النص المفهرس

صفحات 141-160

وقرأ على الشيوخ، ونظر في الرِّجال والعِلَل. وكان عذب القِراءة، سريعاً. وكان من
بقايا المجتهدين، ومن أذكياء زمانه. ودرَّس وأفتى، وصنّف وتخرَّج به الأصحاب.
وقال ابن كثير: انتهت إليه رئاسة المذهب تدريساً وإفتاءً ومناظرةً. بَرَعْ،
وساد أقرانه، وحاز قَصَبَ السَّبق عليهم بذهنه الوقّاد، وتحصيله الذي أسهره ومنعه
الرّقاد. وعبارته التي هي أشهى من السّهاد، وخطّه الذي هو أنضر من أزاهير
المهاد، إلى أن قال: أما دروسه في المحافل فلم أسمع أحداً من الناس يدرِّس
أحسن منه، ولا أجَلَّ من عبارته، وحسن تقريره، وجودة احترازاته، وصحة ذهنه،
وقوة قريحته، وحسن نظره.
توفي في رمضان بَبَلْبيس، وحُمِلَ إلى القاهرة، ودفن جوار قبّة الشافعي،
رضي الله عنه.
• وفيها فخر الدِّين محمد بن محمد بن محمد المعروف بابن الصّقلي(١)
- ضبطه بعضهم بفتح الصّاد والقاف، وبعضهم بفتح الصّاد وكسر القاف، نسبة إلى
جزيرة صقلية في بحر الرُّوم - الشافعي.
تفقه في القاهرة على الشيخ قُطب الدِّين السّنباطي، وناب في القضاء بظاهر
القاهرة. وصنف ((التنجيز في الفقه)) وهو ((التعجيز)) إلّ أنه يزيد فيه التصحيح على
طريقة النّووي، ویشیر إلی تصحیح الرًّافعي بالرموز، وزاد فيه بعض قيود.
قال السبكي: كان فقيهاً، فاضلاً، ديناً، ورعاً.
توفي بالقاهرة في ذي القعدة.
● وفيها القاضي الأديب شمس الدِّين محمد بن الشّهاب محمود(٢) كاتب
السِّرِّ. توفي في شوال عن ثمان وخمسين سنة.
(١) انظر ((طبقات الشافعية الكبرى)) (٢٤٧/٩) و((طبقات الشافعية)) للإسنوي (١٤٨/٢ و((طبقات
الشافعية)) لابن قاضي شهبة (٣٩٢/٢ - ٣٩٣) و ((الدرر الكامنة)) (٢٣٦/٤) و((حسن المحاضرة))
(٤٢٤/١).
(٢) انظر ((ذيول العبر)) ص (١٥٤ - ١٥٥) و((النجوم الزاهرة)) (٢٦٨/٩) و((الدُّرر الكامنة)) (٢٥١/٤).
١٤١

سنة ثمان وعشرين وسبعمائة
● فيها نُقض رخام الحائط القبلي من ناحية جامع دمشق الغربية، فوجد
الحائط منحدباً فنُقض كأنه تغير من زلزلة فأخرب إلى الأرض مساحة خمسين
ذراعاً، فُبُني، وأُحدث فيه محراب للحنفية، وجدِّد ترخيم حيطان الجامع سوى
المقصورة، وأركان القُبَّة.
• وفيها توفي الإِمام القُدْوَة عزّ الدِّين إبراهيم بن أحمد بن عبد المحسن
الحُسيني العراقي (١) الشّافعي، من ولد موسى الكاظم.
سمع من والده، وحليمة بنت ولد جمال الإِسلام، والباذرائي، وجماعة.
وأجاز له ابن يَعيش، وابن رَوَاج.
ونسخ بالأجرة، وتفرّد، مع التّقوى، والعلم، والوَرَّع.
توفي بالثّغر في المحرّم عن تسعين سنة.
· وفيها شيخ الإِسلام تقي الدِّين أبو العبّاس أحمد بن عبد الحليم بن
عبد السَّلام ابن عبد الله بن تَيْمِيَّةِ الحَرَّاني (٢) الحنبلي، بل المجتهد المُطْلق.
(١) انظر ((ذيول العبر)) ص (١٥٦) و((دول الإسلام)) (٢٣٦/٢) و((المنهل الصافي)) (٢٤/١) و ((الدُّرر
الكامنة)) (١٠/١).
(٢) انظر ((ذيول العبر)) ص (١٥٧ - ١٥٨) و((دول الإسلام)) (٢٣٧/٢) و ((الإعلام بوفيات الأعلام)) ص
(٣٠٨) و((المعجم المختص)) ص (٢٥ - ٢٧) و ((معجم الشيوخ)) (٥٦/١ - ٥٧) و((النجوم
الزاهرة» (٢٧١/٩ -٢٧٢) و((الوافي بالوفيات)) (١٥/٧ - ٣٣) و((فوات الوفيات)) (٧٤/١ - ٨٠)
و((ذيل طبقات الحنابلة)) (٣٨٧/٢ - ٤٠٨) و((الدُّرر الكامنة)) (١٤٤/١ - ١٦٠) و((المقصد الأرشد)) =
١٤٢

١
ولد بحَرّان يوم الاثنين عاشر ربيع الأول، سنة إحدى وستين وستمائة، وقدم
به والده وبأخويه عند استيلاء التتار على البلاد إلى دمشق سنة سبع وستين(١)،
فسمع الشيخ بها ابن عبد الدائم، وابن أبي اليسر، والمجد بن عساكر، ويحيى بن
الصّيرفي، والقاسم الإِربلي، والشيخ شمس الدِّين ابن أبي عمر، وغيرهم. وعني
بالحديث، وسمع ((المسند)) مرّات، والكتب الستة. و((معجم الطبراني الكبير)) وما
لا يُحصى من الكتب والأجزاء. وقرأ بنفسه، وكتب بخطّه جملة من الأجزاء، وأقبل
على العلوم في صغره، فأخذ الفقه والأصول عن والده، وعن الشيخ
شمس الدِّين بن أبي عمر، والشيخ زين الدِّين بن المُنجَّى، وبَرَعَ في ذلك،
وناظر، وقرأ العربية على ابن عبد القوي. ثم أخذ ((كتاب سيبويه)) فتأمله وفهمه،
وأقبل على تفسير القرآن الكريم فبرّز فيه، وأحكم أصول الفقه، والفرائض،
والحساب، والجبر، والمقابلة، وغير ذلك من العلوم. ونظر في الكلام والفلسفة،
وبرّز في ذلك على أهله، وردًّ على رؤسائهم وأكابرهم، ومهر في هذه الفضائل،
وتأهل للفتوى والتدريس، وله دون العشرين سنة. وأفتى من قبل العشرين أيضاً.
وأمدّه الله بكثرة الكتب، وسُرعة الحفظ، وقوة الإِدراك والفهم، وبطء النسيان،
حتّى قال غير واحد: إنه لم يكن يحفظ شيئاً فينساه. ثم توفي والده وله إحدى
وعشرون سنة، فقام بوظائفه بعده مدة، فدرَّس بدار الحديث التنكزية المجاورة
الحمّام نور الدِّين الشهيد في البزورية في أول سنة ثلاث وثمانين، وحضر عنده
قاضي القضاة بهاء الدِّين بن الزّكي، والشيخ تاج الدِّين الفَزَاري، وابن المُرَحّل،
وابن المُنَّجَّى، وجماعة، فذكر درساً عظيماً في البسملة، بحيث بَهَرَ الحاضرين،
وأثنوا عليه جميعاً.
d
قال الذهبي: وكان الشيخ تاج الدِّينِ الفَزاري يُبالغ في تعظيم الشيخ
تقي الدِّين، بحيث إنه علّق بخطّه درسه بالتنكُزية .
= (١٣٢/١ - ١٤٠) و ((الدارس في تاريخ المدارس)) (٧٥/١ - ٧٧)، وقد ترجم له ترجمة وافية
والدي الأستاذ الشيخ عبد القادر الأرناؤوط حفظه الله نشرت في صدر رسالته «الأحاديث الموضوعة)»
المطبوعة في الكويت بتحقيقي .
(١) يعني سنة (٦٦٧) هـ .
١٤٣

