النص المفهرس
صفحات 361-380
سنة ثمان وستين وسبعمائة فيها كانت زلزلة هائلة بصفد. • وفيها توفي شِهَابُ الدِّين أحمد بن عُثمان بن أبي بكر بن بَصِيص أبو العَبَّاسِ الَّبيدي(١). قال الخزرجي: كان وحيد دهره في النحو واللغة والعروض، متفنِّناً لوذعيّاً، حسن السيرة، سهل الأخلاق، مبارك التدريس. أخذ النحو عن جماعة، وأخذ عنه أهل عصره، وإليه انتهت الرئاسة في النحو، هرعت إليه الناس (٢) من أقطار اليمن. وشرح مقدمة ابن بابشاذ شرحاً جيداً لم يتم، وله منظومة في القوافي والعروض، وغير ذلك، وكان بحراً لا ساحل له. مات يوم الأحد حادي عشري شعبان. • وفيها آقْبُغَا الأحمدي الجلب (٣). قال في ((الدُّرر)): لا لا الملك الأشرف شعبان. كان من خواص يَلْبُغَا، ثم كان ممن اتفق على قتله (٤)، واستقرَّ بعده أميراً كبيراً، ثم وقع بينه وبين استدمر فآل أمره إلى أن مات في سجن الإِسكندرية في ذي القعدة. (١) انظر ((العقود اللؤلؤية)) (١١١/١) و((بغية الوعاة)) (٣٣٥/١) و((معجم المؤلفين)) (٣١٠/١). (٢) في ((ط)): ((رحل الناس إليه)). (٣) انظر ((الدُّرر الكامنة)) (٣٩١/١ - ٣٩٢). (٤) في ((الدُّرر الكامنة)): ((ممن اتفق مع قتلته)). ٣٦١ • وفيها عَفِيفُ الدِّين أبو محمد عبد الله بن أسعد بن علي بن سُليمان بن فَلاَح شيخ الحجاز اليافعي اليمني ثم المكيّ الشافعي (١). ولد قبل السبعمائة بقليل، وكان من صغره تاركاً لما يشتغل به الأطفال من اللّعب، فلما رأى والده آثار الفلاح عليه ظاهرة بعث به إلى عَدَن، فاشتغل بالعلم، وأخذ عن العَلامة أبي عبد الله البَصَّال وغيره، وعاد إلى بلاده، وحببت إليه الخَلْوَة والانقطاع والسياحة في الجبال، وصحب الشيخ علي الطواشي، وهو الذي سَلّكَه الطريق، ثم لازم العلم، وحفظ ((الحاوي الصغير)) و((الجمل)) للزّجاجي، ثم جاور بمگّة، وتزوج بها. ذكره الإِسنوي في ((طبقاته)) وختم به كتابه، وذكر له ترجمة طويلة، وقال: كان إماماً، يُسترشد بعلومه ويُقْتَدَىْ، وعَلَماً يستضاءُ بأنواره ويهتدى. صنّف تصانيف(٢) كثيرة في أنواع العلوم، إلا أن غالبها صغير الحجم، معقود لمسائل مفردة، وكثير من تصانيفه نظم، فإنه كان يقول الشعر الحسن الكثير بغير كلفة . ومن تصانيفه: قصيدة مشتملة على قريب من عشرين عِلْمًاً إلّ أن بعضها متداخل، كالتصريف مع النحو، والقوافي مع العروض، ونحو ذلك. وكان يصرف أوقاته في وجوه البرّ وأغلبها في العلم، كثيرِ الإِيثار والصَّدَقة، مع الاحتياج، متواضعاً مع الفقر، مترفعاً عن أبناء الدُّنيا، معرضاً عَمَّا في أيديهم. وكان نحيفاً، ربعةً من الرجال، مُرَبّياً للطلبة والمُريدين، ولهم به جمال وعِزَّة، فنعق بهم غراب التفريق، وشتّت شمل سالكي الطريق، فتنكرت(٣) طباعه، وبدت أوجاعه، فشكى من رأسه ألماً، و[من] جسمه سقماً، وأقام أياماً قلائل. (١) انظر ((الوفيات)) لابن رافع (٣١٣/٢ -٣١٤) و((طبقات الشافعية)) للإسنوي (٥٧٩/٢ - ٥٨٣) و((ذيل العبر)) لابن العراقي (٢٢٥/١) و((الدُّرر الكامنة)) (٢٤٧/٢ - ٢٤٩) و((العقد الثمين)) (١٠٤/٥ - ١١٥) و((لحظ الألحاظ)) ص (١٥٢). (٢) في ((آ)) و((ط)): ((تصانيفا)). (٣) تحرفت في ((آ)) و((ط)) إلى ((سكرت)) والتصحيح من (طبقات الشافعية)) للإسنوي (٥٨٢/٢) مصدر المؤلف. ٣٦٢ وتوفي وهو إذ ذاك فضيل مَكَّة وفاضلها، وعالم الأبطح وعاملها، يرتفع ببركة دعائه عنها الويل، وينصبُّ الوبل، وتنفتح(٣) أبواب السماء، فيحضر(٢) منها العالي ویسیل السّافل. انتهى . وقال ابن رافع: (٣اشتهر ذكره وبعد صيته٣) وصنَّف كتباً، منها: ((مرهم العِلَل المُعْضِلَة)) في أصول الدِّين، و((الإِرشاد والتّطريز)) في التّصوف، وكتاب ((نشر المحاسن)) وكتاب ((نشر الرّوض العطر في حياة سيدنا أبي العَبَّاس الخَضِر)) وغير ذلك. وكان يتعصب للأشعري، وله كلام في ذَمِّ ابن تَيْمِيَّة، ولذلك غمزه بعض من يتعصب لابن تّيْمِيَّة من الحنابلة وغيرهم. ومن شعره : وقَائِلة ما لي أَرَاكَ مُجَانِبَاً أُموراً وَفِيهَا للتّجَارَةِ مَرْبَحُ فَنَحْنُ أُنَاسٌ بِالسَّلَامَةِ نَفْرَحُ فَقُلْتُ لها مَا لي برِبحِكِ حَاجةٌ توفي بمكّة في جمادى الآخرة، ودفن بمقبرة باب المعلاة جوار الفضيل بن عياض. واليافعي: نسبة إلى يافع، بالياء والفاء والعين المهملة، قبيلة من قبائل الیمن من حمیر. · وفيها نجم الدِّين عبد الجليل بن سالم بن عبد الرحمن الرّوَيْسُوني الحنبلي (٤) الإِمام الجليل القدوة. اشتغل بالعلم، وحفظ ((المحرّر)) في الفقه، وأعاد بالقبة البَيْبَرسية. وكان حسن الأخلاق، متواضعاً، من أعيان الحنابلة بمصر. (١) في (آ)) و((ط)): ((وتفتح)) والتصحيح من ((طبقات الشافعية)) للإِسنوي. (٢) في ((آ) و((ط)): ((فيحص)) والتصحيح من ((طبقات الشافعية)) للإِسنوي. (٣ - ٣) ما بين الرقمين لم يرد في ((الوفيات)) لابن رافع الذي بين يدي. (٤) انظر ((الوفيات)) لابن رافع (٣١٣/٢) و((ذيل العبر)) لابن العراقي (٢٢٤/١) و((المقصد الأرشد)) (١٣٧/٢) و((لحظ الألحاظ)) ص (١٥٢). ٣٦٣ توفي بالقاهرة يوم الخميس تاسع عشري ربيع الأول. ورُوَيْسون: من أعمال نابلس. • وفيها عبد الوهاب بن أحمد بن وهْبَان الدمشقي الحَنَفي(١). قال في ((الدُّرر)): ولد قبل الثلاثين وسبعمائة، ومهر في الفقه والعربية والقراءات [والأدب]. ودرَّس، وولي قضاء حماة. وكان مشكور السيرة، ماهراً في الفقه والعربية(٢) ونظم قصيدة رائية من الطويل ألف بيت، ضمّنها غرائب المسائل في الفقه، وشرحها، وهي نظم [جيد] متمكن. مات في ذي الحجّة. • وفيها محبي الدِّين محمد بن محمد بن محمد بن الحسن بن نُبَاتة (٣) الشّاعر المشهور المتقدم. تعانى الأدب، ونظم وسطاً، وكتب النسخ وقلم الحاشية والغبار، وتكسَّب من ذلك بدمشق، وقدم القاهرة بعد السبعين، ومات بها بالقرب من ذلك. كذا قال في الدرر، وجزم مختصر ضوء السخاوي (٤) أنه توفي في هذه السنة. ● وفيها يَلْبُغَا بن عبد الله الخَاصكي النَّاصري(٥) الأمير الكبير الشهير، أول ما أَمَّرَهُ النَّاصر حسن مقدم ألف بعد موت تنكز، ثم كان يَلْبُغَا رأس من قام على أستاذه الناصر حسن، حتى قتل، وتسلطن المنصور محمد بن حاجي، فاستقرَّ (١) انظر ((ذيل العبر)) لابن العراقي (٢٣٢/١) و((تاج التراجم)) ص (١٣٨) بتحقيق صديقي الفاضل الأستاذ إبراهيم صالح نفع الله تعالى به، و((الدُّرر الكامنة)) (٤٢٣/٢ - ٤٢٤) و((لحظ الألحاظ)) ص (١٥٢) و((بغية الوعاة)) (١٢٣/٢). (٢) في ((الدُّرر الكامنة)): ((في الفقه والأدب)) وما بين الحاصرتين في الترجمة مستدرك منه. (٣) انظر ((الوفيات)) لابن رافع (٣١١/٢ - ٣١٢) و((ذيل العبر)) لابن العراقي (٢١٩/١) و((الدُّرر الكامنة» (٢١٦/٤ - ٢٢٣). (٤) هو عمر بن أحمد بن علي الشماع الحلبي، المتوفى سنة (٩٣٦) هـ، وسترد ترجمته في الجزء العاشر من الكتاب إن شاء الله تعالى، ومختصره هو ((القبس الحاوي لغرر ضوء السخاوي)). (٥) انظر ((ذيل العبر)) لابن العراقي (٢١٦/١) و((الدُّرر الكامنة)) (٤٣٨/٤ - ٤٤٠). ٣٦٤ أتابكه، ثم خلعه في شعبان سنة أربع وستين، وتسلطن الأشرف شعبان، فتناهت إلى يَلْبُغَا الرئاسة ولقّب نظام الملك، وصار إليه الأمر والنَّهي، وهو السُّلطان في الباطن والأشرف بالاسم، وارتقى إلى أن صار العدد الكثير من مماليكه نواب البلاد، ومُقَدّمي ألوف، واستكثر من المماليك الجلبان، وبالغ في الإِحسان إليهم والإِكرام حتّى صاروا يلبسون الطَّرَر الذهبية العريضة، فإذا وقعت الشمس عليهم تكاد من شدّة لمعانها تخطف البصر، وبلغت عدة مماليكه ثلاثة آلاف، وكان يسكن الكبش بالقرب من قناطر السِّبَاع، وكان موكبه أعظم المواكب، وأمنت في زمنه الطّرقات من العُرْبَان والتّركمان لقطعه أخبارهم(١) وآثارهم، وكان في زمنه وقعة الإِسكندرية، وأخذ الفرنج لها في أوائل سنة سبع وستين، فقام أتمَّ قیام، ونزعها من أيديهم، وصادر جميع النّصارى والرُّهبان، واستنقذ من جميع الديار ما بها من الأموال فحصل(٢) على شيء كثير جداً، حتّى يقال: اجتمع عنده اثنا عشر ألف صليب، منها صليب ذهب زنته عشرة أرطال مصرية. وكانت له صدقات كثيرة على طلبة العلم ومعروف كثير في بلاد الحجاز، وهو الذي حطّ المكس عن الحجّاج بمكّة، وعوّض أمراءها بلداً بمصر، وكان يتعصب للحنفية، حتى كان يُعطي لمن يتمذهب لأبي حنيفة العطاء الجزيل، ورتّب لهم الجامكيات الزائدة، فتحول جمع من الشافعية لأجل الدنيا حنفية، وحاول في آخر عمره أن يجلس الحنفيَّ فوق الشافعي فعاجله القتل، وذلك أن مماليكه منهم اقبغا المتقدم ذكره في أول هذه السنة، اجتمعوا على قتله ففرَّ، ثم جاء طائعاً في عنقه منديل، فأمر السلطان بحبسه، ثم أذن في قتله، وذلك في ربيع الآخر. قاله في ((الدُّرر)). (١) في ((ط)): ((أجنادهم)) وهو خطأ. (٢) في ((ط)): ((تحصل)) وهو خطأ. ٣٦٥ سنة تسع وستين وسبعمائة • في ثاني عشري محرّمها طرق الفِرَنجُ طرابلس في مائة وثلاثين مركباً، فقتلوا وأسروا، وأفسدوا ونهبوا، ورجعوا. • وفيها توفي شِهَابُ الدِّين أبو العَبَّاس أحمد بن لُؤْلُؤْ الِمِصْري الشافعي (١). ولد سنة اثنتين وسبعمائة، واشتغل بالعلم وله عشرون سنة، فأخذ الفقه عن التّقي السُّبكي، والقطب السّنباطي، وغيرهما. وأخذ النحو عن أبي حَيَّان، وبرع واشتغل بالعلم، وانتفع به الناس، وتخرَّج به فضلاء، وحَدَّث، وصَنَّف تصانيف نافعة، منها ((مختصر الكفاية)) في ست مجلدات، و((نكت المنهاج)) في ثلاث مجلدات. وهي كثيرة الفائدة، وكتاب على ((المُهَذِّب)) في مجلدين، و((تهذيب التَّنبیه» مختصر نفیس. ذكره صاحبه الإِسنوي فقال: كان عالماً بالفقه، والقراءات، والتفسير، والأصول، والنحو، يستحضر من الأحاديث شيئاً كثيراً، أديباً، شاعراً، ذكياً، فصيحاً، صالحاً(٢)، ورعاً، متواضعاً، طارحاً للتكلّف، متصوفاً. كثير البرّ والمروءة، حسن الصوت بالقراءة، كثير الحجّ والمجاورة بمكّة والمدينة. وافر العقل، مواظباً على الاشتغال والإِشغال والتصنيف، لا أعلم في أهل العلم بعده (١) انظر ((طبقات الشافعية)) للإسنوي (٥١٤/٢ - ٥١٥) و((ذيل العبر)) لابن العراقي (٢٦٠/١ - ٢٦٢) و((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (١٠٦/٣ - ١٠٨) و((الدُّرر الكامنة)) (٢٣٩/١) و((النجوم الزاهرة» (١٠١/١١) و«حسن المحاضرة)) (٤٣٤/١). (٢) لفظة ((صالح)) سقطت من ((طبقات الشافعية)) للإِسنوي المطبوع الذي بين يدي فلتستدرك. ٣٦٦ من اشتمل على صفاته، ولا على أكثرها. ولم يكتب على فتوى تورعاً، ولم يل تدريساً. وكان كثير الانبساط، حلو النّادرة، فيه دعابة زائدة. توفي في شهر رمضان بمصر، ودفن بتربة الشيخ جمال الدِّين الإِسنوي خارج باب النّصر. • وفيها عز الدِّين أبو يعلى حمزة بن موسى بن أحمد بن الحسين بن بَدْرَان(١) الإِمام العَلامة الحنبلي المعروف بابن شيخ السّلامية. سمع من الحجّار، وتفقه على جماعة، ودرَّس بالحنبلية وبمدرسة السلطان حسن بالقاهرة، وأفتى وصنّف تصانيف عدة، منها على ((إجماع)) ابن حزم استدراكات جيدة، وشرح على ((أحكام)) المجد بن تَّيْمِيَّة، وجمع على ((المنتقى في الأحكام)) عدة مجلدات، وله كتاب نقضِ الإِجماع، واختار بيع الوقف للمصلحة موافقة لابن قاضي الجبل وغيره، وصنّف فيه مصنّفاً سَمَّاه ((رفع الماقلة في منع المناقلة)). وكان له اطلاع جيد ونقل مفيد على مذاهب العلماء المعتبرين، واعتناء بنصوص أحمد وفتاوى الشيخ تقي الدِّين بن تَيْمِيَّة. وله فيه اعتقاد صحيح وقبول لما يقوله وينصره ويوالي عليه ويعادي فيه، ووقف درساً وكتباً بتربته بالصّالحية، وعيّن لذلك الشيخ زين الدِّين بن رجب. توفي بالصّالحية ليلة الأحد حادي عشري ذي الحجّة، ودفن عند والده وجدّه عند جامع الأفرم. • وفيها بَهَاءُ الدِّين أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن عَقيل الشافعي(٢). (١) انظر ((الوفيات)) لابن رافع (٣٣٧/٢ -٣٣٨) و((ذيل العبر)) لابن العراقي (٢٦٧/١ -٢٦٨) و((الدُّرر الكامنة)) (٧٧/٢) و((الدليل الشافي)) (٢٧٩/١) و((الدارس في تاريخ المدارس)) (٧٥/٢ - ٧٦ و٢٦٠) و((القلائد الجوهرية)) (٣٢٥/٢ و٤٢٢) و((المقصد الأرشد)) (٣٦٢/١ - ٣٦٤). (٢) انظر ((طبقات الشافعية)) للإسنوي (٢٣٩/٢ - ٢٤٠) و((الوفيات)) لابن رافع (٣٢٦/٢ -٣٢٨) و((ذيل العبر)) لابن العراقي (٢٤٥/١ - ٢٤٨) و((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة = ٣٦٧ قال ابن شهبة: رئيس العلماء، وصدر الشافعية بالدِّيار المصرية، العقيلي الطّالبي البالسي الحلبي ثم المصري. ولد سنة أربع وتسعين وستمائة [وقيل: سنة سبعمائة](١) وسمع الحديث، وأخذ الفقه عن الزَّين بن الكتَّاني (٢) وغيره، وقرأ النحو على أبي حَيَّن، ولازمه في ذلك اثنتي عشرة سنة، حتى قال أبوحَيَّن: ما تحت أديم السماء أنحى من ابن عَقِيل. وأخذ الأصول والفقه عن العَلاَءِ القُونَوي ولازمه، وقرأ القراءات على التّقي الصّايغ، واشتهر اسمه وعلا ذكره، وناب في الحكم عن القاضي جلال الدِّين، ثم عن العزّ بن جَمَاعة، ودَرَّس بزاوية الشافعي بمصر في آخر عمره، وولي التفسير بالجامع الطَّلوني، وختم به القرآن تفسيراً في مدة ثلاث وعشرين سنة، ثم شرع بعد ذلك من أول القرآن، فمات في أثناء ذلك، وشرح ((الألفية)) شرحاً متوسطاً حسناً لكنه اختصر في النصف الثاني جداً. وشرح ((التسهيل)) شرحاً متوسطاً سَمَّاه بـ ((المساعد))، وشرع في تفسير مطوّل وصل فيه إلى أثناء [سورة] النساء، وله آخر لم يكمله سماه بـ ((التعليق الوجيز على كتاب العزيز)). وقال ابن رافع(٣): كان قويَّ النّفس، تخضع له الدولة، ولا يتردد إلى أحد، وعنده حشمة بالغة وتنطع زائد في الملبس والمأكل. وكان لا يُبقي على شيءٍ. ومات وعليه دين، وقد ولي القضاء نحو ثمانين يوماً، وفرّق على الطلبة والفقهاء في ولا يته مع قصرها نحو ستين ألف درهم، يكون أكثر من ثلاثة آلاف دينار. وذكره الإِسنوي في ((طبقاته)) ولم ينصفه، وفي