النص المفهرس

صفحات 261-280

فاضلاً أديباً، وشاعراً مجيداً. يحب العلماء. مقصوداً للشعراء وغيرهم، وهو
الثاني عشر من أولاد صلاح الدِّين.
• وفيها شمس الدِّين صَوَابِ العَادلي الخادم(١)، مُقَدَّم جيش الكامل،
وأحد من يُضرب به المثل في الشجاعة. وكان له من جملة المماليك مائة
خادم فيهم جماعة أمراء. توفي بحَرَّان في رمضان، وكان نائباً عليها للكامل.
● وفيها الشِّهاب عبد السَّلام بن المُطَهَّر بن أبي سعد بن أبي عَصْرُون
التَّميميّ الدِّمشقيّ الشَّافعي(٢). روى عن جَدِّه، وكان صدراً محتشماً، مضى
في الرسالة إلى الخليفة، وتوفي في المحرَّم.
• وفيها ابن بَاسُوْيَةِ(٣) تقي الدِّين علي بن المُبَارك بن الحسن
الوَاسِطي، الفقيه الشافعي، المقرىء المجود. روى عن ابن شاتِيل وطبقته،
وقرأ القراءات على أبي بكر البَاقِلّاني، وعلي بن مُظَفَّر الخطيب. وسكن
دمشق، وقرأ بها. وتوفي في شعبان عن ست وسبعين سنة.
• وفيها سيدي ابن الفَارِض ناظم ((الديوان)) المشهور شرف الدِّين
أبو القاسم عمر بن علي بن مرشد الحَمَوي الأصل المِصري (٤).
قال في ((العبر)): هو حُجَّة أهل الوحدة(٥)، وحامل لواء الشعراء(٦).
(١) انظر ((تاريخ الإسلام)) (٨٦/٦٤) و((مرآة الجنان)) (٧٥/٤) و((النجوم الزاهرة)) (٢٨٧/٦).
(٢) انظر ((العبر)) (١٢٨/٥) و(«تاريخ الإسلام)) (٨٧/٦٤ -٨٨) و((النجوم الزاهرة)) (٢٨٧/٦).
(٣) تصحفت في ((آ)) و((ط)) إلى (باشوية)) وتحرفت في ((العبر)) بطبعتيه وفي ((النجوم الزاهرة))
(٢٩٢/٦) إلى ((ماسوية)) والتصحيح من ((التكملة لوفيات النقلة)) (٣٩٤/٣ - ٣٩٥) وقد قيدها
المنذري فيه: «بالباء الموحدة، وبعد الألف سين مهملة مضمومة، وبعد الواو الساكنة ياء آخر.
الحروف مفتوحة وبعدها تاء التأنيث)) وانظر ((تاريخ الإسلام)) (٩١/٦٤ - ٩٢) و(«معرفة القراء
الكبار)) (٦٢٢/٢).
(٤) انظر ((وفيات الأعيان)) (٤٥٤/٣ - ٤٥٦) و((العبر» (١٢٩/٥) و((سير أعلام النبلاء))
(١٢٩/٢٢) و((تاريخ الإسلام)) (٩٣/٦٤ -٩٦) و((الإعلام بوفيات الأعلام)) ص (٢٦١).
(٥) أقول: يعني أهل وحدة الوجود، نسأل الله العافية من هذه العقيدة. (ع).
(٦) في ((العبر)) بطبعتيه: ((وحامل لواء الشعر)).
٢٦١

وقال الشيخ عبد الرُّؤوف(١) المُنَاوي في ((طبقاته)): الملقب في جميع
الآفاق بسلطان المُحبِّين والعُشَّاق، المَنْعُوتِ بين أهل الخِلاف والوفاق بأنه
سَيِّدُ شعراءِ عصره على الإطلاق. له النظم الذي يستخف أهل الحلوم والنثر،
الذي تغار منه النِّثْرَةُ(٢) بل سائر النجوم.
