النص المفهرس
صفحات 401-420
قال شرف الدِّين خطيب عقربا: خرج الفلك المسيري يقسم قرية له وأخذ معه جماعة، فلما قسموا ووصلوا إلى زرع، قالوا: نمشي إلى عند الشيخ علي الحريري، فقال أحدهم: إن كان صالحاً يُطعِمُنا حلوى سخنة بعسل وسمن وفستق وسكر، وقال الآخر: يُطعمنا بطيخاً أخضر، وقال الآخر: يسقينا فقّاعاً عليه الثلج، فلما وصلوا تلقاهم بالرحب وأحضر شيئاً كثيراً، من جملته حلوى، كما قال ذلك الرجل، فأمر بوضعها بين يدي مشتهيها، ثم أحضر بطيخاً أخضر (١)، وأشار إلى مشتهيه بالأكل، فلما فرغوا نظر إلى صاحب شهوة الفقّاع، وقال: يا أخي كان عندي تحت الساعات أو باب البريد، ثم صاح: يا فلان ادخل، فدخل فقير وعلى رأسه دست فُقَّاعٍ وعليه الثلح منحوت، وقال: بسم الله، اشرب(٢) ولما مات كانت ليلة مثلجة، فقال نجم الدِّين بن إسرائيل : بمدَامعٍ كاللؤلؤ المَنُْورِ بكَتِ السماءُ عليهِ سَاعةً دَفْنِهِ لمّا سَمَتْ وَتَعَلّقَتْ بالنُّورِ وأَظُنُهَا فَرِحَت بمصعدِ رُوحِهِ وكذا تَكُونُ مَدَامِعُ المَسْرُورِ أَوَلَيسَ دَمعُ الغَيثِ يهمي بارداً • وفيها أبو الحسن علي بن إبراهيم بن علي بن محمد بن المبارك (٣) ابن أحمد بن محمد بن بكروس بن سيف التميمي الدِّينوري، الفقيه الحنبلي، وقد سبق ذکر أبيه وجدِّه. ولد في تاسع عشري رمضان سنة ثمان وثمانين وخمسمائة، وأسمعه والده الكثير في صغره من ابن بوش، وابن كُلَيبِ، وتفقّه وحَدَّث، وروى عنه (١) تحرفت في ((ط)) إلى ((آخر)). (٢) قلت: وهذا أيضاً ما لا يقرّه الإسلام الحنيف ولا العقل السليم. (٣) تحرفت في ((آ)) و((ط)) إلى ((المبرك)) والتصحيح من ((ذيل طبقات الحنابلة)) (٢٤٣/٢) مصدر المؤلّف. ٤٠١ محمد بن أحمد القزَّاز، وأجاز لسليمان بن حمزة الحاكم، وتوفي ليلة سادس عشر رجب. · وفيها أبو علي الشّلَوْبِين عمر بن محمد بن عمر الأزدي الأندلسي الإِشبيلي النحوي (١)، أحد من انتهت إليه معرفة العربية في زمانه. ولد سنة اثنتين وستين وخمسمائة، وسمع من أبي بكر بن محمد بن خلف، وعبد الله بن زَرْقُون، والكبار. وأجاز له السِّلَفي، وكان أسند من بقي بالمغرب. وكان في العربية بحراً لا يُجارى وحبراً لا يُبَارى، قياماً عليها واستبحاراً فيها. تصدَّر لإِقراء النحو نحواً من ستين عاماً، وصنَّف التصانيف، وله حكايات في التغفِّل. قاله في ((العبر)). وقال ابن خَلِّكان: كان فيه مع هذه الفضيلة غَفْلةٌ وصورةُ بَلَهٍ في الصورة الظاهرة. توفي في أحد الرَّبيعين، وقيل في صفر بإشبيلية. والشَّلَوْبين: بفتح الشين المعجمة واللّام، وسكون الواو، وكسر الباء الموحدة، وسكون المثناة التحتية ونون، هي بلغة الأندلس الأبيض الأشقر. ، وفيها الملك المظفّر شهاب الدِّين غازي بن العادل(٢). كان فارساً شجاعاً، وشهماً مهيباً، ومَلِكاً جواداً. وكان صاحب مَيَّفَارقين، وخِلَاط، وحصن منصور، وغير ذلك. حجَّ من بغداد، ثم توفي في هذه السنة، وتملّك بعده ابنه الشهيد الملك الكامل ناصر الدِّين. • وفيها ابن الدّوامي عزُّ الكُفاةِ، الصاحب أبو المعالي هبة الله بن الحسن بن هبة الله (٣). كان أبوه وكيل الخليفة الناصر، وسمع هو من تجنّ (١) انظر ((وفيات الأعيان)) (٤٥١/٣ - ٤٥٢) و((العبر)) (١٨٦/٥ - ١٨٧) و((سير أعلام النبلاء)) (٢٠٧/٢٣ -٢٠٨) و((الإعلام بوفيات الأعلام)» ص (٢٦٩). (٢) انظر ((العبر)) (١٨٧/٥). (٣) انظر ((العبر)) (١٨٧/٥) و((سير أعلام النبلاء)) (٢٣٠/٢٣ -٢٣١). ٤٠٢ الوهبانية، وابن شاتيل، وكان صاحب الحُجَّاب مدة، ثم تزهد وانقطع إلى أن توفي في جمادى الأولى . • وفيها شرف الدِّين الأمير الكبير يعقوب بن محمد بن حسن الهَدَبَاني الإِربلي(١). روى عن يحيى الثقفي وطائفة، وولي شدّ دواوين الشام، وكان ذا علمٍ وأدب. توفي في ربيع الأول بمصر. ۔ 