ثم جلس عقب ذلك مكان والده بالجامع على منبر أيام الجمع لتفسير القرآن
العظيم، وشرع من أول القرآن، فكان يُورِدُ في المجلس من حفظه نحوَ كُرَّاسين أو
أكثر. وبقي يُفسّر في سورة نوح عِدَّةً سنين أيامَ الجُمَع.
وقال الذهبي في ((معجم شيوخه)): شيخنا، وشيخ الإِسلام، وفريد العصر،
علماً، ومعرفةً، وشجاعة، وذكاءً، وتنويراً إلهياً، وكرماً، ونصحاً للأمة، وأمراً
بالمعروف، ونهياً عن المنكر.
سمع الحديث، وأكثر بنفسه من طلبه، وكتب، وخرَّج، ونظر في الرجال
والطبقات، وحصَّل ما لم يحصّله غيره، وبرع في تفسير القرآن، وغاص في دقيق
معانيه بطبعٍ سيالٍ، وخاطر وقّادٍ(١) إلى مواضع الإِشكال مَيَّال، واستنبط منه أشياء
لم يُسبق إليها، وبَرَعَ في الحديث وحفظه، فقلّ مَنْ يحفظ ما يحفظ من الحديث
مَعْزُوًّاً إلى أصوله وصحابته، مع شدة استحضار له وقت إقامة الدّليل. وفاق النَّاس
في معرفة الفقه، واختلاف المذاهب، وفتاوى الصّحابة والتابعين، بحيث إنه إذا
أفتى لم يلتزم بمذهب، بل بما يقوم دليله عنده. وأتقن العربية أصولاً وفروعاً،
وتعليلاً واختلافاً. ونظر في العقليات، وعَرَفَ أقوال المتكلمين. وردّ عليهم، ونَّه
على خطئهم وحذّرٍ، ونصر السُّنَّة بأوضح حُجَجٍ وأبهر براهين، وأُوذي في ذات الله
من المخالفين، وأُخيف في نصر السُّنّة المحضة، حتّى أعلى الله مناره، وجمع
قلوب أهل التّقوی علی محبته والدعاء له. وگبت أعداءه، وهدى به رجالاً كثيرة من
أهل الملل والنّحل، وجبل قلوب الملوك والأمراء على الانقياد له غالباً، وعلى
طاعته. وأحيا به الشام، بل والإِسلام، بعد أن كاد ينثلم خصوصاً في كائنة التتار،
وهو أكبر من أن يُنَبِّه على سيرته مثلي، فلو حُلِّفْتُ بين الرّكن والمقام لحَلَّفْتُ أني ما
رأيت بعيني مثله، وأنه ما رأى مثل نفسه. انتهى كلام الذهبي.
وكتب الشيخ كمال الدِّين ابن الزملكاني تحت اسم ((ابن تَّيْمِيَّة)): كان إذا
سُئِلَ عن فنَّ من العلم ظَنَّ الرائي والسَّامع أنه لا يعرف غير ذلك الفَنِّ، وحكم أن
أحداً لا يعرفه مثله. وكان الفقهاء من سائر الطّوائف إذا جالسوه استفادوا في
(١) لفظة ((وقاد)) لم ترد في ((ذيل طبقات الحنابلة)) (٣٨٩/٢) وهو المصدر الذي نقل عنه المؤلف.
١٤٤

مذاهبهم منه أشياء، ولا يُعرف أنه ناظر أحداً فانقطع معه، ولا تكلم في علمٍ من
العلوم سَوَاء كان من علوم الشَّرع أو غيرها إلّ فاق فيه أهله، واجتمعت فيه شروط
الاجتهاد على وجهها. وكتب الحافظ ابن سَيِّد الناس في ((جواب سؤالات
الدّمْيَاطي)) في حقِّ ابن تَّيْمِيّة: ألفيتُه ممن أدرك من العلوم حظاً. وكاد(١) يستوعب
السُّنن والآثار حفظاً. إن تكلّم في التفسير، فهو حامل رايته، وإن أفتى في الفقه
فهو مدرك غایته، أو ذاكر(٢) بالحدیث فهو صاحب علمه، وذو روايته، أو حاضر
بالنّحَل والمِلَل لم يُرَ أوسع من نحلته، ولا أرفع من درایته.
برز في كل فنٌّ على أبناء جنسه، ولم تَرَ عين من رآه مثله، ولا رأت عينه
مثل نفسه .
وقال الذهبي في ((تاريخه الكبير)» بعد ترجمة طويلة: بحيث يصدق عليه أن
يُقال: كل حديث لا يعرفه ابن تيمية فليس بحديث.
وترجمه ابن الزَّمَلْكَاني أيضاً ترجمة طويلة وأثنى عليه ثناءً عظيماً، وكتب
تحت ذلك:
وَصِفاتُهُ جَلَّتْ عنِ الحَصْرِ
ماذا يقولُ الواصِفُونَ لَهُ
هُوَ بَيْنَنَا أُعجوبَةُ الدَّهْرِ
هُوَ حُجَّةٌ للهِ بَاهِرَةٌ
أَنْوَارُها أَرْبَتْ على الفَجْرِ
هُوَ آيَةٌ للَخَلْقِ ظَاهِرَةٌ
وللشيخ أثير الدين أبي حيَّن النّحوي لما دخل الشيخ مصرَ واجتمع به فأنشد
أَبو حَيَّان:
دَاعٍ إلى اللهِ فَرْدَاً مَا لَهُ وِزْرُ
لَمَّا رَأَيْنا تَقِيَّ الدّيِنِ لاحَ لَّنَا
خَيْرَ البَريَّةِ نُورٌ دُونَهُ القَمَرُ
عَلَى مُحَيّاهُ من سِيما الْأَلَى صَحِبُوا
بَحْرٌ تَقَاذَفَ مِنْ أمواجِهِ الدُّرَرُ
خِبْرُ تَسَرْبَلَ مِنْهُ دَهْرُه حِبرَاً
مَقامَ سَيِّدٍ تَيْمِ إِذْ عَصَتْ مُضَرُ
قَامَ ابنُ تَيْمِيَّةٍ فِي نَصْرِ شِرْعَتِنا
(١) في ((آ)) و((ط)): ((وكان)) والتصحيح من ((ذيل طبقات الحنابلة)) مصدر المؤلف.
(٢) في ((آ)) و((ط)): ((أودان)) والتصحيح من ((ذيل طبقات الحنابلة)).
١٤٥