قدم أبوه من حَمَاة إلى مِصْر، فقطنها وصار يُثبت الفُرُوض للنساء على
الرجال بين يدي الحُكام، ثم ولي نيابة الحُكم، فغلب عليه التَّلقيب
بالفارض، ثم ولد له بمصر عمر في ذي القعدة سنة ست وستين وخمسمائة،
فنشأ تحت كنف أبيه في عَفَافٍ وصِيَانَة، وعِبَادة وديانة، بل زهد وقناعة،
وورعٍ أسدل عليه لباسه وقناعه. فلما شَبَّ وترعرع اشتغل بفقه الشافعية،
وأخذ الحديث عن ابن عساكر، وعنه الحافظ المُنْذِري وغيره. ثم حُبِّبَ إليه
الخَلاءُ وسلوك طريق الصُّوفية، فتزهَّد وتَجَرَّد، وصار يستأذن أباه في السياحة
فيسيح في الجبل الثاني من المُقَطَّم، ويأوي إلى بعض أوديته مَرَّة، وفي بعض
المساجد المهجورة في خربات القَرَافة مَرَّة، ثم يعود إلى والده، فيقيم عنده
مدة، ثم يشتاق إلى التجرُّد ويعود إلى الجبل، وهكذا حتَّى أَلِفَ الوَحْشَةَ وأَلِفَهُ
الوحش، فصار لا ينفر منه، ومع ذلك لم يُفتح عليه بشيءٍ حتَّى أخبره البقَّال
أنه إنما يُفْتَحُ عليه بمكّة. فخرج فوراً في غير أشهر الحجِّ ذَاهِباً إلى مكّة، فلم
تزل الكعبة أمامه؛ حتى دخلها، وانقطع بوادٍ بينه وبين مكّة عشر ليالٍ، فصار
يذهب من ذلك الوادي وصُحْبَتُهُ أَسَدٌ عظيمٌ إلى مكّة فيصلي بها الصلوات
الخمس، ويعود إلى مَحلَّه من يومه، وأنشأ غالب نظمه حالتئذٍ، وكان الأسد
يُكَلِّمه ويسأله أن يركب عليه فيأبى، وأقام كذلك نحو خمسة عشر عاماً، ثم
رجع إلى مصر فأقام بقاعة الخطابة بالجامع الأزهر، وعكف عليه الأئمة،
. (١) هو محمد عبد الرؤوف المناوي، المتوفى سنة (١٠٣١) هـ. (ع).
(٢) النِّثْرَةُ: كوكب في السماء كأنه لَطْخُ سحابٍ كوكبين، تسميه العرب نَثْرَة الأسد وهي من منازل
القمر، وهي في علم النجوم من برج السّرَطان. انظر ((لسان العرب)) (نثر).
٢٦٢

وقُصد بالزيارة من الخاصِّ والعام، حتى إن الملك الكامل كان ينزل لزيارته.
وسأله أن يعمل له قبراً عند قبره بالقُبَّة التي بناها على ضريح الإِمام الشافعي
فأبى، وكان جميلاً، نبيلاً، حسن الهيئة والملبس، حسن الصحبة والعِشْرَة،
رقيق الطبع، عذب المنهل والنبع، فصيح العِبَارَة، دقيق الإِشارة، سَلِسَ
القِيَاد، بديع الإصدار والإِيراد، سخياً، جَوَاداً، توجه يوماً إلى جامع عمرو،
فلقيه بعض المكّارية، فقال: اركب معي على الفتوح، فمرَّ به بعض الأمراء،
فأعطاه مائة دينار، فدفعها للمكّاري. وكان أيام النيل يتردد إلى المسجد
المعروف بالمشتهى في الرَّوضة، ويحبُّ مشاهدة البحر مساءً، فتوجَّه إليه
يوماً، فسمع قَصَّاراً يقصر ويقول:
قَطَّعَ قَلْبِي هَذَا المَقْطَعْ لَ هُوَ يَصْفُو أَوْ يَتَقَطَّعْ
فصرخ وسقط مغمی علیه، فصار یفیق ويردد ذلك ویضطرب، ثم يُغمی
عليه، وهكذا. وكان يواصل أربعينيات فاشتهى هَريسةٌ فأحضرها، ورفع لقمةً
إلى فيه، فانشقَّ الجدار، وخرج شاب جميل(١) فقال: أُفٍ عليك، فقال: إن
أكلتها، ثم طرحها وادَّب نفسه بزيادة عشر ليالٍ.