كلامه تحامل عليه، وكان فيه لثغة . = (٢٩/٣ - ١٣٢) و((الدُّرر الكامنة)) (٢٦٦/٢ - ٢٦٩) و((النجوم الزاهرة)) (١٠٠/١١ -١٠١) و«حسن المحاضرة)) (٥٣٧/١) و((بغية الوعاة)) (٤٧/٢ - ٤٨) و((درة الحجال)) (٦٥/٣ - ٦٦). (١) ما بين الحاصرتين مستدرك من ((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة مصدر المؤلف. (٢) تحرفت في متن ((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة إلى ((الكتناني)) وجاء الصواب في حاشية التحقيق منه في أسفل الصفحة. وهو مترجم في ((طبقات الشافعية)) للإِسنوي (٣٥٨/٢). (٣) لم أر هذا النقل عند ابن رافع في ((الوفيات)) الذي بين يدي وإنما نقلها المؤلّف رحمه الله عن ((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة بتصرف وهي عند ابن شهبة معزوة لابن رافع. ٣٦٨ وروى عنه سبطه جلال الدِّين، والجمال بن ظهيرة، والولي العراقي. ومات بالقاهرة ليلة الأربعاء ثالث عشري ربيع الأول ودفن بالقرب من الإِمام الشافعي . ومن شعره: قَسَماً بما أوليتمُ مِنْ فَضْلِكُم للعَبْدِ عِنْدَ قَوَارِعِ الأيّامِ (١) • وفيها قاضي القضاة موفق الدِّين أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الملك بن عبد الباقي الحجّاوي(٢) الحنبلي، الإِمام العَلامة قاضي القضاة بالدّيار المصرية . سمع الحديث بالقاهرة من ابن الصّاف وطبقته، وحَدّث، فسمع منه الحافظان الزّين العراقي والهيثمي، وتفقه وأفتى، ودرَّس، وباشر القضاء من سنة ثمان وثلاثين إلى أن توفي . ذكره الذهبي في ((معجمه المختص)) فقال: عالمٌ ذكيٌّ خَيِّرٌ، صاحب مروءٍ وديانة وأوصاف حميدة. (٣وله يد طولى في المذهب٣) وقدم علينا، وهو طالب حديث سنة سبع عشرة، فسمع من ابن عبد الدائم، وعيسى المُطَعَّم، وعُني بالرواية، وهو ممن أحبه [في] الله، وحمدت سيرته في القضاء، وانتشر في أيامه مذهب أحمد بالديار المصرية وكثر فقهاء الحنابلة بها . انتهى. وأثنى عليه الأئمة، منهم أبو زُرْعَة ابن العراقي، وابن حبيب. (١) وأتبعه السيوطي في ((بغية الوعاة) ببيت آخر هو: مَا غَاضَ ماءُ وِدَادِهِ وَثنَائِه بَلْ ضَاعَفَتْهُ سَحَائِبُ الإِنْعَامِ (٢) انظر ((المعجم المختص)) ص (١٢٧ - ١٢٨) و((الوافي بالوفيات)) (٥٩٦/١٧ - ٥٩٧) و ((ذيل العبر)» لابن العراقي (٢٣٩/١ -٢٤١) و((الدُّرر الكامنة)) (٢٩٧/٢ -٢٩٨) و((النجوم الزاهرة)» (٩٩/١١) و((المقصد الأرشد)) (٥٨/٢ - ٦٠) و((الجوهر المنضد)) ص (٧٤ - ٧٥) وقد تصحفت ((الحجّاوي)) فيه إلى ((الحجازي)) فلتصحح. (٣ - ٣) ما بين الرقمين لم يرد في ((المعجم المختص)). ٣٦٩ توفي نهار الخميس سابع عشري المحرم بالقاهرة، ودفن بتربته التي أنشأها خارج باب النصر. · وفيها زين الدِّين أبو الفرج عبد الرحمن بن أبي بكر بن أيوب بن سعد أخو شمس الدِّين بن قَيِّم الجوزية الحنبلي(١). كان إماماً قدوة. سمع من ابن عبد الدائم وعيسى المُطَعِّم، والحجّار. وحَدَّث. وذكره ابن رجب في ((مشيخته)) وقال: سمعت عليه كتاب ((التوكّل)) لابن أبي الدنيا بسماعه على الشّهاب العابد(٢)، وتفرَّد بالرواية عنه. توفي ليلة الأحد ثامن عشري ذي الحجّة وصُلَّي عليه من الغد بجامع دمشق، ودفن بالباب الصغير. • وفيها القاضي صدر الدِّين أبو عبد الله محمد ابن أبي بكر بن عَيَّاش بن عسكر، المعروف بابن الخابوري(٣) الشافعي، شيخ(٤) طرابلس وخطيبها ومفتيها. أخذ عن البُرهان الفَزَاري، والزّين بن الزَّمَلْكَاني، ودخل مصر، أخذ عن علمائها. وسمع وحَدَّث وأشغل(٥) وأفاد، وولي القضاء بصفد مدة، وكانت تأتيه الفتاوى من البلاد البعيدة. جاء رجل بفتوى إلى الشيخ فخر الدِّين المصري، فقال له: من أين أنت؟ قال: من صفد، فقال: عندكم مثل ابن الخَابُوري وتسألنا هو أعلم منا؟ ورد الفتوى. ثم نقل إلى قضاء طرابلس، ثم عُزِلَ واستمرّ على الخطابة . (١) انظر ((الوفيات)) لابن رافع (٣٣٩/٢) و((ذيل العبر)) لابن العراقي (٢٦٩/١ - ٢٧٠) و((الدُّرر الكامنة)) (٣٢٦/٢) و((المقصد الأرشد)) (٨٣/٢ -٨٤) و((الجوهر المنضد)) ص (٥٧). (٢) في ((ط)): ((العابر)) وهو خطأ. (٣) انظر ((البداية والنهاية)) (١٠٧/١٤) و((الوفيات)) لابن رافع (٣٢٢/٢) و((ذيل العبر)) لابن العراقي (٢٣٨/١ -٢٣٩) و((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (١٤٨/٣ - ١٥٠) و((الدُّرر الكامنة)) (٤٠٦/٣ - ٤٠٧). (٤) لفظة ((شيخ)) سقطت من ((آ)). (٥) في ((ط)): ((واشتغل)) وهو خطأ وما جاء في ((آ)) موافق لما عند ابن شهبة مصدر المؤلف. ٣٧٠ قال ابن كثير: كان فقيهاً، جيداً، مستحضراً للمذهب، له اعتناء جيد، وقد أذن لجماعة