النص المفهرس
صفحات 321-340
سنة تسع وخمسين وسبعمائة • فيها توفي أبو الغيث بن عبد الله بن رَاشد السَّكُوني الكِندي الحَضْرمي(١). قال الخزرجي: كان فقيهاً، بارعاً، محقّقاً، عارفاً بالفقه والنحو واللغة والمعاني والبيان والعروض والقوافي، أخذ عن جماعة من أهل زَبيد، وولي القضاء بها وتدريس العفيفية، ثم نقله المجاهد إلى تعز لتدريس مدرسته فاستمر بها إلى أن مات. ● وفيها الحسين بن علي بن أبي بكر بن محمد بن أبي الخير المَوْصلي الحنبلي(٢). قدم الشام، وكان شيخاً طوالاً، ذكياً، له قدرة على نظم الألغاز، وكتابته جيدة. وكان يذكر أنه سمع ((جامع الأصول)) ودرّس. وتوفي في خامس عشر رمضان، وهو والد الشيخ عزّ الدّين الموصلي. • وفيها علاء الدِّين علي بن عبد الرحمن بن الحسين الخطيب بن الخطيب العُثماني الصَّفَدي الشافعي (٣). ناب في الحكم بصَفَد، وخطب بها ودرَّس، وقام بالفتوى بعد ابن الرسام، وله مختصر في الفقه سماه ((النافع)). (١) انظر ((بغية الوعاة)) (٢٤١/٢) و((العقود اللؤلؤية)) (١٠٧/١). (٢) انظر ((الدُّرر الكامنة)) (٥٩/٢) و((المقصد الأرشد)) (٣٤٦/١ - ٣٤٧). (٣) انظر ((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (٤٧/٣) و((الدَّرر الكامنة)) (٥٨/٣ - ٥٩). ٣٢١ توفي بصفد عقب وصوله من الحجّ وهو أخو القاضي شمس الدين العثماني قاضي صفد، وصاحب ((طبقات الفقهاء)) المحشوة بالأوهام، و((تاريخ صفد)) وغيرهما. قاله ابن قاضي شهبة. · وفيها شمس الدِّين محمد بن إبراهيم بن إسماعيل المعروف بالحُفَّة - بمهملة وفاء وقد يصغر فيقال حُفَيْفَة - الحنبلي (١) الشيخ الصّالح المقرىء الملقن المُعَمّر. سمع من ابن البخاري ((مشيخته))، وحَدَّث وسمع منه ابن رجب، والعراقي، وطائفة. وكان يُقرىءُ بالجامع المُظَفَّري، وقرأ عليه جماعة مستكثرة. توفي ليلة الثلاثاء عاشر ربيع الأول بالصَّالحية ودفن بسفح قاسيون. • وفيها شمس الدِّين محمد بن أحمد بن الحسن بن عبد الله بن عبد الواحد المقدسي الأصل ثم الدمشقي (٢) الحنبلي الشيخ الإِمام. كان إماماً بمحراب الحنابلة بجامع دمشق، وحضر على ابن البخاري ((المسند)) وسمع من جَدِّه لَأَمِّه الشيخ تقي الدين الوَاسِطي، وابن عساكر، وغيرهما. وحَدَّث، وسمع منه الحُسَيني، وابن رجب. توفي يوم السبت سابع عشر شعبان بسفح قاسیون ودفن به. • وفيها شمس الدِّين أبو عبد الله محمد بن محمد بن عثمان بن موسى الآمدي ثم المكِّي الحنبلي (٣). إمام مقام الحنابلة بمكّة - شَرَّفَهَا الله تعالى - ولي الإِمامة بعد وفاة والده، فباشرها أحسن مباشرة، واستمرّ نحو ثلاثين سنة، وسمع الحدیث من والده وغيره. (١) انظر ((ذيول العبر)) ص (٣٢٣ - ٣٢٤) و((الوفيات)) لابن رافع (٢٠٩/٢) و((الدُّرر الكامنة)) (٢٩٤/٣) و((المقصد الأرشد)) (٣٣٦/٢). (٢) انظر ((الوفيات)) لابن رافع (٢١٢/٢ - ٢١٣) و ((الدارس في تاريخ المدارس)) (١٢٣/٢) والمقصد الأرشد)) (٣٦٢/٢ -٣٦٣) و((القلائد الجوهرية)» (٤٢٨/٢). (٣) انظر ((العقد الثمين)) (٣١٦/٢) و((الدُّرر الكامنة)) (٣١٨/٣) و((المقصد الأرشد)) (٥٠٨/٢ - ٥٠٩). ٣٢٢ • وفيها شمس الدِّين محمد بن يحيى بن محمد بن سعد(١) بن عبد الله بن سعد بن مُفلح بن هبة الله بن نُمَير (٢)، الشيخ الإِمام العالم المُتقن المُحَدِّث المفيد الحنبلي المقدسي، ثم الصَّالحي. ذكره الذهبي في ((معجمه المختص)) فقال: المُحَدِّث الفاضل البارع، مفيد الطلبة، بكّر به والده، فسمع كثيراً وهو حاضر، وسمع من خلق كثير، وطلب بنفسه، وكتب ورحل، وخرَّج للشيوخ. وقال الحسيني: سمع خلقاً(٣) كثيراً وجَمَّاً غفيراً، وجمع فأوعى، وكتب ما لا يُحصى، وخرَّج لخلق من شيوخه وأقرانه، وأثنى عليه ابن كثير، وابن حبیب، وغيرهما. توفي يوم الاثنين ثالث ذي القعدة بالصَّالحية ودفن بقاسيون وقد قارب الستین . (١) في ((آ)) و((ط)): ((سعيد)) والتصحيح من مصادر الترجمة . (٢) انظر ((ذيول العبر)) ص (٣٢٣) و((المعجم المختص)) ص (٢٦٦) و((الوفيات)) لابن رافع (٢١٤/٢ - ٢١٦) و((البداية والنهاية)) (٢٦٣/١٤) و((الدُّرر الكامنة)) (٢٨٣/٤) و((ذيل تذكرة الحفّاظ)» للحسيني ص (٥٩ - ٦١) و((تذكرة النبيه)) (٢١٦/٣). (٣) لفظة ((خلقاً)) سقطت من ((ذيل تذكرة الحفّاظ)) للحسيني فلتستدرك. ٣٢٣ سنة ستين وسبعمائة • فيها توفي خطيب مَكَّة وقاضيها شِهَابُ الدِّين أحمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن محمد بن إبراهيم الطَّبَري (١) القاضي المَكِّي الشافعي من بيت العلم والقضاء والرئاسة والحديث. قال في ((الدّرر)): ولد سنة ثمان عشرة وسبعمائة، وولي قضاء مكّة وهو شاب بعد أبيه، وولي الخطابة. وكان أُسمع على الرَّضي، والصَّفي، والفخر التوزري، وغيرهم، وسمع منه غير واحد من شيوخنا، ومات في العشر الآخر من شعبان. • وفيها شهاب الدِّين أبو العَبَّاس أحمد بن محمد بن أبي الزّهر بن عطية الهَكّاري الحنبلي (٢) الشيخ الإِمام. سمع من ابن البخاري ((مشيخته)) وغيرها. وسمع منه الذهبي، وابن رجب، وابن العراقي، وغيرهم. وكان شيخاً صالحاً حسناً من أولاد المشايخ. توفي ليلة الجمعة سابع عشري جمادى الأولى ودفن بسفح قاسيون. · وفيها شِهَابُ الدِّين أبو العباس أحمد بن محمد بن أحمد بن تمَّام (٣) بن السرّاج الحنبلي (٤) الشيخ الصّالح. (١) انظر ((ذيول العبر)) ص (٣٢٩) و((الوفيات)) لابن رافع (٢٢١/٢ -٢٢٢) و((العقد الثمين)) (١٦١/٣ - ١٦٦) و((الدُّرر الكامنة)) (٢٩٧/١). (٢) انظر ((ذيول العبر)) ص (٣٢٩) و((الدُّرر الكامنة)) (٢٦٣/١) و((المقصد الأرشد)) (١٧٩/١ - ١٨٠). (٣) في ((آ)) و((ط)): ((ابن سام)) والتصحيح من مصادر الترجمة . (٤) انظر ((الوفيات)) لابن رافع (٢٢٤/٢ - ٢٢٥) و((الدُّرر الكامنة)) (٢٤٢/١ -٢٤٣) و((القلائد الجوهرية)) (٤١٩/٢) و((المقصد الأرشد)) (١٨٠/١ - ١٨١). ٣٢٤ i حضر في الثانية على ابن القوّاس ((معجم ابن جُميع)) وسمع الغسولي وغيره، وحَدّث، وسمع منه الذّهبي والحُسَيني، وابن أيدغدي، وجماعة. وكان رجلاً جيداً. توفي سابع ذي الحجّة بالصّالحية ودُفن بقاسيون. · وفيها زين الدِّين عمر بن عُثمان بن سالم بن خَلَف بن فضل المقدسي المؤذِّب الصّالحي الحنبلي (١). سمع من ابن البخاري ((سنن أبي داود)) ومن التَّقي الواسطي، وخطيب بعلبك، وحَدَّث، وسمع منه الحُسَيني، وابن أيدغدي، وجماعة. وكان من أهل الدِّين والخير، وكان عامل الضيائية متودّداً كثير التحصيل للكتب الحديثية . توفي ليلة الخميس سادس عشر ذي القعدة. ● وفيها محمد بن عيسى بن عبد الله السّكْسّكْي النحوي الشافعي المصري(٢) نزیل دمشق. قال في ((الدُّرر)): مهر في العربية، وشغل الناس بها، وكان كثير المطالعة والمذاكرة، وله أرجوزة في التصريف، وكتب شيئاً على ((منهاج النووي)) وله سماع من عبد الرحيم بن أبي اليسر وغيره، وكان كثير العبادة، حسن البشر، جيد التعليم، درَّس وأفتى، وولي الخانقاه الشُّهَابية، وله أسئلة في العربية سأل عنها الشيخ تقي الدِّين السُّبكي فأجابه. مات في ثامن عشر ربيع الأول والله أعلم. (١) انظر ((ذيول العبر)) ص (٣٣٠) و((الوفيات)) لابن رافع (٢٢٢/٢ -٢٢٣) و((المقصد الأرشد)) (٣٠٣/٢) و((الدُّرر الكامنة)) (١٧٥/٣) و((القلائد الجوهرية)) (٢٨٦/١). (٢) انظر ((الدُّرر الكامنة)) (١٢٩/٤) و((بغية الوعاة)) (٢٠٥/١). ٣٢٥ سنة إحدى وستين وسبعمائة • فيها توفي أورخان بن عثمان السلطان العظيم ثاني ملوك بني عثمان(١). ولي سنة ست وعشرين وسبعمائة(٢) بعد وفاة والده السلطان عثمان حق أول ملوك بني عثمان، وكانت ولاية صاحب الترجمة في أيام السلطان حسن صاحب مصر. قال القطيعي (٣): كان أورخان شديداً على الكفّار ففاق والده في الجهاد، وفتح البلاد فافتتح قلاعاً كثيرة وحصوناً منيعة، وفتح بروسة (٤) وجعلها مقر سلطنته، ثم ولي بعده ولده (٥) مراد. • وفيها بشر بن إبراهيم بن محمود بن بِشْر البَعْلي الحنبلي (٦) الشيخ الصالح المقرىء الفقيه . ولد في ذي القعدة سنة إحدى وثمانين وستمائة، وسمع من التّاجِ عبد الخالق، وابن مشرف، والشيخ شرف الدِّين اليُّونيني، وغيرهما. وكان خَيِّراً، (١) انظر ((تاريخ الدولة العلية العثمانية)) ص (٤١ - ٤٤). (٢) في ((ط)): ((وستمائة)) وهو خطأ. (٣) في ((ط)): ((القطبي)). (٤) في ((آ) و((ط)): ((برسا)) والتصحيح من ((القاموس الإسلامي)) (٣٠٨/١) وتعرف في أيامنا بـ (بورصة)) وهي في الشمال الغربي لتركيا المعاصرة. (٥) في ((آ): ((ابنه)). (٦) انظر ((الوفيات)) لابن رافع (٢٢٨/٢ - ٢٢٩) و((الدُّرر الكامنة)) (٤٧٩/١) و((المقصد الأرشد)) (٢٨٦/١). ٣٢٦ حسن السَّمت، صحب الفقراء، وروى عنه ابن رجب حديث الربيع بنت النّضر وقول النَّبِّ وََّ: ((إِنَّ مِنْ عِبَادِ الله مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لَّأَبْرَّهُ))(١). وجاور