فَأَظْهَرَ الدِّينَ إِذْ آثارُهُ دَرَسَتْ وَأَخْمَدَ الشِّرْكَ إذ طارَتْ لَهُ شَرَرُ
هذا الإِمامُ الذي قَدْ كانَ يُنْتَظَرُ
یا مَنْ تَحَدَّثَ عن عِلْمِ الکِتابِ أُصِخْ
يشير بهذا إلى أنه المجدد.
وممن صرَّح بذلك الشيخ عماد الدِّين الواسطي، وقد توفي قبل الشيخ. وقال
في حقُّ الشيخ بعد ثناء طويل جميل ما لفظه: فوالله، ثم والله، ثم والله، لم يُرَ
تحت أديم السماء مثلِ شيخكم ابن تَيْمِيَّة، علماً، وعملًا، وحالاً، وخُلقاً واتِّباعاً،
وكرماً، وحلماً، وقياماً في حقِّ الله عند انتهاك حُرُماته، أصدق النَّاس عقداً،
وأصحهم علماً، وعزماً، وأنفذهم وأعلاهم في انتصار الحقّ وقيامه همةً،
وأسخاهم كفّاً، وأكملهم اتباعاً لنَبيّه محمد وَّر. ما رأينا في عصرنا هذا من
تستجلي النّبُوة المحمدية وسُننها من أقواله وأفعاله إلّ هذا الرجل، يشهد القلب
الصحيح أن هذا هو الاتباع حقيقة.
وقال الشيخ تقي الدِّين بن دقيق العيد، وقد سئل عن ابن تيمية بعد اجتماعه
به، : كيف رأيته؟ فقال: رأيت رجلاً سائر العلوم بين عينيه، يأخذ ما شاء منها
ويترك ما شاء، فقيل له: فلم لا تتناظرا؟ قال: لأنه يحب الكلام وأحبُّ السّكوت.
وقال برهان الدِّين بن مُفْلح في ((طبقاته))(١): كتب العَلامة تقي الدِّين
السُّبْكي إلى الحافظ الذّهبي في أمر الشيخ تقي الدِّين بن تَيْمِيَّة، فالمملوك يتحقق
[أن] قدره وزخارة بحره وتوسعته في العلوم الشرعية والعقلية، وفرط ذكائه
واجتهاده، وأنه(٢) بلغ من ذلك كل المبلغ الذي يتجاوزه الوصف، والمملوك يقول
ذلك دائماً، وقدره في نفسي أكبر من ذلك وأجلّ، مع ما جمعه الله تعالی له من
الزَّهَادة، والوَرَع، والدِّيانة، ونصرة الحقِّ، والقيام فيه لا لغرض سواه، وجريه على
سنن السَّلف، وأخذه من ذلك بالمأخذ الأوفى، وغرابة مثله في هذا الزَّمَان، بل في
أزمان. انتهى .
(١) انظر ((المقصد الأرشد)) (١٣٦/١) ولفظة ((أن)) مستدركة منه.
(٢) لفظة ((وأنه)) لم ترد في ((المقصد الأرشد)) فلتستدرك.
١٤٦

وقال العَلَّمة الحافظ ابن ناصر الدِّين في ((شرح بديعته))(١) بعد ثناء جميل
وكلام طويل: حَدَّث عنه خلقٌ، منهم الذهبي، والبِرزالي، وأبو الفتح بن سيد
الناس، وحدَّثنا عنه جماعة من شيوخنا الأكياس.
وقال الذهبي في عدِّ مصنّفاته المجوّدة: وما أُبعد أن تصانيفه إلى الآن تبلغ
خمسمائة مجلدة .
وأثنى عليه الذهبي وخلق بثناء حميد(٢)، منهم الشيخ عماد الدِّين الوَاسطي
العارف، والعَلّمة تاج الدِّين عبد الرحمن الفَزاري، وابن الزَّمَلْكاني، وأبو الفتح
ابن دقيق العيد(٣).
وحَسْبُه من الثناء الجميل قول أستاذ أئمة الجرح والتعديل أبي الحجّاج
المِزِّي الحافظ الجليل، قال عنه: ما رأيت مثله، ولا رأى هو مثل نفسه، وما رأيت
أحداً أعلم بكتاب الله وسنة رسوله، ولا أتبع لهما منه.
وترجمه بالاجتهاد وبلوغ درجته، والتمكن في أنواع العلوم والفُنون، ابن
الزملكاني، والذّهبي، والبرزاليُ، وابن عبد الهادي، وآخرون.
ولم (٤) يخلّف بعده من يقاربه في العلم والفضل. انتهى كلام ابن
ناصر الدِّين ملخصاً.
وكان الشيخ العارف بالله أبو عبد الله ابن قوام يقول: ما أسلمت معارفنا إلّ
على يد ابن تيمية.
وقال ابن رجب: كانت العلماء، والصُّلحاء، والجُند، والأمراء، والتُّجار،
وسائر العامّة تحبه، لأنه منتصب لنفعهم ليلاً ونهاراً، بلسانه، وعلمه.
(١) يعني في ((التبيان شرح بديعة البيان)) (١٨٥ / ب - ١٨٦ / آ).
(٢) في ((آ): ((جميل)) وما جاء في ((ط)) موافق لما في (التبيان شرح بديعة البيان)) مصدر المؤلف.
(٣) في ((آ)) و((ط)): ((وأبو الفتح وابن دقيق العيد)) وهو خطأ والتصحيح من ((التبيان شرح بديعة
البيان)) مصدر المؤلف، فابن دقيق العيد كان يُكْنى بأبي الفتح.
(٤) في ((آ)) و((ط)): ((ولا)) والتصحيح من ((التبيان شرح بديعة البيان)) مصدر المؤلف.
١٤٧
٠

