النص المفهرس
صفحات 521-540
سنة ستين وستمائة · في أوائل رمضان أخذت التَّارُ الموصلَ بخديعةٍ بعد حصارِ أُشهرٍ، وطَمَّنوا النَّاس، وخرَّبوا السُّور، ثم بذلوا السيف تسعة أيام، وأبقوا [على] صاحبها الملك الصَّالح إسماعيل أيّاماً ثم قتلوه، وقتلوا ولده علاء الدِّين الملك (١). • وفيها وقع الخُلْفُ بين بركة صاحب دَست القَفْجَاق، وابن عمِّه هُولاكو (٢). • وفيها توفي أحمد بن عبد المُحسن بن محمد الأنصاري(٣)، أخو شيخ الشيوخ، صاحب حماة. روى عن عبدالله بن أبي المَجد وغيره. • وفيها العزّ الضَّرير الفَيلسُوف الرَّافِضيّ، حسن بن محمد(٤) بن أحمد ابن نجا الإِربلي(٥). كان بصيراً بالعربية، رأساً في العقليات. كان يقرىء المسلمين والذِّمَّة بمنزله، وله حُرْمَةٌ وهيبة؛ مع فساد عقيدته، وتركه الصَّلوات، ووساخة هيئته. قاله الذهبي. (١) لفظة ((الملك)) لم ترد في ((العبر)) مصدر المؤلّف ولفظة ((على)) مستدركة منه. (٢) في ((آ)) و((ط)): ((هلاكو)) وفي (العبر)): ((هلاوو)) والذي أثبته هو المتعارف عليه، وانظر التعليق على ((سير أعلام النبلاء)) (٢٠٦/٢٣). (٣) انظر ((العبر)) (٢٥٨/٥). (٤) في ((آ) و((ط)): ((حسين بن محمد)) وهو خطأ والتصحيح من مصادر الترجمة. (٥) انظر (العبر)) (٢٥٩/٥ - ٢٦٠) و((نكت الهميان)) ص (١٤٢ - ١٤٤) و(«البداية والنهاية)) (٢٣٥/١٣). ٥٢١ وقال غيره: كان الناس يقرؤون عليه علم الأوائل، وتتردد إليه أهل المِلَلِ (١) جميعها، مسلمها ومبتدعها، والشيعة، واليهود، والنصارى، والسّامرة. وكان ذكياً، فصيحاً، أديباً، فاضلاً في سائر العلوم. وكان الملك النَّاصر يكرمه ولا يردُّ شفاعته. ومن نظمه في السُّلْوَان: وتَغَيَّتْ أَحْوَالُهُ وَتَنَكَّرا ذَهَبَتْ بَشَاشَةُ مَا عَهِدتُ من الجوى طَيِفٌ لما حَيَّاه طَيْفِي فِي الْكَرِىْ وسَلَوتُ حَتَّى لَوْ سَرىْ مِنْ نَحْوِكُم وله : فَهَمَّ لِيَسعى بَيْنَنَا بِالتَّبَاعِد تَوَهَّمَ (٢) واشِيْنَا بليلٍ (٣) مَزَارِهِ فَلَمَا أَتَانَا مَا رَأَى غَيْرَ وَاحِدٍ فَعَانَقْتُهُ حتَّى اَنَّحَدْنَا تَعَانُقَأْ قال ابن العديم(٤): لما سمع هذين البيتين: مسكه مسكة أعمى. توفي في ربيع الآخر عن أربع وسبعين سنة. · وفيها عزّ الدِّين شيخ الإسلام أبو محمد عبد العزيز بن عبد السَّلام ابن أبي القاسم بن الحسن، الإِمام العلامة، وحيد عصره، سلطان العلماء، السّلميّ الدمشقيّ ثم المصريّ الشَّافعي(٥). ولد سنة سبع أو ثمان وسبعين وخمسمائة، وحضر [أحمد بن] حمزة بن (١) لفظة ((أهل)) سقطت من ((آ)) ولفظة ((المِلَل)) تحرفت في (ط)) إلى ((الملك)). (٢) جاء في ((مختار الصحاح)) (وهم): تَوَهِّمَ: أي ظنَّ. (٣) في ((آ)) و((ط)): ((قليل)) والتصحيح من ((نكت الهميان)). (٤) في ((آ): ((ابن العميد)). (٥) انظر (العبر)) (٢٦٠/٥) و((الإعلام بوفيات الأعلام)) ص (٢٧٦) و((الوافي بالوفيات)). (٥٢٠/١٨ - ٥٢٢) و((طبقات الشافعية الكبرى)) (٢٠٩/٨ - ٢٥٥) و((طبقات الشافعية)) للإسنوي (١٩٧/٢ - ١٩٩) و((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (١٣٧/٢ - ١٤٠). ٥٢٢ المَوَازِييني. وسمع من عبد اللطيف بن أبي سعد، والقاسم بن عساكر، وجماعة. وتفقه على فخر الدِّين بن عساكر، والقاضي جمال الدِّين بن الحَرَسْتَاني. وقرأ الأصول على الآمدي، وبرع في الفقه، والأصول، والعربية، وفاق الأقران والأضراب، وجمع بين فُنُون العلم، من التفسير، والحديث، والفقه، واختلاف أقوال الناس، ومآخذهم. وبلغ رتبة الاجتهاد، ورحل إليه الطلبة من سائر البلاد، وصنَّف التصانيف المفيدة، وروى عنه الدِّمياطي وخرّج له أربعين حديثاً، وابن دقيق العيد، وهو الذي لقّبه بسلطان (١) العلماء، وخلق غيرهما. ورحل إلى بغداد فأقام بها أشهُراً. هذا مع الزُّهد، والوَرَعِ، والأمر بالمعروف، والنَّهي عن المُنْكَر، والصَّلابة في الدِّين. وقد ولي الخطابة بدمشق، فأزال كثيراً من بِدَعِ الخطباء ولم يلبس سواداً، ولا سجع خطبته، [بل] كان يقولها مترسلاً، واجتنب الثناء على الملوك، بل كان يدعو لهم، وأبطل صلاة الرغائب والنّصف (٢) فوقع بينه وبين ابن الصَّلَاح بسبب ذلك. [ولم يكن يؤذنُ بين يديه يوم الجمعة إلّ مؤذنٌ واحدٌ](٣). ولما سلَّم الصالح إسماعيل قلعة الشَّقِيف وصفد للفرنج، نَالَ منه الشيخ على المنبر، ولم يَدْعُ له. فغضب الملك من ذلك وعزله وسجنه، ثم أطلقه. فتوجه إلى مِصْرَ، فتلقاه صاحب مصر الصَّالح أيوب وأكرمه، وفوض إليه قضاء مصر دون القاهرة والوجه القبلي، مع خطابة جامع مصر، فأقام (١) في ((آ)) و((ط)): ((سلطان)) وأثبت لفظ ((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة مصدر المؤلف. (٢) جاء في حاشية ((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة ما نصه: ((قال الذهبيُّ: كانوا دُبْرَ الصلاة. يقولون: إن الله وملائكته يصَلُّون على النّبِيِّ. فأمرهم أن يقولوا: لا إله إلا الله وحده لا شريك له ... الحديث)). (٣) ما بين الحاصرتين زيادة من ((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة مصدر المؤلف. ٥٢٣ بالمنصب أتمَّ قيام، وتمكن من الأمر بالمعروف والنّهي عن المُنْكَرِ، ثم عَزَلَ نفسه من القضاء، وعزله السُّلطان من الخطابة، فلزم بيته يُشْغِلِ النَّاس ويُدَرِّس. وأخذ في التفسير في دروسه(١)، وهو أول من أخذه في الدروس. وقال الشيخ قطب الدِّين الیونیني: كان مع شدته، فيه حسن محاضرة بالنَّوادر والأشعار. وقال الشريف عز الدِّين: كان عَلَمَ عصره في العلم، جامعاً لفنون متعددة، مضافاً إلى ما جُبِلَ عليه من تَرْكِ التكلف، مع الصَّلابة في الدِّين، وشهرته تُغني عن الإِطناب في وصفه. وقال ابن شهبة: ترجمة الشيخ طويلة، وحكاياته في قيامه على الظّلمة وردعهم كثيرة مشهورة، وله مكاشفات. وقال الذهبي: كان يحضر السماع ويرقص. توفي بمصر في جمادى الأولى من السنة، وحضر جنازته الخاصُّ والعام، السلطان فمن دونه، ودفن بالقُرَافَة في آخرها. ولما بلغ السلطان خبر موته قال: لم يستقر مُلكي إلّ السَّاعة، لأنه لو أَمَرَ الناس فيَّ بما أراد لبادروا إلى امتثال أمره. • وفيها التَّاج (٢) عبد الوهاب بن زين الأمناء أبي البركات الحسن بن محمد بن الدمشقي بن عساكر(٣). سمع الكثير من الخُشُوعي وطبقته، وولي مشيخة النُّورية بعد والده، وحجّ. فزار ولده أمين الدِّين عبد الصمد، وجاور قليلاً، ثم توفي في جمادى الأولى بمكّة. (١) كذا في ((ط)) و(طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة: ((دروسه)) وفي ((آ)): ((درسه)). (٢) لفظة ((التاج)) سقطت من ((آ). (٣) انظر ((ذيل مرآة الزمان)) (١٧٦/٢) و((العبر)) (٢٦٠/٥ - ٢٦١) و((عيون التواريخ)) (٢٧٤/٢٠). ٥٢٤ • وفيها نَقِيبُ الأشراف بهاء الدِّين أبو الحسن علي بن محمد بن إبراهيم بن محمد الحُسَيني بن أبي الجِنِّ (١). سمع حضوراً، وله أربع سنين من يحيى الثّقفي، وابن صَدَقَة، وتوفي في رجب. · وفيها ابن العَدِيم الصَّاحب العَلامة كمال الدِّين أبو القاسم عمر بن أحمد بن هبة الله بن أبي جَرَادَة العُقَيلي الحَلَبِي (٢). من بيت القضاء والحِشْمة. ولد سنة بضع وثمانين وخمسمائة، وسمع من ابن طَبَرْزَد، وبدمشق من الكِنْدي، وببغداد، والقدس، والنّواحي. وأجاز له المؤيدُ وخلق. وکان قليل المِثْلِ، عديم النَّظِير فضلاً ونبلاً، ورأياً وحَزْمَاً، وذكاءً وبهاءً، وكتابة وبلاغةً. دَرَّسَ وأفتى وصنَّف، وجمع ((تاريخاً)) لحلب في نحو ثلاثين مجلداً (٣). وولي خمسة من أيّامه على نسق القضاء، وقد ناب في سلطنة دمشق، وعَلّمَ عن الملك النَّاصر. وكان خطَّه في غايةِ الحُسْنِ. بَاعَ النَّاسَ منه شيئاً كثيراً على أنه خطَّ ابنِ البَوَاب. وكانت له معرفةٌ تامةً بالحديث، والتاريخ، وأيّام الناس. وكان حسن الظَّنِّ بالفقراء والصالحين. (١) انظر ((العبر)) (٢٦١/٥) و((الإعلام بوفيات الأعلام)) ص (٢٧٦). (٢) انظر (معجم الأدباء)) (٥/١٦ - ٥٧) و((العبر)) (٢٦١/٥) و((الإِعلام بوفيات الأعلام)): ص (٢٧٦) و((فوات الوفيات)) (١٢٦/٣ - ١٢٩) و(«البداية والنهاية)) (٢٣٦/١٣) و((النجوم. الزَّاهرة)» (٢٠٨/٧ - ٢١٠)، و«حسن المحاضرة)) (٤٦٦/١) و((دُرّ الحبب)) (١٠/١). (٣) قلت: وسمّاه ((بغية الطلب في تاريخ حلب)) قال ابن شاكر الكتبي: أدركته المنية قبل إكمال تبييضه واختصره في كتاب آخرِ سمّاه: ((زبدة الحلب في تاريخ حلب)» وقد طبع المجلد الأول من ((المختصر)) ذكر ذلك العلامة الزركلي في ((الأعلام)) (٤٠/٥). وقال ابن تَغْري بَرْدي في ((النجوم الزاهرة)): وذيَّل عليه - يعني على (بغية الطلب)) - القاضي علاء الدِّين ابن خطيب النّاصرية، قاضي القضاة الشافعية بحلب ذيلاً