بالإِفتاء. توفي بالمحرّم وقد جاوز السبعين، ووالده كان قاضي بعلبك. قال ابن كثير: كان أكبر أصحاب الشيخ تاج الدِّين الفَزَاري. توفي بدمشق في جمادى الأولى سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة عن سبعين سنة . • وفيها شمس الدِّين أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الحميد بن عبد الهادي بن محمد بن يوسف بن قُدَامة الشيخ المُسْنِدِ المُعَمِّر الأصيل الحنبلي (١) . ولد سنة ثمان وثمانين وستمائة، وحضر على ابن البُخَاري، وتفرَّد عنه برواية ((جزء ابن نجيب)) وسمع منه الحافظان الزّين العراقي والنّور الهيثمي، والشيخ شهاب الدِّين بن حجي . توفي يوم الثلاثاء ثاني ذي الحجّة بالصّالحية ودفن بقاسيون. • وفيها شمس الدِّين أبو عبد الله محمد بن يوسف بن عبد اللطيف الحَرَّاني ثم المصري (٢) الحنبلي، الإِمام القدوة. سمع ((صحيح البخاري)) على الحجَّار، وسمع أيضاً على حسن الكردي وغيره، وحَدَّث، فسمع منه أبو زُرْعَة العِرَاقي توفي في رمضان بالقاهرة. · وفيها قاضي القضاة جمال الدِّين أبو المحاسن يوسف بن محمد بن التّقي عبد الله بن محمد بن محمود الشيخ الإِمام العَلامة الصّالح الخاشع، شيخ الإِسلام المَرْدَاوي الحنبلي(٣). (١) انظر ((الوفيات)) لابن رافع (٣٣٧/٢) و((ذيل العبر)) (٢٦٧/١) و(«الدُّرر الكامنة)) (٤٨٢/٣ -٤٨٣) و((الجوهر المنضد)) ص (١٢٠ - ١٢٢) و((القلائد الجوهرية)) (٤٢٦/٢ - ٤٢٧). (٢) انظر ((ذيل العبر)) لابن العراقي (٢٦٤/١) و((الدُّرر الكامنة)) (٢٩٨/٤) و((المقصد الأرشد)) (٥٤٣/٢). (٣) انظر ((المعجم المختص)) ص (٣٠١ - ٣٠٢) و((الوفيات)) لابن رافع (٣٢٥/٢) و((تذكرة النبيه)) = ٣٧١ ولد سنة سبعمائة تقريباً، وسمع ((صحيح البخاري)) من ابن عبد الدائم، وابن الشِّحنة، ووزيرة، وسمع من غيرهم، وأخذ النحو عن القُحْفَازي. وولي قضاء الحنابلة بالشام سبع عشرة سنة بعد موت ابن المُنَّجَّى بعد تمنّع زائد وشروطٍ شَرَطَهَا عليهم، واستمر إلى أن عُزِلَ في سنة سبع وستين بشرف الدِّين بن قاضي الجبل، وذلك لخيرة عند الله تعالى. وكان يدعو أن لا يتوفاه الله قاضياً. ذكره الذهبي في ((المعجم المختص)) فقال: الإِمام المفتي الصَّالح أبو الفضل، شاب خَيِّرٌ، إمام في المذهب، وله اعتناء بالإِسناد. وقال الشهاب بن حجي: كان عفيفاً نزهاً، ورعاً، صالحاً، ناسكاً، خاشعاً، ذا سمت حَسَنٍ (١) ووقار، يركب الحمارة(٢)، ويفصل الحكومات بسكونٍ، عارفاً بالمذهب، لم يكن فيهم مثله، وشرح ((المقنع)) وجمع كتاباً في الفقه سَمّاه ((الانتصار)) ومصنّفاً سَمّاه ((الواضح الجلي في نقض حكم ابن قاضي الجبل الحنبلي)) وذلك أنه اختار جواز بيع الوقف لمصلحة وحكم به. وقال ابن حبيب في ((تاريخه)): عالم علمه زاهر وبرهان وَرَعِهِ ظاهر، وإمام تتبع طرائقه وتغتنم ساعاته ودقائقه. كان لين الجانب، متلطفاً بالطالب، رَضِيَّ الأخلاق، شديد الخوف والإِشفاق، عفيف اللّسان، كثير التواضع والإِحسان، لا يسلك في ملبسه سبيل أبناء الزّمان، ولا يركب حتّى إلى دار الإِمارة غير الأتان. توفي يوم الثلاثاء ثامن ربيع الأول بالصالحية، ودفن بتربة الموفق بسفح قاسیون. = (٣١٨/٣) و((ذيل العبر)) لابن العراقي (٢٤٤/١ - ٢٤٥) و((الدُّرر الكامنة)) (٤٧٠/٤) و((النجوم الزاهرة)) (١٠٠/١١) و((المقصد الأرشد)) (١٤٥/٣ - ١٤٧) و((الدارس في تاريخ المدارس)) (٤٢/٢ - ٤٣) و((الجوهر المنضد)) ص (١٧٦ - ١٧٩) و((القلائد الجوهرية)) (٣٦٤/٢ - ٣٦٦). (١) لفظة ((حسن)) لم ترد في ((المقصد الأرشد)). (٢) في ((المقصد الأرشد)): ((يركب الحمار)). ٣٧٢ سنة سبعين وسبعمائة • في رجبها هلك صاحب قبرس(١) الذي هجم على بلاد (٢) الإِسكندرية وتولى ولده فأرسل بهدية (٣إلى السلطان(٣)، وطلب الهدنة فوقع الصّلح ولله الحمد. ● وفيها توفي صاحب تونس إبراهيم بن أبي بكر بن يحيى بن إبراهيم (٤) واستقرَّ بعده ابنه أبو البقاء خالد. • وفيها قاضي القضاة بدر الدّين الحسن بن محمد بن سليمان بن حمزة بن أحمد بن أبي عمر الحنبلي الشيخ الإِمام المقدسي الأصل ثم الدمشقي (٥). سمع من جدّه، وعيسى المُطَعِم، وغيرهما. وحَدَّث، ودرَّس بدار الحديث الأشرفية بسفح قاسيون، ودرس بالجوزية أيضاً. وكان بيده نصف تدريسها، وناب في الحكم عن ابن قاضي الجبل. وتوفي ليلة الخميس خامس ربيع الأول ودفن بسفح قاسيون. (١) المعروفة الآن بـ ((قبرص)). (٢) لفظة ((بلاد)) سقطت من ((ط)). (٣) ما بين الرقمين سقط من ((ط)). (٤) انظر ((النجوم الزاهرة)) (١٠٧/١١). (٥) انظر (الوفيات)) لابن رافع (٣٤١/٢ -٣٤٢) و((ذيل العبر)) (٢٧٩/١) و((الدُّرر الكامنة)) (٣٥/٢ - ٣٦) و((الدارس في تاريخ المدارس)) (٥٣/١ -٥٤) و((القلائد الجوهرية)) (٩٩/١). 