ورأى المصطفى : ﴿ في نومه فقال: ((إلى مَنْ تَنْتَسِب))؟ فقال:
يا رسول الله! إلى بني سعدٍ قبيلةِ حليمة، فقال: ((بَلْ نَسَبُكَ مُتَّصِلَ بي)) يعني
نسبةً محبةٍ وتبعيةٍ.
ومن خَوَارِقِه العجيبة أنَّه رأى جملاً لسقاء، فَكَلِفَ به وهام، وصار يأتيه
كل يوم ليراه، وناهيك بـ ((ديوانه)) الذي اعترف به (٢) الموافق والمخالف،
والمُعَادِي والمُحَالِف. سيما القصيدة التائية (٣). وقد اعتنى بشرحها جمع من
(١) أقول: هذا من المبالغات التي لا دليل عليها. (ع).
(٢) لفظة (به)) سقطت من ((آ).
(٣) مي في (ديوانه)) ص (٤٦ - ١١٦) طبع دار صادر ببيروت، ومطلعها:
وكأسِي مُحَيّا مَنْ عَنِ الحُسْنِ جَلَّتِ
سَقَبْنِي حُمَّيًّا الحُبِّ رَاحَةٌ مُقْلَتي
٢٦٣

الأعيان، كالسِّرَاج الهندي الحنفي، والشمس البِسْطَامي (١) المالكي، والجلال
القَزْويني الشَّافعي، غير متعاقبين ولا مبالين بقول المنكرين الحُسَّاد. شعره
يُنْعَتُ بالاتحاد، وكذا شرحها الفَرْغَاني، والقَاشَاني، والقَيْصَري، وغيرهم.
وعلى الخَمْرِيَّة وغيرها شروح عدة.
وقال بعض أهل الرسوخ: إن (الديوان)) كله مشروح.
وذكر بعض الأكابر أن بعض أهل الظَّاهر في عصر الحافظ ابن حجر
كتب على التائية شرحاً وأرسله إلى بعض عظماء صوفية الوقت ليقرضه(٢)
فأقام عنده مدة ثم کتب علیه عند إرساله إليه:
سَارَتْ مُشَرِّقَةٌ وسِرْتُ مُغَرِّباً شَتَّانَ بَيْنَ مُشَرِّقٍ وَمُغَرِّبٍ
فقيل له في ذلك، فقال: مولانا الشَّارح اعتنى بإرجاع الضمائر
والمتبدىء والخبر والجناس والاستعارة؛ وما هنالك من اللغة والبديع، ومراد
الناظم وراء ذلك كُلُّه. وقد أثنى على ((ديوانه)) حتّى من كان سيءَ الاعتقاد،
ومنهم ابن أبي حَجَلَة الذي عزَّرَه السِّراج الهندي بسبب الوقيعة فيه، فقال:
هو من أَرَقُّ الدواوين شعراً وأَنْفَسِهَا دُرَّاً؛ برَّاً وبحراً. وأسرعها للقلوب جَرْحَاً
وأكثرها على الُلُول(٣) نوحاً؛ إذ هو صادرٌ عن نفئةٍ مصدورٍ، وعاشقٍ مهجورٍ،
وقَلْبٍ بحرِّ النَّوى مكسور، والناس يلهجون بقوافيه وما أودع من القوى فيه،
وكثرَ حتَّى قَلَّ من لا رأى ((ديوانه)) أو طَنَّتْ بأُذنه قصائده الطَنَّانة.
قال الكمال الأدْفُوي: وأحسنه القصيدة الفائية (٤) التي أولها:
(١) في ((ط)): ((البساطي)) وهو خطأ.
(٢) ويقال أيضاً: (ليقرظه)) وكلاهما بمعنى.
(٣) في ((آ): ((الطول)).
(٤) وهي في ((ديوانه)) ص (١٥١ - ١٥٥) طبع دار صادر ببيروت.
