النص المفهرس

صفحات 341-360

الاجتماع بروح من شاء من الأنبياء والأولياء الماضين، على ثلاثة أنحاء،
إن شاء الله، استنزل روحانيته في هذا العالم، وأدركه متجسداً في صورة
مثالية شبيهة بصورته الحسِّية العصرية، التي كانت له في حياته الدُّنيا، وإن
شاء الله، أحضره في نومه، وإن شاء انسلخ عن هيكله واجتمع به(١)، وهو أكثر
القوم كلاماً في الطريق، فمن ذلك ما قال: ما ظهر على العبد إلّ ما استقرَّ
في باطنه، فما أثَّر فيه سواه، فمن فهم هذه الحكمة وجعلها مشهودة أراح
نفسه من التعلق بغيره؛ وعلم أنه لا يؤتى عليه بخيرٍ ولا شرِّ إلّ منه، وأقام
العذر لكل موجود. وقال: إذا ترادفت عليك الغَفَّلات وكثرة النوم، فلا تسخط
ولا تلتفت لذلك، فإن من نظر الأسبابَ مع الحقِّ أشرك. كُن مع الله بما يريد
لا مع نفسك بما تريد، لكن لا بد من الاستغفار.
وقال(٢): عَلَامة الراسخ أن يزداد تمكناً عند سلبه، لأنه مع الحقِّ بما
أحبَّ، فمن وجد اللذّة في حال المعرفة دون السلب فهو مع نفسه غَيْبةً
وحضوراً.
وقال(٢): من صدق في شيءٍ وتعلقت همته بحصوله، كان له
عاجلاً أو آجلاً، فإن لم يصل إليه في الدنيا فهو له في الآخرة. ومن مات قبل
الفتح رُفِعَ إلى مَحلِّ همته.
وقال (٢): العارف يعرف ببصره ما يعرفه غيره ببصيرته، ويعرف ببصيرته
ما لا يدركه أحدٌ إلّ نادراً، ومع ذلك فلا يأمن على نفسه من نفسه، فكيف
يأمن على نفسه من مقدور ربِّه، وهذا مما قطع الظهور ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم مِنْ
حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [الأعراف: ١٨٢].
وقال (٢): لا ينقص العارف قوله لتلميذه: خذ هذا العلم الذي لا تجده
= التصوف. مات سنة ستمائة وثلاث وسبعون. انظر ((طبقات الشافعية الكبرى)) (٤٥/٨)
و ((الأعلام)) (٣٠/٦).
(١) أقول: كل هذا من المبالغات التي لا تجوز. (ع).
(٢) القائل ابن العربي .
٣٤١

عند غيري ونحوه مما فيه تزكية نفسه، لأن قصده حث المتعلم على القبول.
وقال: كلام العارف على صورة السّامع بحسب قوة استعداده وضعفه،
وشبهته القائمة بباطنه.
وقال: كل من ثقل عليك الجواب عن كلامه فلا تجبه، فإن وعاءه
ملآن لا يسع الجواب.
وقال: من صحَّ له قدم في التوحيد، انتفت عنه الدعاوى من نحو رياءٍ
وإعجاب، فإنه يجد جميع الصفات المحمودة لله لا له، والعبد لا يعجب
بعمل غيره ولا بمتاع غيره.
وقال: من ملكته نفسه عُذِّب بنار التدبير، ومن ملكه الله عُذِّب بنار
الاختبار، ومن عجز عن العجز؛ أذاقه الله حلاوة الإِيمان، ولم يبق عنده
حجاب.
وقال: من أدرك من نَفْسِه التغيُّر والتبديل في كل نفس، فهو العالم
بقوله تعالى: ﴿ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرَّحمن: ٢٩].
وقال: من طلب دليلاً على وحدانية الله تعالى، كان الحمار أعرف بالله
منه .
وقال: الجاهل لا يرى جهله لأنه في ظلمته، والعالم لا يرى علمه لأنه
في ضياء نوره، ولا يجري شيءٌ إلّ بغيره، فالمرآة تخبرك بعيوب صورتك
وتصدقها(١) مع جهلك بما أخبرت به، والعالم يخبرك بعيوب نفسك مع علمك
بما أخبرك به وتكذبه، فماذا بعد الحقِّ إلّ الضلال.
وقال: حسنُ الأدب في الظّاهر آيةُ حسنه في الباطن، فإِيَّاك وسوءَ الظنِّ
والسلام.
(١) كذا في ((ط)) و((المنتخب)) (١٦٥ / ب): ((وتصدقها)) وفي ((آ)): ((وتصدقك)).
٣٤٢

وقال: معنى الفتح عندهم كشف حجاب النَّفس، أو القلب، أو
الرُّوحِ، أو السر لما في الكتاب والسُّنَّة.
وقال: وربما فهم أحدهم من اللفظ ضد ما قصده المتكلم. سمع
بعض علماء بغداد رجلاً من شَرَّبَةِ الخمر ينشد:
إذا العِشْرُونَ مِنْ شَعْبَانَ وَلَّتْ فَوَاصِلْ شُرْبَ لَيْلِكَ بِالنَّهَارِ
ولا تَشْرَبْ بأَقْدَاحٍ صِغَارٍ فَإِنَّ الوَقْتَ ضَاقَ عَلى الصَّغَارِ
فهام على وجهه في البرِّيَّة، حتَّى مات.
وقال: كثيراً ما تهبُّ في قلوب العارفين نفحات الهيبة، فإن نطقوا بها
جَهَّلَهُم كُمَّلُ العَارفين، وردّها عليهم أصحاب الأدلة من أهل الظَّاهر، وغاب
عن هؤلاء أنه تعالى كما أعطى أولياءه الكرامات التي هي فرع المعجزات،
فلا بِدْعَ أن تنطق ألسنتهم بعبارات تَعْجِزُ العلماء عن فهمها.
وقال: من لم يقم بقلبه تصديق ما يسمعه من كلام القوم، فلا
يجالسهم، فإن مجالستهم بغير تصديق سَمٌّ قاتل.
وقال: شدة القرب حجاب، كما أن غاية البعد حجاب، وإن كان الحقُّ
أقرب إلينا من حبل الوريد، فأين السبعون ألف حجاب.
وقال: لا تدخل الشبهة في المعارف والأسرار الربَّانيَّة، وإنما مَحلُّها
العلوم النظرية .
وقال: نهاية العارفين منقولة غير معقولة، فما ثَمَّ عندهم إلّ بداية
وتنقضي أعمارهم، وهم مع الله على أول قدم.
وقال: كلُّ من آمن بدليل فلا وثوق بإيمانه، لأنه نظريٌّ، فهو مُعرَّضُ
للقوادح، بخلاف الإِيمان الضروري الذي يوجد في القلب ولا يمكن دفعه،
وكل علم حصل عن نظرٍ وفكرٍ لا يسلم من دخول الشبه عليه ولا الحيرة فيه.
٣٤٣