3 ٣٧٣ • وفيها رَضي الدِّين أبو مدين شعيب بن محمد بن جعفر بن محمد التّونسي النّحوي(١) . قال في ((الدُّرر)): كان أحد أذكياء العالم. ولد في شعبان سنة سبع وعشرين وسبعمائة، وأخذ عن ابن عبد السلام وغيره، وكان عَلّامةً في الفقه، والنحو، والفرائض، والحساب، والمنطق، جيد القريحة، وافر الفضل، أتقن علوماً عدة، حتّى الكتابة والتّزميك، وقدم القاهرة سنة سبع وخمسين ثم توطن حماة ومات بها. · وفيها القاضي شمس الدِّين أبو عبد الله محمد بن خَلَف بن كامل بن عطاء الله الغزي ثم الدمشقي الشافعي (٢). مولده سنة ست عشرة وسبعمائة بغزّة، وأخذ بالقدس عن الشيخ تقي الدِّين القَلْقَشَندي، وقدم دمشق، واشتغل بها، ثم رحل إلى القاضي شرف الدّين البارزي، فتفقه عليه. وأذن له بالفُتيا، ثم عاد إلى دمشق، وجدَّ واجتهد، وسمع الحديث، ودرَّس، وأعاد، وناب للقاضي تاج الدِّين السّبكي، وترك له تدريس الناصرية الجوانية، وألّف كتاب ((ميدان الفُرْسَان)) جمع فيه أبحاث الرَّافعي، وابن الرِّفْعَة، والسبكي، وهو كتاب نفيس في خمس مجلدات. توفي في شهر رجب ودفن بتربة السبكيين. • وفيها بدر الدِّين أبو عبد الله محمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن سَمْحَان الوائلي البَكْري العَلامة الشافعي الأصیل، إمام أهل اللغة في عصره المعروف بابن الشّريشي (٣) أخذ عن والده، وقرأ النحو (١) انظر ((الدُّرر الكامنة)) (١٩٢/٢) و(«بغية الوعاة)) (٤/٢). (٢) انظر ((طبقات الشافعية الكبرى)) (١٥٥/٩ - ١٥٦) و((الوفيات)) لابن رافع (٣٤٥/٢ - ٣٤٦) و((ذيل العبر)) لابن العراقي (٢٨٣/١) و((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (١٦٥/٣ - ١٦٦) و((الدُّرر الكامنة)) (٤٣٢/٣) و((النجوم الزاهرة)) (١٠٥/١١) و((الدارس في تاريخ المدارس)) (٤٦٣/١). (٣) انظر ((الوفيات)) لابن رافع (٣٤٤/٢ - ٣٤٥) و((ذيل العبر)) لابن العراقي (٢٨٢/١ - ٢٨٣) و((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (١٧٨/٣ - ١٧٩) و((النجوم الزاهرة)) (١٠٥/١١) و((الدارس في تاريخ المدارس)) (١٦٣/١) و((بغية الوعاة)) (٤٤/١). ٣٧٤ على أبي العَبّاس الغَسَّاني، وبرع في الفقه، واللغة، والغريب، ونظم الشعر. وكان يستحضر ((الفائق)) للزمخشري و((الصحاح)) و ((الجمهرة)) و (النهاية)) و ((غريب أبي عُبيد)) و((المنتهى في اللغة)) للبرمكي وهو أكثر من ثلاثين مجلداً. وقد عُقِدَ له مجلس بحضرة أعيان علماء دمشق وامتحن في هذه الكتب في شعبان سنة ثلاث وستين، ونزل له والده عن درس الإِقبالية، وكان قليل الاختلاط بالناس منجمعاً على طلب العلم، وكان أخوه شرف الدِّين يقول: أخي بدر الدِّين أزهد مني . قال ابن حبيب في ((تاريخه)): توفي في ربيع الآخر عن ست وأربعين سنة ودفن عند والده. • وفيها أقضى القُضاة صلاح الدِّين أبو البركات محمد بن محمد بن المُنَجِّى بن عثمان بن أسعد التّنُوخِي المَعَرِّي الحنبلي(١). سمع الحجّار وطبقته، وحفظ ((المحرّر)) ودرَّس بالمسمارية والصّدرية، وناب في الحكم لعمِّه قاضي القضاة علاء الدِّين، ثم ناب للقاضي شرف الدِّين بن قاضي الجبل. وكان من أولاد الرؤساء، ذا دين وصيانة. حَدَّث ودرّس، وحجَّ غير مرة، وكان كريم النّفس، حسن الخُلُق والشكل، ذا حشمة ورئاسة، على قاعدة أسلافه. توفي ليلة الخميس رابع شهر ربيع الآخر، وصُلِّي عليه من الغد بجامع دمشق، ودفن بتربتهم بالصّالحية وقد جاوز الخمسين. (١) انظر ((الوفيات)) لابن رافع (٣٤٣/٢ - ٣٤٤) و((ذيل العبر)) لابن العراقي (٢٧٩/١ - ٢٨٠) و((الدُّرر الكامنة)) (٢٣٩/٤ - ٢٤٠) و((المقصد الأرشد)) (٥٢٣/٢ - ٥٢٤) و((الجوهر المنضد)) ص (١٥٦) و((الدارس في تاريخ المدارس)) (١٢٠/٢) و((القلائد الجوهرية)) (٥٠٠/٢). ٣٧٥ سنة إحدى وسبعين وسبعمائة · فيها توفي قاضي القضاة شرف الدِّين أبو العَبَّاس أحمد بن الحسن بن عبد الله بن أبي عمر محمد بن أحمد بن قُدَامة الحنبلي، الشيخ الإِمام، جمال الإِسلام، صدر الأئمة الأعلام، شيخ الحنابلة، المقدسي الأصل ثم الدمشقي المشهور بابن قاضي الجبل(١) . مولده على ما كتبه بخطّه في الساعة الأولى من يوم الاثنين تاسع شعبان سنة ثلاث وتسعين وستمائة، وكان متفنناً، عالماً بالحديث وعِلَلِهِ، والنحو، واللغة، والأصلين، والمنطق. وله في الفروع القدم العالي. قرأ على الشيخ تقي الدِّين بن تَيْمِيَّ عدة مُصَنَّفات في علوم شتّى، وأذن له في الإِفتاء فأفتى في شبيبته، وسمع في الصِّغَر