ثم قال ابن رجب وغيره: ذكر نبذة من مفرداته وغرائبه:
اختار ارتفاع الحدث بالمياه المعتصرة كماء الورد ونحوه.
والقول بأن المائع لا ينجس بوقوع النجاسة فيه إلّ أن يتغير قليلاً كان
أو كثيراً.
والقول بجواز المسح على النَّعلين والقدمين وكل ما يُحتاج في نزعه من
الرّجل إلى معالجة باليد أو بالرِّجل الأخرى، فإنه يجوز المسح عليه مع القدمين.
واختار أن المسح على الخُفّين لا يتوقت مع الحاجة، كالمسافر على البريد
ونحوه، وفعل ذلك في ذهابه إلى الديار المصرية على خيل البريد، ويتوقت مع
إمكان النزع وتيسره.
واختار جواز المسح على اللفائف ونحوها.
واختار جواز التيمم لخشية(١) فوات الوقت في حق غير المعذور، كمن أخّر
الصلاة عمداً حتّى تضايق وقتها. وكذا من خشي فوات الجمعة والعيدين وهو
مُحْدِثٌ.
واختار أن المرأة إذا لم يمكنها الاغتسال في البيت وشق عليها النزول إلى
الحمّام وتكرره، أنها تتيمم وتُصلي .
واختار أن لا حدَّ لأقلّ الحيض ولا لأكثره، ولا لأقلّ الطّهر بين الحیضتین،
ولا لسنِّ الإِياس [من الحيض](٢)، وأن ذلك يرجع(٣) إلى ما تعرفه كل امرأة
من نفسها .
واختار أن تارك الصلاة عمداً لا يجب عليه القضاء، ولا يشرع له، بل يكثر من
النوافل (٤) .
(١) في ((آ)) و((ط)): ((بخشية)) والتصحيح من ((ذيل طبقات الحنابلة)) (٤٠٤/٢).
(٢) ما بين الحاصرتين مستدرك من ((ذيل طبقات الحنابلة)) (٤٠٥/٢).
(٣) في ((ذيل طبقات الحنابلة)): ((وأن ذلك راجع)).
(٤) أقول: أي لا يمكنه أن يتدارك ما فاته إلّ بالإكثار من صالح الأعمال. (ع).
١٤٨

وأن القصر يجوز في قصير السفر وطويله ، كما هو مذهب الظّاهرية.
واختار القول بأن البكر لا تستبرأ وإن كانت كبيرة، كما هو قول ابن عمر
واختاره البخاري صاحب ((الصحيح)).
والقول بأن سجود التلاوة لا يشترط له وضوء، کما هو مذهب ابن عمر واختيار
البخاري .
والقول بأن من أكل في شهر رمضان معتقداً أنه ليل وكان نهاراً لا قضاء عليه
كما هو الصحيح عن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه، وإليه ذهب بعض التابعين
وبعض الفقهاء بعدهم.
والقول بجواز المسابقة بلا محلّل وإن أخرج المتسابقان.
والقول باستبراء المختلعة بحيضة، وكذلك الموطوءة بشبهة، والمطلقة آخر
ثلاث تطليقات.
والقول بإباحة وطء الوثنيات بملك اليمين.
وجواز طواف الحائض، ولا شيء عليها إذا لم يمكنها أن تطوف طاهراً.
والقول بجواز بيع الأصل بالعصير، كالزيتون بالزيت، والسّمسم بالسّيرج.
والقول بجواز بيع ما يتخذ من الفضة للتحلي وغيره كالخاتم ونحوه بالفضة
متفاضلاً، وجعل الزايد من الثمن في مقابلة الصّنعة والقول.
ومن أقواله المعروفة المشهورة التي جرى بسبب الإِفتاء بها محن وقلاقل قوله
بالتكفير في الحلف بالطلاق، وأن الطّلاق الثلاث لا يقع إلّ واحدة، وأن الطلاق
المحرّم لا يقع، وله في ذلك مؤلفات كثيرة لا تنحصر ولا تنضبط.
وقال ابن رجب: مكث الشيخ معتقلًا في القلعة من شعبان سنة ست
وعشرين إلى ذي القعدة سنة ثمان وعشرين، ثم مرض بضعة وعشرين يوماً، ولم
يعلم أكثر الناس بمرضه، ولم يفجأهم إلّ موته.
وكانت وفاته في سحر ليلة الاثنين عشري ذي القعدة، ذكره مؤذن القلعة
١٤٩

على منارة الجامع، وتكلّم به الحرس على الأبرجة، فتسامع الناس بذلك،
وبعضهم علم به في منامه، واجتمع الناس حول القلعة حتّى أهل الغوطة والمَرْج،
ولم يطبخ أهل الأسواق، ولا فتحوا كثيراً من الدكاكين، وفُتح باب القلعة.
واجتمع عند الشيخ خلق كثير من أصحابه يبكون ويثنون، وأخبرهم أخوه
زينُ الدِّين عبد الرحمن أنه ختم هو والشيخ منذ دخلا القلعة ثمانينٍ خَتْمَة، وشرعا
في الحادية والثمانين، وانتهيا إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ المُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَّهَر » في
مَقْعَدٍ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِر﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥].
فشرع حينئذ الشيخان الصّالحان عبد الله بن المحبّ الصّالحي، والزُّرَعيّ
الضّرير - وكان الشيخ يحب قراءتهما - فابتدأا من سورة ﴿الرَّحمن﴾ حتى
ختما القرآن.
وخرج من عنده من كان حاضراً إلّ من يغسّله ويساعد على تغسيله، وكانوا
جماعة من أكابر الصَّالحين وأهل العلم، كالمِزِّي وغيره، وما فُرغ من تغسيله حتّى
امتلأت القلعة وما حولها بالرِّجال، فصَلّى عليه بدركات القلعة الزَّاهد القُدوة
محمد بن تمّام، وضجَّ الناس حينئذ بالبكاء، والثناء، والدعاء بالتّرحم.
وأخرج الشيخ إلى جامع دمشق، وصلّوا عليه الظُّهر، وكان يوماً مشهوداً (١)
لم يعهد بدمشق مثله، وصرخ صارخ: هكذا تكون جنائز أئمة السُّنَّة، فبكى الناس
بكاءً كثيراً، وأُخرِج من باب البريد، واشتد الزحام، وألقى الناس على نعشه
منادیلهم، وصار النّعش علی الرؤوس يتقدم تارة ویتأخر أخرى، وخرجت جنازته من
باب الفرج، وازدحم الناس على أبواب المدينة جميعاً للخروج، وعظُم الأمر
بسوق الخيل، وتقدم في الصلاة عليه هناك أخوه عبد الرحمن، ودفن وقت العصر
أو قبلها بيسير إلى جانب أخيه شرف الدِّين عبد الله بمقابر الصُّوفية. وحُزِرَ من
حضر جنازته بمائتي ألف، ومن النساء بخمسة عشر ألفاً. وختمت له ختمات
كثيرة، رحمه الله ورضي عنه.
(١) تحرفت في (ط) إلى ((مشهوا)).
١٥٠