٢٦٤

(أ)
قَلْبِي يُحَدِّثْنِي بِأَنَّكَ مُتْلِفِي
واللَّميَّة (٢) التي أولها:
هُوَ الحُبُّ فَاسْلَمْ بِالحَشَا مَا الهَوَىْ سَهْلُ
والكافية (٤) التي أولها:
(٥)
تِه دَلالاً فَأَنْتَ أَهْلٌ لِذَاكًا
قال: وأما التائية فهي عند أهل العلم - يعني الظّاهر - غير مرضية؛
مشعرة بأمور رديئة.
وكان عشاقاً بعشق مطلق الجمالِ ، حتّى أنه عشق بعض الجِمَال. بل
زَعَمَ بعض الكبار أنه عشق بَرْنِيَّةً(٦) بدكانِ عَطَّارٍ.
وذكر القُوصي (٧) في ((الوحيد)) أنه كان للشيخ جَوَارٍ بالبَهْنَسَا يذهب
(١) وعجزه:
رُوحِي فِدَاكَ عَرَفْتَ أَمْ لَمْ تَعْرِفٍ
(٢) وهي في ((ديوانه)) ص (١٣٤ - ١٣٩).
(٣) وعجزه:
فَمَا اخْتَارَهُ مُضْنىٌ بهِ، وله عَقْلُ
(٤) وهي في ((ديوانه)) ص (١٥٦ - ١٦١).
(٥). وعجزه:
وَتَحَكّم، فَالحُسنُ قَدْ أَعْطَاكًا
٠٠
(٦) جاء في ((لسان العرب)) (برن): البَرْنِيّةُ: شبه فَخَّارَةٍ ضخمة خضراء ... وقيل: إناءٌ من
الخزف.
(٧) هو عبد الغفَّار بن أحمد بن عبد المجيد الأقصري ثم القُوصي، المعروف بابن نُوح، من
مشاهير متصوفة مصر. مات سنة (٧٠٨ هـ). وكتابه الذي أشار إليه المؤلف - رحمه الله
تعالى - هو ((الوحيد في سلوك أهل التوحيد)» وهو مخطوط لم يطبع بعد. انظر ((حسن
المحاضرة)) (٤٢٤/١) و((كشف الظنون)) (٢٠٠٥/٢) و((الأعلام)) للزركلي (٣١/٤).
٢٦٥

إليهن فيغنِّينَ له بالدُّف والشبابة؛ وهو يرقص وَيَتْوَاجَد، ولكل قومٍ مشربٌ،
ولكُلِّ مطلبُ. وليس سماع الفُسَّاق كَسَمَاعٍ سُلْطَانِ العُشَّاق(١). ولم يزل على
حاله راقياً في سماء كماله، حتى احتضر، فسأل الله أن يحضره في ذلك
الهول العظيم جماعة من الأولياء، فحضره جماعة، منهم: البرهان الجَعْبَري،
فقال - فيما حكاه سبط صاحب الترجمة -: رأى الجَنَّة مثلت له، فبكى وتغيّر
لونه، ثم قال:
إِن كَانَ مَنْزِلَتِي فِي الحُبِّ عِنْدَكُمُ مَا قَدْ رَأَيْتُ فَقَدْ ضَيَّعْتُ أَيَّامِي(٢)
قال: فقلت له: يا سيدي! هذا مقامٌ كريمٌ. فقال: يا إبراهيم رَابِعَة(٣)
وهي امرأة تقول: وعِزَّتِكَ ما عَبَدْتُكَ رغبةً فِي جَنَّتَكَ، بل لمحبتك، وليس
هذا ما قطعتُ عمري في السلوك إليه، فَسمعت قائلاً يقول له: فما تَرُومُ
فقال :
أَرُوْمُ وَقَدْ طَالَ المَدَىْ مِنْكِ نَظْرَةٌ
(٤)
البيت(٥).
فتهلل وجهه وقضى نحبه، فقلت: إنه أُعطي مرامه. انتهى.
وقد شَنَّع عليه بذلك المنكرون.