بمگّة. وتوفي بمَعَان مرجعه من الحجّ ليلة الجمعة رابع عشر ذي الحجّة ودفن هناك، وأرّخ الحافظ ابن حجر وفاته في المحرَّم ولعله الأقرب. • وفيها جمال الدِّين الدارقوي الحنبلي (٢) المقرىء للسبع، إمام الضيائية بدمشق . توفي في جمادى الأولى. قاله العُلَيمي. • وفيها صلاحِ الدِّين أبو سعيد خليل بن كَيْكَلْدِي بن عبد الله العلائي(٣) الشافعي الإِمام المُحَقّق، بقية الحُفّاظ. ولد بدمشق في ربيع الأول سنة أربع وتسعين وستمائة، وسمع الكثير، ورحل، وبلغ عدد شيوخه بالسماع سبعمائة، وأخذ علم الحديث عن المِزِّي وغيره، وأخذ الفقه عن الشيخين البُرهان الفَزَاري ولازمه، وخَرَّج له ((مشيخة)) والكمال الزَّمَلْكَاني وتخرَّج به، وعلّق عنه كثيراً. وأُجيز بالفتوى، وجدَّ واجتهد، حتى فاق أهل عصره في الحفظ والإِتقان، ودرَّس بدمشق بالأسدية وغيرها، ثم انتقل إلى القدس مدرّساً بالصَّلاحية، وحجَّ مراراً، وجاور، وأقام بالقدس مدة طويلة يدرِّس ويُفتي ويُحَدِّث ويُصَنِّف، إلى آخر عمره. ذكره الذهبي في ((معجمه)) وأثنى عليه، وكذلك الحسيني في ((معجمه)) (١) رواه أحمد في ((المسند)) والبيهقي وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه وهو حديث صحيح. (٢) ترجم له العُليمي في ((المنهج الأحمد)) الورقة (٤٥٥) من المخطوط. (٣) انظر ((المعجم المختص)) ص (٩٢ - ٩٣) و((ذيول العبر)) ص (٣٣٥) و((طبقات الشافعية الكبرى)) (٣٥/١٠-٣٨) و((النجوم الزاهرة)) (٣٣٧/١٠) و((طبقات الشافعية)) للإسنوي (٢٣٩/٢) و ((الوفيات)) لابن رافع (٢٢٦/٢ -٢٢٧) و((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (١٢١/٣ - ١٢٥) و ((الدُّرر الكامنة)) (٩٠/٢) و((الدارس في تاريخ المدارس)) (٥٩/١) و((البدر الطالع)) (٢٤٥/١). ٣٢٧ و((ذيله)) فقال: كان إماماً في الفقه، والنحو، والأصول، مُفَتّناً في علم الحديث ومعرفة الرجال، عَلَامة في معرفة المتون والأسانيد، بقية الحُفّاظ، ومُصَنفاته تنبىء عن إمامته في كل فنٍّ . درس وأفتى وناظر، ولم يُخَلّف بعده مثله. وقال السُّبكي: كان حافظاً، ثبتاً، ثقة، عارفاً بأسماء الرجال والعلل والمتون، فقيهاً، متكلماً، أديباً، شاعراً، ناظماً، متفنناً، أشعرياً، صحيح العقيدة، سُنِيّاً، لم يُخَلَّف بعده في الحديث مثله، لم يكن في عصره من يُدَانیه فيه. ومن تصانيفه ((القواعد المشهورة)) و((الوشي المُعْلِم فيمن روى عن أبيه عن جدِّه عن النَّبِيِ وَ ﴿)). و((عقيلة المطالب في ذكر أشراف الصِّفَات والمناقب)) و((جمع الأحاديث الواردة في زيارة قبر النَّبي ◌َّة)) و((منحة الرائض بعلوم آيات الفرائض)» وكتاباً في المُدَلّسين، وكتاباً سماه ((تلقيح الفُهُوم في صِيَغِ العُمُوم)) وغير ذلك من التصانيف المتقنة المحررة(١). توفي بالقدس في المحرّم ودفن بمقبرة باب الرّحمة إلى جانب سور المسجد . · وفيها أبو الرَّبيع سُلَيمان [بن داود بن سليمان بن] محمد بن عبد الحقّ(٢) الحَنَفي البليغ، الناظم الناثر، ولي ولايات جليلة. ومن شعره: مَنْ يَكُنْ أَعْمَى أَصَمَّ(٣) يَدْخُلِ الْحانَ جِهاراً (١) قلت: ومن مصنفاته الأخرى المطبوعة: ((جزء في تفسير الباقيات الصالحات وفضلها)) وقد صدر ضمن سلسلة نصوص تراثية عن دار ابن كثير بتحقيق الأستاذين د. علي أبو زيد، وحسن إسماعيل مَرْوَة، ومراجعة والدي الأستاذ الشيخ عبد القادر الأرناؤوط حفظه الله تعالى . ورسالة ((النقد الصحيح لما اعترض عليه من أحاديث المصابيح)) وقد نشرتها دار الإِمام مسلم ببيروت بتحقيق الأستاذ محمود سعيد ممدوح، وهي رسالة نافعة. (٢) انظر ((الوافي بالوفيات)) (٣٨١/١٥ -٣٨٨) و((الدليل الشافي)) (٣١٧/١ -٣١٨) و((الدُّرر الكامنة)) (١٤٩/٢ - ١٥١) وما بين الحاصرتين زيادة منه. (٣) في ((آ) و((ط)): ((أصمّ أعمى)) وما أثبته من ((الدُّرر الكامنة)) مصدر المؤلّف. ٣٢٨ يَسْمَعِ الأَلْحانَ تَتْلُو وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى · وفيها تقيُ الدِّين أبو محمد عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن نصر بن فهد المقدسي الصَّالحي البُزُوري العَطّار الحنبلي، المعروف بابن قيِّم الضيائية (١). ولد في أواخر سنة تسع وستين وستمائة، وأخذ عن الفخر بن البخاري، وسمع من الشيخ شمس الدِّين بن أبي عمر، وابن الزّين، وابن الكمال. وسمع منه