهم وبدعتهم، وكان له اختيارات، منها المسح على الجَوْرَبَين مُطْلَقاً، وكان
يفعله، وله فيه مؤلّفٌ لطيف، جمع فيه أحاديث وآثاراً. ومنها تزويج الصغيرة التي
لا أُب لها ولا جدّ.
وقال ابن حجي: كان يميل إلى ابن تَيْمِيَّة ويعتقد صواب ما يقول في الفروع
والأصول، وكان من يحبّ ابن تَيْمِيّة يجتمع إليه، وكان قد ولي مشيخة الخَانْقَاه
الصَّالحية، وأعاد بالظاهرية، وقد وقع بينه وبين ولده الشيخ زين الدِّين عبد الرحمن
الواعظ بسبب العقيدة، وتهاجرا مدة، إلى أن وقعت فتنة اللَّنك فتصالحا، ثم جلس
مع الشهود، وأحسن إليه ولده في فاقته ولم يلبث أن مات في شوال.
(١) في ((ط)): ((ظغتمش)) وهو خطأ.
(٢) في ((ط)): ((أرسله)) وهو خطأ.
(٣) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٥٤/٥ - ٥٥) و((الضوء اللامع)) (٣١١/١٠).
(٤) تحرفت في ((ط)) إلى ((ربع)).
٧٤

سنة خمس وثمانمائة
• فيها استولى تمرلنك على أبي يزيد بن عثمان وأسر ولده موسى، ثم مات
أبو يزيد في الأسر إمّا من القهر أو من غيره، وكان أبو يزيد من خِيار مُلوك الأرض،
ولم يكن يُلقّب [بلقبٍ] ولا أحد من أبنائه وذريته، ولا دُعي بسلطانٍ ولا ملكٍ،
وإنما يقال الأمير تارة؛ وخوند(١) خان تارة أخرى، وكان مُهَاباً يحبُّ العلم
والعلماء، ويكرم أهل القرآن، وكان يجلس بُكْرَةَ النهار في مراح من الأرض متسع
ويقف الناس بالبعد منه بحيث يراهم، فمن كانت له ظُلامة رفعها إليه فأزالها في
الحال، وكان الأمنُ في بلاده فاشياً للغاية، وكان يشترط(٢) على كل من يخدمه أن
لا يكذب ولا يخون، إلى غير ذلك من الأوصاف الحسنة، وترك لما مات [من
الأولاد] سليمان(٣)، ومحمداً، وموسى، وعيسى، فاستقلَّ بالملك سليمان(٣)
وسيأتي شيء من ذكره في ترجمة تيمور (٤).
• وفيها استولى تيمور على غالب البلاد الرُّومية ورجع إلى بلاده في شعبان
من هذه السنة.
· وفيها استشهد سعد الدِّين أبو البركات محمد بن أحمد بن علي بن
صبر الدِّين(٥)، ملك الحبشة.
(١) قال الشيخ محمد أحمد دهمان في (معجم الألفاظ التاريخية)) ص (٧٠): الخوند: في الفارسية،
السيد العظيم أو الأمير، استعملت في العربية لقباً بمعنى السيد أو السيدة.
(٢) في ((ط)) و ((إنباء الغمر)): ((يشرط)).
(٣) في ((آ)) و((ط)): ((سلمان)) والتصحيح من ((إنباء الغمر)) مصدر المؤلف.
(٤) انظر ((إنباء الغمر)) (٥٥/٥ - ٦٠) وما بين الحاصرتين في الخبر مستدرك منه.
(٥) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٨٨/٥) و((الضوء اللامع)) (١٦/٧).