(١) قلت: بل كل ذلك سواء، فقد صحَّ عنه ـ ﴾ - قوله: ((مَا أَسْكَرَ قَلِيْلُهُ فَكَثِيرُهُ حَرَامٌ» وليسِ
هذا الرقص والتواجد من صنيع المسلمين المتمسكين بتعاليم كتاب الله عزّ وجل وسُنّة
رسوله ، ولم يفعله رسول الله #، ولا صحابته الكرام، ولا التابعون، ولا الأئمة الأربعة
ولا المتقدمون من أتباعهم، وإنما ابتدعه نفرٌ من متأخري الصوفية عن جهل وقلة فهم لأحكام
وتعاليم الشرع الحنيف، نسأل الله العفو والعافية والتثبيت على النهج المستقيم بفضله وكرمه
ورحمته .
(٢) البيت في ((ديوانه)) ص (٢٠٧).
(٣) يعني رابعة العدوية.
(٤) وعجزه:
وَكَمْ مِنْ حِمَاءٍ ثُوْنَ مَرْمَايَ مُلْتٍ
(٥) وهو في ((ديوانه)) ص (٣٩).
٢٦٦

فقال بعضهم: لما كشف له الغطاء، وتحقّق أنه هو غير الله، وأنه
لا حلول ولا اتحاد، قال ذلك.
وقال بعضهم: قاله لما حضره ملائكة العَذَابِ الأليم، أَسْتَغْفِرُ الله
سبحانه، هذا بهتان عظيم.
والحاصل أنه اختُلِفَ في شأن صاحب الترجمة، وابن عَرَبي، والعفيف
التّلمساني، والقُونوي، وابن هُود، وابن سبعين، وتلميذه الشَّشْتَرِي، وابن
مُظَفَّر، والصفَّار من الكفر إلى القطبانية. وكثرت التصانيف من الفريقين في
هذه القضية، ولا أقول كما قال بعض الأعلام سَلَّم تسلم والسلام، بل أذهب
إلى ما ذهب إليه بعضهم أنه يجب اعتقادهم وتعظيمهم، ويحرم النظر في
كتبهم على من لم يتأهل لتنزيل ما فيها من الشطحات على قوانين الشريعة
المُطَهَّرة(١)، وقد وقع لجماعة من الكبار الرجوع عن الإِنكار. انتهى كلام
المُنَاوي مختصراً.
وما أحسن قوله في التائية :
جَعَلْتُ لَهُ شُكرِي مَكَانَ شَكِيَّتي(٢)
وكُلُّ أَذِئَّ فِي الحُبِّ مِنْكَ إِذَا بَدَا
وله ما رأيته في دواوينه، وهو معنى في غاية اللُّطف والرِّقَّةِ:
إني أَغَارُ عَلَيْكَ مِنْ مَلِكَيْكًا
خَلَصَ الهَوىْ لِكَ واصْطَفَتْكَ مَوَدَّتِي
إني أَرَاهُ مُقبِّلًا شَفَتَيْكَا
وَلَو اسْتَطَعْتُ مَنَعْتُ لَفْظَكَ غَيْرَةً
هِي فِتْنَةٌ فَأَغَارُ مِنْكَ عَلَيْكًا
وَأَرَاكَ تَخْطُرُ فِي شَمَائِلكَ التي
ورؤي في النوم فقيل له: لِمَ لا مدحت المصطفى في ((ديوانك))؟
فقال:
وإِنْ بَالَغَ المُثْنِ عَلَيْهِ وَكَثِّرا
أَرَىْ كُلَّ مَدْحٍ فِي النَّبِيِّ مُقَصِّراً .
(١) أقول: الشطحات لا تقبل من أي شخص کان. (ع).
(٢) البيت في ((ديوانه)) ص (٥٠).
٢٦٧

عَلَيْهِ فما مقدار ما يمدح الورى
إِذَا اللهُ أَثْنِى بالذِي هُوَ أَهْلِهُ(١)
ويقال: إنه لما نظم قوله:
يَفْنَى الزَّمَانُ وفِيْهِ مَا لَمْ يُوصَفِ(٢)
وعَلَى تَفَنُّنِ وَاصِفِيه بِحُسْنِهِ
فرح فرحاً شديداً وقال: لم يمدح ◌َ﴿ بمثله، وبعض الناس يقول:
باطن كلامه كُلّهُ مدحٌ فِيه ◌َلغير، وغالب كلامه لا يصلح أن يراد به ذلك، والله
أعلم.