1 (١) انظر ((العبر)) (١٨٧/٥ - ١٨٨) و((سير أعلام النبلاء)) (٢٣١/٢٣ -٢٣٢) و((حسن المحاضرة» (٣٧٧/١). ٤٠٣ سنة ست وأربعين وستمائة • فيها توفي أبو العبَّاس أحمد بن سَلَامة بن أحمد بن سلمان النجَّار الحَرَّاني الحنبلي (١)، المُحَدِّث الزاهد الثقة القُدوة. سمع الكثير من ابن كُلَيب، وكتب الأجزاء والطّباق، وصحب الحافظ عبد الغني المقدسي، والحافظ الرهاوي، والشيخ موفق الدِّين(٢). وسمع منهم وسمع منه جماعة. قال ابن حمدان: سمعت عليه كثيراً، وكان من دُعَاة أهل السُّنَّة وأوليائهم، مشهوراً بالزُّهد والورع والصلاح. توفي وسط العام بحَرَّان. ● وفيها إسماعيل بن سُوَدِكِين أبو الطَّاهر النُّوري(٣)، الحنفي الصُّوفي. كان صاحب الشيخ محيي الدِّين بن العربي، وله كلام وشعر. توفي في صفر وروى عن الأرتاحي . • وفيها صفية بنت عبد الوهاب بن علي القُرَشية(٤)، أخت كريمة. لم (١) انظر ((العبر)) (١٨٨/٥) و((ذيل طبقات الحنابلة)) (٢٤٣/٢). (٢) يعني ابن قدامة المقدسي. (٣) انظر ((العبر)) (١٨٨/٥). .(٤) انظر (العبر)) (١٨٨/٥ - ١٨٩) و((سير أعلام النبلاء)) (٢٧٠/٢٣ - ٢٧١) و((الإعلام بوفيات الأعلام)) ص (٢٦٩). ٤٠٤ تسمع شيئاً بل أجاز لها مسعود الثقفي والكبار، وتفرَّدت في زمانها. توفيت في رجب بحماة. • وفيها ابن البيطار، الطبيب البارع، ضياء الدِّين عبد الله بن أحمد المالقي العشَّاب (١)، صاحب كتاب ((المفردات في الأدوية)) انتهت إليه معرفة النبات وصفاته ومنافعه وأماكنه، وله اتصال بخدمة الكامل ثم ابنه الصالح، وكان رئيساً في الدِّيار المصرية. توفي بدمشق في شعبان. · وفيها ابن رَوَاحة عز الدِّين أبو القاسم عبد الله بن الحسين بن عبد الله الأنصاري الحَمَوي الشافعي(٢). ولد بصقلية وأبواه في الأسر سنة ستين وخمسمائة، وسمّعه أبوه بالإِسكندرية من السِّلَفي الكبير، ومن جماعة. توفي في ثامن جمادى الآخرة وله خمس وثمانون سنة . · وفيها ابن الحاجب العلامة أبو عمرو عثمان بن عمر بن أبي بكر الكُردي الأسنائي (٣) - وأَسْناً: بفتح الهمزة(٤) وسكون السين المهملة وفتح النون وبعدها ألف، بليدة صغيرة من أعمال القُوصِيَّة بالصعيد الأعلى من مصر -. ولد في أواخر سنة سبعين وخمسمائة بأسنا، وكان أبوه حاجباً للأمير عز الدِّين موسك الصلاحي، فاشتغل هو بالقراءات على الشّاطبي وغيره. (١) انظر ((العبر)) (١٨٩/٥) و((سير أعلام النبلاء)) (٢٥٦/٢٣ - ٢٥٧). (٢) انظر ((العبر)) (١٨٩/٥) و((سير أعلام النبلاء)) (٢٦١/٢٣ - ٢٦٣) و((الإعلام بوفيات الأعلام)) ص (٢٦٩). (٣) انظر ((وفيات الأعيان)) (٢٤٨/٣ - ٢٥٠) و((العبر)) (١٨٩/٥ - ١٩٠) و((معرفة القراء الكبار)) (٦٤٨/٢ - ٦٤٩) و((مرآة الجنان)) (١١٤/٤ - ١١٥) و((النجوم الزاهرة)) (٣٦٠/٦). (٤) تنبيه: كذا ضبطها المؤلف - رحمه الله - بفتح الهمزة، وقد تبع في ذلك ابن خلِّكان، وضبطها ياقوت في ((معجم البلدان)) (١٨٩/١) ومحققو ((معرفة القراء الكبار)) بكسر الهمزة. وجاء في هامش ((النجوم الزاهرة)): إسنا، بالكسر وتفتح. ٤٠٥ وبَرَعَ في الأصول والعربية، وتفقه في مذهب الإمام مالك. قال اليافعي: وبلغني أنه كان محباً للشيخ عز الدِّين بن عبد السلام، وأن ابن عبد السلام حين حُبِسَ بسبب إنكاره على السلطان، دخل معه الحبس موافقةً ومراعاةً. ولعل انتقاله إلى مصر كان بسبب انتقال الشيخ ابن عبد السلام، وفيهما أنهما اجتمعا في الإِنكار. وقال ابن خَلِّكان: انتقل إلى دمشق ودرَّس بها في زاوية المالكية، وأكبَّ الناس على الاشتغال عليه، والتزم له الدروس، وتبحر في العلوم، وكان الأغلب عليه علم العربية. وصنَّف ((مختصراً)) في مذهبه، و((مقدمة)) وجيزة في النحو، سمَّاها ((الكافية)) وأخرى مثلها في التصريف سمَّاها ((الشافية)) وشرح المقدمتين. وله: طَاوعتَ فِي الرَّوِيِّ وهي عيونُ أيُّ غَدٍ مع يد دّدٍ ذي حروفٍ هذا جواب البيتين المشهورين: في المعاني فتلتوي وتلينُ رُبما عَالَجَ القَوَافِي رجالٌ وعَصَتهم نونٌ ونونٌ ونونُ طاوعتهم عينٌ وعينٌ وعينٌ وله في أسماءِ قِداح الميسر: ثم حلس ونافسٌ ثم مسبلُ هي فذَّ وتوأَمٌ ورقيب ومَنيح هذي الثلاثة تُهْمَلُ والمعلَّى والوَغْدُ ثم سَفيح مثله أن تعد أول أولُ ولكل مما عَدَاه نصيبٌ وصنَّف في أصول الفقه، وكل تصانيفه في نهاية الحُسْنِ والإِفادة. وخالف النُّحَاةَ في مواضع، وأورد عليها إشكالات وإلزامات تتعذر الإِجابة عنها. وكان من أحسن خلق الله ذهناً. ثم عاد إلى القاهرة، وأقام بها والناس ملازمون الاشتغال عليه. وجاءني ٤٠٦ مراراً بسبب أداء شهادات، وسألته عن مواضع في العربية مشكلة فأجاب أبلغ إجابة بسكون كثير وتثبت تام، ومن جملة كلامه عن مسألة اعتراض الشرط على الشرط في قولهم ((إن أكلتِ، إن شربْتِ، فأنتِ طالق)) لم يتعين تقدم الشرب(١) على الأكل بسبب وقوع الطلاق، حتى لو قال: ثم شربت؛ لا تطلق. وسألته عن بيت المتنبي : والآنَ أُقْحَمُ حَتَّى لَاتَ مُقْتَحَم (٢) لَقَدْ تَصَبَّرَتُ حَتَّى لاَتَ مُصْطَبَرٍ ولَتَ لَيسَتْ مِنْ أدوات الجرِّ، فأطال الكلام فيها، وأجاب فأحسن الجواب عنها، ولولا التطويل لذكرت ما قاله. ثم انتقل إلى الإِسكندرية للإقامة بها، فلم تطل مدته هناك. توفي ضحى نهار الخميس سادس عشري شوال، ودفن خارج باب البحر بتربة الشيخ الصالح ابن أبي شَامَة. انتهى . ● وفيها ابن الدبّاج العلّامة أبو الحسن علي بن جابر(٣) النحوي المقرىء، شيخ الأندلس. أخذ القراءات عن أبي بكر بن صَاف، والعربية عن أبي ذر بن أبي ركب الخُشَني، وساد أهل عصره في العربية. ولد سنة ست وستين وخمسمائة، وتوفي بإشبيلية بعد أخذ الرُّوم الملاعين لها في شعبان بعد جمعة، فإنه هاله نطقُ الناقوس وخَرَسُ الأذان، فما زال يتلهف ويتأسف ويضطرب إلى أن قضى نحبه، وقيل مات يوم أخذها . (١) في ((وفيات الأعيان)): ((لِمَ تعينَ تقديم الشرب)). (٢) البيت في ((ديوان المتنبي)) بشرح العكبري (٤٠/٤). (٣) انظر ((العبر)) (١٩٠/٥) و((سير أعلام النبلاء)) (٢٠٩/٢٣ -٢١٠) و((الإعلام بوفيات الأعلام)) ص (٢٦٩) و(غاية النهاية في طبقات القراء)) (٥٢٨/١ - ٥٢٩). ٤٠٧ ● وفيها وزير حلب علي بن يوسف القِفْطي(١) - بكسر القاف وسكون الفاء نسبة إلى قِفْط بالطاء المهملة، بلد بصعيد مصر - عرف بالقاضي الأكرم أحد الكُتَّاب المبرزين في النثر والنظم. كان عارفاً باللغة، والنحو، والفقه، والحديث، وعلوم القرآن، والأصول، والمنطق، والحكمة، والنجوم، والهندسة، والتاريخ. وكان صدراً، محتشماً، كامل المروءة. جمع من الكتب ما لم یجمعه أحد، وکان لا یحب من الدُّنیا سوی الکتب، ولم تکن له دار ولا زوجة. وصنَّف كتاب ((الدر الثمين في أخبار المتيمين))(٢) وكتاب «إصلاح خلل صحاح الجوهري)) وكتاب (الكلام على صحيح البخاري)) وكتاب ((نزهة الناظر ونهزة الخاطر))(٣) وغير ذلك. • وفيها صاحب المَغرب المعتضد، ويقال له أيضاً السعيد أبو الحسن المؤمني علي بن المأمون إدريس بن المنصور يعقوب بن يوسف(٤)، ولي الأمر بعد أخيه عبد الواحد سنة أربعين، وقتل وهو على ظهر جواده وهو يحاصر حصناً بتلمسان في صفر. • وولي بعده المرتضى(٥) أبو حفص فامتدت دولته عشرين عاماً. ● وفيها الملك العادل كمال الدِّين أبو بكر بن الملك الكامل بن أيوب(٦). (١) انظر ((فوات الوفيات)) (١١٧/٣ -١١٨) و((سير أعلام النبلاء)) (٢٢٧/٢٣) و((العبر)» (١٩١/٥) و((الإعلام