وقال: شرط الكامل، الإِحسان إلى أعدائه وهم لا يشعرون، تخلُّقاً
بأخلاق الله، فإنه دائم الإِحسان إلى من سمَّاهم أعداءه، مع جهل الأعداء
به .
وقال: شرط الشيخ أن يكون عنده جميع ما يحتاجه المريد في التربية
لا ظهور كرامة، ولا كشف باطن المريد.
وقال: الشفقة على الخلق أحقُّ بالرِّعاية من الغيرة في الله، لأن الغيرة
لا أصل لها في الحقائق الثبوتية، لأنها من الغيرية، ولا غيرية هناك ﴿ وَإِنْ
جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا ﴾ [الأنفال: ٦١] ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا
[الشُّورى: ٤٠] فجعل القِصَاص سيئة، أي أن ذلك الفعل سيءٌ مع كونه
مشروعاً، وكل ذلك تعظيماً لهذه النشأة التي تولى الحقّ خلقها بيده،
واستخلفها في الأرض، وحرَّم على عباده السَّعي في إتلافها بغير إذنه .
وقال: الصُّوفي، من أسقط الياءات الثلاث، فلا يقول: لي، ولا
عندي، ولا متاعي، أي لا يضيف لنفسه شيئاً.
وقال: ((الدُّعَاءُ مُخُّ العِبَادَة))(١) وبالمخ تكون القوة للأعضاء، فلذا تتقوى
به عبادة العابدين.
وقال: تَحَفَّظْ من لذَّات الأحوال، فإنها سموم قاتلة، وحجبٌ مانعة.
وقال: لا يُغُرَّكَ إمهاله(٢)، فإن بطشه شديد، والشقيُّ من اتَّعظ بنفسه .
(١) رواه الترمذي رقم (٣٣٦٨) في الدعوات. باب ما جاء في فضل الدعاء من حديث أنس بن
مالك رضي الله عنه، وفي سنده عبد الله بن لهيعة وهو ضعيف. ويغني عنه حديث ((الدُّعاءُ
هُو العِبَادَة)) من حديث النّعمان بن بشير رضي الله عنه، رواه الترمذي رقم (٣٣٦٩) في
الدعوات: باب رقم (٢) وابن ماجه رقم (٣٨٢٨) في الدعاء: باب فضل الدعاء، وهو حديث
صحیح.
(٢) يعني الله تعالى.
٣٤٤

لا يغرنّك من خالف فجوزي بإحسان المعارف، ووقف في أحسن المواقف،
وتجلّت له المشاهد، هذا كله مكرٌ به واستدراج من حيث لا يعلم، قل له إذا
احتجّ علیك بنفسه :
سَوْفَ تَرِى إِذَا انجلى الغُبَارُ أَفَرَسٌ تَحْتَك أَمْ حِمَارُ
وقال: لا يصح لعبد مقام المعرفة بالله وهو يجهل حكماً واحداً من
شرائع الأنبياء، فمن ادعى المعرفة واستشكل حكماً واحداً في الشريعة
المحمدية أو غيرها فهو كاذب.
وقال: أجمعت الطائفة على أن العلم بالله عين الجهل به تعالى.
وقال: إذا ذكر الله الذَّاكر ولم يخشع قلبه، ولا خضع عند ذكره إيّاه،
لم يحترم الجناب الإِلهي، ولم يأت بما يليق به من التعظيم، وأول ما تمقته
جوارحه وجميع أجزاء بدنه.
وقال: الأسماء الإلهية كلها التي عليها يتوقف وجود العالم أربعة
لا غير: الحيُّ، القادر، المريد، العالم. وبهذه الأسماء ثبت كونه إلهاً.
وقال: أخبرني من أثق به، قال: دخلت على رجل فقيه، عالم متكلم،
فوجدته بمجلس فيه الخمر وهو يشرب، ففرغ النبيذ، فقيل له: انفذ إلى فلان
يأتي بنبيذ، فقال: لا، فإني ما أصررت على معصية قطّ، ولي بين الكأسين
توبة ولا أنتظره، فإذا حصل بيدي أنظر هل يوفقني ربِّي فأتركه أو يخذلني
فأشربه، ثم قال - أعني ابن عربي -: فهكذا العلماء. انتهى كلام المناوي
ملخصاً(١).
وأقول: ومن كلامه أيضاً:
مَا نَالَ مَنْ جَعَلَ الشَّرِيعَةَ جَانِباً شَيْئاً وَلَوْ بَلَغَ السَّماءَ مَنَارُهُ
(١) أقول: وفي كلامه كله مبالغات لا يقرها الإِسلام. (ع).
٣٤٥

