النص المفهرس
صفحات 461-480
وله ((تفسير)) في تسعٍ وعشرين مجلداً، و ((شرح الجامع الكبير)) وكتاب ((مرآة الزَّمَان))(١) وهو كتاب كاسمه، وجمع مجلداً في مناقب أبي حنيفة. ودرّس وأفتى. وكان في شبيبته حنبلياً، وكان وافر الحُرْمة عند الملوك. نقله الملك المعظّم إلی مذهب أبي حنيفة فانتقد علیه ذلك کثیر من الناس، حتَّى قال له بعض أرباب الأحوال وهو على المنبر: إذا كان للرجل كبير ما يرجِعُ عنه إلّ بعيب ظهر له فيه، فأيُّ شيء ظهر لك في الإِمام أحمد حتى رجعت عنه؟ فقال له: اسكت. فقال الفقير: أما أنا فسكت، وأما أنت فتكلم، فرام الكلام فلم يستطع، فنزل عن المنبر. ولو لم يكن له إلّ كتابه (مرآة الزمان)) لكفاه شرفاً، فإنه سلك في جمعه مسلكاً غريباً، ابتدأه من أول الزمان إلى أوائل سنة أربع وخمسين وستمائة التي توفي فيها. مات - رحمه الله - ليلة الثلاثاء العشرين من ذي الحجّة بمنزله بجبل الصالحية، ودفن هناك، وحضر دفنه الملك الناصر سلطان الشام، رحمه الله تعالى رحمةً واسعة. (١) قام بتحقيق المجلد الأول منه الأستاذ الفاضل الدكتور إحسان عبّاس ونشره في بيروت قبل عدة سنوات، وأسأل الله عزَّ وجلّ أن يعينه على إتمامه. ٤٦١ سنة خمس وخمسين وستمائة · فيها شاع الخبر أن الملك المعزّ صاحب مصر يتزوج بابنة صاحب الموصل، فعظم ذلك على زوجته شجرة الدُّرِّ، وعزمت على الفتك به، واتفقت مع جماعة من الخدم ووعدتهم بأموال عظيمة، فركب المعزّ للعب الكرة، وجاء تعبان، فدخل الحمّام يغتسل، فلما صار عُرْيَاناً رمته الخُدَّام إلى الأرض وخنقوه ليلاً ولم يدر به أحد، فأصبح الناس من الأمراء والكبراء على عادتهم للخدمة، فإذا هو مَّيِّتْ، فاختبطت المدينة، ثم سلطنوا بعده ابنه الملك المنصور علياً. · وفيها وصلت التتار إلى الموصل وخَرَّبوا بلادها. • وفيها توفي العلّامة ابن بَاطِيش ـ بالشين المعجمة - عماد الدِّين أبو المجد إسماعيل بن هبة الله بن سعيد بن هبة الله بن محمد الموصلي الشافعي(١). ولد في محرم سنة خمس وسبعين وخمسمائة، ودخل بغداد فتفقه بها، وسمع بها من ابن الجوزي وغيره، وبحلب من حَنْبَل، وبدمشق من جماعة، وخرَّج لنفسه أحاديث عن شيوخه، ودرَّس وأفتى، وصنّف تصانيف حسنة. (١) انظر ((سير أعلام النبلاء)) (٣١٩/٢٣) و((العبر)) (٢٢١/٥ - ٢٢٢) و((طبقات الشافعية الكبرى)) (١٣١/٨) و((طبقات الشافعية)) للإسنوي (٢٧٥/١ - ٢٧٦) و((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (١٣٠/٢ - ١٣١). ٤٦٢ منها ((طبقات الشافعية)) وكتاب ((المُغْني في غريب المُهَذَّب)) وكان من أعيان الأئمة، عارفاً بالأصول، قوي المشاركة في العلوم، لكن في كتابه («المغني)) أوهام كثيرة، نَبََّ النووي في ((تهذيبه)) على كثير منها. توفي في حلب في جمادى الآخرة، رحمه الله تعالى. • وفيها المعزّ عز الدِّين أيبك التّركماني الصّالحي، صاحب مصر جهاشنکیر(١)، الملك الصالح. كان ذا عقلٍ ودينٍ، وتركٍ للمسكن. تملّك في ربيع الآخر، سنة ثمان وأربعین. ثم أقاموا معه باسم السلطنة الأشرف يوسف بن الناصر يوسف بن أُقْسِيس، وله عشر سنين، وبقي المعزّ أتابكه. وهذا بعد خمسة أيام من سلطنة المعزّ. فكان يخرج التوقيع وصورته: رسم بالأمر العالي السلطاني الأشرفي والملكي المعزِّي، ثم بطل أمر الأشرف بعد مُدَيدة، وجرت لأيبك أمور. إلى أن خطب ابنة صاحب الموصل، فغارت أم خليل شجرة الدُّرِّ وقتلته في الحمّام، فقتلوها وملّكوا ولده علياً، وله خمس عشرة سنة. وكان أيبك عفيفاً، طاهر الذِّيل، لا يمنع أحداً حاجةً، ولا يشرب مسكراً. كثير المداراة للأمراء. وبنى المدرسة المعزّية على النيل، ووقف عليها وقفاً جيداً. • وفيها شَجَرَةُ الدُّرِّ أُمُّ خليل(٢) كانت بارعةَ الحُسن، ذات ذكاءٍ وعقلٍ (١) كذا في ((آ) و((ط)): ((جهاشنكير)) وتكتب أيضاً ((جاشنكير)) انظر ((الوافي بالوفيات)) (٤٦٩/٩) و((العبر)) (٢٢٢/٥) و((سير أعلام النبلاء)) (١٩٨/٢٣) و((النجوم الزاهرة)) (٤/٧) و((عقد الجمان)» (١٤٠/١ - ١٤١) وهو الذي يذوق طعام السلطان أو الأمير قبله مخافة أن يكون فيه سم. انظر ((صبح الأعشى)) (٤٦٠/٥). (٢) انظر ((العبر)) (٢٢٢/٥ - ٢٢٣) و((سير أعلام النبلاء)) (١٩٩/٢٣ - ٢٠٠) و((عقد الجمان)) (١٦٥/١). ٤٦٣ ودهاءٍ، فأحبها الملك الصالح، ولما توفي أخفت موته، وكانت تُعَلُّم بخطّها