بوفيات الأعلام)) ص (٢٧٠) ومقدمة الأستاذ الكبير محمد أبي الفضل إبراهيم لكتابه ((إنباه الرَّواة)) ومقدمة صديقي العزيز الأستاذ الفاضل رياض عبد الحميد مراد لكتابه ((المحمدون من الشعراء وأشعارهم) مصورة دار ابن كثير. (٢) تحرفت في ((آ)) و((ط)) إلى ((المنتمين)) والتصحيح من ((فوات الوفيات)). (٣) في ((فوات الوفيات)): ((نهزة الخاطر ونزهة الناظر)). (٤) انظر ((وفيات الأعيان)) (١٧/٧ - ١٨) و((العبر)) (١٩٠/٥) و((نفح الطيب)) (٣٨٤/٤). (٥) وهو أبو حفص عمر بن إبراهيم بن يوسف بن عبد المؤمن. انظر ((وفيات الأعيان)) (١٨/٧) و ((نفح الطيب)) (٣٨٤/٧). (٦) انظر ((مرآة الزمان)) (٥١٢/٨). ٤٠٨ قتله أخوه الملك الصالح خنقاً بقلعة دمشق، ودفن بتربة شمس الدولة ولم تطل مدة أخيه بعده بل كان بينهما عشرة أشهر، ورأى في نفسه العِبَرَ. • وفيها أَفْضَلُ الدِّينِ الخُوْنَجي(١) - بخاء معجمة مضمومة ثم واو بعدها نون ثم جيم - محمد بن نَامَاوَر - بالنون في أوله - ابن عبد الملك، قاضي القضاة، أبو عبد الله الشافعي. ولد في جمادى الأولى سنة تسعين وخمسمائة، واشتغل في العجم، ثم قدم مصر وولي قضاءها، وطلب وحَصَّل، وبالغ في علوم الأوائل، حتَّى تفرَّد برئاسة ذلك في زمانه. وأفتى وناظر، وصنَّف ((الموجز)) و((الجمل)) و((كشف الأسرار)» وغير ذلك. قال أبو شامة: كان حكيماً، منطقياً، مات في رمضان ودفن بسفح المقطّم. ورثاه تلميذه العزّ الإِربلي الضرير فقال من قصيدة أولها: ومَاتَ بموتِ الخُونَجِيِّ الفَضائلُ قَضِى أَفْضَلُ الدُّنيا فَلَم يَبْقَ فَاضِلٌ فَحَلَّ لنا ما لم تَحلَّ الأوائلُ فَيَا أَيُّها الحَبْرُ الذي جَاءَ آخراً وقال ابن شهبة في ((تاريخ الإِسلام)): له ((الموجز)) في المنطق، وكتاب ((أدوار الحميات)) وكان تلحقه غفلة فيما يفكره من المسائل العقلية. جلس يوماً عند السلطان وأدخل يده في رزَّةٍ هناك ونسي روحه في الفكرة، فقام الجماعة وبقي جالساً تمنعه أصبعه من القيام، فظنَّ السلطان أن له حاجة، فقال له: أللقاضي حاجة؟ قال: نعم تفك أصبعي من الرزّة، فأحضر حداداً (١) انظر ((ذيل الروضتين)) ص (١٨٢) و((العبر)) (١٩١/٥) و((سير أعلام النبلاء)) (٢٢٨/٢٣) و((طبقات الشافعية الكبرى)) (١٠٥/٨ -١٠٦) و((طبقات الشافعية)) للإسنوي، (٥٠٢/١ -٥٠٣) و((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (١٥٨/٢ - ١٥٩). ٤٠٩ وخلص أصبعه، فقال: إني فكرت في بسط هذا الإِيوان فوجدته يتوفر فيه بساط إذا بسط على ما دار في ذهني، فبسط على ما قال ففضل بساط. انتھی . ● وفيها أبو الحسن محمد بن يحيى بن ياقوت الإِسكندراني المقرىء(١). روى عن السِّلَفي وغيره، وتوفي في سابع عشر ربيع الآخر. ، وفيها منصور بن السَّنَد بن الدَّبَّاغ (٢) أبو علي الإسكندراني النحّاس. روى عن السِّلَفي، وتوفي في ربيع الأول. (١) انظر ((العبر)) (١٩١/٥) و((سير أعلام النبلاء)) (٢٧١/٢٣). (٢) في ((آ)) و((ط)): ((منصور بن السيد بن الدماغ)) والتصحيح من ((النجوم الزاهرة)) (٣٦١/٦) وانظر ((العبر)) (١٩١/٥) و((حسن المحاضرة)) (٣٧٧/١). ٤١٠ سنة سبع وأربعين وستمائة · في ربيعها الأول نازلت الفرنج دِمْيَاط براً وبحراً، وكان بها فخر الدِّين ابن الشيخ، وعسكر. فهربوا وملكها الفرنج بلا ضربةٍ ولا طعنة، فإنَّا لله وإنّا إليه راجعون. وكان السلطان على المنصورة فغضب على أهلها(١) كيف سيبوها حتّى أنه شنق ستين نفساً من أعيان أهلها، وقامت قيامته على العسكر، بحيث إنهم تخوّفوه وهمُّوا به. فقال فخر الدِّين: أمهلوه، فهو على شفا، فمات ليلة نصف شعبان . • وفيها الملك الصَّالح(٢) نجم الدِّين أيوب (٣) بن الملك الكامل محمد ابن