ومن شعره الرائق قوله :
حَقيقتي هِمْتُ بها
ولو رَآها لغَدَا
فَعِنْدَ مَا أَبْصَرْتُهَا
فَبِتُّ مَسْحُوراً بِهَا
يا حَذري من حَذري
والله ما هيَّمَني
يا حُسْنُها مِنْ ظَبْيَةٍ
إِذَا رَنَتْ أَوْ عَطَفَتْ
كَأَنَما أَنْفَاسُهَا
كأنها شمس الضُّحى
إِن سَفَرَتْ أَبْرَزَهَا
أو سَدَلَتِ غَيَّبَهَا
يا قمرٌ تَحتَ دُجى
عَسى لِكي أُبصركم
ومَا رَآها بَصَري
قتيلَ ذَاكَ الحَوَرِ
صِرْتُ بحُكْم النَّظَرِ
أَهيمُ حَتَّى السَّحَرِ
لَوْ كَان يُغني حَذري
جَمَالُ ذَاكَ الخَفَرِ
تَرعىْ بِذَاتِ الخُمُرٍ
تَسبي عُقُولَ البَشَرِ
أَعْرافُ مِسكٍ عَطِرٍ
في النُّورِ أَوْ كَالقَمْرٍ
نُورُ صَباحٍ مُسْفِرٍ
ظَلَامُ ذَاكَ الشُّعَرِ
خُذي فؤادي أو ذَري
إن(١) كان حظي نظري
وكان يقول: أعرف الاسم الأعظم، وأعرف الكيمياء بطريق المنازلة
لا بطريق الكسب، وكان مجتهداً مُطْلَقاً بلا ريب.
قال في رائيته :
لَقَدْ حَرَّمَ الرَّحمنُ تقليدَ مالكٍ وأحمدَ والنُّعمانَ والكُلَّ فاعذروا
وقال أيضاً في نونيته:
لَسْتُ ممن يقول قال ابن حزم لا ولا أَحْمَدُ ولا النُّعْمَانُ
(١) في ((ط)): ((إذ)).
٣٤٦

وهذا صريح بالاجتهاد المطلق، كيف لا وقد قال: عُرِضَت
أحاديثه - رَّ﴾ جميعها عليه، فكان يقول عن أحاديث: صحَّت من جهة
الصناعة ما قلتها، وعن أحاديث ضعفت من جهتها قلتها، وإذا لم يكن
مجتهداً فليس للّه مجتهد .
إن لم تَرَهُ فهذهِ آثَارُهُ
هذا وما نقم عليه أحد فيما أعلم بغير ما فهمه من كلامه من الحلول أو
الاتحاد، وما تفرَّع عليهما من كفرٍ أو إلحاد، وساحته النزهة منهما، وشأوه
أبعد شأواً عنهما، وكلامه بنفسه يشهد بهذا.
خلي افتراكَ فذَاكَ خلي لا ذَا
قال في ((فتوحاته المكية)) التي هي قرة عين السادة الصوفية، في الباب
الثاني والتسعين ومائتين: من أعظم دليل على نفي الحلول والاتحاد الذي
يتوهمه بعضهم، أن تعلم عقلًا أن القمر ليس فيه من نور الشمس شيءٌ، وأن
الشمس ما انتقلت إليه بذاتها، وإنما كان القمر محلاً لها، كذلك(١) العبد ليس
فيه من خالقه شيءٌ ولا حَلَّ فيه.
وقال أيضاً فيها في الباب الثامن والسبعين، كما نقله عنه الشعراني في
كتابه ((اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر)): إن الله تعالى لم(٢) يوجد
العالمَ لافتقاره إليه، وإنما الأسباب في حال عدمها الإِمكاني لها طَلَبَتْ
وجُودَها ممن هي مفتقرة إليه بالذات، وهو الله تعالى، لا تعرف غيره، فلما
طلبت بفقرها الذاتي من الله تعالى أن يوجدها، قبلَ الحَقُّ سُؤَالها، لا من
حاجة قامت به إليها، لأنها كانت مشهودة له تعالى في حال عدمها النُّسبي كما
(١) في (ط)): ((فلذلك)).
(٢) لفظة ((لم)) لم ترد في ((آ)).
٣٤٧

هي مشهودة له في حال وجودها سواء، فهو يدركها - سبحانه - على ما هي
عليه في حقائقها حال وجودها وعدمها، بإدراكٍ واحد، فلهذا لم يكن إيجاده
للأشياء عن فقرٍ، بخلاف العبد، فإن الحقَّ تعالى لو أعطاه جزء ((كُن)) وأراد إيجاد
شيءٍ لا يوجده إلّ عن فقر إليه وحاجة، فما طلب العبد إلّ ما ليس عنده،
فقد افترق إيجاد العبد عن إيجاد الحقِّ تعالى، قال: وهذه مسألة لو ذهبت
عينك جزاءً لتحصيلها لكان قليلاً في حقِّها، فإنها مزلَّةٍ قَدَمٍ ، زلَّ فيها كثير من
أهل الله تعالى، والتحقوا فيها بمن ذمَّهم الله تعالى في قوله: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللّهُ
قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ فَقيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١](١) انتهى. فإن
قلت: قد نقل بعضهم عن الشيخ أنه كان ينشد:
الكُلُّ مُفْتَقِرٌ مَا الكُلُّ مُسْتَغْنِي هَذَا هُو الحَقُّ قَدْ قُلْنَا وَلَا نَكْنِي(٢)
فالجواب: إن هذا ومثله من المدسوس عليه في كتاب ((الفصوص))
وغيره، فإن هذا يكذِّبه الناقل عنه خلاف ذلك. انتهى كلام الشعراني.
توفي - رحمه الله ورضي عنه - في الثاني والعشرين من ربيع الآخر
بدمشق، في دار القاضي محبي الدِّين بن الزَّكي، وحمل إلى قاسيون فدفن
في تربته المعلومة الشريفة، التي هي قطعة من رياض الجنّة، والله تعالى
أعلم.
• وفيها أمين الدِّين أبو بكر وأبو عبد الله، أحمد بن محمد بن طلحة بن
الحسن بن طلحة بن حَسَّانِ البَصْري الأصل البغدادي المِصْرِي(٣) الفقيه
الحنبلي، المُحَدِّث المُعَذَّل.
(١) قلت: وقد تحرفت الآية في ((آ)) و((ط)) إلى ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ ... ﴾.
(٢) قلت: جاء في هامش (ط)) ما نصه: ((أقول: ليس في هذا البيت نص أنه بالكل حتَّى الله، بل
المراد من المخلوقات، ولا حاجة إلى الجواب بأنه مدسوس)). لكاتبه داوُد كما في هامش
الأصل.
(٣) انظر ((تاريخ الإسلام)) (٣٣٦/٦٤ -٣٣٧) و(«ذيل طبقات الحنابلة)) (٢٢٠/٢ - ٢٢١).
٣٤٨