إلا أنه قصيرٌ إلى الرُّكْبة، وقفت عليه فلم أجده جال حول الحِمُى، ولا سلك فيه مسلك المُذَيَّل عليه من الشروط، إلا أنّه أخذ علم التاريخ بقوة الفقه، على أنه كان من الفضلاء العلماء، ولكنه ليس من خيل هذا الميدان، وكان يقال في الأمثال: مَنْ مُدِحَ بما ليس فيه، فقد تعرَّضَ للضُّحْكَة. ٥٢٥ ومن شعره من أبيات: حَلالٌ وَقَد أَضْحِى عَلَيَّ مُحرِّما فَيَا عَجَباً(١) مِنْ رِيقِهِ وهُو طَاهِرٌ هُو الخَمْرُ لكن أين للخَمرِ طَعْمُهُ سُلْزِمُ نفسي الصّفحَ عن کُلِّ من جنی ولذَّتَهُ مَعْ أنَّني لم أَذْهُمَا عَليَّ وأعفو ◌ِفّةً وَتَكَرُّما وَلَوْ لَم يُغادِرْ ذَاكَ عِنْدِيَ دِرْهَمَا وأُجْعَلُ مَالِي دُونِ عِرْضي ◌ِقَايَةً تَجُودُ بما تحوي سَتُصْبِحُ مُعْدَما وقَائِلة يابن العَدِيمِ إِلى مَتى رَأَيْتُ خِيَارَ النَّاسِ مَنْ كَان مُنْعِمَا فَقُلْتُ لها عَنِّي إليكِ فَإِنَّني عَقيلتُهُ سنو النَّدى والتَّكَرُّمَا أبى اللؤمُ، لي أصلٌ كريمٌ وأسرةٌ توفي - رحمه الله تعالى - بمصر في العشرين من جمادى الأولى، ودفن بسفح المُقَطَّم. • وفيها الضِّياء عيسى بن سُليمان بن رمضان أبو الرَّوحِ التّغْلِيي المِصْري القُرَافي الشَّافعي (٢). آخر من روى ((صحيح البخاري)) عن مُنْجِب المُرْشِدي مولى مُرْشِد الدِّين(٣). توفي في رمضان عن تسعين سنة. • وفيها الشَّمس الصِّقِليّ أبو عبد الله محمد بن سليمان بن أبي الفضل الدِّمشقي (٤) الدَّلال في الأملاك. سمع من ابن صَدَقَة الحَرَّاني، وأبي الفتح المَنْدَائي (٥)، وقرأ الختمة على أبي الجُود. ولد سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة، وتوفي في أواخر صَفَر. (١) كذا في ((آ)) و(ط)) و((المنتخب)) لابن شِقْدَة (١٨١/أ): ((فيا عجباً) وفي ((فوات الوفيات: فواعجباً». (٢) انظر ((العبر)) (٢٦١/٥ -٢٦٢) و((النجوم الزاهرة)) (٢١٠/٧) و((حسن المحاضرة)) (٣٨٠/١) وقد تصحفت ((التغلبي)) فيه إلى ((الثعلبي)) فتصحح. (٣) ذكره الذهبي في (سير أعلام النبلاء)) (١٢٥/٢١) فليراجع. (٤) انظر ((العبر)) (٢٦٢/٥) و((الوافي بالوفيات)) (١٢٧/٣). (٥) تحرفت نسبته في ((آ)) و((ط)) إلى ((المندلي)) والتصحيح من ((العبر)) ومن ترجمته في ص (٣٣) من هذا المجلد. ٥٢٦ • وفيها ابن عَرَق الموت، أبو بكر محمد بن فتّوح بن خَلُّوف بن يخلف بن مصال الهَمْدَاني الإسكندراني(١). سمع من التّاج المسعودي، وابن مُوقا، وأجازه أبو سعد بن أبي عَصْرُون والكبار، وتفرَّد عن جماعة. توفي في جمادى الأولى. • وفيها ابن زَيْلَق(٢)، الشَّاعر المشهور الأجَلّ مُحیی الدِّين محمد بن يوسف بن يوسف بن يوسف بن سَلَامة المَوصلي العَبَّاسي (٣) الكاتب. كان شاعراً، مجيداً، حسن المعاني. من شعره: سُهاداً يذودُ الجفنَ أن يألفَ الجَفْنَا بَعَثْتَ لنا من سِحْرِ مُقْلَتِكَ الوسنا ومِسْتَ بقدٍّ عَلَّم الهيفَ الغُصنا وَأَبْرَزْتَ وجهاً أُخْجَلَ (٤) البَدْرَ طَالعاً فحاكاه لكن زاد في دِقّة المَعنى وَأَبْصَرَ جسمي حُسنَ خَصْركَ ناحلاً قتلته التتار بالموصل حين تملّكوها. ● وفيها أبو بكر بن علي بن مكارم بن فِتْيَان الأنصاري المِصْري (٥). روى عن البُوصِيري وجماعة، وتوفي في المحرَّم. (١) انظر ((العبر)) (٢٦٢/٥) و((الوافي بالوفيات)) (٣١٤/٤ - ٣١٥) و((حُسن المحاضرة)) (٣٨٠/١). (٢) تصحفت في ((العبر)) بطبعتيه إلى ((ابن زبلاق)) فتصحح. (٣) انظر ((العبر)) (٢٦٢/٥) و((فوات الوفيات)» (٣٨٤/٤ - ٣٩٥) و(«البداية والنهاية)) (٢٣٦/١٣) و «الأعلام)) (٢٥٩/٤). (٤) في ((فوات الوفيات)): ((يُخْجِلُ)). (٥) انظر ((العبر)) (٢٦٢/٥) و((حُسن المحاضرة)) (٣٨٠/١). : ٥٢٧ سنة إحدى وستين وستمائة · في ثامن المُحَرَّم عُقد مجلسٌ عظيمٌ للبيعة، وجلس الحاكم بأمر الله أبو العَبَّاس أحمد بن الأمير أبي علي بن أبي بكر بن الخليفة المُسترشد بالله بن المُستظهر العَبَّاسيّ(١)، فأقبل عليه الملك الظّاهر بيبرس البُنْدُقْدَاري ومَدَّ يده إليه وبايعه بالخلافة، ثم بايعه الأعيان، وقُلْد حينئذ السلطنة للملك الظاهر بيبرس، فلما كان من الغد، خطب بالناس خطبةً حسنةً، أولها: الحمد لله الذي أقام لآَل العَبَّاس رُكناً وظهيراً. ثم كتب بدعوته وإمامته إلى الأقطار، وبقي في الخلافة أربعينَ سنةً وأشهراً، وهو التاسع والثلاثون من بني