٧٥

استقر في مملكة الحبش بعد أخيه حقّ الدِّين، فسار سيرته في جهاد
الكَفَرَةِ(١)، وكانت عنده سياسة، وكسرت عساكره، وتعددت غاراته، واتسعت
مملكته، حتّى وقع له مَرَّة أن بيع الأسرى الذين أسرهم من الحبشة كل عبدين
بتفصيلة، وبلغ سهمه من بعض الغنائم أربعين ألف بقرة لم تبت عنده بقرة واحدة
بل فَرّقها وله في مدة ولايته وقائع وأخبار يطول ذكرها، فلما كان في هذه السنة
جمع الحطي صاحب الحبشة جمعاً عظيماً وجهز عليه أميراً يقال له باروا، فالتقى
الجمعان، فاستشهد من المسلمينٍ جمع كثير، منهم أربعمائة شيخ من الصُّلحاء
أصحاب العكاكيز، وتحت يد كُلِّ واحد منهم عدة فقراء (٢) واستبحر القتل في
المسلمين حتّى هلك أكثرهم، وانهزم من بقي، ولجأ سعد الدِّين إلى جزيرة زَيْلَع
في وسط البحر، فحصروه فيها إلى أن وصلوا إليه، فأصيب في جبهته بعد وقوعه
في الماء ثلاثة أيام، فطعنوه فمات، وكانت مدة ملكه ثلاثين سنة، واستولى الكُفَّار
على بلاد المسلمين، وخرَّبوا المساجد، وبنوا بدلها الكَنَائس، وأسروا وسبوا
ونهبوا، وفَرَّ أولاد سعد الدِّين، وهَمَّ صبر الدِّين علي ومعه تسعة من إخوته إلى البرّ
الآخر فدخلوا مدينة زَبيد، فأكرمهم النّاصر أحمد بن الأشرف وأنزلهم وأعطاهم
خيولاً ومالاً، فتوجهوا إلى مكان يقال له سَيَّرة فلحق بهم بعض عساكرهم، واستمرُ
صبر الدِّين على طريقة أبيه وكسر عدة من جيوش الحطي وحرق عدة من الكنائس،
وغنم عدة غنائم. قاله ابن حجر.
• وفيها توفي شِهَاب الدِّين أحمد بن عبدالله بن الحسن البُوصيري
الشافعي(٣).
تفقه، ولازم الشيخ ولي الدِّين الملوي، وبرع في الفنون، ودَرَّس مدة،
وأفاد، وتعانى التّصوّف، وتَكَلّم على مصطلح المتأخرين فيه، وكان ذكياً، وسمع
منه ابن حجر، ومات في جمادى الأولى.
(١) في ((ط)): ((الكفر)).
(٢) في ((ط)): ((فقرأ)) وهو خطأ.
(٣) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٩٣/٥) و((الضوء)) (٣٥٩/١).
٧٦

، وفيها شِهَابُ الدِّين أحمد بن عبدالله الحلبي ثم الدمشقي (١) قاضي كرك
نوح.
قال ابن حجي: كان من خيار الفقهاء، وقد ولي قضاء القدس، وولي
الخطابة والقضاء بكرك نوح ثم القدس، وناب في الخطابة بالجامع الأموي، وفي
تدريس البادرائية، وتوفي في ذي الحجّة.
• وفيها أحمد بن محمد بن عثمان بن عمر بن عبدالله الحنبلي (٢)، نزيل
غَزّة.
سمع من الميدومي، ومحمد بن إبراهيم بن أسد، وأكثر عن العَلَائي
وغيرهم، وكان صالحاً، ديناً، خيّراً، بصيراً ببعض المسائل.
سكن غَزَّة واتخذ بها جامعاً، وكان للناس فيه اعتقاد، ونِعْمَ الشيخ كان، وقرأ
عليه ابن حجر عدة أجزاء، ومات في صفر وله اثنتان وسبعون سنة.
• وفيها أحمد بن محمد بن عيسى بن الحسن اليَاسُوفي ثم الدمشقي(٣)،
المعروف بالثَّوم - بمثلثة مضمومة -.
قال ابن حجر: روى عن أحمد بن علي بن الجَزَري وغيره، وكان له مال
وثروة، ثم افتقر بعد الكائنة.
وتوفي في جمادى الآخرة عن ست وستين سنة.
· وفيها شِهَابُ الدِّين أحمد بن يحيى بن أحمد بن مالك العُثْمَاني
الصّرميني مِن مَعَرّة صرمين (٤) الشافعي .
(١) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٩٤/٥) و((الضوء اللامع)) (٣٧١/١).
(٢) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٩٤/٥) و((الضوء اللامع)) (١٤٠/٢).
(٣) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٩٥/٥) و((الضوء اللامع)) (١٦٣/٢).