· وفيها شهاب الدين أبو العبّاس أحمد بن يحيى بن محمد بن بدر الجزري
ثم الصَّالحي (١) المقرىء الفقيه الحنبلي.
ولد في حدود السبعين وستمائة، وقرأ بالروايات على الشيخ جمال الدِّين
البدوي(٢) وسمع من جماعة من أصحاب ابن طَبَرْزَد، والكندي، ولزم المجد
التَّونُسي. وأخذ عنه علم القراءات، حتى مَهَرَ فيها، وأقبل على الفقه، وصحب
القاضي ابن مسلم مدة وانتفع به .
وكان من خيار الناس، ديناً، وعقلاً، وحياءً، ومروءةً، وتعففاً.
اقرأ القراءات، وحَدَّث.
وتوفي سنة ثمان وعشرين وسبعمائة. قاله ابن رجب.
• وفيها أبو العَبَّاس أحمد بن محمد بن عبد الولي بن جَبَارة المقدسي (٣)
المقرىء الفقيه (٤) الحنبلي الأصولي النحوي شِهَابُ الدِّين بن الشيخ تقي الدِّين.
ولد سنة سبع أو ثمان وأربعين وستمائة، وسمع من خطيب مَرْدا، حضوراً،
وابن عبد الدائم.
وارتحل إلى مصر بعد الثمانين، فقرأ بها القراءات على الشيخ حسن
الرّاشدي، وصحبه إلى أن مات. وقرأ الأصول على شهاب الدِّين القَرَافي
المالكي، والعربية على بهاء الدِّين بن النَّحاس، وبرع في ذلك. وتفقه
في المذهب.
وقدم دمشق، ثم تحوَّل إلى حلب، وأقرأ بها.
(١) انظر ((ذيل طبقات الحنابلة)) (٤٠٨/٢) و((غاية النهاية)) (١٤٨/١) و((الدُّرر الكامنة)) (٣٣٣/١ -
٣٣٤).
(٢) تحرفت في ((ط)) إلى ((البدري)).
(٣) انظر (معرفة القراء الكبار)) (٧٤٦/٢) و((معجم الشيوخ)) (٦/١) و((ذيل طبقات الحنابلة))
(٣٨٦/٢) و((غاية النهاية)) (١٢٢/١) و((الدُّرر الكامنة)) (٢٧٦/١).
(٤) تحرفت في ((ط)) إلى ((الفقه)).
١٥١

ثم استوطن بيت المقدس. وتصدّر لإِقراء القراءات والعربية، وصنّف شرحاً
كبيراً لـ ((الشاطبية))، وشرحاً آخر لـ ((الرائية)) في الرسم، وشرحاً لـ ((ألفية
ابن مُعطي)) وصنّف ((تفسيراً)) وأشياء في القراءات. ذكره الذهبي في ((معجم
شيوخه)) فقال: كان إماماً، مقرئاً، بارعاً، فقيهاً، نحوياً، نشأ إلى اليوم في صلاح
ودين وزهد. سمعت منه مجلس البطاقة، وانتهت إليه مشيخة بيت المقدس.
وذكر البرزالي أنه حجَّ وجاور بمكة، وأنه يعدُّ في العلماء الصَّالحين الأخيار،
وقال: قرأت عليه بدمشق والقدس عدة أجزاء.
وتوفي بالقدس سَحَرَ يوم الأحد رابع رجب، وذكر الدّبيثي أنه مات فجأة.
· وفيها الشيخ جمال الدِّين عبد الله بن محمد بن علي ابن العَاقُولي
الواسطي(١) الشَّافعي، مدرِّس المستنصرية.
قال ابن قاضي شهبة في ((طبقاته)): مولده في رجب سنة ثمان وثلاثين
وستمائة، وسمع الحديث من جماعة، واشتغل وبَرَعْ.
وقال ابن كثير: درَّس بالمستنصرية مدة طويلة، نحو أربعين سنة، وباشر نظر
الأوقاف، وعُيِّن لقضاء القُضاة في وقت، وأفتى من سنة سبع وخمسين وإلى أن
مات، وذلك إحدى وسبعون سنة، وهذا شيء غريب جداً. وكان قويَّ النّفس، له
وجاهة في الدولة، كم كُشِفَتْ به كُربة عن النَّاس بسعيه وقصده.
وقال السُّبكي: ولي قضاء القُضاة بالعراق.
وقال الكتبي: انتهت إليه رئاسة الشافعية ببغداد، ولم يكن يومئذ من يماثله
ولا يضاهيه في علومه وعلو مرتبته، وعُيِّن لقضاء القضاة فلم يقبل.
توفي في شوال ببغداد وله تسعون سنة وثلاثة أشهر، ودفن بداره، وكان وقفها
على شيخ وعشرة صِبيان يقرؤون القرآن، ووقف عليها أملاكه كُلّها.
(١) انظر (ذيول العبر)) ص (١٥٧) و((النجوم الزاهرة)) (٢٧٤/٩) و((طبقات الشافعية الكبرى))
(٤٣/١٠) و((طبقات الشافعية)) للإسنوي (٢٣٥/٢ - ٢٣٦) و((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة
(٣٤٤/٢ - ٣٤٥) و((الدُّرر الكامنة)) (٢٩٩/٢).
١٥٢