الذهبي، وابن رافع، والحسيني، وابن رجب. وأجاز للشيخ شِهَاب الدِّين بن حجّي، وللشيخ شرف الدِّين بن مُفلح. وكان مكثراً، مسنداً، فقيهاً، وكان له حانوت بالصَّالحية يبيع فيه العِطر. توفي بالصالحية ليلة الثلاثاء خامس عشري المحرم ودفن بالرَّوضة عن إحدى وتسعين سنة . • وفيها جمال الدِّين أبو محمد عبد الله بن يوسف بن أحمد بن عبد الله بن هشام الأنصاري (٢) الحنبلي النّحوي العَلَّمة. قال في ((الدرر)): ولد في ذي القعدة سنة ثمان وسبعمائة، ولزم الشِّهَاب عبد اللطيف بن المُرَحّل، وتلا على ابن السرّاج، وسمع على أبي حَيَّن ((ديوان زهير بن أبي سُلْمى)) ولم يلازمه ولا قرأ عليه، وحضر درس التّاج التّبريزي، وقرأ على التّاج الفاكهاني ((شرح الإِشارة)) له إلّ الورقة الأخيرة، وتفقه للشافعي ثم تحنبل، فحفظ ((مختصر الخِرَقي)) في دون أربعة أشهر، وذلك قبل موته بخمس سنين، وأتقن العربية، ففاق الأقران، بل الشيوخ. وحَدَّث عن ابن جَمَاعة بالشاطبية، وتخرَّج به جماعة من أهل مصر وغيرهم، وتصدّر لنفع الطالبين، وانفرد (١) انظر ((ذيول العبر)) ص (٣٣٥ - ٣٣٦) و((الوفيات)) لابن رافع (٢٢٩/٢) و((الدُّرر الكامنة)) (٢٨٣/٢) و((القلائد الجوهرية)) (٢٨٣/٢). (٢) انظر ((ذيول العبر)) ص (٣٣٦) و((الوفيات)) لابن رافع (٢٣٤/٢ - ٢٣٥) و((الدُّرر الكامنة)) (٣٠٨/٢ - ٣١٠) و((بغية الوعاة)) (٦٨/٢ - ٧٠) و((حسن المحاضرة)) (٥٣٦/١) ومقدمة الأستاذ الدكتور مازن المبارك لرسالة ((المباحث المرضية المتعلقة بمن الشرطية)) ص (٧ - ٢٢) الصادرة بتحقیقه عن دار ابن کثیر. ٣٢٩ بالفوائد الغريبة والمباحث الدقيقة، والاستدراكات العجيبة، والتحقيق البالغ، والاطلاع المُفْرِط، والاقتدار على التَّصرُّف في الكلام، والمَلَكَة التي كان يتمكن من التعبير بها عن مقصوده بما يريد، مع التواضع، والبرّ، والشفقة، ودماثة الخُلُق، ورقة القلب. قال ابن خلدون: وما زلنا ونحن بالمغرب نسمع أنه ظهر بمصر عالم بالعربية يقال له ابن هشام، أنحى من سِيْبَوَيه، وكان كثير المخالفة لأبي حَيَّان، شديد الانحراف عنه، صنَّف ((مغني اللّبيب عن كتب الأعاريب))(١) اشتهر في حياته وأقبل الناس عليه، وقد كتب عليه حاشية وشرحاً لشواهده، و((التوضيح على الألفية)) مجلداً و((رفع الخصاصة عن قراء الخلاصة)) أربع مجلدات، و((عمدة الطالب في تحقيق تصريف ابن الحاجب)) مجلدان، و((التحصيل والتفصيل لكتاب التكميل والتّذييل)) عدة مجلدات، و((شرح التسهيل)) مسودة، و((شرح الشواهد الكبرى والصُّغرى)) و((الجامع الكبير)) و((الجامع الصغير)) و((شرح اللّمحة)) لأبي حَيَّان، و((شرح بانت سعاد)) و((شرح البُردة)) و((التذكرة)) خمس مجلدات، و((المسائل السَّفَرية)) في النحو(٢)، وغير ذلك، وله عدة حواش على ((الألفية)) و((التسهيل)). ومن شعره: وَمَنْ يَخْطُبِ الحَسْناءَ يَصْبِرْ على البَذْلِ وَمَنْ يَصْطَبِرْ لِلْعِلْمِ يَظْفَرْ بِنَيْلِهِ يَسيراً يَعِشْ دَهْراً طَويلًا أَخَا ذُلِّ وَمَنْ لم يُذِلَّ النفسَ فِي طَلَبِ العُلَى · سُوءُ الحسابِ أن يُؤْاخَذَ الفَتَى بكلِّ شيءٍ في الحياةِ قَدْ أَتِى وله : (١) وقد طبع عدة مرات في مصر والشام ولبنان وإيران، ومن أشهر طبعاته الطبعة التي صدرت في مصر بتحقيق العلامة الشيخ محمد محيي الدِّين عبد الحميد. والطبعة التي صدرت عن دار الفكر ببيروت بتحقيق الأستاذين الدكتور مازن المبارك وعلي حمد الله، ومراجعة أستاذنا العَلامة سعيد الأفغاني العميد الأسبق لكلية الآداب بجامعة دمشق حفظه الله وأطال عمره ونفع به. (٢) نشرت ضمن مجموعة من رسائله في مكتبة سعد الدِّين بدمشق بتحقيق صديقي الفاضل الأستاذ حسن إسماعيل مَرْوَة. ٣٣٠ توفي ليلة الجمعة خامس ذي القعدة، ودفن بعد صلاة العصر بمقبرة الصوفية بمصر. ● وفيها أبو القاسم محمد بن أحمد بن محمد الشريف الحُسيني(١) الفقيه الجليل النَّبيه، رئيس العلوم اللّسانية بالأندلس، وقاضي الجماعة بها. قال المقرىء المغربي المتأخر في كتابه «تعريف ابن الخطيب في ذكر مشايخ لسان الدِّين بن الخطيب)): كان هذا الشريف آية الله الباهرة في العربية والبيان والأدب. قال محمد بن علي بن الصّاغ العقيلي: كان آية زمانه وأزمة البيان طوع بنانه، له ((شرح المقصورة القرطاجنية))، أغرب ما تتحلى به الآذان، وأبدع ما ينشرح له الجنان إلى العقل الذي لا يُدرك، والفضل الذي حمد منه المسلك، جرت بينه وبين الوالد نادرة، وذلك أن الوالد دخل عليه يوماً لأداء شهادة، فوجد بين يديه جماعة من الغُزاة يؤدون شهادة أيضاً، فسمع القاضي منهم وقال: هل ثُمَّ من يَعْرِفُكُم؟ فقالوا: نعم يعرفنا سيدي علي الصباغ، فقال القاضي: أتعرفھم یا أبا الحسن؟ فقال: نعم يا سيدي معرفة محمد بن يزيد، فما أنكر عليه شيئاً، بل قال لهم: عرف الفقيه أبو الحسن ما عنده، فانظروا من يعرف معه رسم حالكم، فانصرفوا راضين، ولم يرتهن والدي في شيءٍ من حالهم، ولا كشف القاضي لهم ستر القضية. قال محمد بن الصباغ: أما قول والدي معرفة محمد بن يزيد فإشارة إلى قول الشاعر: فَكُلُّهُمُ يَقُولُ وَمَا ثُمَالَهْ؟ أُسائِلُ عَنْ ثمالةَ كُلَّ حَيٍّ فَقَالوا الآنَ زِدْتَ بِهِمْ جَهَالَهْ فَقُلْتُ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ منهمْ (١) انظر ((الدُّرر الكامنة)) (٣٥٢/٣ -٣٥٣) و((قضاة الأندلس)) ص (١٧١ - ١٧٦) و((الدّيباج المُذْهَب)) ص (٢٩٠) مصورة دار الكتب العلمية ببيروت و((الأعلام)) (٣٢٧/٥) ونسبته في بعض المصادر ((الحسني)). ٣٣١ قال: ففطن القاضي - رحمه الله تعالى - لجودة ذكائه إلى أنه يرتهن في شيء من معرفتهم ممتنعاً من إظهار ذلك بلفظه الصريح، فكنّى واكتفى بذكاء القاضي الصحیح، رحمه الله تعالی . ومن شعر الشّريف: سَبَى الأَلْبَابَ مَنْظَرُهُ العُجَابُ وَأَحْوَرَ زانَ خَدّيْهِ عِذارُ بهِ إذْ لاحَ لِلَّمْعِ انْسكابُ أَقولُ لَهُمْ وَقَدْ عابُوا غَرامي خَلاصٌ لي وقد سَّبَقَ الكِتابُ أَبَعْدَ كتابٍ عارضِهِ يُرَجَّى توفي في هذه السنة. وقال في ((الإِحاطة)): مولده سنة سبع وتسعين وستمائة، وتوفي سنة ستين وسبعمائة، والأول أصحّ. · وفي حدودها قاضي القضاة أبو عبد الله جدّ المقري المتأخر، صاحب ((نفح الطيب)) قال في ((الإِحاطة)): محمد بن محمد بن أحمد ابن أبي بكر (١بن عبدالله(١) بن يحيى بن عبد الرحمن بن أبي بكر القُرَشي المقّري(٢) قاضي الجماعة بفاس. ولد بتلمسان، وكان أول من اتخذها من سلفة قراراً جَدّه الخامس عبد الرحمن صاحب الشيخ أبي مَذْين، الذي دعا له ولذريته بما ظهر فيهم قبوله وتبین. وقال حفيده المقَّري في كتابه ((التعريف بابن الخطيب)): وقد ألَّف عَلَمُ الدنيا ابن مرزوق تأليفاً استوفى فيه التعريف بمولاي الجدّ سَمَّاه ((النّور البَدري في التعريف بالفقيه المَقْري)) وهذا بناء منه على مذهبه أنه بفتح الميم وسكون القاف كما صرح بذلك في ((شرح الألفية)) عند قوله: * ووضعوا لبعض الأجناس علم * (١ - ١) ما بين الرقمين لم يرد في ((الإحاطة)) الذي بين يدي. (٢) انظر ((الإحاطة في تاريخ غرناطة)) (١٩١/٢ - ٢٢٦) و((شجرة النُّور الزكية)) ص (٢٣٢). ٣٣٢ وضبطه غيره وهم الأكثرون بفتح الميم وتشديد القاف، وعلى ذلك عوَّل أكثر المتأخرين وهما لغتان في البلدة التي نُسب إليها وهي قرية من قُرى زاب إفريقية. وقال مولاي الجدّ: مولدي بَتِلْمَسان أيام أبي حمّ موسى بن عثمان، وقد وقفت على تاريخ ذلك، ولكني رأيت الصفح عنه لأن أبا الحسن بن مؤمن سأل أبا طاهر السِّلفي عن سنه، فقال: أقبل على شأنك فإني سألت أبا الفتح بن رُويان عن سنه، فقال لي: اقبل على شأنك فإني سألت علي بن محمد اللَّبَّان عن سنه، فقال لي: أقبل على شأنك فإني سألت أبا القاسم حمزة بن يوسف السَّهمي عن سِنَّه، فقال لي: أقبل على شأنك فإني سألت أبا بكر محمد بن عدي المنقري عن سنه، فقال لي أقبل على شأنك، فإني سألت أبا إسماعيل الترمذي عن سنه فقال لي: أقبل على شأنك، فإني سألت بعض أصحاب الشافعي عن سنه، فقال لي: أقبل على شأنك، فإني سألت الشافعي عن سنّه فقال لي: أقبل على شأنك، فإني سألت مالك بن أنس عن سِنُّه، فقال: أقبل على شأنك ليس من المروءة للرجل أن یخبر بسنه، انتھی. وأنشد لبعضهم في المعنى: سِنِّ وَمَالٍ مَا اسْتَطَعْتَ وَمَذْهَب احْفَظْ لِسَانَكَ لَا تَبُحْ بِثَلَاثَةٍ بِمُكْفِّرٍ وبِحَاسِدٍ ومُكَذِّبَ فَعَلَى الثَّلَاثَةِ تُبْتَلَى بِثَلَاثَةٍ وقال في ((الإِحاطة)) في ترجمة الفقيه المقري هذا: هذا الرجل مشار إليه بالعدوة الغربية، اجتهاداً، وأدباً، وحفظاً، وعناية، واضطلاعاً، ونقلًا، ونزاهةً، سليم الصّدر، قريب الغور، صادق القول، مسلوب التصنع، كثير الهشة، مفرط الخفّة، ظاهر السذاجة، ذاهب أقصى مذاهب التخلق، محافظ على العمل، مثابر