علامَته، ونالت من السعادة أعلى المراتب (١)، بحيث أنها خُطِبَ لها على المنابر، وملّكوها عليهم أيًّاماً، فلم يتم ذلك. وتملّك المعزّ أيبك فتزوج بها، وكانت ربما تحكم عليه، وكانت تركيةٌ ذات شهامةٍ وإقدامٍ وجرأةٍ. وآل أمرها إلى أن قُتلت وألقيت تحت قلعة مصر مسلوبةٌ، ولم يُدْرَ قاتلها، ثم دفنت بتربتها . • وفيها الْبَادَرَائي(٢) العلَّمةُ نجمُ الدِّين أبو محمد عبدالله بن أبي الوفاء محمد بن الحسن الشافعي الفَرَضي . ولد سنة أربع وتسعين وخمسمائة، وسمع من جماعة، وتفقه، وبَرَع في المذهب، ودرَّس بالنِّظامية، وترسَّل غيَّر مرَّة وحَدَّث بحلب، ودمشق، ومصر، وبغداد وبنى بدمشق المدرسة الكبيرة المشهورة به، وتعرف بالبدرائية. قال الذهبي: كان فقيهاً، عالماً، ديِّناً، صدراً، محتشماً، جليل القدر، وافِرَ الحُرْمَة، متواضعاً، دمث الأخلاق، منبسطاً. وقد ولي القضاء ببغداد على كُرْهٍ، وتوفي بعد خمسة عشر يوماً في ذي القعدة، وعافاه الله تعالى من كائنة التتار. وقال السيوطي في ((لباب الأنساب))(٣): البَادَرَائي: بفتح الموحدة والدال والراء المهملتين، نسبة إلى بَادَرَايا، قرية من عمل واسط. (١) في (ط)) و((العبر)): ((أعلى الرُّتب)) وكلاهما بمعنى. (٢) في ((آ)) و((ط)): ((البدرائي)) وفي ((سير أعلام النبلاء)) (٣٣٢/٢٣) وغيره من مصنفات الحافظ الذهبي: (الباذرائي)) بالذال وهو خطأ، والتصحيح من ((المنتخب)) لابن شِقْدَة (١٧٤/آ) و((توضيح المشتبه)) لابن ناصر الدِّين (٣١٨/١ - ٣١٩) و((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (١٣٢/٢ - ١٣٣) مصدر المؤلف، و((عقد الجمان)) (١٦٠/١)، وانظر كلام المؤلف في آخر ترجمته. (٣) انظر ((لب اللباب في تحرير الأنساب)) للسيوطي ص (٢٥) مصورة مكتبة المثنى ببغداد. ٤٦٤ • وفيها اليَلْدَانِي المُحَدِّث الْمُسْنِدُ، تقي الدِّين عبد الرحمن بن أبي الفهم عبد المنعم بن عبد الرحمن القُرشي الدمشقي. أبو محمد اليَلْدَاني الشافعي(١) . كان من الحفّاظ المكثرين والأثبات المصنفين. ولد بيَلْدًا(٢) قرية من قری دمشق، في أول سنة ثمان وستين وخمسمائة، وطلب الحديث، وقد کبر ورحل، وسمع من ابن كُلَيب، وابن بَوْش، وطبقتهما. وكتب الكثير، وذكر أن النَّبِيَّ - ◌َ﴿ - قال له في النوم: ((أَنْتَ رَجُلٌ جَيِّدٌ)). توفي بقريته - وكان خطيبها - في ثامن ربيع الأول. · وفيها المُرْسي العَلامة شرف الدِّين أبو عبدالله محمد بن عبدالله بن. محمد بن أبي الفضل السّلمي الأندلسي المُحَدِّثُ المُفَسِّرُ النَّحَويُّ(٣). ولد سنة سبعين وخمسمائة في أولها، وسمع ((الموطأ)) من أبي محمد ابن عُبيد الله [الحَجْريّ](٤). ورحل إلى أن وصل إلى أقصى خُرَاسَان. وسمع الكثير من منصور الفُرَاوي، وأبي رَوْحِ [الهَرَويّ](٥)، والكبار. وكان (١) انظر ((العبر)) (٢٢٣/٥ -٢٢٤) و((سير أعلام النبلاء)) (٣١١/٢٣ - ٣١٢) و((عيون التواريخ)) (١١٥/٢٠) و((الوافي بالوفيات)) (١٧٦/١٨ - ١٧٧) و((النجوم الزاهرة)) (٥٩/٧) و((عقد الجمان)) (١٥٩/١). (٢) في ((العبر)) و((سير أعلام النبلاء)): ((بيلدان)) قلت: وتقع هذه القرية إلى الجنوب الشرقي لدمشق على مسافة ستة كيلومترات تقريباً، وقد اتصلت الآن بضواحي المدينة كغيرها من قرى غوطتي دمشق الشرقية والغربية، وانظر كتاب ((غوطة دمشق)) للعلامة الأستاذ محمد كرد علي رحمه الله تعالى ص (١٨٣). (٣) انظر (العبر)) (٢٢٤/٥) و((سير أعلام النبلاء)) (٣١٢/٢٣ - ٣١٨) و((طبقات الشافعية الكبرى» (٦٩/٨ -٧٢) و((طبقات الشافعية)) للإسنوي (٤٥١/٢ - ٤٥٢) و((طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (١٥٥/٢ - ١٥٦) و((عقد الجمان)) (١٥٩/١ - ١٦٠). (٤) تكملة من ترجمته في المجلد السادس صفحة (٥٠٠). (٥) تكملة من ترجمته في الصفحة (١٤٤) من هذا المجلد. ٤٦٥ كثير الأسفار والتطواف، جَمّاعةً لفنون العلم، ذكياً، ثاقب الذهن. له تصانيف كثيرة، مع زُهدٍ، وورعٍ ، وفقٍ، وتعففٍ. سئل عنه الحافظ الضياء فقال: فقيةٌ، مناظرٌ، نحويُّ، من أهل السُّنَّة. صحبنا وما رأينا منه إلَّ خيراً. وقال الذهبي: توفي في نصف ربيع الأول في الطريق، ودفن بتل الزَّعقة، رحمه الله تعالى. ٩ ٤٦٦ سنة ست وخمسين وستمائة فيها قتل المُسْتَعْصِمُ بالله أبو أحمد عبدالله بن المستنصر بالله أبي جعفر منصور بن الظَّاهر