توفي - رحمه الله تعالى - في جمادى الأولى عن ستٍ وخمسين سنة إلا
شهراً، ودفن بالمُقَطّم.
• وفيها الشيخ شهاب الدِّين السُّهْرَ وَرْدِي(٣)، قُدْوَةُ أهل التوحيد، وشيخ
العَارِفين أبو حفص، وأبو عبد الله، عمر بن محمد بن عبد الله بن محمد
التّيْمي البَكْري الصُّوفي الشّافعي.
ولد سنة تسع وثلاثين وخمسمائة بسُهْرَوَرْد، وقدم بغداد، فلحق بها
هبة الله بن الشِّبْلي، فسمع منه، وصحب عَمَّه أبا النَّجِيب، وتفقه وتَفَنَّنَ،
وصَنَّفَ التصانيف، منها ((عوارف المعارف)) في بيان طريقة القوم، وانتهت
إليه تربية المُريدين، وتسليك العُبَّاد، ومشيخة العراق.
قال الذهبي: لم يخلّف بعده مثله.
وقال ابن شهبة في ((طبقاته)): أخذ عن أبي القاسم بن فَضْلَان،
وصحب الشيخ عبد القادر، وسمع الحديث من جماعة. وله (مشيخة)) في
(١) إشارة منه إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىْ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤].
(٢) البيت في ((ديوانه)) ص (١٥٤).
(٣) انظر ((وفيات الأعيان)) (٤٤٦/٣ - ٤٤٨) و((العبر)) (١٢٩/٥) و((تاريخ الإسلام))
(٩٦/٦٤-٩٩) و((طبقات الشافعية)) للإسنوي (٦٥/٢) و((طبقات الشافعية)) لابن قاضي
شهبة (١٠٣/٢ - ١٠٤).
٢٦٨

جزءٍ لطيف. روى عنه ابن الدُّبَيثي، وابن نُقْطة، والضياء، والزَّكي البِرزالي،
وابن النجّار، وطائفة.
وقال ابن النجار: كان شيخ وقته في علم الحقيقة، وانتهت إليه الرئاسة
في تربية المُريدين؛ ودعاء الخلق إلى الله تعالى. وبالغ في الثناء عليه.
وعمي في آخر عمره وأقعد، ومع ذلك فما أَخَلَّ بشيءٍ من أوراده.
وقال ابن خَلِّكان: كان شيخ الشيوخ ببغداد، وكان له مجلس وعظٍ،
وعلى وعظه قَبولٌ كثير. وله نفَس مُبَارَكٌ. حكى لي من حضر مجلسه أنه أنشد
يوماً على الكرسي:
إني أَشِحُ بِهَا عَلَى جُلَّسي
لا تَسْقِني وحدي فما عَوَّدْتَني
أن يصبر(١) النَّدَمَّاءُ دُوْنَ الكَاسِ
أَنْتَ الكَرِيمُ ولَا يَلِيقُ تَكَرُّمَاً
فتواجد الناس لذلك، وقطعت شعورٌ كثيرة، وتاب جمع کبیر.
وله تآليف حسنة، منها: كتاب ((عوارف المعارف)) وهو أشهرها.
وله شعر منه:
وَأَقْبَلَتْ دَوْلَةُ الوَصَالِ
تَصَرَّمَتْ وحشَةُ اللّيالي
مَنْ كَانَ فِي هَجْرِكُم رِثى لي
وصَارَ بالوَصْلِ لي حَسُوداً
بكُلٍّ من فاتَ لا أُبَالي
وحَقُّكُم بَعْدَ إِذْ(٢) حَصَلتم
فَيَا لَهُ مُورداً حَلَالي
تَقَاصَرَتْ عَنْكُمُ قُلُوبٌ
وحُبَّكُم في الحَشَا حَلالي
فَمَا لِغَيرِ الهَوىْ وَمَالي
وعِنْدَهُ أَعْينُ الزُّلَالِ
عَليَّ ما للوَرَىْ حَرَامٌ
تَشَرّبَتْ أَعْظُمِي هَوَاكُم
فَمَا عَلَى عَادمٍ أُجَاجَاً
(١) في ((وفيات الأعيان)): ((أن يعبر)).
(٢) في ((وفيات الأعيان)): ((بعد إن)).
٢٦٩
.

وكان كثير الحجّ، وربما جاور في بعض حججه، وكان أرباب الطريق
من مشايخ عصره يكتبون إليه صور فتاوى يسألونه عن شيءٍ من أحوالهم.
سمعت بعضهم أنه كتب إليه: يا سيدي إني إن تركت العمل؛ أخلدتُ إلى
البطالة، وإن عملت داخَلَني العُجْبُ، فأيُّهُمَا أولى؟ فكتب جوابه: اعمل
واستغفر الله من العُجْب. وله من هذا شيءٌ كثير.
وذكر في ((عوارف المعارف)) أبياتاً لطيفةً، منها:
أَشْمُ مِنْكَ نَسِيْماً لَسْتُ أَعْرِفُهُ
أَظُنُّ لَمْيَاءَ جَرَّتْ فِيكَ أَذْيَالاً
وفيه أيضاً:
إِن تَأَمَّلْتُكُمْ فَكُلِّي عُيُونٌ أَوْ تَذَكَّرْتُكُمْ فَكُلِّي قُلُوبُ
توفي في مستهل المحرم ببغداد، رحمه الله تعالى. انتهى ملخصاً.
• وفيها الشيخ غَانِم بن علي بن إبراهيم بن عَسَاكر المَفْدسي
النابلسي (١) القُدْوَة الزاهد، أحد عُبَّد الله الأخْفِيَاء الأتقياء، والسَّادة الأولياء.
ولد سنة اثنتين وستين وخمسمائة بقرية بُورِين(٢) من عمل نابلس،
وسكن القُدس عام أنقذه السلطان صلاح الدِّين من الفرنج(٣) سنة ثلاث
وثمانين وخمسمائة(٤). وساح بالشام، ورأى الصَّالحين، وكان مؤثراً
للخمول، صاحب أحوال وكرامات.
(١) انظر ((العبر)) (١٢٩/٥ - ١٣٠) و(«تاريخ الإسلام)) (١٠١/٦٤ - ١٠٣).
(٢) قال الأستاذ الفاضل محمد محمد شُراب في كتابه النافع ((معجم بلدان فلسطين)) ص (١٧٢)
طبع دار المأمون للتراث بدمشق: بورين: بلدة تقع على مسافة عشرة أكيال إلى الجنوب من
نابلس، وترتفع ما بين ٦٠٠ - ٦٥٠ متراً عن سطح البحر، حيث تعتبر بقعتها جزءاً من جبال
نابلس، وذكر ما نسب إليها من العلماء، فراجع تتمة كلامه فيه فهو مفيد.
(٣) جاء في هامش النسخة (ط)): في غير الأصل: ((عام أنقذه الله من الفرنج)).
(٤) انظر ((الأمصار ذوات الآثار) للذهبي ص (٢٢) وتعليقي عليه، طبع دار ابن كثير.
٢٧٠

قال ابنه عبد الله: انقطع تحت الصخرة في الأقباءِ السليمانية ست
سنين(١)، وصحب الشيخ عبد الله الأرْمَوي بقية عُمْرِهِ، وعاشا جميعاً
مصطحِبْنِ.
وقد أفرد سيرة الشيخ غانم [في ((جزءٍ))](٢): أبو عبد الله محمد بن
الشيخ علاء الدِّين. وتوفي الشيخ غانم في غُرَّة شعبان، ودفن بالحضيرة(٣)
التي بها صاحبه ورفيقه الشيخ عبد الله الأرموي بسَفْحٍ قاسيون.
• وفيها محمد بن عبد الواحد بن أبي سعيد المَدِيني الواعظ أبو
عبد الله (٤)، مسند العجم.
ولد سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، وسمع من إسماعيل الحَمّامي،
وأبي الوقت [السِّجْزِي]، وأبي الخير البَاغْبَان.