· وفيها الفقيه المُعَمّر جمال الدِّين عبد الرحمن بن أحمد بن عمر بن شُكر
المقدسي الحنبلي(١).
ولد في رمضان سنة تسع وثلاثين وستمائة، وسمع من النُّور البَلْخي،
والمُرسي، ومحمد بن عبد الهادي، وطائفة .
توفي بالصَّالحية في ذي القعدة.
· وفيها عَفيف الدِّين أبو عبد الله محمد بن عبد المحسن بن أبي الحسن
البغدادي، ابن الخراط الحنبلي(٢).
قال الذهبي: الإِمام الواعظ، مسند العراق، شيخ المستنصرية .
مولده في ربيع الأول سنة ثمان وثلاثين وستمائة.
سمع من عجيبة كثيراً، وابن الخير، وابن قميرة، وأخيه، وطائفة. وتفرَّد.
ومات ببغداد في جمادى الأولى.
• وفيها قاضي القُضاة شمس الدِّين محمد بن عثمان بن أبي الحسن
الدِّمشقي الحنفي بن الحريري(٣).
ولد في صفر سنة ثلاث وخمسين وستمائة، وحَدّث عن ابن الصّيرفي،
والقُطب بن عَصْرُون، وابن أبي اليسر.
وكان عادلاً، مهيباً، صَارِماً، ديِّناً، رأساً في المذهب.
وتوفي بمصر في جمادى الآخرة.
(١) انظر ((ذيول العبر)) ص (١٥٨) و((الدُّرر الكامنة)) (٢٢٤/٢).
(٢) انظر ((ذيول العبر)) ص (١٥٦ - ١٥٧) و((معجم الشيوخ)) (٢٢٥/٢ - ٢٢٦) و(«ذيل طبقات الحنابلة))
(٣٨٤/٢ - ٣٨٦) و((الدّرر الكامنة)) (٢٧/٤) و((المقصد الأرشد)) (٤٦٢/٢ - ٤٦٣).
(٣) انظر ((ذيول العبر)) ص (١٥٧) و((الوافي بالوفيات)) (٩٠/٤) و((الجواهر المضية)) (٢٥٠/٢ - ٢٥١)
و ((الدُّرر الكامنة)) (٣٩/٤ - ٤٠).
١٥٣
*-

سنة تسع وعشرين وسبعمائة
· فيها توفي العَلَّامة شيخ الإِسلام بُرهان الدِّين إبراهيم بن شيخ الشَّافعية
تاج الدِّين عبد الرحمن بن إبراهيم بن سباع الفَزاري المِصْري الأصل الشافعي بل
شافعيّ الشّام(١).
ولد في شهر ربيع الأول سنة ستين وستمائة. وسمع الكثير من ابن
عبد الدائم، وابن أبي اليسر، وعدّة، وله مشيخة خَرَّجها العَلائي، وأخذ عن
والده، وبَرَع، وأعاد في حلقته، وأخذ النحو عن عَمِّه شرف الدِّين، ودرَّس
بالبادرائية بعد وفاة أبيه، وخلفه في إشغال الطلبة والإفتاء، ولازم الإِشغال
والتّصنيف، وحَدَّث بالصحيح مراتٍ، وعُرض عليه القضاءُ فامتنع، وباشر الخطابةَ
بعد موت عمِّه مدةً يسيرةُ، ثم تركها، وصنَّف ((التعليقةَ على التّنبيه)) في نحوٍ عشر
مجلدات، وله ((تعليقة)) على مختصر ابن الحاجب في الأصول، وله مصنّفات أُخَر.
ذكره الذهبي في ((المعجم المختص)) وقال: انتهت إليه معرفةُ المذهب
ودقائقُه ووجوهُه، مع علمه متونَ الأحكام وعلم الأصول والعربية، وغير ذلك،
وسمع الكثيرَ وكتب مسموعاتِه. وكان يدري علومَ الحديث، مع الدّين والوَرَعِ،
وحسنِ السَّمْتِ، والتَّواضع.
توفي بالبادرائية في جمادى الأولى ودفن بباب الصغير عند أبيه وعمه.
(١) قلت: ويعرف بابن الفركاح. انظر ((ذيول العبر)) ص (١٦٠ - ١٦١) و((طبقات الشافعية الكبرى))
(٣١٢/٩ -٣١٣) و((طبقات الشافعية)) للإسنوي (٢٩٠/٢) و((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة
(٣١٤/٢ - ٣١٨) و((الدُّرر الكامنة)) (٣٤/١ -٣٥).
١٥٤

· وفيها مجدُ الدين أبو الفداء إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن الفرّاء
الحَرّاني ثم الدمشقي(١) الفقيه الحنبلي، شيخ المذهب.
ولد سنةً خمسٍ أو ستٍ وأربعين وستمائة بحرّان. وقدم دمشق مع أهله سنة
إحدى وسبعين، فسمع بها الكثير من ابن أبي عمر، وابن الصَّيْرفي، والكمال
عبد الرحيم، وابن البخاري، والإِربلي، وابن حامد الصَّابوني، وغيرهم.
وطلب بنفسه، وسمع ((المسند)) والكتب الكبار، وتفقه بالشيخ شمس الدِّين
ابن أبي عمر وغيره، ولازمه حتى برع في الفقه.
وتصدَّى للإِشغال والفتوى مدةً طويلةً، وانتفع به خلقٌ كثيرٌ. مع الدِّيانة
والتَّقوى، وضبط اللسان، والوَرَع في المنطق وغيره واطّراح التكلّف في
الملبس وغيره.
قال الطّوفي: كان من أصلح خلق الله وأُذْيَنِهم، كأنّ على رأسه الطيرَ. وكان
عالماً بالفقه، والحديث، وأصول الفقه، والفرائض، والجبر، والمقابلة.
وقال الذهبي: كان شيخَ الحنابلة.
وقال غيره: يقال: إنه أقرأ ((المقنع)) مائة مرة.
وكان عديمَ التكلُّفِ، يحمل حاجته بنفسه، وليس له كلام في غير العلم، ولا
يخالط أحداً، وأوقاته محفوظة.
وقال هو: ما وقع في قلبي الترفُّعُ على أحدٍ من الناس، فإني أَخْبَرُ بنفسي
ولستُ أعرف أحوال الناس.
وقال ابن رجب: کان سریعَ الدَّمعةِ، سمعت بعض شيوخنا یذکر عنه أنه کان
لا يذكر النَّبِّي وَلَ فِي دُرُوسه إلّ ودموعُه جاريةً؛ ولا سيما إن ذكر شيئاً من الرقائق أو
أحاديث الوعيد ونحو ذلك.
(١) انظر ((معجم الشيوخ)) (١٧٩/١) و((ذيول العبر)) ص (١٦١) و((ذيل طبقات الحنابلة)) (٤٠٨/٢ -
٤١٠) و((الدَّرر الكامنة)) (٣٧٧/١ -٣٧٨) و(المقصد الأرشد)) (٢٧٢/١ - ٢٧٣).
١٥٥