العادل، وكتم موته أيَّاماً، وساق مملوكه أقطايا على البريَّة إلى أن عبر الفرات، وساق إلى حصن كيفا، وأخذ الملك المعظم بُورَان شاه ولد الصالح وقدم به دمشق، فدخلها في آخر رمضان في دست السلطنة، وجرت للمصريين مع الفرنج فصولٌ وحروب إلى أن تمَّت وقعة المنصورة في ذي القعدة، وذلك أن الفرنج حملوا ووصلوا إلى دهليز السلطان، فركب مقدَّم (١) يعني على أهل دمياط. (٢) في ((آ)) و((ط)): ((وهو الملك الصالح ... )) وما أثبته يقتضيه السياق. (٣) انظر ((ذيل الروضتين)) ص (١٨٢ - ١٨٣) و((العبر» (١٩٣/٥) و((الإعلام بوفيات الأعلام)) ص (٢٧٠) و((سير أعلام النبلاء)) (١٨٧/٢٣ - ١٩٣). ٤١١ الجيش فخر الدِّين بن الشيخ وقاتل فقتل، وانهزم المسلمون، ثم كرّوا على الفرنج، ونزل النصر، وقتل من الفرنج مقتلةٌ عظيمة ولله الحمد. ثم قدم الملك المعظم بعد أيّام، وكان مولد الملك الصالح - المترجم - سنة ثلاث وستمائة بالقاهرة وسلطنه أبوه على آمد، وحَرَّان وسِنْجَار، وحصن كيفا، فأقام هناك إلى أن قدم وملك دمشق بعد الجواد، وجرت له أمور ثم ملك الدِّيار المصرية، ودانت له الممالك. وكان وافرَ الحُرْمَة، عظيم الهيبة، طاهر الذَّيل، خليقاً للملك، ظاهر الجبروت. · وفيها ابن عَوْف الفقيه، رشيد الدِّين أبو الفضل عبد العزيز بن عبد الوهاب ابن العلامة أبي الطاهر إسماعيل بن مكِّي الزّهري العَوْفي الإسكندراني المالكي(١). سمع من جَدِّه ((الموطأ)) وكان ذا زُهدٍ وورعٍ . توفي في صفر عن ثمانين سنة. ● وفيها عجيبةُ بنت الحافظ محمد بن أبي غالب البَاقِداري البغدادية(٢) سمعت من عبد الحق، وعبد الله ابني منصور الموصلي، وهي آخر من روى بالإِجازة عن مسعود، والرُّسْتُمِي، وجماعة. توفيت في صفر عن ثلاث وتسعين سنة، ولها ((مشيخة)) في عشرة أجزاء. · وفيها ابن البَرَادِعي صفي الدِّين أبو البركات عمر بن عبد الوهاب القرشي الدمشقي(٣) العدل. روى عن ابن عساكر، وأبي سعد بن أبي عَصْرُون، وتوفي في ربيع الآخر. • وفيها السَّيِّدي أبو جعفر محمد بن عبد الكريم بن محمد البغدادي (١) انظر ((العبر)) (١٩٣/٥ - ١٩٤) و((حسن المحاضرة)) (٣٧٨/١). (٢) انظر ((العبر)) (١٩٤/٥) و((سير أعلام النبلاء)) (٢٣٢/٢٣ -٢٣٣). (٣) انظر ((العبر)) (١٩٤/٥) و((سير أعلام النبلاء)) (٢٦٣/٢٣ - ٢٦٤) و((الإعلام بوفيات الأعلام)) ص (٢٧٠). 1 ٤١٢ الحاجب (١). روى عن عبد الحق، وتَجَنَّي، وجماعة كثيرة، وطال عمره. • وفيها فخر الدِّين بن شيخ الشيوخ الأمير نائب السلطنة أبو الفضل يوسف بن الشيخ صدر الدين محمد بن عمر بن علي بن محمد بن حَمّويه الجُوّيني(٢) . ولد بدمشق بعد الثمانين وخمسمائة، وسمع من منصور بن أبي الحسن الطبري وغيره، وكان رئيساً، محتشماً، سيِّداً، معظّماً، ذا عقلٍ ورأيٍ، ودهاءٍ، وشجاعةٍ، وكرمٍ. سجنه السلطان سنة أربعين، وقاسى شدائد، وبقي في الحبس ثلاث سنين، ثم أخرجه وأنعم عليه وقدّمه على الجيش. طُعِنَ يوم المنصورة وجاءَتْه ضربتان في وجهه فسقط. • وفيها السَّاوي يوسف بن محمود بن يعقوب المصري الصوفي(٣). روى عن السُّلفي، وعبد الله بن برِّي، وتوفي في رجب عن ثمانين سنة. (١) انظر ((العبر)) (١٩٤/٥) و((سير أعلام النبلاء)) (٢٦٦/٢٣ -٢٦٨) و((الإعلام بوفيات الأعلام)) ص (٢٧٠). (٢) انظر ((ذيل الروضتين)) ص (١٨٤) و((العبر)) (١٩٤/٥) و((سير أعلام النبلاء)) (١٠٠/٢٣ -١٠٢) و((الإِعلام بوفيات الأعلام)) ص (٢٧٠). (٣) انظر ((العبر)) (١٩٥/٥) و((سير أعلام النبلاء)) (١٩٥/٢٣) و((الإعلام بوفيات الأعلام)) ص (٢٧٠) و((حسن المحاضرة)) (٣٧٨/١). ٤١٣ سنة ثمان وأربعين وستمائة استُهلّت والفرنجُ على المنصورةِ والمسلمون بإزائهم مستظهرون لانقطاع الميرة