العباس. • وفيها خرج الّاهر إلى الشَّام، وتحيَّل على صاحب الكَرَك الملك المُغيث، حتّى نَزَل إليه، فكان آخر العهد به، لأنه كان كاتب هُولاكو(٢)، على أن يأخذ له مصر، وطلب منه عشرين ألف فَارس، وأخرج كتبه بمصر وقرأها على العلماء، فافتوا بعدم إبقاء مَن هذا فِعْلُه. • وفيها وصل كرمونُ المُقَدَّم في طائفة كبيرة من التتار قد أسلموا، فأنعم عليهم الملك الظاهر. (١) انظر ((العبر)) (٢٦٣/٥) و((تاريخ الخلفاء)) ص (٤٧٨ - ٤٧٩). (٢) في ((آ)) و((ط)): ((هلاك). ٥٢٨ • وفيها راسل بَرَكةُ الملك الظّاهر، ثم كانت وقعة هائلة بين بَرَكة وبین ابن عمِّه هُولاكو(١)، فانهزم هُولاكو(١) ولله الحمد، وقتل خلقٌ من رجاله وغرق خلقٌ. • وفيها توفي الحسن بن علي بن منتصر أبو علي الفَاسي(٢) ثم الإِسكندراني الكُتُبي(٣)، آخر أصحاب عبد المجيد [بن الحُسين] بن دليل (٤). توفي في ربيع الآخر. • وفيها أبو الرَّبيع سُلَيمان بن خليل العسقلاني(٥)، الفقيه الشافعي، خطيب الحَرَم، سبط عمر بن عبد المجيد المَيَانِشيّ(٦). روى عن زَاهِر بن رُسْتُم وغيره، وتوفي في المُحَرَّم. • وفيها الرَّسْعني - بفتح الراء، والعين المهملة، وسكون السين المهملة، نسبة إلى رأس عين، مدينة بالجزيرة - العَلَّمة عز الدِّين عبد الرزّاق بن رِزْق الله بن أبي بكر(٧). المُحَدِّث المُفَسِّر الحنبليُّ. ولد سنة تسع وثمانين [وخمسمائة]، وسمع بدمشق من الكِندي، (١) في (آ) و((ط)): ((هلاكو). (٢) في ((حسن المحاضرة)): ((الفارسي)). (٣) انظر ((العبر)) (٢٦٤/٥) و((حسن المحاضرة)) (٣٨٠/١). (٤) انظر ((سير أعلام النبلاء)) (١٢٥/٢١) وما بين الحاصرتين زيادة منه. (٥) انظر ((العبر)) (٢٦٤/٥) و((العقد الثمين)) (٦٠٣/٤) و((غربال الزَّمان)) ص (٥٤٢). (٦) تصحفت في ((آ) و((ط)) و((العبر)) بطبعتيه إلى ((الميانسي)) بالسين المهملة والتصحيح من ترجمته في المجلد السادس صفحة (٤٤٦) وانظر التعليق عليه هناك، وتحرفت ((عبد المجيد)) في ((غربال الزمان)) إلى («عبد الحميد)) فتصحح من هنا ومن حاشيته. (٧) انظر ((العبر)) (٢٦٤/٥) و((الإعلام بوفيات الأعلام)) ص (٢٧٦) و(«ذيل طبقات الحنابلة)) (٢٧٤/٢ - ٢٧٦) و((النجوم الزاهرة)) (٧/ ٢١١ - ٢١٢) و((طبقات المفسرين)) (٢٩٣/١ - ٢٩٥). ٥٢٩ اھی وببغداد من ابن مَنِيْنَا، وصنَّف تفسيراً جيداً. وكان شيخ الجزيرة في زمانه؛ علماً، وفضلاً، وجلالةً. قاله في ((العبر)). وقال ابن رجب: ولد برأس عين الخابور، وسمع بالبلدان المتعددة، وتفقه على الشيخ موفق الدِّين، وحفظ كتابه ((المقنع)) وتَفَنَّن في العلوم العقلية والنقلية، وعَدَّه الذَّهبيّ من الحفّاظ، وولي مشيخة دار الحديث بالموصل، وكانت له حُرْمَةٌ وافِرَةٌ عند صاحب الموصل وغيره من ملوك الجزيرة، وصنَّف تفسيراً حسناً في أربع مجلدات ضخمة، سمّاه ((رموز الكُنَّوز)) وكتاب ((مصرع الحسين)) ألزمه بتصنيفه صاحب الموصل، فكتب فيه ما صحَّ من المقتل دون غيره، وكان متمسكاً بالسُّنَّة والآثار، وله نظمٌ حسنٌ، منه: وكُنتُ أَظُنُّ فِي مِصْرٍ بحاراً إِذَا أَنَا جِئْتُها أَجِدُ الْوُرُودَا تَيَمَّمْتُ الصَّعِيدَا فحينئذ فَمَا أَلفَيْتُهَا إِلّ سَرَاباً وقال الذهبي: توفي بسنجار ليلة الجمعة ثاني عشر ربيع الآخر من هذه السنة . · وفيها عزّ الدِّين أبو محمد وأبو القاسم وأبو الفرج، الحافظ عبد الرحمن بن محمد بن عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن شرف المقدسي(١) المُحَدِّثُ الحنبلي. ولد في ربيع الآخر سنة اثنتين وستمائة، وحضر على أبي حفص بن طَبَرْزَد. وسمع من الكِنْدي وطبقته، وارتحل إلى بغداد، فسمع من الفتح بن عبد السلام وطائفة، ثم إلى مصر. وكتب الكثير، وعُني بالحديث. وتفقه على الشيخ الموفق. وكان فاضلاً، صالحاً، ثقةً، انتفع به جماعة، وحَدَّث. توفي في نصف ذي الحجّة، ودفن بسفح قاسيون. (١) انظر ((ذيل مرآة الزمان)) (٢١٨/٢ -٢١٩) و(«العبر» (٢٦٥/٥) و((الوافي بالوفيات)) (٢٤٠/١٨) و((ذيل طبقات الحنابلة)) (٢٧٦/٢ - ٢٧٧). ٥٣٠ ، وفيها النَّاشري، المقرىء البارع، تقيّ الدِّين عبد الرحمن بن مُرْهَف المِصْري(١). قرأ القراءات على أبي الجُود، وتصدّر للإِقراء، وبَعُدَ صيته، وتوفي في شوال عن نَيِّفٍ وثمانين سنة. • وفيها ابن بَنِين أثير الدِّين عبد الغني بن سُليمان بن