وقد قرأ عليه عامة أكابر شيوخنا ومن قبلهم، حتّى الشيخ تقي الدين
الزَّرِيْرَانيّ(١) شيخ العراق وحَدَّث. وسمع منه جماعة، منهم: الذهبي وغيره.
وتوفي ليلة الأحد تاسع جمادى الأولى بالمدرسة الجوزية، ودفن بمقابر
الباب الصَّغیر.
• وفيها الصَّاحب الأمجد رئيس الشام عزّ الدِّين حمزة بن المؤيد بن
القَلَانسي الدمشقي(٢) .
كان محتشماً، معظّماً، متنعِّماً. عمل الوزارة وغيرها. وروى عن البرهان،
وابن عبد الدائم .
وتوفي في ذي الحجّة عن ثمانين سنة وأشهر. قاله في ((العبر)).
• وفيها الإِمام تقي الدِّين أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن
إسماعيل بن أبي البركات بن مَكّي بن أحمد الزَّرِيْرَانيّ (١) ثم البغدادي(٣) الحنبلي
فقيه العراق ومفتى الآفاق.
ولد في جمادى الآخرة سنة ثمان وستين وستمائة .
وحفظ القرآن وله سبع سنين، وسمع الحديث من إسماعيل بن الطَّال
وخلائق .
وتفقه ببغداد على جماعة، منهم: الشيخ مفيد الدِّين الحَرْبي وغيره، ثم
ارتحل إلى دمشق، فقرأ بها المذهب على الشيخ زين الدِّين بن المُنجَّى، والشيخ
مجد الدِّين الحَرَّاني، ثم عاد إلى بلده.
وبرع في الفقه وأصوله، ومعرفة المذهب، والخلاف، والفرائض،
ومتعلقاتها .
(١) تحرفت في ((آ)) و((ط)) في الموضعين إلى ((الذريراتي)) بالذال والتصحيح من ((ذيل طبقات الحنابلة)
و((المقصد الأرشد)) كما سبقت الإشارة إلى ذلك من قبل. انظر ص (١٣٢) من هذا المجلد.
(٢) انظر ((ذيول العبر)) ص (١٦٣) و(النجوم الزاهرة)) (٢٨٠/٩) و((الدُّرر الكامنة)) (٧٥/٢ - ٧٦).
(٣) انظر ((ذيل طبقات الحنابلة)) ٤١٠/٢ - ٤١٢) و((الدُّرر الكامنة)) (٢٨٩/٢ - ٢٩٠) و(المقصد
الأرشد» (٥٥/٢ - ٥٦).
١٥٦

وكان عارفاً بأصول الدِّين، وبالحديث، وبأسماء الرجال، والتواريخ،
وباللغة، والعربية، وغير ذلك، وانتهت إليه معرفة الفقه بالعراق.
وكان يحفظ ((الهداية)) و((الخِرَقي)) وذكر أنه طالع ((المغني)) للشيخ
موفق الدِّين ثلاثاً وعشرين مرة، وكان يستحضر أكثره، وعلّق عليه حواشيَ وفوائدَ.
قال ابن رجب: انتهت إليه رئاسةُ العلم ببغداد من غير مُدافَعٍ، وأقرَّ له
الموافِقُ والمخالِف، وكان الفقهاءُ من سائر الطوائف يجتمعون به، ويستفيدون منه
في مذاهبهم، ويتأدّبون معه، ويرجعون إلى قوله، ويردّهم عن فتاويهم، فيُذْعِنُون
له، ويرجعون إلى ما يقوله، حتّى ابن المطهّر شيخ الشيعة، كان الشيخ يبيِّنُ له
خطأه في نقله لمذهب الشيعة ڤيُذعن له.
ويوم وفاته قال الشيخ شهاب الدِّين عبد الرحمن بن عسكر شيخ المالكية:
لم يبق ببغداد من يرَاجعُ في علوم الدِّين مثله.
وقرأ عليه جماعة من الفقهاء، وتخرَّج به أئمةٌ، وأجاز لجماعة،
وولي القضاء.
توفيٍ ببغداد ليلة الجمعة ثاني عشري جمادى الأولى ودفن بمقابر الإِمام
أحمد قريباً من القاضي أبي يعلى، رحمهم الله تعالى.
· وفي حدودها نجم الدِّين أبو الفضل إسحاق بن أبي بكر بن أُلْمَى بن
أُطُْزْ(١) التَّركي ثم المِصْري(٢) الفقيه الحنبلي المُحَدِّث الأديب الشاعر.
ولد سنة سبعين وستمائة(٣). وسمع بمصر من الأبَرقُوهي، ورحل، وسمع
بالإسكندرية من القَرَافي، وبدمشق من أبي الفَوَارس. وإسماعيل بن الفرَّاء،
وبحلب من سُنقر الزَّيني، وتفقه. وقال الشعر الحسن، وسمع منه الحافظ الذهبي
(١) في ((ط)): ((أطر)).
(٢) انظر ((معجم الشيوخ)) (١٧٠/١ و((ذيل طبقات الحنابلة)) (٤١٤/٢ - ٤١٥) و((الدُّرر الكامنة))
(٣٥٧/١) و((الوافي بالوفيات)) (٤٠٥/٨).
(٣) تحرفت في ((ط)) إلى ((سبعمائة)).
١٥٧

بحلب، ثم دخل العراق بعد السبعمائة، وتنقَّل في البلاد، وسكن أذربيجان، ولم
تكن سيرته هناك مشكورة، وبقي إلى حدود هذه السنة ولم تتحقق سنة وفاته،
وليس له في الزُّهد والعلم مشبه سوى الحسن البصري، وابن المسيّب. قاله
ابن رجب.
• وفيها قاضي القضاة علاء الدِّين علي بن إسماعيل بن يوسف القُونوي
الشافعي(١) قاضي القضاة، وشيخ الشيوخ، فريد العصر.
ولد بمدينة قونوة(٢) سنة ثمانٍ وستين وستمائة. واشتغل هناك، وقدم دمشق
في أول سنة ثلاث وتسعين فازداد بها اشتغالاً، وسمع الحديث من جماعة، وتصدر
للإِشغال بالجامع، ودرّس بالإِقبالية، ثم تحوّل سنة سبعمائة إلى مصر، وسمع بها
من جماعة، ولازم ابن دقيق العيد، وأثنى عليه ثناءً بالغاً، مع شدة احترازه في
الألفاظ، وتولى بالقاهرة تدريس الشّريفية، ومشيخة الميعاد بالجامع الطولوني،
وولي مشيخة الشيوخ في سنة عشر وسبعمائة، وانتصب للأشغال، وازدحم عليه
الناس إلى أن تخرَّج به خلقٌ كثير. وصنَّفَ شرحَه المشهورَ على ((الحاوي)) وصنّف
مصنَّفاً في ((حياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في قبورهم)).
ذكره الذهبي في ((المعجم المختص))(٣) فقال: قدم علينا دمشق في أوائل
سنة ثلاثٍ وتسعين، فحضر المدارس وبهرت فضائله، ودرّس وأفتى، وأعاد(٤)
وأفاد، وبرع في عدة علوم، وتخرّج به أئمة. مع الوقار، والورع، وحسن السَّمت،
ولطف المحاورة، وجميل الأخلاق. قَلَّ أَن ترى العيون مثله.
(١) انظر ((ذيول العبر)) ص (١٦٢) و((الإعلام بوفيات الأعلام)) ص (٣٠٨) و((النجوم الزاهرة))
(٢٧٩/٩) و((طبقات الشافعية الكبرى)) (١٣٢/١٠ - ١٣٦) و(طبقات الشافعية)) للإسنوي
(٣٣٤/٢ - ٣٣٦) و((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (٣٥٦/٢ - ٣٥٩) و((الدُّرر الكامنة))
(٢٤/١ - ٢٨).
(٢) كذا في ((آ)) و((ط)) و((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة مصدر المؤلف: ((قونوة)) ولعلها ((قونية))
التي تقع في الجنوب الأوسط من تركية المعاصرة.
(٣) لم أجد ترجمته في ((المعجم المختص)) المطبوع الذي بين أيدينا فلعل ترجمته قد سقطت منه، والله
أعلم.
(٤) في ((ط)): ((وأعادوا)) وهو خطأ.
١٥٨