عن الفرنج، ولوقوع المرض في خيلهم، ثم عزم ملكهُم الفرنسيس على المسير في الليل إلى دِمْيَاط، ففهمها المسلمون، وكان الفرنج قد عملوا جسراً من صنوبرٍ على النيل، فنسوا قطعة، فعبر عليه الناسُ وأحدقوا بهم، فاجتمع إلى الفرنسيس خمسمائة فارسٍ من أبطاله، وحملوا على المسلمين حملةً واحدة، ففرَّج لهم المسلمون، فلما صاروا في وسطهم أطبقوا عليهم، فلم ينج منهم أحد، ومسّكوا الفرنسيس أسرة سيف الدِّين القَيْمُري باني المارستان في صالحية دمشق وانهزم جلَّ الفرنج على حمية، فحمل عليهم المسلمون، ووضعوا فيهم السيف، وغنم الناس ما لا يحدُّ ولا يوصف، وأُركب الفرنسيس في حرَّاقة والمراكب الإِسلامية محدقة به تخفق بالكوسات والطبول، وفي البرِّ الشرقي الجيش سائر تحت ألوية النصر، وفي البر الغربي العُربَان والعوام. وكانت ساعة عجيبة، واعتُقل الفرنسيس بالمنصورة، وذلك في أول يوم من المحرَّم. قال سعد الدِّين بن حمّويه: كانت الأسرى نيفاً وعشرين ألفاً، فيهم ملوك وكبار، وكانت القتلى سبعة آلاف، واستشهد من المسلمين نحو مائة نفسٍ، وخلع الملك المعظّم على الكبار من الفرنج خمسين خلعة، فامتنع ٤١٤ الكلب الفرنسيس من لبس الخلعة، وقال: أنا مملكتي بقدر مملكة صاحب مصر، كيف ألبس خلعته؟. ثم بدت من المعظّم خِفَّةٌ وطيش وأمور خرج بسببها عليه مماليك أبيه وقتلوه بعد أن استردوا دِمْيَاط، وذلك أن حسام الدِّين بن أبي علي أُطلق الفرنسيس على أن يُسَلَّم دِمْيَاط، وعلى بذل خمسمائة ألف دينار للمسلمين، فأركب بغلةً، وساق معه الجيش إلى دِمْيَاط، فما وصلوا إلّ وأوائل المسلمين قد ركبوا أسوارها، فاصفرَّ لون الفرنسيس، فقال حسام الدِّين: هذه دِمْيَاط قد ملكناها، والرأي لا نطلق هذا، لأنه قد اطلع على عوراتنا. فقال عزُّ الدِّين أيبك: لا أرى الغدر، وأطلقه(١). · وفيها توفي ابن الخَيِّر أبو إسحاق إبراهيم بن محمود بن سالم بن مهدي الأزَجي المقرىء الحنبلي(٢). روى الكثير عن شُهْدَة، وعبد الحق، وجماعة. وأجاز له ابن البَطّي. وقرأ القراءات. ولد في سلخ ذي الحجّة سنة ثلاث وستين وخمسمائة، وعني بالحديث، وكان له به معرفة، وكان أحد المشايخ المشهورين بالصلاح وعلو الإِسناد. دائم البشر، مشتغلا بنفسه، ملازماً لمسجده حسن الأخلاق. قال ابن نقطة: سماعه صحیح، وهو شيخ مکثرً. روی عن خلق کثیر، منهم: ابن الحلوانية، وابن العديم، والدمياطي، وتوفي يوم الثلاثاء سابع عشر ربيع الآخر، ودفن من الغد بمقبرة الإِمام أحمد. وكان والده شيخاً صالحاً ضريراً. حَدَّث عن ابن ناصر وغيره، وهو الذي يلقب بالخَيِّر. توفي في صفر سنة ثلاث وستمائة. (١) انظر الخبر برواية أخرى في ((مرآة الزمان)) (٥١٧/٨ -٥١٨) و((النجوم الزاهرة)) (٣٦٧/٦). (٢) انظر ((العبر)) (١٩٨/٥) و((سير أعلام النبلاء)) (٢٣٥/٢٣ - ٢٣٦) و((الإعلام بوفيات الأعلام)) ص (٢٧٠). ٤١٥ • وفيها فخر القُضَاة بن الجبَّب أبو الفضل أحمد بن محمد بن عبد العزيز بن الحسين السَّعْدي المِصْري (١)، ناظر الأوقاف، وراوي ((صحيح مسلم)) عن المأموني. سمع قليلاً من السِّلَفي، وابن برِّي، وتوفي في رمضان، وله سبع وثمانون سنة. ● وفيها الحافظية أرغوان العادلية(٢) عتيقةُ الملك العادل، وسميت بالحافظية لتربيتها للملك الحافظ صاحب قلعة جعبر. وكانت امرأة صالحةً مدبرةً، صادرها الصالح إسماعيل، فأخذ منها أربعمائة صندوق، ووقفت دارها التي داخل باب النصر بدمشق وتُعرف بدار الإِبراهيمي على خُدَّامها، وبنت بالصالحية تحت ثورا(٣) قرب عين الكرش مدرسة وتربة كانت بستاناً للنَّجِيب غلام التَّاج الكِنْدي فاشترته منه، وبنت ذلك، ووقفت عليه أوقافاً جيدة، منها بستان بصارو، وتسمى الآن