من الفَرَّاء، وابن الواسطي، ثم طلب بنفسه بعد العشر وسبعمائة، وأجازه والده، والمُنَّجَّى التنوخي، وابن القوّاس، وابن عساكر. وفي مشايخه كثرة. ودرّس بعدة مدارس، ثم طُلِبَ في آخر عمره إلى مصر ليدرِّس بمدرسة السّلطان حسن. وولي مشيخة سعيد السعداء، وأقبل عليه أهل (٢) مصر وأخذوا عنه، وأقام بها مدة يدرِّس ويُشْغِلُ ويفتي، ورأس على أقرانه إلى أن ولي القضاء بدمشق بعد جمال الدِّين المرداوي سنة سبع وستين، وكان عنده مُدَاراة وحبّ (١) انظر ((المعجم المختص)) ص (١٦) و((ذيل طبقات الحنابلة)) (٣٥٨/٢) و((الوفيات)) لابن رافع (٣٥٤/٢) و((ذيل العبر)) لابن العراقي (٤٩٤/٢ - ٢٩٥) و((الدُّرر الكامنة)) (١٢٠/١ -١٢١) و((النجوم الزاهرة)) (١٠٨/١١) و((الدارس في تاريخ المدارس)) (٤٤/٢ -٤٦) و((القلائد الجوهرية)» (٤٩١/٢ -٤٩٢) و((المعجم المختص)) ص (١٦). (٢) لفظة ((أهل)) سقطت من ((آ)). ٣٧٦ للمنصب، ووقع بينه وبين الحنابلة، وباشر القَضَاء دون الأربع سنين إلى أن مات وهو قاض. وذكره الذهبي في ((معجمه المختص)) والحُسَيني فقال فيه: مفتي الفِرَق، سيف المناظرين. وبالغ ابن رافع وابن حبيب في مدحه. ومن إنشاده وهو بالقاهرة: والصَّالحونَ بها أَقامُوا الصَّالِحِيَّةُ جَنَّةٌ مِنِّي التَّحِيَّةُ والسَّلامُ فَعَلَى الدِّيارِ وَأَهْلِهِا وله أيضاً: وَشَيْخِيْ أَحْمَدٌ كَالبَحْرِ طامي نَبِييّ أَحْمَدٌ وَكَذَا إمامي شَفَاعَةَ أَشْرَفِ الرُّسُلِ الكِرامِ وإِسْمي أَحْمدٌ وبذاكَ أَرْجو وله اختيارات في المذهب، منها ((بيع الوقف للحاجة)) ومنها أن النزول (١ عن الوظيفة١) تولية، وله عدة مصنّفات، منها كتاب ((المناقلة في الأوقاف وما في ذلك من النزاع والخلاف)) وتبعه على ذلك جماعة وكلّهم تبع للشيخ تقي الدِّين(٢). توفي بمنزله بالصالحية يوم الثلاثاء رابع عشر رجب ودفن بتربة جده الشيخ أبي عمر. • وفيها شِهَابُ الدِّين أحمد بن محمد بن عمر بن حسين الشيخ الصّالحي المُسْنِدِ الشِّيرَازيّ الأصل ثم الدمشقي الحنبلي المعروف بزُغنُش - بزاي مضمومة ثم غين معجمة ثم نون مضمومة ثم شين معجمة كذا ضبطه صاحب ((المبدع)) في كتابه ((المقصد الأرشد في ذكر أصحاب أحمد)) - ويعرف أيضاً بابن مهندس الحَرَمِ(٣) . (١ - ١) ما بين الرقمين سقط من ((آ)) و((ط)) واستدركته من ((الدارس في تاريخ المدارس)). (٢) يعني ابن تيمية رحمه الله تعالى. (٣) انظر ((الوفيات)) لابن رافع (٣٥٠/٢ - ٣٥١) و((ذيل العبر)) لابن العراقي (٢٩٠/٢) و((الدُّرر الكامنة)) (٢٩٠/١) و((المقصد الأرشد)) (١٨١/١) و((الدارس في تاريخ المدارس)) (١٢٥/٢) و((القلائد الجوهرية)) (٤١٩/٢). ٣٧٧ ولد سنة بضع وسبعين وستمائة، وسمع على (١) الفخرِ بن البخاري، وحَدّث فسمع منه الحسيني، وابن رجب، وغيرهما. وكان قَيِّم الضِّيائية، رجلاً، جيداً، كثير التَّلَاوة للقرآن، من الأخيار الصَّالحين، وطال عمره، حتّى رأى من أولاده وأحفاده مائة، وهو جد المُحَدِّث شِهَاب الدِّين أحمد بن المهندس. توفي يوم الأحد ثامن المحرم ودفن بتربة الموفق بالرّوضة وقد قارب المائة. · وفيها سري الدِّين أبو الوليد إسماعيل بن محمد بن محمد بن علي بن عبد الله بن هانىء الغَرْنَاطيّ المالكي (٢). ولد سنة ثمان وسبعمائة بغرناطة، وأخذ عن جماعة من أهل بلده كابن جُزَي، وقدم القاهرة فذاكر أبَا حَيَّان، ثم قدم الشام، وأقام بحماة واشتُهرَ بالمهارة في العربية، وولي قضاء المالكية بحماة وهو أول مالكي ولي القضاء بها، ثم قضاء الشام، ثم أُعيد إلى حماة، ثم دخل مصر وأقام يسيراً، وشرحٍ ((تلقين)) أبي البقاء في النحو، وقطعة من ((التسهيل)) وكان يحفظ من الشواهد كثيراً جداً، ولم يكن من المالكية بالشام مثله في سَعَة علومه، وبالغ ابن كثير في الثناء عليه. قال: وكان كثير العبادة وفي لسانه لثغة في حروف متعددة، ولم يكن فيه ما يعاب إلّ أنه استناب ولده، وكان سيىء السيرة جداً، وكان يحفظ ((الموطأ)) ويرويه عن ابن جُزَي. وروى عنه ابن عشائر(٣)، والجمال خطيب المنصورية وجماعة. توفي في ربيع الآخر. قاله السيوطي في ((طبقات النُّحاة)). · وفيها قاضي القُضاة تاج الدِّين أبو نصر عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي بن علي بن تَمّام بن يوسف بن موسى ابن تَمَّام السُّبكي الشافعي (٤). (١) لفظة ((على)) سقطت من ((آ)). (٢) انظر ((الوفيات)) لابن رافع (٣٥٢/٢) و((ذيل العبر)) لابن العراقي (٢٩١/٢ - ٢٩٢) و((الدُّرر الكامنة)) (٣٨٠/١) و((بغية الوعاة)) (٤٥٦/١) وترجم له الحافظ السخاوي في ((الذيل التام على دول الإِسلام)» الورقة (١٤٧) من المنسوخ. (٣) تحرفت في ((آ)) و((ط)) إلى ((ابن عساكر)) والتصحيح من ((بغية الوعاة)) وهو محمد بن علي بن محمد السلمي الحلبي بن عشائر، وسترد ترجمته في وفيات سنة (٧٨٩) من هذا المجلد ص (٥٣٠). (٤) انظر ((المعجم المختص)) ص (١٥٢) و((البداية والنهاية)) (٣١٦/١٤) و((الوفيات)) لابن رافع = ٣٧٨ .1 ولد بالقاهرة سنة سبع وعشرين وسبعمائة، وسمع بمصر من جماعة، ثم قدم دمشق مع والده في جمادى الآخرة سنة تسع وثلاثين، وسمع بها من جماعة، واشتغل على والده وغيره، وقرأ على الحافظ المِزِّيٍ، ولازم الذهبي، وتخرَّج به، وطلب بنفسه، ودأب، وأجازه شمس الدِّين بن النّقيب بالإِفتاء والتدريس، ولما مات ابن النَّقيب كان عمره ثمان عشرة سنة، وأفتى، ودرَّس، وصنَّف وأشغل، وناب عن أبيه بعد وفاة أخيه القاضي حسين، ثم اشتغل بالقضاء بسؤال والده في شهر ربيع الأول سنة ست وخمسين، ثم عزل مدة لطيفة، ثم أُعيد، ثم عزل بأخيه بهاء الدِّين، وتوجه إلى مصر على وظائف أخيه، ثم عاد إلى القضاء على عادته، وولي الخطابة بعد وفاة ابن جملة، ثم عزل، وحصل له فتنة شديدة، وسجن بالقلعة نحو ثمانين يوماً، ثم عاد إلى القضاء. وقد درَّس بمصر والشام بمدارس كبار، العزيزيةَ والعادلية الكبرى، والغَزَالية، والعذراوية، والشاميتين، والناصرية، والأمينية، ومشيخة دار الحديث الأشرفية، وتدريس الشافعي بمصر والشيخونية والميعاد بالجامع الطولوني، وغير ذلك. وقد ذكره الذهبي في ((المعجم المختص)) وأثنى عليه. وقال ابن كثير: جرى عليه من المِحَن والشدائد ما لم يجر على قاض قبله، وحصل له من المناصب ما لم يحصل لأحد قبله. وقال الحافظ شهاب الدِّين بن حجي : خرَّج له ابن سعد ((مشيخة)) ومات قبل تكميلها، وحَصَّل فنوناً من العلم، من الفقه والأصول، وكان ماهراً فيه، والحديث والأدب، وبرع، وشارك في العربية، وكان له يد في النّظم والنثر، جيد البديهة، ذا بلاغة وطلاقة لسان وجراءة جنان، وذكاء مفرط، وذهن وقّاد، صنّف تصانيف عدة في فنون على صغر سنه وكثرة أشغاله قُرِئَتْ عليه وانتشرت في حياته وبعد موته. قال: وانتهت إليه رئاسة القضاء والمناصب بالشام، وحصلت له محنة بسبب = (٣٦٢/٢ - ٣٦٤) و((ذيل العبر)) لابن العراقي (٣٠٣/٢ - ٣٠٦) و((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (١٤٠/٣ - ١٤٣) و((الدَّرر الكامنة)) (٤٢٥/٢) و((النجوم الزاهرة)) (١٠٨/١١) و((حسن المحاضرة)) (٣٢٨/١). ٣٧٩ القضاء وأوذي فصبر، وسجن فثبت، وعقدت له مجالس فأبان عن شجاعة وأفحم خصومه مع تواطئهم عليه، ثم عاد إلى مرتبته وعفا وصفح عمن قام عليه، وكان سَيِّداً، جواداً، كريماً، مهيباً(١)، تخضع له أرباب المناصب من القضاة وغيرهم. توفي شهيداً بالطّاعون في ذي الحجّة خطب يوم الجمعة وطعن ليلة السبت رابعه ومات ليلة الثلاثاء ودفن بتربتهم بسفح قاسيون عن أربع وأربعين سنة . ومن تصانيفه ((شرح مختصر ابن الحاجب)) في مجلدين سَمَّه ((رفع الحَاجِب عن مختصر ابن الحاجب)) و((شرح منهاج البيضاوي)) و((القواعد المشتملة على الأشباه والنظائر)) و((طبقات الفقهاء الكبرى)) في ثلاثة أجزاء و((الوسطى)) مجلد ضخم، و((الصُّغرى)) مجلد لطيف، و((الترشيح)) في اختيارات والده(٢)، و((التوشيح)) على التنبيه و((التصحيح)) و((المنهاج)) و((جمع الجوامع)) في أصول الفقه وشرحه بشرح سماه ((منع الموانع)) و((جلب حلب)) جواب عن أسئلة سأل عنها الأذرعي، وغير ذلك. • وفيها موفق الدِّين أبو الحسن علي بن أبي بكر بن محمد بن علي بن شَدَّاد الحِمْيَري اليمني(٣). قال الخزرجي: كان فقيهاً، عالماً، نحوياً، لغوياً، مُحَدِّثاً، عارفاً، محقّقاً في فنونه، انتهت إليه الرئاسة في اليمن في القراءات، ورحل إليه الناس، وانتشر ذكره. مات ليلة الاثنين تاسع شوال. · وفيها أقضى القُضاة بدر الدِّين أبو المَعَالي محمد بن محمد بن عبد اللطيف أبي الفتح بن يحيى بن علي بن تَمَّام الأنصاري الشافعي السُّبكي (٤). (١) كذا في ((ط)) و((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة ((مهيباً) وفي ((آ)): (مهاباً)). (٢) قال ابن قاضي شهبة في ((الطبقات)): ((وفيه فوائد غريبة، وهو أسلوب غريب)). (٣) ذكره عرضاً البريهي في ((طبقات صلحاء اليمن)) ص (٦٢) وانظر حاشية محققه الأستاذ عبد الله محمد الحبشي عليه. (٤) انظر ((الوفيات)) لابن رافع (٣٥٦/٢ - ٣٥٧) و((ذيل العبر)) لابن العراقي (٢٩٧/٢ - ٢٩٨) و((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (١٨١/٣ - ١٨٣) و((الدُّرر الكامنة)) (١٨٩/٤) و((الدارس في تاريخ المدارس)» (٢٥٤/١ - ٢٥٦). ٣٨٠