ولد سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة تقريباً، وطلب الحديث، وسمع
الكثير من ابن كُليب، وذاكر ابن كامل، وأبي الفرج بن الجوزي، وابن
المَعْطُوش وخلق كثير من هذه الطبقة. وكتب بخطه كثيراً، وتفقّه في
المذهب، وتكلّم في الخلاف، وحصَّل طرَفاً صالحاً من الأدب، وسافر إلى
بلاد فارس، والرُّوم، ومصر، وشهد عند ابن اللَّمْغَاني(١). وله مجموعات
وتخاريج في الحديث، وجمع الأحاديث السباعيات والثمانيات التي له،
و ((معجماً)) لشيوخه. وحَدَّث ببغداد وغيرها. ذكر ذلك ابن النجار. وقال:
سمعت منه وهو فاضل، عالم، ثقة، صدوق، متدين، أمین، نزه، حسن
الطريقة، جميل السيرة، طاهر السَّريرة، سليم الجانب. مسارع إلى فعل
الخير، محبوب إلى الناس. انتهى.
توفي ليلة الأحد ثالث ربيع الأول ببغداد.
• وفيها تقي الدِّين أبو عبد الله يوسف بن عبد المنعم بن نعمة بن
سلطان بن سرور بن رافع بن حسن بن جعفر المقدسي النابلسي (٢)، الفقيه
الحنبلي المُحَدِّث.
ولد سنة ست وثمانين وخمسمائة تقديراً ببيت المقدس، وسمع بدمشق
من ابن طَبَرْزَد وغيره.
قال المنذري: ترافقنا(٣) في السماع كثيراً، وكان على طريقة حسنة.
توفي [في] عاشر ذي القعدة بمدينة نابلس.
(١) هو قاضي القضاة كمال الدين أبو الفضل عبد الرحمن بن عبد السلام بن إسماعيل اللَّمغاني
ثم البغدادي، المتوفى سنة (٦٤٩) هـ. انظر ((سير أعلام النبلاء)) (٢٥٠/٢٣).
((٢) انظر ((التكملة لوفيات النقلة)) (٥٦٤/٣) و((تاريخ الإسلام)) (٣٦٥/٦٤ -٣٦٦) و((ذيل
طبقات الحنابلة)) (٢٢١/٢).
(٣) تحرفت في ((آ)) و((ط)) إلى ((توافقنا)) والتصحيح من ((التكملة)) و((الذيل)).
٣٤٩

سنة تسع وثلاثين وستمائة
• فيها توفي الشَّمْس بن الخبَّاز النَّحوي أبو عبد الله أحمد بن الحسين
ابن أحمد بن مَعَالي الإِربِّي ثم الموصلي (١) الضرير، صاحب التصانيف
الأدبية .
توفي في رجب بالموصل وله خمسون سنة(٢). قاله في ((العبر)).
• وفيها المَارِسْتَاني أبو العَبَّاس أحمد بن يعقوب بن عبد الله
البغدادي(٣) الصُّوفي، قيِّم جامع المنصور. روى عن أبي المَعَالي بن اللّحّاس
وحَفَدَة العَطَّاري (٤)، وجماعة، وتوفي في ذي الحجّة.
• وفيها أبو العبَّاس أحمد بن محفوظ بن مُهنًا بن شكر بن الصَّافيوني(٥)
الرُّصافي البغدادي(٦) الحنبلي، الفقيه المُحَدِّث. سمع الكثير، وعُني
(١) انظر ((العبر)) (١٥٩/٥) و((تاريخ الإسلام)) (٣٦٧/٦٤) و((النجوم الزاهرة)) (٣٤٢/٦).
(٢) لفظة ((سنة)) سقطت من ((آ).
(٣) انظر ((العبر)) (١٥٩/٥) و((سير أعلام النبلاء)) (٧٧/٢٣ - ٨٠) و((تاريخ الإِسلام))
(٣٦٨/٦٤ -٣٦٩) و((الإعلام بوفيات الأعلام)) ص (٢٦٥).
(٤) تحرفت لفظة ((العطاري)) إلى ((العطاردي)) في ((آ) و((ط)) والتصحيح من ((السير)) و((تاريخ
الإِسلام)» وهو محمد بن أسعد العطاري الشهير بـ ((حَفَدَة))، انظر («تكملة الإكمال)) لابن نقطة
(٤٦/٢ - ٤٧) والمصادر المذكورة في هامشه.
(٥) كذا في ((آ)) و((ط)) ((الصافيوني)) وفي ((ذيل طبقات الحنابلة)) مصدر المؤلف ((الصابوني)).
(٦) انظر ((ذيل طبقات الحنابلة)) (٢٢٣/٢).
٣٥٠

بالسماع، وكتب الطباق بخطِّه، وهو حسن، وتفقّه على القاضي أبي صالح
نصر بن عبد الرزّاق، وكان خيِّراً، صالحاً، متعبِّداً. توفي يوم الأحد
تاسع عشر صفر، ودفن بمقبرة معروف الكرخي.
• وفيها تقي الدِّين إسحاق بن طَرْخَان بن ماضي، الفقيه الشافعي
الشاغوري(١)، آخر من حَدَّث، عن حمزة بن كَرَوَّس(٢). توفي في رمضان
بالشاغور.
• وفيها النَّفيس بن قَادُوس القاضي أبو الكرم أسعد بن عبد الغني
العَدَوي المِصْري (٣)، آخر من روى عن الشريف أبي الفتوح الخطيب، وأبي
العبّاس بن الحطيئة (٤). توفي في ذي الحجَّة وله ست وتسعون سنة.
· وفيها أبو الطاهر إسماعيل بن ظَفَر(٥) بن أحمد بن إبراهيم بن
مفرج بن منصور بن ثعلب بن عيينة بن ثابت بن بكّار بن عبد الله بن شرف
ابن مالك بن المُنْذر بن النُّعمان بن المُنذر المُنذري النابلسي (٦)، الدمشقي
المولد، المُحدِّث الحنبلي.
(١) انظر ((العبر)) (١٥٩/٥) و«تاريخ الإسلام)) (٣٧٠/٦٤ - ٣٧١) و((الإعلام بوفيات الأعلام))
ص (٢٦٥).
(٢) تصحفت في ((آ) و((ط)) إلى ((كروش)) والتصحيح من ((تاريخ الإسلام)) وانظر ((سير أعلام
النبلاء)) (٣٩٢/٢٠) وقد ضبطت فيه ((كَرُّوس)) بفتح الكاف وتشديد الراء. قال ابن نقطة في
((تكملة الإِكمال)) باب (كَروَّس وكَدَوَّش): أما ((كرَوَّسُ)): بفتح الكاف والراء، والواو
المشدَّدة، وآخره سين مهملة.
(٣) انظر ((العبر)) (١٥٩/٥ - ١٦٠) و«تاريخ الإسلام)) (٣٧١/٦٤ -٣٧٢).
(٤) في ((آ) و((ط)) ((ابن الحطية)) وما أثبته من ((تاريخ الإِسلام)).
(٥) تحرفت في ((آ)) و((ط)) إلى (مظفر)) والتصحيح من مصادر الترجمة.
.(٦) انظر ((سير أعلام النبلاء)) (٨١/٢٣) و((تاريخ الإسلام)) (٣٧٣/٦٤ - ٣٧٤)، و((ذيل طبقات
الحنابلة)) (٢٢٤/٢ - ٢٢٥) ونسبه الذهبي في ((تاريخ الإسلام)» إلى النعمان بن المنذر ملك
عرب الشام.
٣٥١