محمد بن النّاصر العبّاسي(١)، آخر الخلفاء العراقيين. وكانت دولتهم خمسمائة سنة وأربعاً وعشرين سنة. ولد أبو أحمد هذا سنة تسع وستمائة في خلافة جدِّ أبيه، وأجاز له المُؤيدُ الطُّوسي وجماعة، وسمع من علي ابن النّار(٢) الذي لقنه الختمة. وروى عنه محيى الدِّين بن الجوزي، ونجم الدِّين البادرائي بالإِجازة، واستُخلف في جمادي الأولى سنة أربعين. وكان حليماً، كريماً، سليم الباطن، قليل الرأي، حسن الدَّيانة، مبغضاً للبدعة في الجملة، ختم له (١) انظر ((سير أعلام النبلاء)) (١٧٤/٢٣ - ١٨٤) و((العبر)) (٢٢٥/٥ - ٢٢٦) و((الإعلام بوفيات الأعلام)) ص (٢٧٤) و((عيون التواريخ)) (١٢٩/٢٠) و((البداية والنهاية)) (٢٠٤/١٣ - ٢١١) و((النجوم الزاهرة)) (٦٣/٧ - ٦٤) و((تاريخ الخلفاء)) للسيوطي ص (٤٦٤ - ٤٧٧). (٢) جاءت الإشارة إليه في ترجمة المترجم في ((سير أعلام النبلاء)) على النحو التالي: ((ختم على ابن النّار)) ثم ذكره الذهبي في (سير أعلام النبلاء)» (٣٢٣/٢٣) في عداد من توفي مع الحافظ المنذري سنة (٦٥٦) فقال: ((وشيخ الشيوخ صدر الدِّين ابن النَّار)) فقط. وجاء في التعليق على ترجمة المستعصم من ((السِّير)) ما نصه: ((وابن النّار قتل في الوقعة - يعني التي قتل فيها المستعصم - دون الإحالة على مصدر الكلام. وذكره العيني في ((عقد الجمان)) (١٧٥/١) فيمن مات في كارثة بغداد فقال: ((وقتل شيخ الشيوخ، مؤدّب الخليفة، صدر الدِّين علي بن النّار)) ولم يزد على ذلك. ٤٦٧ بخير، فإن الكافر هولاكو(١) أمر به وبولده، فَرُفِسَا حتَّى مَاتَا، وذلك في آخر المحرم. وكان الأمر أشغل من أن يوجد مؤرِّخ لموته أو مواراة جسده، وبقي الوقت بلا خليفة ثلاث سنين. وكان سبب قتلهما أن المؤيد العَلْقَمي الوزير - قاتله الله - كَاتَبَ التتار وحرَّضهم على قصد بغداد لأجل ما جرى على إخوانه الرافضة من النهب والخزي، فظنَّ المخذول أن الأمر يتم له، وأنه يقيم خليفةً عَلَويّاً، فأرسل أخاه ومملوكه إلى هولاكو(١)، وسهَّل عليه أخذ بغداد، وطلب أن يكون نائباً له عليها، فوعدوه بالأماني، وساروا فأخذ لؤلؤ صاحب الموصل يهيىء للتتار الإِقامات، ويكاتب الخليفة سِرَّاً، فكان ابن العَلْقَمي - قبحه الله - لا يدع تلك المكاتبات تصل إلى الخليفة، مع أنها لو وصلت لما أجدت، لأن الخليفة كان يردُّ الأمر إليه، فلما تحقَّق الأمر، بعث ولد محيى الدِّين بن الخوارزمي رسولاً إلى هولاكو (١) يعده بالأموال والغنائم، فركب هولاكو(١) في مائتي ألف من التتار والكرج، ومدد من صاحب الموصل مع ولده الصالح إسماعيل، فخرج رُكن الدِّين الدوادار، فالتقى بأخوایین، وكان على مقدمة هولاكو(١)، فانكسر المسلمون، ثم سار باجو فنزل من غربي بغداد، ونزل هولاكو(١) من شرقيها، فأشار ابن العَلْقَمي على المُسْتَعْصِم بالله أن أخرج إليهم في تقرير الصلح، فخرج الخبيث وتوثق لنفسه، ورجع فقال: إن الملك قد رغب أن يزوِّج ابنته بابنك الأمير أبي بكر، وأن تكون الطّاعة له كما كان أجدادك مع الملوك السلجوقية، ثم يترحل، فخرج إليه المستعصم في أعيان الدولة، ثم استدعى الوزيرُ العلماء والرؤساء ليحضروا العقد بزعمه، فخرجوا فضربت رقاب الجميع، وصار كذلك يُخْرِجُ طائفة بعد طائفة وتضرب أعناقهم، حتى بقيت الرَّعية بلا راعٍ، ثم دخلت حينئذ التتار بغداد، وبذلوا السيف، واستمر القتل والسَّبي نحو أربعين يوماً، ولم يسلم إلّ من (١) في (آ) و((ط)) و«تاريخ الخلفاء)): ((هلاك)). ٤٦٨ اختفى في بئرٍ أو قناةٍ، وقتل الخليفة رفساً، ويقال: إن هولاكو(١) أمر بعدٌ القتلى، فبلغوا ألفَ ألفٍ وثمانمائة ألفٍ وكسرٌ، فعند ذلك نودي بالأمان. ثم أمر هولاكو(١) بأخوايين فضربت عنقه، لأنه بلغه أنه كاتب الخليفة، وكانت بلية لم يصب الإِسلام بمثلها. وعملت الشعراء قصائد في مراثي بغداد وأهلها، وتُمُثِّلَ بقول سِبط [ابن] التَّعَاوِيذي: بَبَقاءِ مَوْلاَنَا الوَزِيرِ خَرَابُ (٢) بَادَتِ وَأَهْلُوهَا معاً فَبِيُوتُهُمْ وقال بعضهم : حُزْنَاً عَلَى مَاتَمَّ للمُسْتَعْصِمِ يا عُصْبَةَ الإِسلامِ نُوْحِي وانْدُبي لابنِ القُرَاتِ فَصَار لابن العَلْقَمي دَسْتُ الوزَارةِ كانَ قبلَ زَمَانِهِ وكان آخر خطبة خطبت ببغداد، أن قال الخطيب في أولها: الحمد لله الذي هَدَمَ بالموت مَشَيَّد الأعمار، وحكم بالفَنَاءِ على أهل هذه