(٤) تنبيه: كذا قال المؤلف رحمه الله: (الصَّرميني من مَعَرِّة صرمين)) وهو خطأ، والصواب: ((المَصْرِيني
من مَعَرَّة مَصْرين)) ومَعَرَّة مصرين من أعمال سَرْمين. انظر ((معجم البلدان)) (١٥٥/٥) و((الدّر
المنتخب)) ص (١٦٤) والتعليق على ((در الحبب)) (١٨٧/١) وفي ((إنباء الغمر)) و((الضوء اللامع)):
((المَعَرّي من مَعَرَّة سرمین)).
٧٧

اشتغل، ومَهَرَ، وكان قاضي بلده مدة، ثم ولي قضاء حلب بعد الفتنة
العظمى دون الشهر، فاغتيل بعد صلاة الصبح، ضرِبَ في خاصرته فمات ثالث
عشر شوال، وكانت سيرته حسنة وفيه سكون.
· وفيها تاج الدِّين بهرام بن عبدالله بن عبد العزيز قاضي القضاة ابن
الدّمِيري(١) المالكي(٢).
كان إماماً في الفقه والعربية وغيرهما، وتصدّر للإفتاء والتدريس عدة سنين،
وانتفع به الطلبة، ثم ولي قضاء قضاة المالكية بالدِّيار المصرية فُحُمِدَت سيرته،
ولم يزل ملازماً للاشتغال والأشغال، وقد انتهت إليه رئاسة السَّادة المالكية في
زمنه .
وتوفي يوم الاثنين سابع جمادى الآخرة.
• وفيها سَعْدُ الدِّينِ بن يوسف بن إسماعيل بن يوسف بن يعقوب بن
سُرور بن نصر بن محمد النّووي ثم الخليلي الشافعي(٣).
ولد سنة تسع وعشرين وسبعمائة، وقدم دمشق بعد الأربعين فاشتغل بها
ومَهَرَ، وأخذ عن الذهبي، وشمس الدِّين بن نُبَاتة وغيرهما، وحمل عن التَّاج
المراكشي، وابن كثير، وقرأ عليه ((مختصره)) في علم الحديث، وأذن له، وحَدَّث،
وأفتى، ودرَّس.
قال ابن حجي : كان ذا ثروةٍ جيدةٍ فاحترقت داره في الفتنة، وأخذ ماله فافتقر
فاحتاج أن يجلس مع الشهود، ثم ولي قضاء بعض القرى وقضاء بلد الخليل عليه
السلام، فمات هناك في جمادى الأولى.
• وفيها سَارَة بنت علي بن عبد الكافي السُّبْكي(٤).
(١) تحرفت في ((آ)) و(ط)) إلى ((الديري)) والتصحيح من مصادر الترجمة.
(٢) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٩٨/٥) و((الضوء اللامع)) (١٩/٣) و((نيل الابتهاج)) ص (١٠١).
(٣) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (١٠٠/٥) و((الضوء اللامع)) (٢٥٤/٣).
(٤) ترجمتها في (إنباء الغمر)) (١٠٢/٥) و((الضوء اللامع)) (٥١/١٢) و((أعلام النساء)) (١٣٨/٢).
٧٨

قال ابن حجر: أَسمعت من أحمد بن علي الجَزّري، وزينب بنت الكمال،
وسمعت على أبيها أيضاً، وتزوجها أبو البقاء، فلما مات تحولت إلى القاهرة، ثم
رجعت إلى دمشق في أيام سري الدِّين، وكان صاهرها، ثم رجعت إلى القدس،
ثم إلى القاهرة، فسمعنا منها قديماً، ثم في سنة موتها.
ماتت بالقاهرة في ذي الحجّة وقد جاوزت السّبعين.
• وفيها عبدالله بن خليل بن الحسن بن طاهر بن محمد بن خليل بن
عبد الرّحمن الحَرَسْتَاني ثم الصّالحي المؤذن(١) .
سمع من الشّرف ابن الحافظ وغيره، وأجاز له الحَجَّار، وسمع منه ابن
حجر.
• وفيها عبد الجَبّار بن عبدالله المُعْتَزلي الحنفي الخُوَارِزمي(٢) عالم
الدّشت، صاحب تيمورلنك وإمامه وعالمه.