ولد سنة أربع وسبعين وخمسمائة بدمشق، وارتحل في طلب الحديث
إلى الأمصار، فسمع بمكّة من ابن الحُصْري، وبمصر من البُوصِيري،
والأرْتَاحي، والحافظ عبد الغني (١) وجماعة، وببغداد من المبارك بن كُلَيب،
وابن الجوزي، وغيرهما. وبأصبهان من أبي المَكَارمِ اللَّبَّان وغيره، وبخُرَاسَان
من عبد المنعم الفُرَاوي، والمؤيد الطّوسي، وجماعة. وبنيسابور من أبي سعد
الصفَّار وغيره، وبحرَّان من الحافظ عبد القادر الرهّاوي، وانقطع إليه مدة.
وکتب الکثیر بخطه، وحَدَّث بالکثیر.
قال المنذري: سمعت منه بحرَّان ودمشق، وكتب عنه ابن النجار
ببغداد، وقال: كان شيخاً صالحاً.
وقال عمر بن الحاجب: كان عبداً صالحاً، صاحب كرامات، ذا
مروءَةٍ، مع فقرٍ مدقعٍ، صحيح الأصول. روى عنه الحافظ الضياء،
والمنذري، والبِرزالي، والقاضي سليمان بن حمزة. وتوفي في رابع شوال
بسفح قاسیون ودفن به.
وفيها الإِسْعِرْدي (٢) أبو الرَّبيع سُليمان بن إبراهيم بن هبة الله بن رحمة
الحنبلي (٣) المحدث، خطيب بيت لَهْيا.
ولد بإسعرد سنة سبع وستين وخمسمائة، ورحل فسمع بدمشق من
الخُشُوعي، وابن طَبَرْزَد، وجماعة كثيرة. وبمصر من البُوصِيري وغيره،
(١) يعني المقدسي رحمه الله تعالى.
(٢) قال ابن ناصر الدِّين: وكانوا يؤذونه، فيكشطون الدال، فيبقى الأسعري - وقد تصحفت في
((توضيح المشتبه)) إلى الأشعري - فيغضب.
قلت: (القائل ابن ناصر الدِّين): ووجدت نسبة سليمان هذا بخطّه: السعردي، فكأنه
- والله أعلم - لما أوذي بكشط الدال كتب: السعردي لتزول العلّة مع كشط الدال.
(٣) انظر ((التكملة لوفيات النقلة)) (٥٧٦/٣ - ٥٧٧) و((العبر)) (١٦٠/٥) و((تاريخ الإِسلام))
(٣٧٧/٦٤ -٣٧٨) و((ذيل طبقات الحنابلة)) (٢٢٣/٢) و((توضيح المشتبه))
(٢٢٣/١ - ٢٢٤) وقد تأخرت هذه الترجمة في ((ط)) إلى عقب الترجمة التالية.
٣٥٢

وبالإسكندرية من ابن علّاس(١)، وانقطع إلى الحافظ عبد الغني المقدسي
مدة، وتخرَّج به، وسمع منه الكثير، وكتب بخطّه كثيراً. وكان كثير الإفادة،
حسن السيرة. سئل عنه الحافظ الضياء فقال: خيِّرَ دَيِّنٌ ثقةً. وأقام ببيت لَهْيا،
وتولى إمامتها وخطابتها .
قال المنذري: اجتمعت به ولم يتفق لي السماع منه، وأفادنا إجازةً عن
جماعة من شيوخ المصريين وغيرهم، شكر الله سعيه، وجزاه خيراً.
توفي في ثاني عشري ربيع الآخر ببيت لهيا.
ورحمة اسم أم أبي(٢) جدِّه وبها عرف جدُّه.
● وفيها أبو علي الحسن بن إبراهيم بن هبة الله بن دينار المصري
الصَّائغ(٣). روى عن السِّلَفي، ومات في جمادى الآخرة عن تسع وثمانين
سنة .
• وفيها أبو المعالي عماد الدِّين عبد الرحمن بن مُقْبل(٤). العلّامة
قاضي القضاة الواسطي الشافعي(٥).
ولد سنة سبعين وخمسمائة، وتفقه، فدرَّس وأفتى، وناب في القضاء
عن أبي صالح الجِيلي، ثم ولي بعده القضاء، ودرَّس بالمستنصرية، ثم عُزل
عن الكُلِّ سنة ثلاث وثلاثين وستمائة، فتزهَّد، وتعبد، ثم ولي مشيخة رِبَاطٍ
في سنة خمس وثلاثين، وحَدَّث عن ابن كُلَيب، وتوفي في ذي القعدة.
(١) هو عبد الرحمن بن مكي بن حمزة بن موقّى الأنصاري السعدي الثغري، ويعرف بابن
علّاس، المتوفى سنة (٥٩٩) هـ. انظر ((سير أعلام النبلاء)) (٣٩٢/٢١ - ٣٩٣) و((الإعلام
بوفيات الأعلام)) ص (٢٤٧).
(٢) لفظة ((أبي)) سقطت من ((آ).
(٣) انظر ((النجوم الزاهرة)) (٣٤٤/٦) وقد تقدمت ترجمته في ((ط)) إلى ما قبل ترجمة الإِسعردي
التي قبلها.
((٤) نحرفت ((ابن مقبل)) في ((١)) و((ط)) إلى (ابن نفيل)) والتصحيح من مصادر الترجمة.
(٥) انظر ((العبر)) (١٦١/٥) و((تاريخ الإِسلام)) (٣٧٩/٦٤ - ٣٨٠) و((طبقات الشافعية الكبرى))
(١٨٧/٨) و((طبقات الشافعية)) للإسنوي (٥٥٣/٢ - ٥٥٤).
٣٥٣