بَنِين المِصْري الشَّافعي القَبَّاني النَّاسِخ(٢). ولد سنة خمس وسبعين وخمسمائة، وسمع من عَشِير [بن علي] الجَبَلِيّ (٣)، فكان آخر أصحابه. وسمع من طائفة غيره، وأجاز له عبدالله بن بَرِّي، وعبد الرِّحمن [بن محمد] السِّبْبيّ (٤)، وانتهى إليه علو الإِسناد بمصر، مع صلاحٍ وسكونٍ. توفي في ثالث ربيع الآخر. ● وفيها علي بن إسماعيل بن إبراهيم المقدسي ثم الدّمشقي الحنبلي (٥). روى عن الخُشُوعي وغيره، وتوفي في رجب، وكان مباركاً خَيِّراً. قاله في ((العبر)). (١) انظر ((العبر)) (٢٦٥/٥) و((معرفة القراء الكبار)) (٦٥٩/٢) و((الإعلام بوفيات الأعلام)) ص (٢٧٦) و((غاية النهاية)) (٣٧٩/١ - ٣٨٠) و((النجوم الزاهرة)) (٢١٢/٧). (٢) انظر ((العبر)) (٢٦٥/٥ - ٢٦٦) و((الإعلام بوفيات الأعلام)) ص (٢٧٦) و((النجوم الزاهرة)) (٢١٢/٧) و((حسن المحاضرة)) (٣٨٠/١). (٣) تحرفت نسبته في ((آ) و((ط)) إلى ((الجبل)) وفي ((حسن المحاضرة)) إلى ((الحنبلي)) والتصحيح من ((التكملة لوفيات النقلة)) (١٠٤/١) و((سير أعلام النبلاء)) (١٧٢/٢١) وما بين الحاصرتين زيادة منهما، ومن ((العبر)) ولم يُقَيّد محقِّقه نسبته. قال المنذري: والجَبَلِيُّ: بفتح الجيم والباء الموحدة المفتوحة وأظنه منسوباً إلى جَبَلة، البلدة المشهورة بساحل الشام. (٤) تحرفت في ((آ)) و((ط)) إلى ((الشيي)) والتصحيح من ((العبر)) و((سير أعلام النبلاء)) (١٣٠/٢١) وما بین الحاصرتین زيادة منه. (٥) انظر ((العبر» (٢٦٦/٥). ٥٣١ • وفيها الكمال الضَّرير، شيخ القُراء أبو الحسن علي بن شُجَاعِ بن سَالم ابن علي الهَاشِمي العَبَّاسي المِصْرِي الشافعي (١)، صاحب الشاطبي وزوج بنته . ولد سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، وقرأ القراءات على الشّاطِبي، وشجاع المُذْلِجي، وأبي الجود(٢) وسمع من البُوصِيري وطائفة، وتصدَّرَ للإِقراء دهراً، وانتهت إليه رئاسة الإِقراء. وكان إماماً يجري في فنون من العلم وفيه تَوَدُّدُ وتواضعٌ ولينُ ومُروءةٌ تَامَّةٌ . توفي في سابع ذي الحجّة. • وفيها العَلَمُ أبو القاسم، والأصح أبو محمد، القاسم بن أحمد بن موفق بن جعفر المُرْسي اللّورقي (٣) - بفتحتين وسكون الراء، نسبة إلى لَوَرْقة، بلدة بالأندلس - المقرىء النَّحوي المُتكلم، شيخ القراء بالشام. ولد سنة خمس وسبعين وخمسمائة. وقرأ القراءات على ثلاثة من أصحاب ابن هُذَيل، ثم قرأها على أبي الجُود. ثم على الكِنْدي، وسمع ببغداد من ابن الأخضر. وكان عارفاً بالكلام، والأصلين، والعربية. أَقْرَاً، واشتغل مُدَّةً، وصنَّف التصانيف، ودرَّس بالعَزِيزِية نيابةً، وولي مشيخة الإِقراء والنَّحو بالعادلية، وتوفي في سابع رجب وقد شرح ((الشاطبية)). قاله في ((العبر)). (١) انظر ((العبر)) (٢٦٦/٥) و(معرفة القراء الكبار)) (٦٥٧/٢ - ٦٥٩) و((غاية النهاية)) (٥٤٤/١ - ٥٤٥) و((حسن المحاضرة» (٥٠١/١ - ٥٠٢). (٢) هو غياث بن فارس اللَّخمي، مقرىء الدِّيار المصرية. تقدمت ترجمته في وفيات سنة (٦٠٥) ص (٣٣) من هذا المجلد فراجعها. (٣) انظر (العبر)) (٢٦٦/٥ - ٢٦٧) و((معرفة القراء الكبار)) (٦٦٠/٢ - ٦٦١) و((نفح الطيب)) (١٣٧/٢) بتحقيق الدكتور إحسان عباس. ٥٣٢ ٠ سنة اثنتين وستين وستمائة • فيها انتهت عَمَارة المدرسة الظَّاهرية بين القَصْرَيز بمصر، ورُتُّبَ في تدريس الإِيوان القِبْلي القَاضي تَقيّ الدِّين محمد بن رَزِين، وفي الإِيوان الشمالي مَجْدُ الدِّين بن العَدِيم، وفي الإِيوان الشّرْقي فخر الدِّينِ الدِّمْيَاطِي في تدريس الحديث، وفي الغرب كمال الدِّين المَحَلِي. · وفي جمادى الآخرة وصَلَ الخبر بأن امرأةً عجوزً من الحُسينية عندها امرأتان تُجِيبُ لهم شباباً فيثور عليهم رجال عندها فيقتلونهم ويعطوهم الوقّادِ الحَمّامِ يحرقهم، وإذا كَثُرَ القتلى يعطوهم لملاحٍ يُغَرِّقهم، وكان والي الحُسينية شريكهم، فَحُسِبَ الذين قُتلوا فكانوا خمسمائة نسمة، فأمر السلطان أن يُسَمَّروا جميعاً في الحُسَينية. • وفيها اشتدَّ الغَلَاَءُ بالقاهرة، حَتَّى بِيعَ الإِرْدَبُّ (١) القَمْح بمائة وخمسين ديناراً، فَفَرَّق الملك الظَّاهر الصَّعَاليك على الأغنياء والأمراء، وألزمهم بإطعامهم. • وفيها أُحضر إلى بين يدي الظّاهِر ◌ِفْلٌ مَيِّتُ له رأسان وأربعة أَعْيُنِ وأربعة أيدي، وأربعة