بالحافظية (٤). · وفيها الملك الصالح عماد الدِّين أبو الجيش إسماعيل بن العادل(٥)، الذي تملّك دمشق مدة. انضم سنة أربع وأربعین إلى ابن أخيه صاحب حلب الملك الناصر، فكان من كبراء دولته ومن جملة أمرائه بعد سلطنة دمشق، ثم قدم معه دمشق، وسار معه، فأسره الصالحية، ومرّوا على تربة(٦) الصالح مولاهم، وصاحوا: يا خوند أَيْنَ عينك ترى عدوّك أسيراً. ثم أخذوه في الليل وأعدموه في سلخ ذي القعدة، وكان ملكاً شهماً محسناً إلى خَدَمِهِ وغِلْمَانه وحاشيته، كثير التجمل. (١) انظر ((العبر)) (١٩٨/٥) و((سير أعلام النبلاء)) (٢٣٤/٢٣ -٢٣٥) و((الإعلام بوفيات الأعلام)) ص (٢٧٠). (٢) انظر ((الدارس في تاريخ المدارس)) (٢٤٣/٢) و((أعلام النساء)) لكحالة (٢٦/١). (٣) يعني نهر ثورا. (٤) قلت: وتعرف في أيامنا بالست حفيظة. (٥) انظر ((العبر)) (١٩٨/٥ - ١٩٩). (٦) تحرفت في ((ط)) إلى ((طربة)). ٤١٦ · وفيها أمين الدولة الوزير أبو الحسن الطبيب (١). كان سامريّاً ببعلبك فأسلم في الظّاهر، والله أعلم بالسرائر، ونفق على الصالح إسماعيل حتّى وزر له، وكان ظالماً، نجساً، ماكراً، داهيةً، وهو واقف الأمينية التي ببعلبك. أُخذ من دمشق بعد حصار الخوارزمية، وسُجن بقلعة مصر، فلما جاء الخَبَرُ الذي لم يتمّ بانتصارِ الناصر، توثب أمين الدولة في جماعة وصاحوا بشعارٍ الناصر، فشُنِقُوا، وهم: هو، وناصر الدِّين بن يغمور(٢)، والخوارزمي. ومن جملة ما وجد في تركة أمين الدولة، ثلاثة آلاف ألف دينار، غير ما کان مودعاً له عند الناس. • وفيها الملك المعظم غياثُ الدِّين تورَان شاه بن الصَّالح نجم الدِّين أيوب (٣). لما توفي أبوه حلف له الأمراء وقعدوا (٤) وراءه كما ذكرنا، وفرح الخلقُ بكسر الفرنج على يده، لكنّه كان لا يصلح لصالحة، لقّة عقله وفساده في المُرْدِ. ضربه مملوك بسيف فتلقاها بيده، ثم هرب إلى برج خشب فرموه بالنفط، فرمى بنفسه وهرب إلى النيل فأتلفوه، وبقي ملقىٍّ على الأرض ثلاثة أيام، حتَّى انتفخ، ثم واروه. وكان قويَّ المشاركة في العلوم، ذكياً. قال ابن واصل: لما دخل المعظم مصر، قام إليه الشعراء، فابتدأ ابن الدجاجية تاج الدّين فقال: كَيْفَ كَانَ القُدومُ مِنْ حِصْنِ كَيْفَا حِينَ أَرْغَمْتَ للأعَادِي أُنُوفَا (١) انظر ((العبر)) (١٩٩/٥). (٢) في ((آ)) و((ط)): ((ابن مغمور)) والتصحيح من ((العبر)). (٣) انظر ((فوات الوفيات (( (٢٦٣/١ - ٢٦٥) و((العبر)) (١٩٩/٥ - ٢٠٠) و((سير أعلام النبلاء)» (١٩٣/٢٣ - ١٩٦). (٤) تحرفت في (آ)) و((ط)) إلى ((وتعدوا)) والتصحيح من ((العبر)). ٤١٧ فأجابه الملك المعظم : . تَارَةً آمِناً وطَوْرَاً مُخِيفًا الطَّريق الطَّريق يا ألفَ نَحسٍ أدركته حِرْفَةُ الأدب كما أدركت عبد الله بن المعتز. قال أبو شامة: دخل في البحر إلى حَلْقهِ، فضربه البندقداري بالسيف فوقع . • وفيها ابن رَوَاج المُحَدِّثِ رشيد الدِّين أبو محمد عبد الوهاب بن ظَافِر ابن علي بن فَتَّوح الإِسكندراني المالكي(١). ولد سنة أربع وخمسين وخمسمائة، وسمع الكثير من السِّلفي وطائفة، ونسخ الكثير، وخرَّج ((الأربعين)). وكان ذا دينٍ وفقهٍ وتواضعٍ. توفي في ثامن عشر ذي القعدة. • وفيها أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي السعادات الدبَّاس الفقيه الحنبلي البغدادي(٢)، أحد أعيان فقهاء بغداد وفضلائهم. سمع الحديث من ابن شاتيل، وابن زُريق البرداني، وابن كُلَيب وتفقه على إسماعيل بن الحسين صاحب أبي الفتح بن المَنِّي، وقرأ علم الخلاف والجدل والأصول على النّوقاني، وبرع في ذلك، وتقدم على أقرانه، وتكلّم وهو شاب في مجالس الأئمة فاستحسنوا كلامه. وشهد عند قاضي القضاة أبي صالح. قال ابن السَّاعي: قرأت عليه مقدمة في الأصول، وكان صدوقاً، نبيلاً، ورعاً، متديناً، حسن الطريقة، جميل السيرة، محمودَ الأفعال، عابداً، كثير التلاوة للقرآن، محباً للعلم ونشره، صابراً على تعليمه، لم يزل على قانونٍ واحدٍ، لم تُعْرَف له صبوةً من صباه إلى آخر عمره، يزور الصالحين، ويشتغل (١) انظر ((العبر)) (٢٠٠/٥) و((حسن المحاضرة)) (٣٧٨/١). (٢) انظر ((ذيل طبقات الحنابلة)) (٢٤٥/٢ - ٢٤٦). ٤١٨ بالعلم، لطيفاً. كَيِّساً، حسن المفاكهة. قَلَّ أن يغشى أحداً، مقبلاً على ما هو بصدده. وروى عنه ابن النجار في ((تاريخه)) ووصفه بنحو ما وصفه ابن السَّاعي. توفي في حادي عشري شعبان ودفن بباب حرب وقد ناهز الثمانین، ومرَّ ليلة بسوق المدرسة النظامية ليصلي العشاء الآخرة بالمستنصرية إماماً فخطف إنسان بقياره في الظلماء وعداً، فقال له الشيخ: على رسلك وهبتكه، قل: قبلت. وفشا خبره بذلك فلما أصبح أُرسل إليه عِدَةٌ بقايير، قيل أحد عشر، فلم يقبل منها إلّ واحداً تنزهاً. • وفيها المجد الإِسفراييني المُحَدِّث(١)، قارىء الحديث، أبو عبد الله محمد بن محمد بن عمر الصُّوفي. روى عن المؤيد الطَّسي وجماعة، وتوفي في ذي القعدة بالسُمَيْسَاطِيَّة من دمشق. • وفيها مُظَفَّر بن الفُوِّي أبو منصور بن عبد الملك بن عتيق الفِهْري الإِسكندراني المالكي الشاهد(٢). روى عن السِّلَفي، وعاش تسعين سنة، وتوفي في سلخ [ذي] القعدة. · وفيها أبو الحجّاج يوسف بن خليل بن قَرَاجا بن عبد الله، مُحَدِّث الشام الدمشقي الأدمي الحنبلي(٣) ، نزيل حلب. ولد سنة خمس وخمسين وخمسمائة بدمشق، وتشاغل بالكسب إلى الثلاثين من عمره، ثم طلب الحديث، وتخرَّج بالحافظ عبد الغني (٤) واستفرغ فيه وسعه. وكتب ما لا يُوصف بخطّه المليح المتقن، ورحل إلى (١) انظر ((العبر)) (٢٠٠/٥) و((سير أعلام النبلاء)) (٢٥٨/٢٣). (٢) انظر ((العبر)) (٢٠١/٥) و((سير أعلام النبلاء)) (٢٦٨/٢٣) و((حسن المحاضرة)) (٣٧٨/١). (٣) انظر ((العبر)) (٢٠١/٥) و((سير أعلام النبلاء)) (١٥١/٢٣ - ١٥٥) و(«ذيل طبقات الحنابلة)) (٢٤٤/٢ - ٢٤٥). (٤) يعني المقدسي، رحمه الله تعالى. ٤١٩ الأقطار، فسمع بدمشق من الحافظ عبد الغني، وابن أبي عَصْرُون، وابن الموازيني، وغيرهم. وببغداد من ابن كُلَيب، وابن بَوش، وهذه الطبقة. وبأصبهان من ابن مسعود الحَمَّال وغيره. وبمصر من البُوصِيري وغيره، وكان إماماً، حافظاً، ثقةً، نبيلاً، متقناً، واسع الرِّواية، جميل السيرة، متسع الرِّحلة . قال ابن ناصر الدِّين(١): كان من الأئمة الحفّاظ المكثرين الرحّالين، بل كان أوحدهم فضلاً، وأوسعهم رحلةً وكتابة ونقلًا. وقال ابن رجب: تفرَّد في وقته بأشياء كثيرة عن الأصبهانيين، وخرَّج وجمع لنفسه ((معجماً)) عن أزيد من خمسمائة شيخ، و((ثمانيات)) و((عوالي)) و ((فوائد)) وغير ذلك. واستوطن في آخر عمره حلب، وتصدّر بجامعها، وصار حافظاً والمشار إليه بعلم الحديث فيها. حَدَّث بالكثير من قبل الستمائة وإلى آخر عمره، وحَدَّث عنه البرزالي، ومات قبله باثنتي عشرة سنة. وسمع منه الحفّاظ المقدَّمون، كابن الأنماطي، وابن الدُّبَيثي، وابن نُقطة، وابن النجَّار، والصَّرِيفيني، وعمر بن الحاجب، وقال: هو أحد الرحَّالين، بل واحدهم فضلاً، وأوسعهم رحلةً . نقل بخطه المليح ما لا يدخل تحت الحصر؛ وهو طيِّبُ الأخلاق، مرضي الطريقة، متقنٌ، ثقةٌ، حافظٌ. وسئل عنه الحافظ الضياء فقال: حافظً مفيدٌ صحيحُ الأصول. سَمِعَ وحَصَّل، صاحب رحلة وتطواف .. وسئل الصَّريفيني عنه فقال: حافظٌ، ثقةً، عالمٌ بما (٢) يُقرأ عليه، لا یکاد يفوته اسم رجل. (١) في ((التبيان شرح بديعة البيان)) (١٧٨ / ب). (٢) لفظة ((بما)) سقطت من ((آ)). ٤٢٠