• وفيها عبد السَّيِّد بن أحمد الضَّبِّي(١)، خطيب بَعْقُوبا. روى عن يحيى
ابن ثابت، وأحمد المُرَقَّعَاتي، وتوفي في صفر، وله تسع وسبعون سنة .
• وفيها أبو محمد سيف الدِّين عبد الغني بن فخر الدِّين أبي عبد الله
محمد بن تَّيْمِيَّة الحَرَّاني (٢) الحنبلي، خطيب حَرَّان وابن خطيبها الفخر.
ولد في ثاني صفر سنة إحدى وثمانين وخمسمائة بحَرَّان، وسمع بها
من والده، وعبد القادر الرُّهَاوي وغيرهما. ورحل إلى بغداد، فسمع من ابن
سُكَينة، وابن طَبَرْزَد، وغيرهما. وأخذ الفقه عن غُلام ابن المَنِّي (٣) وغيره،
ورجع إلى حَرَّان، وقام مقام أبيه بعد وفاته؛ فكان يخطب، ويعظ، ويدرِّس،
ويلقي التفسير في الجامع على الكرسي.
قال ابن حمدان: كان خطيباً، فصيحاً، رئيساً، ثابتاً، رزينَ العَقْلِ ، وله
تصنيف ((الزوائد على تفسير الوالد)) و((إهداء القرب إلى ساكني الترب)).
قال: ولم أسمع منه، ولا قرأت عليه شيئاً. وسمعت بقراءته على والده كثيراً.
توفي في سابع المُحرَّم بحَرَّان.
• وفيها البَدْر علي بن عبد الصَّمد بن عبد الجليل الرَّازي (٤)، المؤدِّب
بمكتب جاروخ بدمشق. روى عن السِّلَفي ((ثمانين))(٥) الآجري، وتوفي في
ربيع الآخر.
(١) انظر ((العبر)) (١٦١/٥) و(تاريخ الإسلام)) (٣٨٠/٦٤).
(٢) انظر ((العبر)) (١٦١/٥) و((تاريخ الإسلام)) (٣٨١/٦٤) و((ذيل طبقات الحنابلة)) (٢٢٢/٢).
(٣) هو إسماعيل بن على بن حسين البغدادي الأزجي المأموني، يعرف بالرَّفَّاء المناظر، ويعرف
أيضاً بغلام ابن المنّي. مات سنة (٦١٠ هـ) وقد تقدمت ترجمته في ص (٧٦) من هذا
المجلد.
(٤) تحرفت نسبته في ((آ) و((ط)) إلى (المرازقي)) والتصحيح من ((العبر)) (١٦١/٥) و((تاريخ
الإسلام)» (٣٨٤/٦٤) و((سير أعلام النبلاء)» (٧٩/٢٣).
(٥) في ((ط)): ((ثماني)) والصواب ما جاء في ((آ)) وانظر ((الرسالة المستطرفة)) ص (١٠٤).
٣٥٤

· وفيها أبو فُضَيْلِ قَايْمَازِ المُعَظّمي مجاهد الدِّين(١) والي البحيرة.
روى عن السِّلَفي، ومات في سلخ شوال.
● وفيها شرف الدِّين بن الصَّفْرَاوي(٢) قاضي قضاة مصر أبو المكارم
محمد بن القاضي [الرّشيد علي بن القاضي] أبي المجد حسن الإِسكندراني
ثم المِصْري الشافعي .
ولد بالإِسكندرية سنة إحدى وخمسين وخمسمائة، وقدم القاهرة فناب
في القضاء سنة أربع وثمانين عن نصر الدِّين بن دِرْبَاس، ثم ناب عن غير
واحدٍ، وولي قضاء الدِّيار المِصْرِية في سنة سبع عشرة وستمائة، وتوفي في
تاسع عشر ذي القعدة.
· وفيها ابن نُعَيم القاضي أبو بكر محمد بن يحيى بن مظفّر البغدادي
الشافعي، المعروف بابن الحُبَيْر(٣).
ولد سنة تسع وخمسين، وسمع من شُهْدَة وجماعة، وكان من أئمة
الشافعية، صاحب ليلٍ وتهجّدٍ، وحجِّ، طويل الباع في النظر والجدل، ولي
تدريس النظامية مدة.
قال الإِسنويُّ: كان إماماً، عارفاً بالمذهب ودقائقه وتحقيقاته، وله الید
الطّولى في الجدل والمناظرة، ديِّناً، خَيِّراً، كثير التِّلاوة [والتَّهَجُّد، والحجُّ].
عَليه وقارٌ وسكينة، وتفقه على المُجِير(٤) البغدادي بعد أن كان حنبلياً، وناب
(١) انظر ((التكملة لوفيات النقلة)) (٥٨٨/٣) و((العبر)) (١٦٢/٥) و((تاريخ الإسلام))
(٣٨٦/٦٤ - ٣٨٧).
(٢) انظر ((العبر)) (١٦٢/٥) وما بين الحاصرتين مستدرك منه.
(٣) انظر ((تكملة الإكمال)) لابن نقطة (١٢/٢) و((التكملة لوفيات النقلة)) (٥٨٦/٣ - ٥٨٧)
و ((العبر)» (١٦٢/٥) و((تاريخ الإسلام)» (٣٩١/٦٤ -٣٩٢) و((طبقات الشافعية)) للإسنوي
(٤٤٩/١ - ٤٥٠) وما بين الحاصرتين في الترجمة زيادة منه.
(٤) تحرفت في ((آ)) و((ط)) إلى ((المحبر)) والتصحيح من ((طبقات الشافعية)) للإسنوي
(٢٧١/١ و٤٥٠).
٣٥٥