على الانقطاع، حريص على العبادة، قديم النّعمة متصل الخيرية، مكب على النظر والدرس، معلوم الصِّيانة والعدالة، منصف في المذاكرة، حاسر الذراع عند المباحثة، رحب الصّدر في وطيس المناقشة، غير ضنين بالفائدة، کثیر الالتفات، متقلب الحدقة، جهير بالحجّة، بعيد عن المراء والمباهتة، قائل بفضل أولي الفضل من الطلبة يقوم أتمّ القيام على العربية، والفقه، والتفسير، ويحفظ ٣٣٣ الحديث، ويتهجر بحفظ التاريخ والأخبار والآداب، ويشارك مشاركة فاضلة في الأصلين والمنطق والجدل، ويكتب ويشعر مصيباً، غرض الإِصابة، ويتكلم في طريقة الصُّوفية كلام أرباب المقال، ويعتني بالتدوين فيها شرَّق وحج ولقي جلة ثم عاد إلى بلده فأقرأ به وانقطع إلى خدمة العلم. ، وقال المقَّري في هذه الترجمة: سأل ابن فَرْحُون ابن حكم هل تجد في التنزيل ست فاءات مرتبة ترتيبها في هذا البيت: رأى فحبّ فَرَامَ الوَصْلَ فَامْتَنَعَتْ فَسَامَ صَبراً فَأَعْيا نَّيْلَهُ فَقَضى ففكر ثم قال: نعم ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ [القلم: ٩١] إلى آخرها، ثم قال لابن فَرْحُون: هل عندك غيره، فقال: نعم ﴿ فَقَالَ لَهُم رَسُولُ اللهِ ﴾ [الشَّمْس: ١٣] إلى آخر السورة، وأكثر ما وجدت الفاء تنتهي في كلامهم إلى هذا العدد. وقال المقرّي صاحب الترجمة: رأيت بجامع الفسطاط من مصر فقيراً عليه قميص إلى جانبه دفاسة قائمة وبين يديه قلنسوة، فذكر لي هنالك أنهما محشوتان بالبرادة، وأن زِنَة الدفاسة أربعمائة رطل مصرية، وهي ثلثمائة وخمسون مغربية، وزِنَةُ القلنسوة مائتا رطل مصرية، فعمدت إلى الدفاسة فأخذتها من طرفها أنا ورجل آخر وأملناها بالجهد فلم نصل بها إلى الأرض، وعمدت إلى القلنسوة فأخذتها من أصبع كان في رأسها فلم أُطِقْ حملها فتركتها، وكان يوم جمعة، فلما قضيت الصَّلاة مررنا في جملة من أصحابنا بالفقير فوجدناه لابساً تلك الدفاسة في عنقه واضعاً تلك القلنسوة على رأسه فقام إلينا وإلى غيرنا ومشى بهما كما يمشي أَحَدُنا بثيابه، فجعلنا نتعجب ويشهد بعضنا بعضاً على ما رأى، ولم يكن بالعظيم الخلقة . وقال: لما حللت ببيت المقدس وعُرفَ به مكاني من الطلب، سألني بعض الطلبة بحضرة قاضيها فقال: إنكم معشر المالكية تبيحون للشامي يمرَّ بالمدينة أن يتعدى ميقاتها إلى الجُحْفَة، وقد قال رسول الله وَ له بعد أن عَيَّن المواقيت لأهل ٣٣٤ الآفاق: ((هُنَّ لَهُنَّ ولِمَنْ مَرَّ عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيرِ أَهْلِهِنَّ)(١) وهذا قد مَرَّ علِى ذي الحُلَيفة وليس من أهله، فيكون له، فقلت له: إن النَّبِيِِّ قال: ((مِنْ غَيرِ أَهْلِهِنَّ)) أي من غير أهل المواقيت، وهذا سلب كلي وإنه غير صادق على هذا الفرد ضرورة صدق نقيضه وهو الإِيجاب الجزئي عليه، لأنه من بعض أهل المواقيت قطعاً، فلما لم يتناوله النّص رجعنا إلى القياس. ولا شك أنه لا يلزم أحد أن يحرم قبل ميقاته وهو یمُّ علیه، فوقعت من نفوس أهل البلد بسبب ذلك. انتهى. قلت: الحديث صحيح، خِرَّجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، بلفظ: ((هُنَّ لَهُم، وَلِمَنْ أَتَى عَلَيهِنَّ مِنْ غَيرِ أَهْلِهِنَّ) وفي أكثر طرقه: ((هُنَّ لَّهُنَّ)) والأول أصحّ . • وفيها القاضي صدر الدِّين محمد بن أحمد بن عمر بن عبد الله بن عمر بن عوض المقدسي ثم المصري الحنبلي (٢) الشيخ الإِمام. سمع من العماد بن الشيخ شمس الدِّين ابن العماد، والتّقي ابن تَمَّام، وغيرهما. وكان حسن الشكالة، مع تواضع وحسن كتابة، ولما كان والده قاضي الحنابلة بالدِّيار المصرية رأى من الجاه والسعادة ما لم يَرَهُ غيره من أولاد القضاة، ويقال: إنه كان في إصطبله ما يزيد على خمسين رأساً، وبسببه عُزِلَ والده من القضاء. توفي المترجم ليلة النِّصف من ذي القعدة، والله أعلم. (١) رواه البخاري رقم (١٥٢٤) في الحج: باب مهل أهل مكة للحج والعمرة، ومسلم رقم (١١٨١) (١٢) في الحج: باب مواقيت الحج والعمرة، وأبو داود رقم (١٧٣٨) في مناسك الحج: باب في المواقيت، وانظر تتمة تخريجه في ((جامع الأصول)) (١٦/٣). (٢) انظر ((المقصد الأرشد)) (٣٦٣/٢). ٣٣٥ سنة اثنتين وستين وسبعمائة استُهلت والفناء بالدِّيار المصرية فاشٍ، وحصل للسلطان مرض ثم عوفي، ثم لما كان يوم الأربعاء تاسع جمادى الأولى وثب يَلْبُغَا الخَاسكي ورِكب معه جماعة من