الدَّار. وقال تقيُّ الدِّين بن أبي اليسر قصيدته في بغداد وهي : فما وُقُوفُكَ والأحبابُ قَدْ سَارُوا السائلِ الدَّمعِ عَنْ بغدادَ أخبارُ فما بذَاكَ الحِمىْ والدَّارِ دَيَّرُ يا زَائرينَ إلى الزَّوْرَاءِ لا تَفِدُوا بِهِ المَعَالِمُ قَدْ عَفَّهُ إِثْفَارُ تَاجُ الخِلاَفَةِ والرَّبِعُ الذي شَرُفَتْ أُضحى لعَصْفِ(٣) البِلىْ فِي رَبْعِهِ أَثَرٌ وللدُموعِ عَلی الآثار آثَارُ (١) في ((آ)) و((ط)) و((تاريخ الخلفاء)): ((هلاكو)). (٢) قال العلامة الزركلي رحمه الله في تعليقه على ترجمة ابن العلقمي في ((الأعلام)) (٣٢١/٥): وهذا البيت من قصيدة للسبط في ((ديوانه)) ص (٤٧) يهجو بها ((ابن البلدي)) ولم يدرك أيام ابن العلقمي، فإن وفاته سنة (٥٨٣). قلت: وقد تقدمت ترجمة ابن التعاويذي في حوادث سنة (٥٨٤) من المجلد السادس من كتابنا هذا صفحة (٤٦١) فراجعها. (٣) في ((آ) و((ط)): ((لعطف)) وأثبت لفظ «تاريخ الخلفاء)). ٤٦٩ شَبَّتْ عليهِ وَوَافِى الرَّبْعَ إعصَارُ يا نَارَ قَلْيَ من نارٍ لحربٍ وَغَىِّ وقَامَ بِالأمرِ مَنْ يَحْوِيِهِ زُنَّارُ وكَانَ مِنْ دُونِ ذَاكَ السِّترِ أَسْتَارُ ولَمْ يَعُدْ لُبُدُورٍ مِنْهُ إبدارُ عَلَ الصَّليبُ عَلى أَعلى مَنَابِرِهَا وكَم حَرِيمٍ سَبَتْهُ التَّركُ غَاصبةٌ وَكُم بُدُورٍ على البَدْرِيَّةِ انخَسَفَتْ؟ من النّهاب وقد حَازَتْهُ كُفَّارُ وكم ذَخَائرَ أَضْحَت وهيَ شائعة؟ على الرِّقَابِ وَحُطَّتْ فِيهِ أَوْزَارُ وكم حدودٍ أُقيمت من سُيُوفِهِمُ إلى السِّفَاحِ من الأعداءِ دُعَّارُ(٢) ناديتُ والسَّبيُ مهتوكٌ تجرّهُمُ (١) ولما فرغ هُولاكو(٣) من قتل الخليفة وأهل بغداد، أقام على العراق نَّابه، وكان ابن العَلْقَمي حَسِّنَ لهم أن يقيموا خليفةٌ عَلَوياً فلم يوافقوه، واطَّرَحُوهُ، وصار معهم في صورة بعض الغِلْمَان، ومات كمداً، لا رحمه الله. • وهو مؤيد الدِّين محمد بن أحمد(٤)، وزير الإِمام المستعصم بالله(٥). كان فاضلاً، متغالياً في التشيع إلى غايةٍ ما يكون عاملُ التتار ليظفر بيغيته، لم ينل منهم ذلك. وكان ينشد وهو في حالة الهوان: وجَرَىْ القَضَاءُ بَعَكْسِ مَا أَمْلْتُهُ ثم أرسل هُولاكو(٦) إلى الناصر صاحب دمشق كتاباً صورته: يعلم (١) في ((تاريخ الخلفاء)): ((تجرُّ بهم)). (٢) في ((آ) و((ط)): (دعّاز)) وأثبت لفظ ((تاريخ الخلفاء)). (٣) في ((آ)) و((ط)): ((هلاكو)). (٤) قال العلامة الزركلي رحمه الله في تعليقه على ترجمته في ((الأعلام)) (٣٢١/٨): قلت: والمصادر مختلفة في تسميته (محمد بن أحمد)) أو ((محمد بن محمد)) ولعل الصواب الأول، ومن سمّاه «محمد بن محمد)) قد يلقبه بعز الدِّين، وعز الدِّين ((محمد)) ابنه، ولي الوزارة للتتار بعده. (٥) انظر («فوات الوفيات)) (٢٥٢/٣ - ٢٥٥) و((الوافي بالوفيات)) (١٨٤/١ - ١٨٦). (٦) في ((آ) و((ط)): ((هلاکو)). ٤٧٠ سلطان مصر ناصر - طال بقاؤه - أنا لما توجهنا إلى العراق وخرج إلينا جنودهم فقتلناهم بسيف الله، ثم خرج إلينا رؤساء البلد ومُقَدَّمُوهَا، فكان قُصَارَىْ كَلامهم سبباً لهلاك نفوسٍ تستحق الإهلاك. وأما ما كان من صاحب البلد (١) فإنه خرج إلى خدمتنا، ودخل تحت عبوديتنا(٢)، فسألناه عن أشياء كَذَّبَنَا فيها، · فاستحق الإِعدام. وكان كذبه ظاهراً، ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلوا حَاضِراً﴾(٣). أجب ملك البسيطة، ولا تقولنَّ: قِلَاعي المانعات، ورجالي المقاتلات، ولقد بلغنا أن شذرة من العسكر التّجَأَتْ إليك هاربةً، وإلى جنابك لائذة: أينَ المَفَرُّ وَلاَ مَفَرَّ لَهَارِبِ وَلَنَا الْبَسِيطَانِ الثَرَىْ وَالمَاءُ فساعةَ وقوفكَ عَلَى كتابنا، تجعل قِلَاعَ الشَّام سماءها أرضاً وطولها عرضاً (٤)، والسلام. ثم أرسل له كتاباً ثانياً يقول فيه: خدمة ملك ناصر - أطال عمره -. أما بعد: فإنا فَتَحْنَا بغداد واستأصلنا مُلْكَهَا ومَلِكَهَا إلى هنا(٥) وكان ظنَّ - وقد ضنَّ (٦) بالأموال، ولم ينافس الرِّجال - أن ملكه يبقى على ذلك الحال، وقد علا ذكره، ونَمَا قدره، فخسف في الكمال بدره: إِذَا تَمَّ أمرٌ بَدَا نَقْصُهُ تَوَقَّعْ زَوَالاً إذا قيلَ تَمَّ (١) في ((تاريخ الخلفاء)) ص (٤٧٣): ((البلدة)). (٢) في ((آ)) و((ط)): ((عبودتنا) وأثبت لفظ ((تاريخ الخلفاء)) مصدر المؤلف. (٣) قلت: وذلك