أرجل. (١) جاء في ((المعجم الوسيط)) (١٣/١): الإِرْدَبُّ: مكيالٌ يسع أربعةً وعشرين صاعاً. ٥٣٣ وذكر محيي الدِّين بن عبد الظَّاهر أن بعض أهل قُوص وجَدَ في حُفْرَةٍ فُلوساً كثيرة وعلى كل فلسٍ منها صورة ملكٍ واقف في يده اليُمنى ميزانٌ وفي يده اليُسرى سيفٌ، وعلى الوجه الثاني رأسُ مصورٍ بآذانٍ وعيونٍ كثيرة مفتوحة، وبدائر الفلوس سطورٌ. واتفق حضور جماعة من الرُّهبان فيهم راهبٌ عالمٌ بلسان اليونان، فقرأ ما على الفلس، فكان تاريخه إلى ذلك الوقت ألفي سنة وثلثمائة سنة، وكتابته أنا غلياث الملك، ميزان العدل، والكرم في يميني لمن أطاع، والسيف في شمالي لمن عصى، وفي الوجه الآخر أنا غلياث الملك أذني مفتوحةٌ لسماع كلمة المظلوم، وعيني مفتوحةٌ أَنْظُرُ بها مَصَالحِ مُلْكي. • وفيها توفي قاضي حلب كمال الدِّين أحمد بن قاضي القُضَاة زين الدِّين عبدالله بن عبد الرحمن بن الأستاذ الأسدي الشّافعي، المعروف بابن الأستاذ(١)، وهو لقب جَدِّ والده عبد الله بن عَلْوَان. ولد سنة إحدى عشرة وستمائة، وسمع من جماعة، واشتغل في المذهب، وبرع في العلوم والحديث، وأفتى ودرَّس. وولي القضاء بحلب في الدولتين النَّاصرية والظَّاهرية. قال الذهبي: وكان صدراً مُعَظّماً، وافِرَ الحُرْمَة، مجموع الفَضَائل، صاحب رئاسةٍ ومكارم وأفضال وسؤدد. وولي القضاء(٢) مدّة فحُمدت سيرته، وروى عنه أبو محمد الدِّمْيَاطي. وكان يدعو له لما أُوْلَاهُ من الإحسان. انتهى . (١) انظر ((العبر)) (٢٦٧/٥) و((طبقات الشافعية الكبرى)) (١٧/٨ -١٨) و((طبقات الشافعية)) للإسنوي (١٤٤/١ - ١٤٦) و((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (١٦٢/٢ - ١٦٣) و ((السلوك لمعرفة دول المملوك» (٥٢٣/٢/١) و(النجوم الزاهرة)» (٢١٤/٧). (٢) في ((آ)) و((ط)): ((القضاة)) وما أثبته هو الصواب. ٥٣٤ ومن تصانيفه ((شرح الوسيط)) في نحو عشر مجلدات، لكن عزَّ وجود شيءٍ منه، والظّاهر أنه عدم في فتنة التتار بحلب، فإنه أصيب بماله وأهله فيها، ثم أعيد إلى دولته في الدولة الظَّاهرية. وقال السبكي: وله («حواشٍ (١) على فتاوى ابن الصَّلَاحِ)) تدلُّ على فضلٍ كثير(٢) واستحضارٍ للمذهب جَيِّدٌ. توفي في نصف شوال. • وفيها أبو الطّاهر الكَتَّاني إسماعيل بن صَارِمِ (٣) الخَيّاط العَسْقَلاني ثم المِصْري(٤). روى عن البُوصِيري، وابن ياسين، وتوفي في جمادى الأولى. · وفيها الزَّينِ الحَافِظِي، سليمان بن المُؤَيَد بن عَامِرِ العَقْرَبَاني(٥) الطّبيب، طَبّ(٦) الملك الحافظ صاحب جَعْبَر فَتُسِبَ إليه، ثم خَدَمَ الملك النَّاصر يوسف فعظم عنده، وبعثه رسولاً إلى التتار فباطنهم ونصح لهم، فأُمَّرَهُ هولاكو(٧)، وصار تترياً خائناً للمسلمين، فَسَلَّطَ الله عليه مخدومه، فقتل بين يديه لكونه كاتب الملك الظاهر، وقتل معه أقاربه وخاصته، وكانوا خمسين. · وفيها شَيخُ الشُّيوخ شَرَفُ الدِّين عبد العزيز بن محمد بن عبد المحسن الأنصاري الدمشقي ثم الحَمَوي (٨) الشَّافعي الأديب. كان أبوه قاضي حَمَّاة، ويعرف بابن الرفَّاء. (١) في ((آ)) و((ط)): ((حواشي)) والتصحيح من ((طبقات الشافعية الكبرى)). (٢) في ((طبقات الشافعية الكبرى)): ((على فضل كبير)). (٣) في ((١)) و((ط)): ((إسماعيل بن سالم)) وهو خطأ والتصحيح من مصادر الترجمة. (٤) انظر ((تذكرة الحفاظ)) (١٤٤٣/٤) و((الوافي بالوفيات)) (١٢١/٩) و((النجوم الزاهرة)) (٢١٧/٧). (٥) انظر («العبر)) (٢٦٧/٥ - ٢٦٨). (٦) انظر ((لسان العرب)) (طبب). (٧) في ((١)) و((ط)): ((هلاكو)). (٨) انظر ((العبر)) (٢٦٨/٥) و((الوافي بالوفيات)) (٥٤٦/١٨ - ٥٥٦) و((الإعلام بوفيات الأعلام)) = ٥٣٥ ولد هو بدمشق سنة ست وثمانين وخمسمائة، وكان مُفْرِطَ الذّكاء. ورحل به أبوه، فسمع من ابن كُلَيب ((جزء ابن عرفة)) ومن أبي المجد («المسند» كُلّهُ. وله محفوظات كثيرة، وفضائل شهيرة، وحُرْمَةٌ وجلالةٌ ولين جانبٍ، يكرم من يَعْرِفُ ومن لَا يَعْرِفُ. مات بحَمَاة، ودفن بظَاهِرهَا في ثامن رمضان بتُربةٍ كان أعدّها له. ومن شعره قوله: طَلَبْتُ شِبْهَاً لَهُ فِي النَّاس لم أُصِبٍ سَبی فُؤاديَ فَتَّانُ الجَمَّال إذا قَرِأْتُ خَطَّ عِذَارَيهِ فَأَطْمَعَني وأَعْرَبَتْ ليَ نُون الصّدغ معجمةً حَتَّى رَنَا فَسَبَتْ قَلبِي لَوَاحِظُهُ لَمْ أَنْسَ ليلةَ طَافت بي