ولد في حدود سنة سبعين وسبعمائة، وكان إماماً عالماً بارعاً، متقناً للفقه،
والأصلين، والمعاني، والبيان، والعربية، واللغة انتهت إليه الرئاسة في أصحاب
تيمور، وكان هو عظيم دولته، ولما قدم تيمور البلاد الحلبية والشامية كان
عبد الجبّار هذا معه، وبَاحَثَ وناظرَ علماء البلدين، وكان فصيحاً باللغات
الثلاث(٣) العربية، والعجمية، والتركية، وكانت له ثروة، ووجاهة، وعظمة،
وحُرمة زائدة إلى الغاية، وكان ينفع المسلمين في غالب الأحيان عند تيمور، وكان
يَتّرم من صحبة تيمور ولا يسعه إلّ موافقته، ولم يزل عنده حتَّى مات في
ذي القعدة.
· وفيها أبو الفضل عبد الرحمن بن أبي الخير محمد بن أبي عبدالله
محمد بن محمد بن عبد الرحمن الحُسَيني الفَاسي ثم المَكِّي المالكي (٤).
(١) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (١٠٢/٥) و((الضوء اللامع)) (١٨/٥).
(٢) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (١٠٣/٥) و((الضوء اللامع)) (٣٥/٤) و((الدليل الشافي)) (٣٩٤/١).
(٣) في ((ط)): ((الثلاثة)).
(٤) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (١٠٤/٥) و((الضوء اللامع)) (١٤٩/٤).
٧٩

سمع من تاج الدِّين ابن بنت أبي سعد، وشِهَاب الدِّين الهَكّاري، وغيرهما،
وعني بالفقه فمهر فيه إلى الغاية، وشارك في غيره، ودرَّس، وأفتى أكثر من أربعين
سنة .
وتوفي بمكة في نصف ذي القعدة عن خمس وستين سنة.
· وفيها تاج الدِّين عبد الوهاب بن الشيخ عفيف الدِّين عبدالله بن أسعد بن
علي اليافعي المَكَي الشافعي(١).
اشتغل بالفقه، وأذن له الأبناسي، وسمع من أبيه وجماعة بمكة، ورحل إلى
دمشق، فسمع من ابن أميلة وغيره، وتفقّه بالأميوطي وغيره، وكان خَيِّراً، عابداً،
ورعاً، قليل الكلام فيما لا يعنيه، وسمع منه ابن حجر.
وتوفي في رجب عن خمس وخمسين سنة.
• وفيها الحافظ سِرَاج الدِّين عمر بن رسلان بن نَصير بن صَالح - وصالح
هذا أول من سكن بُلقينة - ابن شهاب (٢ الدين٢) بن عبد الخالق بن مُسَافر بن
محمد البُلقيني الكِنَاني الشافعي(٢) شيخ الإِسلام.
ولد ليلة الجمعة ثاني عشر شعبان سنة أربع وعشرين وسبعمائة، وحفظ
القرآن العظيم وهو ابن سبع سنين، وحفظ ((المحرّر)) في الفقه، و((الكافية)) لابن
مالك في النحو، و((مختصر ابن الحاجب)) في الأصول، و((الشاطبية)) في
القراءات، وأقدمه أبوه إلى القاهرة وله اثنتا عشرة سنة، فطلب العلم، واشتغل على
علماء عصره، وأذن له في الفتيا وهو ابن خمس عشرة سنة، وسمع من الميدومي
وغيره، وقرأ الأصول على شمس الدِّين الأصفهاني، والنّحو على أبي حَيَّان، وأجاز
له من دمشق الحافظان المِزِّي والذّهبي، وغيرهما، وفاق الأقران، واجتمعت فيه
شروط الاجتهاد على وجهها، فقيل: إنه مُجَدِّدُ القرن التاسع، وما رأى مثل نفسه،
وأثنى عليه العلماء وهو شاب، وانفرد في آخره برئاسة العلم، وولي إفتاء دار
(١) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (١٠٥/٥) و((الضوء اللامع)) (١٠٢/٥) و((العقد الثمين)) (٥٣٤/٥).
(٢) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (١٠٧/٥) و((الضوء اللامع)) (٨٥/٦) و((الدليل الشافي)) (٤٩٧/١)
و((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (٤٢/٤ - ٥٢).
٨٠