اقتباس من قوله تعالى: ﴿وَوَجَدُواْ ما عَمِلَوا حَاضِراً ولا يظلِمُ ربَّكَ أحداً ﴾ [الكهف: ٤٩] مع مراعاة أن الله عزَّ وجلَّ ذكر هذه الآية في حق أهل النار، بينما استشهد بها هولاكو أو من كتب له - وهو ابن العلقمي على الأرجح - في الكلام على خليفة المسلمين، لعن الله هولاكو وكل من رضي بأعماله في حق ديار المسلمين ظاهراً أو باطناً. (٤) في ((آ)) و((ط)): ((سماءها أرضها، وطولها عرضها)) وأثبت لفظ ((تاريخ الخلفاء)) مصدر المؤلف. (٥) عبارة «إلی هنا)) لم ترد في «تاريخ الخلفاء)» الذي بين يدي. (٦) في ((تاريخ الخلفاء)): ((وقد فُتن)). ٤٧١ ونحن في طلب الازدياد، على ممر الآباد، فلا تكن كـ ﴿ الَّذِينَ نَسُوا الله فَأَنْسَاهُم أَنْفُسَهُمْ﴾(١) وأبد ما في نفسك، إما ﴿إِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بإِحْسَانٍ﴾ (٢) أجِب دعوة ملك البسيطة تأمن شرَّهُ وتنال(٣) برَّهُ، وأَسْعَ إليه برجالك وأموالك، ولا تعوق رسولنا (٤)، والسلام. ثم أرسل كتاباً ثالثاً يقول فيه: أما بعد: فنحن جنود الله، بنا ينتقم ممن عَتَا وتجبَّرَ، وطغى وتكبِّر، وبأمر الله ما ائتمر، إن عوتب تنمِّر، وإن رُوجِعَ استمرَّ(٥)، ونحن قد أَهْلَكْنَا البلاد، وأَبْدَنَا العِبَاد، وقتلنا النسوان والأولاد، فأيُّها الباقون، أنتم بمن مضى لاحقون، ويا أيها الغافلون، أنتم إليهم تُسَاقون، ونحن جيوش الهَلَكَة، لا جيوش المملكة(٦)، مقصودنا الانتقام، ومُلْكُنَا لا يُرام، ونزيلنا لا يُضَامِ، وعَدْلُنَا في ملكنا قد اشتُهر، ومن سيوفنا أين المَفَر: البَسِيطانِ الثَّرى والماءُ أَينَ المَفَرُّ ولا مَفَرَّ لَهاربِ ولنا في قبضتي الأَمَراءُ والخُلَفَاءُ ذَلّت لِهَيْبَتِنَا الأسودُ فَأُصبحَتْ ونحن إليكم صائرون، ولكم طالبون(٧)، ولكم الهَرَبُ، وعلينا الطلب. سَتَعْلَمُ ليلىْ أَيّ دَينٍ تَدَايَنَتْ وأيُّ غَرِيمٍ بِالتَّقَاضِي غَرِيمُهَا دمرنا البلاد، وأيتمنا الأولاد، وأهلكنا العباد، وأذقناهم العذاب، وجعلنا (١) اقتباس من قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسْوا اللهَ فَأَنْسَاهُم أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩]. (٢) اقتباس من قوله تعالى: ﴿الطلاق مرتانِ فإِمْسَاكٌ بمَعْروفٍ أَو تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. (٣) في ((تاريخ الخلفاء)): ((وتَنَلْ)). (٤) في ((تاريخ الخلفاء)): ((رسلنا)). (٥) في ((آ)) و((ط)): ((روجع واستمِرَّ وتجبّرَ)) واللفظة الأخيرة وصوابها: ((وتجبِّرَ)) انتقلت بطرفة عين من السطر الذي قبله ولا محلّ لها هنا فحذفتها. (٦) في ((تاريخ الخلفاء)): ((لا جيوش الملكة)). (٧) عبارة ((ولكم طالبون)) سقطت من ((تاريخ الخلفاء) فتستدرك. ٤٧٢ عظيمهم صغيراً، وأميرهم أسيراً، أتحسبون أنكم مِنَّا ناجون، أو متخلصون، وعن قليلٍ سوف تعلمون، على ما تقدمون، وقد أَعْذَرَ مَنْ أَنذر، والسلام(١). · وفيها توفي أبو العبَّاس القُرْطُبي أحمد بن عمر بن إبراهيم الأنصاري (٢) المالكي المُحَدِّث الشَّاهد، نزيل الإِسكندرية. كان من كبار الأئمة . ولد سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، وسمع بالمغرب من جماعة، واختصر ((الصحيحين)) وصنَّف كتاب ((المُفْهِم في شرح مختصر مُسلم)). وتوفي في ذي القعدة. • وفيها ابن الحُلَاوي شرف الدِّين أبو الطيب أحمد بن محمد بن أبي الوفاء الهِزْبَرَ(٣) له فضيلةٌ تامةً، وشعره في غاية الجودة والرِّقّةِ. فمن ذلك قوله: تَتَوَقَّدُ مِنْ وجَنَاتِهِ حمراء وَافِى يطوفُ بها الغَزَالُ الأَغْيَدُ فَنَّدِيْمُهَا مَالَتْ بِهِ وَأَمالَهُ سُكْرُ الصِّبَا يَتَأْوَدُ گمُدِیرھَا فَالقائلان(٤) ثَقُلَتْ مَآزِرُهُ وَأَرْهَفَ لَحْظُهُ ومُهَنَّدُ واللّحْظُ مِنْهُ مُثَقّفٌ ومُحَدَّدُ مثقّلٌ انثنى وإذَا رَنَا فَقَوَامُهُ فَإِذَا (١) قلت: وقد نثر السُّبْكيُّ قصة سقوط بغداد ومقتل الخليفة المستعصم بالله عقب ترجمة الحافظ المنذري من كتابه ((طبقات الشافعية الكبرى» (٢٦١/٨ - ٢٧٤) فيحسن بالقارىء الرجوع إليه. (٢) انظر (العبر)) (٢٢٦/٥ - ٢٢٧) و((الإعلام بوفيات الأعلام)) ص (٢٧٤) و((النجوم الزاهرة (٦٩/٧) و((عقد الجمان)) (١٩٠/١) و((حسن المحاضرة)) (٤٥٧/١). (٣) انظر (العبر)) (٢٢٧/٥) و((عيون التواريخ)) (١٥٤/٢٠ - ١٥٩) و((السُّلوك لمعرفة دول الملوك)» (١ / ٢/ ٤١٣) و((الوافي بالوفيات)) (١٠٢/٨ -١٠٨) و((فوات الوفيات)) (١٤٣/١ - ١٤٨). والهِزْبَرُ: من أسماء الأسد. انظر ((لسان العرب)) (هزبر). (٤) في ((عيون التواريخ)): ((فالقاتلان)). ٤٧٣ 2. ومدح الملوك والكبار، وعاش ثلاثاً وخمسين سنة. وكان في خدمة صاحب الموصل. • وفيها الزَّعْبي - بفتح الزاي، نسبة إلى زِعْب بطن من سُلَيم - أبو إسحاق إبراهيم بن أبي بكر بن إسماعيل بن علي الحمَّامي(١). روى ((كتاب الشكر)) عن ابن شَاتِيل، ومات في المحرم ببغداد. ● وفيها الصَّدر البَكْري أبو علي الحسن بن محمد بن محمد بن محمد بن عَمْرُوك التيمي النيسابوري ثم الدمشقي(٢) الصُّوفي الحافظ. ولد سنة أربع وسبعين وخمسمائة، وسمع بمكّة من عُمر الميانشيّ، وبدمشق من ابن طَبَّرْزَد(٣)، وبخُرَاسَان من أبي رَوْحِ، وبأصبهان من أبي الفُتوح، وابن الجُنْيد، وكتب الكثير. وعُني بهذا الشأن أتم عناية، وجمع وصنّف، وشرع في مسودة ((ذيْلٍ)) على تاريخ ابن عساكر، وولى مشيخة الشيوخ وحسبة دمشق، وعظم في دولة المعظّم، ثم فتر سُوقُهُ وابتُلي بالفالجِ قبل موته بأعوام، ثم تحوَّل إلى مصر فمات بها في حادي عشر ذي الحجّة ضعَّفه بعضهم، وقال الزكيُّ البرزَالي: كان كثير التخليط. ● وفيها الشَّرَف الإِرْبِلي، العلَّمة أبو عبدالله الحسين بن إبراهيم الهَذْبَاني (٤) الشَّافعي اللُّغوي(٥) (١) انظر ((العبر)) (٢٢٧/٥) و((سير أعلام النبلاء)) (٣١٨/٢٣). (٢) انظر ((العبر)) (٢٢٧/٥ - ٢٢٨) و((سير أعلام النبلاء)) (٢٣/ ٣٢٦ - ٣٢٨) و((الإعلام بوفيات الأعلام» ص (٢٧٤). (٣) في ((سير أعلام النبلاء)): ((ابن طبرزذ)) بالذال وهو من أخطاء الطبع فتصحح. (٤) تصحفت في ((آ)) و((ط)) إلى ((الهدناني)) والتصحيح من مصادر الترجمة. (٥) انظر ((العبر)) (٢٢٨/٥) و((سير أعلام النبلاء)) (٢٣/ ٣٥٤ - ٣٥٥) و(«الإعلام بوفيات الأعلام» ص (٢٧٤). ٤٧٤ ولد سنة ثمان وستين وخمسمائة بإربل، وسمع بدمشق من الخُشُوعي وطائفة. وحفظ على الكِنْدي خُطَب ابن نُبَاتَة، و((ديوان المُتَنَبي)) و((مقامات الحريري)). وكان يعرف اللّغة ويُقْرِثُهَا. توفي في ثاني ذي القعدة. • وفيها العِمَاد دَاوُد بن عُمر بن يوسف أبو المَعَالي الزّبيديّ المَقْدسيّ الشافعيّ الدِّمشقي الآبَارِيّ(١) خطيب بيت الآبَار(٢). ولد سنة ست وثمانين وخمسمائة، وسمع من الخُشُوعي، والقاسم [بن عَسَاكر]، وطائفة. وكان فصيحاً، خطيباً، بليغاً، لا يكاد يسمع موعظة أحد إلّ يبكى. ولي خطابة دمشق وتدريس الغَزَالية بعد ابن عبد السَّلام، ثم عزل بعد ست سنين، وعاد إلى خطابة القرية؛ وبها توفي في شعبان، ودفن هناك. • وفيها الملك النَّاصر داود بن المُعَظِّم بن العَادِل(٣)، صاحب الكَرّك، صلاح الدِّين أبو المفاخر. (١) انظر (العبر)) (٢٢٩/٥) و((سير أعلام النبلاء)) (٣٠١/٢٣ - ٣٠٢) و((عيون التواريخ)) (١٦٨/٢٠) و((البداية والنهاية)) (٢١٣/١٣) و((الدارس في تاريخ المدارس)) (٤٢٠/١). (٢) تنبيه: تحرفت في ((سير أعلام النبلاء)) إلى ((بيت الأبَّار)) فتصحح. قال ياقوت في ((معجم البلدان)) (٥١٩/١): بيت الآبار: جمع بئر، قرية يضاف إليها كورةً من غوطة دمشق فيها عدة قرى، خرج منها غير واحد من رواة العلم. وقال الأستاذ محمد کرد علي في كتابه النّفيس ((غوطة دمشق)) ص (١٦٤): بيت الآبار: بليدة خربت، وكانت حاضرة الإقليم، وسمي باسمها. ويؤخذ من كلام ابن عبد الهادي في القرن العاشر أنها كانت موجودة في عصره. ومن عملها المنيحة، وجرمانا، ودير هند، وبيت سابا أو سابر. والغالب أنها التل الكبير المائل للعيان شرقي جرمانا، وقد خربت غير مرة، ويقال لخرابها الآن تل أم الإِبر، وانظر تتمة كلامه هناك. (٣) انظر ((العبر)) (٢٢٩/٥ - ٢٣٠) و((سير أعلام النبلاء)) (٣٧٦/٢٣ - ٣٨١) و«الإعلام بوفيات الأعلام) ص (٢٧٤) و((عيون التواريخ)) (١٦٨/٢٠ - ١٧٧). ٤٧٥ ولد سنة ثلاث وستمائة، وأجاز له المؤيد الطَّوسي، وسمع ببغداد من القَطِيعي. وكان حنفياً، فاضلاً، مناظراً، ذكياً، بصيراً بالأدب، بديع النظم، كثير المحاسن، ملك دمشق بعد أبيه، ثم أخذها منه عَمُّه الأشرف، فتحول إلى مدينة الكَرَك فملكها إحدى عشرة سنة، ثم عمل عليه ابنه، وسلّمها إلى صاحب مصر الصَّالح وزالت مملكته. وكان جَوَاداً، ممدحاً. ومن شعره