عَوَاطِفُهُ حَيًّا بما شئتَ من وَرْدٍ بَوَجْنَتِهِ نَشْوَانُ أَسألُ عَنْ قَلبِي فَيُنْكِرُهُ وكُلَّما قَالَ ممن أَنْتَ قُلتُ لَهُ لا تَسْأَلُوا حُبُّكم عن حُبِّه فَلَهُ وراقبوا منهُ حَالاً غيرَ حَائلةٍ بواو عطفٍ ووصلٍ منه عن كثبٍ بالحالِ عِنِ نُجْحِ مقصودي وعَنْ طَلّبي(١). والسَّيفُ أَصْدَقُ إِنْبَاءً مِنَ الكُتُبِ(٢) فَزَارَنِي طَيِفُهُ صِدْقاً بِلاَ كَذِبٍ نَهَبْتُهُ بِابْتِسَامِي وَهُوَ مُنْتَهِبِي ثِيْهَاً ويَسأَلُ عَنِّي وهُو أَعْرَفُ بي مِمِّنْ إذا عَشِقُوا جَاؤُوكَ بِالعَجَبِ من الإِضَافَةِ مَا يُغنِي عَنِ السَّبَبِ عَمّا عَهِدْتُم وقلباً غير مُنْقَلِبٍ • وفيها العِمَاد بن الحَرَسْتَاني أبو الفَضَائل عبد الكريم بن القاضي جمال الدِّين عبد الصَّمد بن محمد الأنصاري الدمشقي الشَّافعي (٣). = ص (٢٧٧) و((فوات الوفيات)) (٣٥٤/٢ - ٣٦٣) و((النجوم الزاهرة)) (٢١٤/٧ - ٢١٥). (١) في ((آ) و((ط)): ((ومطلبي)) وما أثبته من ((الوافي بالوفيات)). (٢) صدر بيت لأبي تمَّام وهو في ((ديوانه)) وعجزه: في حَدِّه الحَدُّ بين الجِدِّ واللّعِب (٣) انظر ((العبر)) (٢٦٨/٥ - ٢٦٩) و((السلوك)) (١/ ٢/ ٥٢٣ - ٥٢٤) و((النجوم الزاهرة)) (٢١٧/٧). ٥٣٦ ١٨ ولد في رجب سنة سبع وسبعين وخمسمائة، وسمع من الخُشُوعي، والقاسم، وتفقه على أبيه، وأفتى وناظر، وولي قَضَاء الشَّام بعد أبيه قليلاً، ثم عُزِلَ. ودرَّس بالغَزَالية مدّة، وخطب بدمشق. وكان من جِلَّة العُلماء. له سمتٌ ووقارٌ وتواضعٌ. وولي الدَّار الأشرفية بعد ابن الصَّلاح، ووليها بعده أبو شامة، وتوفي في جمادى الأولى . ٠ ● وفيها الضِّياءُ بن البَالِسي(١) أبو الحسن علي بن محمد بن علي(٢)، المُحَدِّثُ الخطيب، العَدْلُ الشُّرُوطي. ولد سنة خمس وستمائة. وسمع من ابن البنّ، وأجاز له الكندي، وعُني بهذا الشأن، وكتب الكثير. وتوفي في صفر. · وفيها الملك المُغيث فتحُ الدِّين عمر بن العَادل أبي بكر بن الملك الكامل بن العَادل(٣). حُبِسَ(٤) بعد موت عَمِّه الصالح بالكرك، فلما قَتَلوا ابن عَمِّه المُعَظِّم، أخرجه مُعْتَمَدُ الكَرَكِ الطّوَاشي وسلطنه بالكَرَكِ. وكان كريماً، مُبَذِّراً للأموال. فَقَلَّ ما عنده، حتَّى سلَّم الكركَ إلى صاحب مصر، ونزل إليه فخنقه. وكذا(٥) خَنَقَ عَمُّهُ أباه، وعَاشَ(٦) كل منهما نحواً من ثلاثين سنة. وقال ابن شهبة في سبب موته: أن الظّاهر بيبرس أمر أَيدَمُر الحِلّي(٧) نائب القاهرة أن يقتله سِرّاً ولا يُظْهِر ذلك، ويدفع لقاتله ألف دينار، فطلب أيدَمُرُ رجلاً شرِيراً عنده شَهَامةٌ وأطلعه على ذلك، فدخل إليه فخنقه؛ وأخذ (١) في ((ط)): ((البانسي)) وهو خطأ. (٢) انظر ((العبر)) (٢٦٩/٥). (٣) انظر ((العبر)) (٢٦٩/٥) و((النجوم الزاهرة)) (٢١٥/٧ - ٢١٦). (٤) تحرفت في ((آ)) و((ط)) إلى ((جلس)) والتصحيح من ((العبر). (٥) في ((ط): ((وكذلك)). (٦) تحرفت في ((ط)) إلى و((دياش)) من غير تنقيط الباء ظناً منه بأنها نون. (٧) انظر ((الوافي بالوفيات)) (٥/١٠). ٥٣٧ الألف دينارٍ(١)، وجعل يشرب الخمر في بيته على بِرْكَة الفيل، فأخرج من الذَّهب، فقال له ندماؤه: من أين لك هذا الذهب؟ فأخبرهم في حال سُكره أنه قتل الملك المُغيث وأعطي ألف دينار، فشاع ذلك بين النّاس، فبلغ الملك الظّاهر فَعَظُمَ عليه ذلك، وأنكر على أيدَمُر، وطلب الرجل، فاستعاد منه ذلك الذَّهب وقتله. • وفيها البَابْشَرْقي(٢) أبو عبدالله محمد بن إبراهيم بن علي الأنصاري (٣) التَّاجر بجَيْرُون (٤). روى عن الخُشُوعِي، وطائفة. وتوفي في ربيع الأول. • وفيها ابن سُرَاقَة، الإِمام محيي الدِّين أبو بكر محمد بن محمد بن إبراهيم الأنصاري الشّاطبي (٥) ، شيخ دار الحديث الكَامِلية بالقاهرة. ولد سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة، وسمع من أبي القاسم أحمد بن بقيّ، وبالعراق من أبي علي بن الجَوَاليقي وطبقته، وله مؤلفاتٌ في التصوف. وكان أحد الأئمة المشهورين بغزارة العلم. ومن شعره : وصَاحبٍ كالزُّلالِ يمحُو صَفَاؤُهُ الشَّكَّ گاتِبُ كأنّهُ لم يُخْصِ إِلّ الجميلَ حتّى (٦) بالیقِینِ الیمِینِ (١) لفظة ((دينار)) سقطت من ((آ)). (٢) نسبة إلى الباب الشرقي لدمشق القديمة. (٣) انظر ((العبر)) (٢٦٩/٥ - ٢٧٠) و((النجوم الزاهرة)) (٢١٧/٧). (٤) قال