في القضاء عن ابن فَضْلَان، وحَدَّث، وتوفي في سابع شوال.
• وفيها الكمال بن يُونُس، العلامة أبو الفتح موسى بن يونس بن
محمد بن مَنَعَة بن مالك المَوْصِلي(١) الشَّافعي، أحد الأعلام.
ولد سنة إحدى وخمسين بالموصل، وتفقه على والده، وببغداد على
معيد النِّظامية السَّديد السِّلماسي، وبرع عليه في الأصول والخلاف، وقرأ
النحو على ابن سَعْدُون القُرطبي، والكمال الأنباري.
وأكب على الاشتغال بالعقليات، حتَّى بلغ فيها الغاية، وكان يتوقَّد
ذكاءً، ويموج بالمعارف، حتّى قيل: إنه كان يتقن أربعة عشر فنّاً، واشتهر
ذكره، وطار صيته وخبره، ورحلت الطلبة إليه من الأقطار، وتفرَّد بإتقان علم
الرِّیاضي، ولم یکن له في وقته نظیر.
قال ابن خَلِّكان: كان يتهم في دينه لكون العلوم العقلية غالبة عليه،
كما قال العماد المغربي فيه :
وعَاطَيْتُه صَهْبَاءَ مِنْ فيهِ مَزْجُهَا
كَرِقَّة شِعْري أو کدینِ ابنِ یُونس
وقال ابن خَلِّكان أيضاً: ولقد رأيته بالموصل في شهر رمضان، سنة
ست وعشرين وستمائة، وترددت إليه دفعات عديدة، لما كان بينه وبين الوالد
- رحمه الله - من المؤانسة والمودَّة الأكيدة، ولم يتفق لي الأخذ عنه لعدم
الإِقامة وسرعة الحركة إلى الشام، وكان الفقهاء يقولون: إنه يدري أربعة
وعشرين علماً(٢) درايةً متقنةً، فمن ذلك المذهب، وكان فيه أوحد أهل
زمانه، وكان جماعة من الحنفية يشتغلون عليه بمذهبهم، ويحلُّ لهم
(١) انظر ((وفيات الأعيان)) (٣١١/٥ -٣١٨) و((العبر)) (١٦٢/٥ -١٦٣) و((سير أعلام النبلاء))
(٨٥/٢٣ -٨٧) و((تاريخ الإسلام)) (٣٩٤/٦٤ -٣٩٧) و((الإعلام بوفيات الأعلام))
ص (٢٦٥).
(٢) في ((وفيات الأعيان)): ((فَنَّا)).
٣٥٦

مسائل(١) ((الجامع الكبير)) أحسن حلَّ، مع ما هي عليه من الإِشكال
المشهور. وكان يتقن فنّي (٢) الخلاف العِراقي والبخاري، وأصول الفقه
والدِّين، ولما وصلت كتب فخر الدِّين الرَّازي إلى الموصل - وكان بها إذ ذاك
جماعة من الفضلاء - لم يفهم أحدٌ اصطلاحه فيها سواه، وكذلك ((الإِرشاد))
للعميدي، لمّا وقف عليها [حَلَّهَا] في ليلةٍ واحدة وأقرأها(٣) على ما قالوه.
وبالجملة فقد كان كمال الدِّين كما قال الشاعر:
وكَانِ مِنَ العُلومِ بحيثُ يُقضىْ لَهُ فِي كُلِّ علمٍ (٤) بالجميع
واستخرج في علم الأوقات(٥) طرقاً لم يهتد إليها أحد. وكان يحفظ من
التواريخ وأيام العرب ووقائعهم والأشعار والمحاضرات شيئاً كثيراً. وكان أهل
الذِّمة يقرؤون عليه التوراة والإنجيل، ويشرح لهما هذين الكتابين شرحاً
یعترفون أنهم لا یجدون من یوضحهما لهم مثله.
وبالجملة فإنّ مجموع ما كان يعرفُ من العلوم لم يكن يسمع عن أحد
ممن كان تقدمه أنه جمع مثله.
وتوفي - رحمه الله تعالى - بالموصل رابع عشر شعبان. انتهى كلام ابن
خَلَّكان ملخصاً(*).
(١) لفظة ((مسائل)) سقطت من ((آ).
(٢) في (ط)): ((فنَّ) وهو خطأ.
(٣) في ((ا)): ((وقرأها)) وما جاء في ((ط)) موافق لما في (وفيات الأعيان)).
(٤) في ((وفيات الأعيان): ((فنَّ)).
(٥) في ((ط)) و((وفيات الأعيان)): ((في علم الأوفاق)).
(٥) قلت: وفيها على الصواب مات قاضي القضاة أبو المكارم محمد بن عبد الله بن الحسن
الإسكندري المصري المعروف بابن عين الدولة، وقد وهم المؤلف - رحمه الله تعالى - فأورد
ترجمته في سنة (ست وثلاثين وستمائة) وقد نبّهت على وهمه عند التعليق على ترجمته
ص (٣١٧) فراجعها.
٣٥٧

سنة أربعين وستمائة
· فيها جَهّز الملك الصالح أيوب عسكره وعليهم كمال الدِّين ابن
الشيخ لأخذ دمشق من عمِّه الصَّالح إسماعيل، فمات مُقَدَّم العسكر
كمال الدِّين بغزَّة، ويقال: إنه سُمَّ.
• وفيها توفي الزَّينُ أحمد (١) بن عبد الملك بن عثمان المقدسي
الحنبلي الشَّروطي الناسخ(٢). روى عن يحيى الثقفي، والبُوصِيري، وابن
المَعْطُوش(٣) وطبقتهم. وطلب وكتب الأجزاء.
توفي في رمضان عن ثلاث وستين سنة.
· وفيها أبو إسحاق إبراهيم بن الشيخ أبي طاهر بركات بن إبراهيم بن
طاهر الدِّمشقي الخُشُوعي (٤). آخر من سمع من عبد الواحد بن هِلال، وما
يدرى ما سمع من ابن عَسَاكر. توفي في رجب وله اثنتان وثمانون سنة.
· وفيها آسيةُ [بنت عبد الواحد] المقدسية(٥)، والدة السيف بن المجد.
قال أخوها الضياء: ما في زماننا مثلها، لا تكاد تدع قيام الليل.
(١) لفظة ((أحمد)) سقطت من ((العبر)) بطبعتيه فتستدرك.
(٢) انظر ((العبر)) (١٦٤/٥) و((تاريخ الإِسلام)) (٤٠٢/٦٤).
(٣) تصحفت في ((آ)) و((ط)) إلى (المعطوس)) والتصحيح من مصادر الترجمة.
(٤) انظر ((العبر)) (١٦٤/٥) و((سير أعلام النبلاء)) (١٠٢/٢٣ -١٠٣) و((تاريخ الإِسلام))
(٤٠٥/٦٤ - ٤٠٦).
(٥) انظر ((العبر)) (١٦٤/٥) و((تاريخ الإسلام)) (٤٠٦/٦٤ - ٤٠٧) وما بين الحاصرتين زيادة منه.
٣٥٨