يفضِّلُ الجارية على الغُلام: فيها فُتُورُ جُوذَرٍ أُحِبُّ الغَادَةَ الحَسْنَاءَ تَرْنُو بِمُقْلَةٍ وإِنْ فَتَنَ الورى الرَّشَأُ الغَرِيرُ ولاَ أَصْبُو إلى رَشٍَ غَرِيرٍ وبدر وأَنَّىْ يَسْتَوِي شَمْسُ ويَسْتَنِیرُ يَسْتَمِدُّ ومِنْهَا عِنْدَهَا للبَدْرِ نُورُ فَيَظھَرُ وهَلْ تَبْدُو الغَزَالَةُ في سماءٍ وله: ودَمِي عَلَى خَذَّيْكِ مِنْهُ شُهُودُ قَلبي وطَرْفُكِ قَاتِلٌ وشَهِيدُ كَمْ دُوْنَهُنَّ صَوَارِمٌ وَأُسُودُ يا أَيُّها الرَّشَأْ الذي لحَظَاتُهُ لي وَالحَدِيدُ أَنَهُ دَاوُدُ ومِنَ العَجَائِبِ أَنَّ قَلْبَكَ لَمْ يَلِنْ توفي - رحمه الله - بظاهر دمشق، بقرية البُوَيْضَاء(١)، ودفن عند والده الملك المعظم في جمادى الأولى، وكانت أُمُّه خَوَارِزمية، عاشت بعده مدة. • وفيها بهاءُ الدِّينِ زُهَير بن محمد بن علي بن يحيى الصَّاحب المنشىء أبو الفضل وأبو العَلَاَءِ الأزديّ المُهَلّبيّ المَكِّيّ ثم القُوصِيّ(٢) الکاتب، له «دیوان» مشهورٌ. (١) قرية بالقرب من دمشق إلى الشرق منها. انظر ((غوطة دمشق)) للعلامة كرد علي ص (٢١). (٢) انظر ((وفيات الأعيان)) (٣٣٢/٢ - ٣٣٨) و((العبر)) (٢٣٠/٥) و((سير أعلام النبلاء)) (٣٥٥/٢٣ -٣٥٦) و((الإعلام بوفيات الأعلام)) ص (٢٧٤) و((عيون التواريخ)) (١٨١/٢٠ -= ٤٧٦ ولد سنة إحدى وثمانين وخمسمائة، وكتب الإنشاء للملك الصَّالح نجم الدِّين ببلاد المشرق، فلما تسلطن بلَّغه أعلى المراتب ونفَّذَه رسولاً . ولما مرض بالمنصورة تغيّر عليه وأبعده، لأنه كان سريع(١) التخيل والغضب والمعاقبة على الوهم، ثم اتصل البَهَاءُ زُهير بالنَّاصر صاحب الشام، وله فيه مدائح. وكان ذَا مروءَةٍ ومكارم. ومن شعره(٢): وأَيْسَرُ مَا يَلْقَاهُ مِنْهُ حِمَامُهُ يَطِيبُ لِقَلبي أن يَطُوْلَ(٣) غَرَامُهُ ويُرْضِيهِ مِنْ طَيْفِ الخَيَالِ (٤) لِمَامُهُ وأعجَبُ منهُ كِيفَ يَقْنَعُ بالمُنى ومنها(٥): ومَا الْبَدْرُ إلّ مَا حَوَاهُ لِئَامُهُ ومَا الغُصْنُ إِلَّ مَا حَوَتْهُ بُرُودُهُ أَخُوْهُ لَعَلِّي نَافِعٌ لِي ذِمَامُهُ خُذُوا لي مِنَ الْبَدْرِ الذِّمَامَ فَإِنّهُ ومن شعره أيضاً(٦): أَنَا ذا زُمَّيْرُكَ لَيس إلّ جُودُ كَفِّكَ لِي مُزَينَهْ أُهَوِى جَميلَ الذِّكْرِ عَنْـك كأنّما هو لي بُثَيْنَهْ = ١٨٨) و((عقد الجمان)) (١٨٦/١ - ١٨٨) و((حسن المحاضرة)) (٥٦٧/١) و((الأعلام)) (٥٢/٣) الطبعة الرابعة. (١) في ((العبر)) بطبعتيه: (( ... وأبعده. وكان سريع التخيل والغضب ... )) ولا يستقيم النص بذلك لأن الضمير في الكلام يعود على الملك الصالح نجم الدّين)» والصواب ما جاء في کتابنا، فلیحرر. (٢) البيتان في ((ديوانه)) ص (٣٠١) طبعة دار صادر ببيروت. (٣) في ((آ)) و((ط)): ((أن يطيب)) وأثبت لفظ ((الديوان)) و((عيون التواريخ)). (٤) كذا في ((آ)) و((ط)) و((عيون التواريخ)): ((من طيف الخيال)) وفي ((ديوانه)): ((من طيف الحبیب». (٥) البيتان في ((ديوانه)) ص (٣٠١ - ٣٠٢). (٦) الأبيات في ((ديوانه)) ص (٣٦٩) و((وفيات الأعيان)) (٣٣٦/٢). ٤٧٧ فاسأل ضَمِيرَكَ عَن ◌ِدَا دِي (١) إِنَّهُ فِيهِ جُهَيْئَةْ ومنه أيضاً(٢): فَتَرْمُقُني (٣) النُّحَاةُ بِعَينِ مَّقْتِ بُوحِيَّ مَنْ أُسَمَيِّها بِتِّي وَكِيفَ وَإِنَّنِي لَزُهَيْرُ وَقْتِي يَظُنُوا أَنَّني (٤) قَدْ قُلتُ لحناً فَلاَ عَجَبٌ إذا مَا قُلْتُ سِتِّي (٥) وقَدْ مَلَكَتْ جِهاتي الستّ ◌ُرّاً قال ابن خَلِّكان: وشعره كُلّه لطيفٌ، وهو كما يقال: السهل الممتنع، وأجازني رواية «ديوانه)) وهو كثير الوجود بأيدي النّاس. قال: وكان مَسَّهُ ألم فأقام به أَيَّاماً، ثم توفي قبل المغرب يوم الأحد رابع ذي القعدة، ودفن من الغد بعد صلاة الظهر بتربة بالقُرَافَة الصُّغرى، بالقرب من قبة الإمام الشافعي، رضي الله عنه، في جهتها القبلية، ولم يتفق لي الصَّلاةُ عليه لاشتغالي بالمرض. • وفيها الكَفَرْطَابِي أبو الفضل عبد العزيز بن عبد الوهّاب بن بَيّان القَوّاس الرَّامي الأستاذ(٦). ولد سنة سبع وسبعين وخمسمائة، وسمع الكثير من يحيى الثَّقفي، وعُمّر دهراً، وتوفي في الحادي والعشرين من شوال بدمشق. (١) في ((آ)) و((ط)): ((عن ودادٍ)) وأثبت لفظ ((الديوان)). (٢) الأبيات في ((ديوانه)) ص (٥٦). (٣) لفظ ((ديوانه)): ((فتنظرني)). (٤) لفظ ((ديوانه)): ((يرون بأنّني)). (٥) رواية البيت في ((ديوانه)): فلا لحن إذا ما قُلتُ سِتِّي چھاتي غادة ملكت ولکن (٦) انظر ((العبر)) (٢٣١/٥) و((سير أعلام النبلاء)) (٣٢٤/٢٣) و((الإِعلام بوفيات الأعلام)) ص (٢٧٤) و ((النجوم الزاهرة)) (٦٨/٧). ٤٧٨ • وفيها أبو العزّ بن صُدَيْق عبد العزيز بن محمد بن أحمد الحَرَّاني(١) وهو بكنيته أشهر، ولهذا أسماه بعضهم ثابتاً. سمع من عبد الوهّاب بن أبي حَبّة، وحَدَّث بدمشق وبها توفي في جمادى الأولى. • وفيها الحافظ الكبير زَكي الدِّين أبو محمد عبد العظيم بن عبد القوي ابن عبد الله بن سَلَامة المُنْذِري الشّامي ثم المِصْرِي الشَّافعي(٢)، صاحب التصانيف. ولد سنة إحدى وثمانين خمسمائة، وسمع من الأرْتَاحي، وأبي الجُود، وابن طَبَرْزَد، وخلق. وتخرَّج بأبي الحسن علي بن المُفَضَّل، ولزمه مدة. وله ((معجم)) كبير مرويٍّ، ولي مشيخة الكاملية مدة، وانقطع بها نحواً من عشرين سنة، مكبّاً على العلم والإفادة. قال ابن ناصر الدِّين(٣): كان حافظاً، كبيراً، حُجَّةً، ثقةً، عمدةً. له كتاب ((الترغيب والترهيب)) (٤) .. (١) انظر ((العبر)) (٢٣١/٥) و((النجوم الزاهرة)) (٦٨/٧). (٢) انظر (العبر)) (٢٣٢/٥) و((سير أعلام النبلاء)) (٣١٩/٢٣ -٣٢٤) و(الإعلام بوفيات الأعلام)) ص (٢٧٤) و((طبقات الشافعية الكبرى)) (٢٥٩/٨ - ٢٦١) و((طبقات الشافعية)) للإسنوي (٢٢٣/٢ - ٢٢٤) و((السلوك لمعرفة دول الملوك)) (١ / ٢/ ٤١٢) و((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (١٤٠/٢ - ١٤٢) و((النجوم الزاهرة)) (٦٨/٧) و((عقد الجمان)) (١٨٨/١ - ١٨٩) و((غربال الزمان)) ص (٥٣٤) وقد أورد في آخر ترجمته بيتين من الشعر له یحسُنُ ذکرهما، وهما: لظهور قیل اعمل لنفسك صالحاً لا تلتفت الأنام علیك وقال وقال في مُثنِ لا بُدَّ من فالناسُ لا يُرجى اجتماع جميعهم (٣) في ((التبيان شرح بديعة البيان)) (١٧٩ /ب). (٤) طبع في مصر ثلاث مرّات: الأولى في إدارة الطباعة المنيرية بعناية الشيخ محمد منير الدمشقيّ، رحمه الله، وعلى هذه الطبعة اعتمد الأستاذ المُحَدِّث الشيخ محمد ناصر الدِّين الألباني في إعداد «صحيح الترغيب والترهيب)) و((ضعيف الترغيب والترهيب)) وقد صدر الأول من ((الصحيح)) عن المكتب الإِسلامي ببيروت. ٤٧٩ و((التكملة لوفيات النَّقَلة))(١). انتهى. وقال ابن شهبة: بَرَعَ في العربية والفقه، وسمع الحديث بمكّة، ودمشق، وحَرَّان، والرُّها، والإِسكندرية. وروى عنه الدمياطي، وابن دَقِيق العيد، والشَّريف عز الدِّين، وأبو الحسين اليُّونيني، وخلق. وتخرَّج به العلماء في فنون من العلم. وبه تخرَّج الدِّمياطي، وابن دقيق العيد، والشريف عزّ الدِّين، وطائفة في علوم الحديث. قال الشريف عز الدِّين: كان عديم النَّظير في معرفة علم الحديث على اختلاف فنونه، عالماً بصحيحه وسقيمه ومعلوله وطرقه، متبحراً في معرفة أحكامه ومعانيه ومشكله، قيِّماً بمعرفة غريبه وإعرابه واختلاف ألفاظه، ماهراً في معرفة رواته وجرحهم وتعديلهم ووفياتهم ومواليدهم وأخبارهم. إماماً، حُجَّةً، ثبتاً، ورِعَاً، متحرياً فيما يقوله، متثبتاً فيما يرويه. وقال الذهبيُّ: لم يكن في زمانه أحفظ منه. ومن تصانيفه ((مختصر مسلم))(٢) و ((مختصر سنن أبي داود)) وله عليه حواش مفيدة. وكتاب ((الترغيب والترهيب)) في مجلدين، وهو كتاب نَفيس. توفي - رحمه الله تعالى - في رابع ذي القعدة، ودفن بسفح المُقَطّم. · وفيها جمال الدِّين أبو الفرج عبد الرحمن بن عبد المنعم بن نِعمة والثانية بعناية الشيخ محمد محيي الدِّين عبد الحميد، رحمه الله. = والثالثة بعناية وتعليق الشيخ مصطفى محمد عمارة، وهي أشهر الطبعات الثلاث وقد صورت مراراً. ويقوم الأساتذة محيي الدِّين مستو، وسمير العطّار، ويوسف بديوي بتحقيق الكتاب من جديد، وستصدر هذه الطبعة عن دار ابن كثير، وقد شرعت بطبع الجزء الأول وهو قيد التصحيح الآن . (١) طبع أول مرة ببغداد طبعة متقنة مفهرسة بتحقيق الأستاذ الدكتور بشار عوّاد معروف عام (١٣٨٧ هـ) ثم أعادت طبعه مصوراً عن طبعته الأولى مؤسسة الرسالة ببيروت عام (١٤٠١ هـ). (٢) طبع أول مرة في الكويت بوزارة الأوقاف طبعة متقنة بتحقيق الأستاذ المُحَدَّث الشيخ محمد ناصر الدِّين الألباني، ثم أعاد المكتب الإسلامي طبع هذه الطبعة عدة مرات في بيروت . = ٤٨٠