الأستاذ الدكتور صلاح الدِّين المنجد في تعليقه على ((العبر)): تطلق جيرون على المَحَلَّة التي أمام باب الجامع الأموي الشرقي المسمى باب جيرون. وأحال على كتابه خطط دمشق. وانظر ((غوطة دمشق)) للعلامة الأستاذ محمد كرد علي ص (٦٢) و((معجم البلدان» (١٩٩/٢). ٠٠(٥) انظر ((العبر)) (٢٧٠/٥) و((الوافي بالوفيات)) (٢٠٨/١ - ٢٠٩) و((النجوم الزاهرة)) (٢١٦/٧) و(حُسن المحاضرة)) (٣٨١/١). (٦) في ((الوافي بالوفيات)) و((النجوم الزاهرة)): ((مني)). ٥٣٨ وهذا عكس قول المَنَازي (١): ومَا جَرىْ غَدْرُهُ ببالي وصَاحِبٍ خِلْتُهُ خَلِيلاً لَمْ يُخْصِ إلّ القَبِيحَ حَتَّى (٢) كَأَنَّهُ كَاتِبُ الشِّمَالِ · وفيها الملك الأشرف، مُظَفَّر الدِّين موسى بن المَنْصُور إبراهيم بن المُجاهد أسد الدِّین شِیرگوه(٣)، صاحب حمص. ولد سنة سبع وعشرين وستمائة، وتملَّك حمص سنة أربع وأربعين، فأخذت منه سنة ستّ. ثم تملَّك(٤) الرَّحْبَة. ثم سار إلى هُولاكو(٥) فأكرمه وأعاد إليه حِمْصَ(٦)، وولاه نيابة الشام مع كَتّبُغا. فلما قلع الله التتار، رَاسَلَ(٧) الملك المُظَفَّرِ فَأَمَّنه وأَقرَّه على حِمْصَ. فغسل هناته بيوم حمص وكَسْرِ التتار. ونَبُلَ قَدْرُهُ. وكان ذَا(٨) حَزْمٍ ودَهَاءٍ وشَجَاعٍ وعَقْلٍ مِقْدَاماً، شُجَاعاً. كسر التتار وكانوا في ستة آلاف، وكان هو في ألف وخمسمائة، وقتل أكثر التتار، ولم ينجُ منهم إلّ القليل، ولم يُقتل من المسلمين سوى رجل واحد. وكان عفيفاً، يحبُّ العِلْم وأهله. توفي بحمص في صفر، فيقال سُقِيَ(٩)، وتسلّم الظاهر بلده وحواصله. (١) هو أحمد بن يوسف السّليكي المَنّازي. تقدمت ترجمته في وفيات سنة (٤٣٧) من المجلد الخامس صفحة (١٧٣). (٢) في ((الوافي بالوفيات)) و((النجوم الزاهرة)): ((مني)). (٣) انظر ((وفيات الأعيان)) (٤٨١/٢) و((العبر)) (٢٧٠/٥ - ٢٧١) و(«البداية والنهاية)) (٢٤٣/١٣) و((النجوم الزاهرة)) (٢١٧/٧). (٤) في ((آ)) و((ط)): ((ثم ملك)) وأثبت لفظ ((العبر)) مصدر المؤلف. (٥) في (آ)) و((ط)): ((هلاکو)). (٦) في ((ط)): ((وأقرَّه على حمص)). (٧) في ((ط)): ((وأرسل)). (٨) تحرفت في ((العبر)) طبع الكويت إلى ((اذ) وصححت في ((العبر)) طبع بيروت ووهم محققه في التعليق عليها فقال: ((في (ب)) (ذا)) وكان الصواب أن يكتب ((اذ)) كما جاء في المطبوع منه في الكويت !. (٩) يعني: السُّمَّ. ٥٣٩ ● وفيها الجُوكَنْدَارا العزيزُ بن حُسَام الدِّين لاجين، من أكبر أمراء دمشق. كان مُحبّاً للفقراء، مؤثراً لراحتهم، يجمعهم على السماعات والسِّمَاطات التي يُضْرَبُ بها المَثَلُ. ويخدمهم بنفسه. توفي في المحرم كهلاً. قاله في ((العبر))(١). • وفيها الرَّشيد العَطّار الحافظ أبو الحسين، يحيى بن علي بن عبدالله ابن علي بن مُفَرِّج القُرَشي الأموي النَّابلسي ثم المِصْرِي المَالِكي (٢). ولد سنة أربع وثمانين وخمسمائة، وسمع من البُوصِيري، وإسماعيل ابن ياسين، والكبار. فأكثر وأطاب، وجمع ((المعجم)) وحَصَّلَ الأصول، وتقدم في الحديث، وولي مشيخة الكاملية سنة ستين، وتوفي في ثاني جمادى الأولى . • وفيها العَبَّاريُّ (٣) أبو القاسم [محمد] بن منصور الإِسكندرانيّ (٤) الزَّاهِدُ. كان صالحاً، قانتاً، مخلصاً، منقطع القَرِين في الوَرَعِ. كان له بُسْتَانٌ يعمله ويَتَبّغ منه، وله ترجمة مُفْرَدَةً جمعها ناصر الدِّين بن المُنَيِّر (٥). توفي في سادس شعبان (٦). (١) انظر ((العبر)) (٢٧١/٥). (٢) انظر ((العبر)) (٢٧١/٥) و((النجوم الزاهرة)) (٢١٧/٧) و((حُسن المحاضرة)) (٣٥٦/١). (٣) في ((ط)): ((القيادي)) وهو خطأ. (٤) انظر ((ذيل الروضتين)) ص (٢٣١) و((العبر)) (٢٧١/٥) و((الإِعلام بوفيات الأعلام)) ص (٢٧٧) و((البداية والنهاية)) (٢٤٣/١٣) و((طبقات الأولياء)) ص (٣١٩ - ٣٢٠) وقد. تحرفت فيه («محمد بن منصور)) إلى ((محمد عيسى)) فتصحح. ولفظة ((محمد)) التي بين. الحاصرتين مستدركة من المصادر المتقدم ذكرها. (٥) سترد ترجمته في أول وفيات سنة (٦٨٣) من هذا المجلد صفحة (٦٦٦) فراجعها. (٦) قلت: ومن المصادفات أنني أَنْهَيْتُ تحقيق ترجمة المترجم في ظهيرة يوم التاسع من شعبان لعام (١٤١٠) هـ، أي بعد (٧٤٨) سنة وثلاثة أيام من وفاته، رحمه الله وأسكنه فسيح جنانه، وجمعني وإيّاه يوم القيامة تحت لواء سيد المرسلين بفضله وكرمه. ٥٤٠