وذكر له تلميذه الشيخ جمال الدِّين الإِسنوي ترجمةً حسنةً، وقال: كان
أجمعٍ مَنْ رأيناه للعوم، مع الاتّساع فيها، خصوصاً العلوم العقلية واللُّغوية، لا يُشارُ
بها إلّا إليه، ولا يحال فيها إلّ عليه، وولي القضاء بدمشق ومشيخة الشيوخ، وباشر
على النّمط الذي كان عليه بالدِّيار المصرية، مع الحُرْمَة، والنَّزَاهة، والإِشغال،
والتّحديث، إلى أن توفي بدمشق في ذي القعدة، ودفن بجبل قاسيون.
• وفيها الصَّدر نجم الدِّين علي بن محمد بن هِلَال الأزدي(١).
حدَّث عن ابن البرهان، والقاضي صدر الدِّين بن سَني الدولة، والزّين خالد
والگرْماني .
وطلب وحصّل الأصول، وولي نظر الأيتام، وكان تامًّ الشكل حسن البزَّة، ذا
کرمٍ وتحمُّلٍ.
ومات بدمشق في ربيع الآخر عن ثمانين سنة.
· وفيها القاضي نجم الدِّين أبو عبد الله محمد بن عقيل بن أبي الحسن بن
عقيل البَالسي ثم المصري(٢) الشافعي شارح ((التنبيه)).
ولد سنة ستين وستمائة، وسمع بدمشق من جماعة، واشتغل وفضل، ثم
دخل القاهرة، وسمع من ابن دقيق العيد، ولازمه، وناب في الحكم بمصر، ودرَّس
بالمعزّية والطّبيبرسية، وكان قويًّ النّفس، كثير الإِيثار مع التقلل، وانتفع به طلبةُ
مصر، ودارت عليه الفتيا بها .
قال الذهبي: كان إماماً زاهداً.
وقال السبكي في ((الطبقات الكبرى)): شارح ((التنبيه))، واختصر ((كتاب
الترمذي)) في الحديث، وكان أحدَ أعيان الشافعية. ديّناً وورعاً.
(١) انظر (المعجم المختص)) ص (١٧٠ - ١٧١) و((ذيول العبر)) ص (١٦٠) و((الدُّرر الكامنة))
(١١٤/٣ - ١١٥).
(٢) انظر ((ذيول العبر)) ص (١٥٩ - ١٦٠) و((النجوم الزاهرة)) (٢٨٠/٩) و((طبقات الشافعية الكبرى))
(٢٥٢/٩) و((طبقات الشافعية)) للإِسنوي (٢٩٠/١ - ٢٩١) و((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة
(٣٨١/٢ - ٣٨٣) و((الوافي بالوفيات)) (٩٨/٤) و((الدُّرر الكامنة)) (٥٠/٤).
١٥٩
٠٠

وقال الإِسنوي: كان له في التّقوى سابقةُ قدم، وفي الوَرَعِ رُسُوخُ قدم، وفي
العلم آثارٌ هي أوضحُ للسّارين من نارٍ على علم.
كان فقيهاً، مُحَدِّثاً، ورعاً، قوّاماً في الحَقِّ.
توفي في المحرم بالقاهرة ودفن بالقَرَافة الصُّغرى.
· وفيها بدر الدِّين أبو اليسر محمد بن محمد بن عبد القادر بن
عبد الخالق بن خليل بن مقلد بن جابر الأنصاري الدمشقي الإِمام الزاهد ابن
قاضي القضاة عز الدِّين المعروف بابن الصائغ الشافعي(١).
مولده في المحرّم سنة ست وسبعين وستمائة، وقرأ ((التنبيه)) ولازم الشيخ
برهان الدِّينِ الفَزَاري زماناً، وسمع الكثير، وحَدَّث، وسمع منه البِرْزَالي، وخرّج له
جزءاً(٢) من حديثه، وحدّث به، ودرَّس بالعمادية والدماغية.
وجاءه التقليد بقضاء القضاة في سنة سبع وعشرين فامتنع، وأصرَّ على
الامتناع فأُعفي.
ثم ولي خطابة القدس، ثم تركها.
قال الذهبي: الإِمام، القُدوة، العابد. كان مقتصداً في أموره، كثير
المحاسن، حجَّ غیرَ مرَّةٍ.
وقال ابن رافع: كان على طريقة حميدة، وعنده عبادة واجتماع وملازمة
للصلحاء والأخيار، وإعراض عن المناصب. وكان معظّماً، مبجّلاً، وقوراً.
توفي بدمشق في جمادى الأولى، ودفن بتربتهم بسفح قاسيون.
● وفيها العَلَّامة ناظر الجيش مُعين الدِّين هبة الله بن مسعود بن حشيش(٣).
(١) انظر (المعجم المختص)) ص (٢٦١ - ٢٦٢) و((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (٣٨٨/٢ -
٣٨٩) و ((الدارس في تاريخ المدارس)) (٢٣٨/١).
(٢) في ((آ)) و((ط)): ((أجزاء)) والتصحيح من ((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة مصدر المؤلف.
(٣) انظر ((المعجم المختص)) ص (٢٩٢ - ٢٩٣) و((ذيول العبر)) ص (١٦٢) و((النجوم الزاهرة
(٢٨٠/٩) و((الدُّرر الكامنة)) (١٧٧/٥).
١٦٠