الأمراء، وباتوا تحت القلعة، ثم هجموا على السلطان النَّاصر وقبضوا عليه، ثم أحضروا صلاح الدِّين محمد بن المظفّر حاجي بن الناصر محمد وأجلسوه على الكرسي وحلفوا له، ولقّبوه الملك المنصور، وعذبوا الناصر حتّى هَلَكَ بعد أيام، ودفنوه في مصطبة في داره، وكانت مدة سلطنته الأولى ثلاث سنين وتسعة أشهر، والثانية ست سنين وسبعة أشهر وأيام، ومات ولم يكمل ثلاثين سنة، وخَلَّف عشرة ذكور وست إناث، وصار المتكلّم في المملكة يَلْبُغَا. • وفيها توفي شهاب الدِّين أبو العَبّاس أحمد بن موسى الزُّرعي الشيخ الصَّالِحِ المُعَمّر الحنبلي(١) أحد الآمرين بالمعروف والنّاهين عن المنكر. كان فيه إقدام على الملوك وإبطال مظالم كثيرة، وصحب الشيخ تقي الدِّين(٢) دهراً وانتفع به، وكان له وجاهة عند الخاص والعام، ولديه تقشف وزُهد. توفي بمدينة حِبْرَاص في المُحَرَّم. (١) انظر ((ذيول العبر)) ص (٣٤٥) و((النجوم الزاهرة)) (١٢/١١) و((البداية والنهاية)) (٢٧٤/١٤) و ((ذيل العبر)) لابن العراقي (٥٩/١) بتحقيق الدكتور صالح مهدي عباس، طبع مؤسسة الرسالة، و((الدُّرر الكامنة)) (٣٢٤/١) و((لحظ الألحاظ)) ص (١٣٠) و((المقصد الأرشد)) (١٩٨/١). (٢) يعني ابن تيمية رحمه الله تعالى. ٣٣٦ ● وفيها الحافظ علاء الدِّين مُغْلَطَاي بن قَليج بن عبد الله الحكري الحنفي (١) صاحب التصانيف. قال الصَّفَدي: سمع من التَّاج أحمد بن علي بن دقيق العيد أخي الشيخ تقي الدِّين، ومن الوَاني، والحسيني، وغيرهما. وأكثر جداً من القراءة والسماع، وكتب الطَّباق، وكان قد لازم الجلال القَرْويني، فلما مات ابن سَيِّد الناس تكلّم له مع السلطان، فولّاه تدريس الحديث بالظّاهرية، فقام الناس بسبب ذلك وقعدوا، وبالغوا في ذمِّه وهجوه، فلما كان في سنة خمس وأربعين وقف له العلائيّ لما رحل إلى القاهرة على كتاب جمعه في العِشْق تعرَّض فيه لذكر الصِّدِّيقة عائشة رضي الله تعالى عنها، فأنكر عليه ذلك، ورفع أمره إلى الموفق الحنبلي، فاعتقله بعد أن عزَّرَهُ فانتصر له ابن البابا وخلَّصه، وكان يحفظ ((الفصيح)) لثعلب. ومن تصانيفه ((شرح البخاري)) و((ذيل المؤتلف والمختلف)) و((الزهر الباسم)) في السيرة النبوية . قال الشهاب ابن رجب: تصانيفه نحو المائة أو أزيد، وله مآخذ على أهل اللغة، وعلى كثير من المُحَدِّثين. قال: وأنشدني لنفسه في ((الواضح المبين)) شعراً يدلُّ على استهتاره وضعفه في الدِّين. وقال زين الدِّين بن رجب: كان عارفاً بالأنساب معرفة جيدة، وأما غيرها من متعلقات الحديث فله بها خبرة متوسطة، وتصانيفه كثيرة جداً. توفي في رابع عشر شعبان. (١) انظر ((النجوم الزاهرة)) (٩/١١) و((ذيل العبر)) لابن العراقي (٧٠/١) و((الدُّرر الكامنة)) (٣٥٢/٤ - ٣٥٤) و((حسن المحاضرة)) (٣٥٩/١) و((ذيل طبقات الحفّاظ)) ص (٣٦٥) و («لحظ الألحاظ)) ص (١٣٣) و((البدر الطالع)) (٣١٢/٢ - ٣١٣) ومقدمة صديقنا الفاضل الأستاذ إبراهيم صالح لكتاب المترجم ((تاج التراجم)) وهي مفيدة نافعة. ٣٣٧ سنة ثلاث وستين وسبعمائة • فيها توفي المعتضد بالله أبو الفتح أبو بكر بن المُسْتَكفي سليمان بن الحاكم أحمد العَبَّاسي(١). بويع بالخلافة بعد موت أخيه في سنة ثلاث وخمسين بعهد منه، وكان خَيِّراً، متواضعاً، محبّاً لأهل العلم. توفي في يوم الخميس ثاني عشري جمادى الأولى بمصر. وبويع بعده ولده محمد بعهد منه، ولقِّبَ المتوكل. • وفيها الشيخ شمس الدِّين محمد بن أحمد بن علي بن عمر الإِسنوي(٢) الشافعي الإِمام، ابن عَمِّ الشيخ جمال الدِّين. قال ابن قاضي شهبة: كان أحد العلماء العاملين، اختصر ((الشفاء)) للقاضي عياض، وشرح ((مختصر مسلم)) (٣) و((الألفية)) لابن مالك، واشتغل قديماً ببلده وغيرها، ثم أقام ببلده، ثم صار يجاور بمكّة سنة وبالمدينة سنة. قال له الشيخ عبد الله اليافعي: أنت قطبُّ الوقت في العلم والعمل. توفي بمكّة بعد الحجّ. • وفيها شمس الدِّين أبو أمامة محمد بن علي بن عبد الواحد بن يحيى بن (١) انظر (ذيول العبر)) ص (٣٥٠) و((النجوم الزاهرة)) (١٤/١١) و((ذيل العبر)) لابن العراقي (٩٧/١ - ٩٨) و((الدُّرر الكامنة)) (٤٤٣/١) و((تاريخ الخلفاء)) ص (٥٠٠). (٢) انظر ((ذيل العبر)) لابن العراقي (١٠٧/١ -١٠٨) و((العقد الثمين)) (٣٠٧/١ -٣٠٨) ولقبه فيهما ((نجم الدين)) و((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (١٥٥/٣ - ١٥٦) و((الدُّرر الكامنة)) (٣٤٢/٣) و((بغية الوعاة)) (٣٥/١) و((در الحجال)) (٢٤٣/٢). (٣) الذي اختصره الحافظ المنذري. انظر (كشف الظنون)) (٥٥٨/١). ٣٣٨ عبد الرحيم المُغربي الأصل المصري، المعروف بابن النقّاش الشافعي (١). مولده في رجب سنة عشرين وسبعمائة، وحفظ ((الحاوي الصغير)) ويقال: إنه أول من حفظه بالديار المصرية، واشتغل على الشيخ شهاب الدِّين الأنصاري، والتّقي السبكي، وأبي حَيّان، وغيرهم. وقرأ القراءات على البُرهان الرَّشيدي، ودرّس وأفتى، وتكلّم على النّاس، وكان من الفقهاء المُبَرِّزين والفصحاء المشهورين، وله نظم ونثر حسن، وحصل له بمصر رئاسة عظيمة وشاع ذكره في الناس، ودرّس بعدة مدارس، وبعد صيته، وخرَّج أحاديث الرافعي وسَمَّاه ((كاشف الغُمّة عن شافعية الأمة)) وسمّاه أيضاً ((أمنية الألمعي في أحاديث الرافعي)) وورد الشام في أيام السُّبكي، وجلس بالجامع، ووعظ بجَنَانٍ ثابتٍ ولسان فصيح، من غير تكلّف، فعكف الناس عليه. ومن مصنفاته: ((شرح العمدة)) في نحو ثمان مجلدات، و((شرح ألفية ابن مالك)) وكتاب ((النظائر والفروق)) و((شرح التسهيل)) وله كتاب في التفسير مطول جداً، التزم فيه أن لا ينقل فيه حرفاً من كتاب من تفسير من تقدّمه؛ وهذا عجب عجيب، وسماه ((اللّحق السابق)) وكان يقول الناس اليوم رافعية لا شافعية، ونووية لا نبوية . توفي في شهر ربيع الأول. قاله ابن قاضي شهبة. • وفيها أبو عبد الله شمس الدِّين محمد بن عيسى بن حسين بن كثير كُرِّ (٢)، الشيخ المسند الحنبلي البغدادي (٣) شيخ الزاوية جوار مسجد الحسين بالقاهرة. روى عن غازي الحَلَاوي من ((المسند)) مواضع، وتوفي بالقاهرة. (١) انظر (ذيول العبر)) ص (٣٤٩) و((النجوم الزاهرة)) (١٣/١١) و((الوفيات)) لابن رافع (٢٤٨/٢ - ٢٤٩) و((ذيل العبر)) لابن العراقي (٩٠/١ - ٩١) و((الدُّرر الكامنة)) (٧١/٤) و((البداية والنهاية)) (٢٩٢/١٤) و((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (١٧٦/٣ -١٧٨). (٢) تحرفت في ((آ)) و((ط)) إلى: ((ابن كثير)) والتصحيح من مصادر الترجمة. (٣) انظر ((الوافي بالوفيات)) (٣٠٥/٤) و((الدُّرر الكامنة)) (٢٤٥/٤) و((المقصد الأرشد)) (٤٨٢/٢). ٣٣٩ · وفيها أقضى القُضاة شمس الدِّين أبو عبد الله محمد بن مُفلح بن محمد بن مفرّج المقدسي ثم الصَّالحي الرَّاميني الحنبلي (١) الشيخ الإِمام العَلامة، وحيد دهره، وفريد عصره، شيخ الإِسلام، وأحد الأئمة الأعلام. سمع من عيسى المُطَعِّم، وغيره، وتفقه وبرع، ودَرَّس وأفتى، وناظر وحَدَّث، وأفاد، وناب في الحكم عن قاضي القضاة جمال الدِّين المرداوي، وتزوج ابنته، وله منها سبعة أولاد ذكور وإناث. وكان آية وغاية في نقل مذهب الإِمام أحمد رضي الله عنه. قال عنه أبو البقاء السّبكي: ما رأت عيناي أحداً أفقه منه، وكان ذا حظّ من زهد، وتعفف، وصيانة، وورع، ودین متین، وشُكرت سيرته وأحكامه. وذكره الذهبي في ((المعجم)) فقال: شاب عالم، له عمل ونظر في رجال السنن، ناظر وسمع، وكتب وتقدم، ولم يُرّ في زمانه في المذاهب الأربعة من له محفوظات أكثر منه، فمن محفوظاته ((المنتقى في الأحكام)). وقال ابن القيم لقاضي القُضاة موفق الدّين الحجّاوي سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة: ما تحت قبة الفلك أعلم بمذهب الإِمام أحمد من ابن مُفلح، وحسبك بهذه الشهادة من مثل هذا. وحضر عند الشيخ تقي الدِّين(٢) ونقل عنه كثيراً. وكان يقول له: ما أنت ابن مُفلح بل أنت مفلح. وكان أخبر الناس بمسائله واختياراته، حتى إن ابن القيّم كان يراجعه في ذلك، وله مشايخ كثيرون، منهم: ابن مسلم، والبرهان الزّرعي، والحجّار، و[ابن] القُوَيْرَة، والقَحْفَاويّ(٣)، والمِزِّي، والذهبي، ونقل عنهما كثيراً. وكانا يُعظمانه، وكذلك الشيخ تقي الدِّين السُّبكي يثني عليه كثيراً. قال ابن كثير: وجمع مصنّفات منها على ((المقنع)) نحو ثلاثين مجلداً، وعلى ١٩٦ (١) انظر ((ذيول العبر)) ص (٣٥٢) و((الوفيات)) لابن رافع (٢٥٢/٢) و((ذيل العبر)) لابن العراقي (٩٩/١ - ١٠٠) و((الدُّرر الكامنة)) (٢٦١/٤) و((المقصد الأرشد)) (٥١٧/٢) و((الجوهر المنضد)» ص (١١٢ - ١١٤) و((الدارس في تاريخ المدارس)) (٤٣/٢) و((القلائد الجوهرية)) (١٦١/١). (٢) يعني ابن تيمية رحمه الله. (٣) في ((آ)) و((ط)): ((والبخاري)) والتصحيح من ((المقصد الأرشد)). ٣٤٠