● وفيها الجهة(١) الأتابكية، امرأة الأشرف موسى، صاحبة المدرسة
والتُّربة بجبل قاسيون تُركَان بنت الملك عز الدِّين مسعود بن قطب الدِّين
مؤْدُود بن أتابك زنكي .
● وفيها جمال النِّساء بنت أحمد بن أبي سعد الغرَّاف البغدادية(٢)
سمعت من ابن البَطِّي، وأحمد بن محمد الكَاغَدي، وبقية عشرة شيوخ،
وتوفيت في جمادى الأولى.
● وفيها أبو محمد الحسن بن الأكرم، عرف بابن الزَّاهد، العَلَوي
الأديب.
ومن شعره:
فنبذتُ الكَرِىْ مَكَاناً قَصِيًّا
صدّ عنِّي وجاء شيئاً فَرِيًّا
باتَ طرفي مُوكَّلاً بالثُّرِيًّا
ورَعَيْتُ النُّجُومَ في الليل حتّى
ذُق أليم الغَرامِ مَا دُمتَ حَيًّا
وبَراني الأسى فقلت لقلبي
قَدْ كَوَتْ قلبهُ الصَّبَابَةُ كَيًّا
كيف تهوى من لا يَرِقُّ لصبِ
يشتكي مِن جَفَاكَ داءً دَويًّا
يَا طَبِيبَ القُلوبِ عالج مَريضاً
من بني التَّركِ ظالماً تُركِيًّا
تَركَ الحزمَ من أحب كحبي
ضَيِّقُ العَينِ لا يَكُونُ سَخِيًّا
يا بَخِيلًا بوصلهِ ولَعَمْري
• وفيها سعيدة بنت عبد الملك بن يوسف بن محمد بن قُدَامة(٣).
روت بالإِجازة عن العثماني (٤).
(١) في ((آ) و((ط)): ((الحجة)) وما أثبته من ((العبر)) (١٦٤/٥) و((تاريخ الإسلام)) (٤٠٨/٦٤).
(٢) انظر ((العبر)) (١٦٥/٥) و((تاريخ الإسلام)) (٤٠٨/٦٤ - ٤٠٩) و((مرآة الجنان)) (١٠٤/٤)
و «غربال الزمان)) ص (٥٢٠) وقد تصحفت ((الغرَّاف)) إلى ((العرَّاف)) في ((آ)) و((ط)) والتصحيح
من مصادر الترجمة .
(٣) انظر ((العبر)) (١٦٥/٥) و((تاريخ الإِسلام)) (٤١٠/٦٤).
(٤) هو أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن يحيى الأموي الدِّباجي العثماني، المتوفى سنة =
٣٥٩

• وفيها عائشة بنت المستنجد بالله(١) بن المقتفي؛ وأخت
المستضيء، وعَمَّة النَّاصر. عُمِّرت دهراً، وماتت في ذي الحجّةِ.
• وفيها عبد الحميد بن محمد بن سعد الصَّالحي الطَّيَّان(٢). روى عن
.
يحيى الثّقفي، وتوفي في رجب.
• وفيها ابن أبيه(٣) عبد العزيز بن محمد بن الحسن بن الدَّجّاجية.
روى عن الحافظ ابن عساكر، ومات في المحرَّم.
وفيها أبو محمد عبد العزيز بن مَكِّي بن كَرْسَا البغدادي (٤). روى عن
ابن البَطِي وجماعة، وتوفي في ربيع الآخر.
• وفيها صاحب المغرب أبو محمد بن المأمون، واسمه عبد الواحد
ابن إدريس المؤمني(٥)، صاحب مراكش. ولي الأمر سنة ثلاثين وستمائة،
وأعاد ذكر ابن تُومَّرْت في الخطبة ليستميل قلوب الموحدين. توفي غريقاً في
صِهْريجِ بستانه(٦)، وولي بعده أخوه المعتضد علي.
· وفيها العلم بن الصَّابُوني أبو الحسن علي بن محمود بن أحمد
المحمودي الجَوِّيْثِي (٧) الصُّوفي، والد الجمال بن الصَّابُوني، المُحَدِّث. أجاز
= (٥٧٢) وقد تقدمت ترجمته في المجلد السادس ص (٣٩٩ - ٤٠٠).
(١) انظر ((العبر)) (١٦٥/٥) و((تاريخ الإِسلام)) (٤١٢/٦٤ -٤١٣).
(٢) انظر ((العبر)) (١٦٥/٥) و((تاريخ الإسلام)) (٤١٣/٦٤ - ٤١٤).
(٣) انظر ((العبر)) (١٦٥/٥) و((تاريخ الإِسلام)) (٤١٦/٦٤) وقال الذهبي فيه: المعروف بابن
الدَّجاجية، وبابن أبيه.
(٤) انظر ((التكملة لوفيات النقلة)) (٦٠١/٣) و((تاريخ الإسلام)) (٤١٦/٦٤) و((العبر)»
(١٦٥/٥).
(٥) انظر (العبر)) (١٦٥/٥ -١٦٦) و((تاريخ الإِسلام)) (٤١٩/٦٤).
(٦) في ((تاريخ الإِسلام)): ((في صهريج بستان له بمراكش)).
(٧) تحرفت نسبته في (آ)) و((ط)) إلى ((الحزني)) والتصحيح من ((العبر)) (١٦٦/٥) و((تاريخ
الإِسلام)» (٤٢٠/٦٤) وانظر («الإِعلام بوفيات الأعلام)) ص (٢٦٦).
1
٣٦٠
1