قال ابن النجار: واعظ مُفْتٍ(٥)، شافعيَّ. له معرفةٌ بالحديثِ وقبولٌ
عند أهل بلده. وفيه ضَعْفٌ. بلغنا أنه استُشْهِدَ بأصبهان على يد التتار في
أواخر رمضان. انتهى.
وقال الذهبي: وفي دخولهم(٦) إليها قتلوا أُمماً لا تُحصى.
● وفيها محمد بن عماد بن محمد بن حُسَيْنِ الحَرَّاني (٧) الحنبلي
التاجر، نزيل الإسكندرية. روى عن ابن رِفَاعة، وابن البَطِي، والسِّلَفي،
(١) في ((تاريخ الإسلام)) للذهبي: ((سنة ستين)).
(٢) زيادة من ((تاريخ الإسلام)).
(٣) في «تاريخ الإسلام)): ((بالحضرة)).
(٤) انظر ((العبر)) (١٣٠/٥) و(تاريخ الإسلام)) (١٠٦/٦٤).
(٥) في ((آ) و((ط)): (مفتي)) وما أثبته من ((العبر» و«تاريخ الإسلام)).
(٦) أي في دخول التتار إلى أصبهان.
(٧) انظر (العبر)) (١٣٠/٥) و((سير أعلام النبلاء)) (٣٧٩/٢٢ - ٣٨١) و((تاريخ الإسلام))
(١٠٧/٦٤ - ١٠٨) و((الإعلام بوفيات الأعلام)) ص (٢٦١).
٢٧١

وطائفة كثيرة باعتناء خاله حمّاد الحَرَّاني. وتوفي في عاشر صفر، وكان ذا دِینِ
وعلمٍ وفقهٍ، عاش تسعين سنة. وروى عنه خلق کثیر.
• وفيها شعرانة، وجيه الدِّين، محمد بن أبي غالب زهير بن محمد
الأصبهاني (١) الثّقَةُ الصَّالح. سمع «الصحيح)» (٢) من أبي الوقت [السِّجْزِي]
وعمّر دهراً، ومات شهيداً.
· وفيها محمد بن غَسَّان بن غَافِل بن نِجَاد (٣) الأمير سيف الدولة
الحِمْصي ثم الدمشقي. روى عن الفَلكيّ، وابن هِلَال، وطائفة. وتوفي في
شعبان عن ثمانين سنة .
• وفيها أبو الوَفَاء محمود بن إبراهيم بن سفيان بن مَنْدَة العَبْدي
الأصبهاني (٤)، بقية آل مَنْدَة ومُسْنِدُ وقته. روى الكثير عن مَسْعُود الثَّقَفي،
والرُّسْتُمي، وأبي الخير البَاغْبَان، وغيرهم. وعدم تحت السيف، رحمه الله.
• وفيها أبو موسى الرُّعَيني عيسى بن سليمان بن عبد الله الرُّعَيني
الأندلسي المَالقي الرّندي الحافظ. كان حافظاً متقناً أديباً نبيلاً.
قال ابن ناصر الدِّين في ((بديعته))(٥):
ثُم أَبُو مُوسى الرُّعَيني عيسى خيرٌ لَهُ بِضَبْطِهِ النَّفِيْسَا
● وفيها أبو يحيى وأبو الفضل، عيسى بن سنجر بن بهرام بن جبريل
(١) انظر ((العبر)) (١٣٠/٥) و((سير أعلام النبلاء)) (٣٧٩/٢٢) و((تاريخ الإسلام))
(١٠٥/٦٤ - ١٠٦).
(٢) يعني ((صحيح البخاري)).
(٣) انظر ((العبر)) (١٣١/٥) و((سير أعلام النبلاء)) (٣٨١/٢٢) و((تاريخ الإِسلام))
(١٠٨/٦٤ - ١٠٩) و((الإعلام بوفيات الأعلام)) ص (٢٦١).
(٤) انظر ((العبر)) (١٣١/٥) و((سير أعلام النبلاء)) (٣٨٢/٢٢ -٣٨٣) و((تاريخ الإسلام))
(١٠٩/٦٤ - ١١٠) و((الإعلام بوفيات الأعلام)) ص (٢٦١).
(٥) انظر ((بديعة البيان)) الورقة (٢٤) مصورة المكتبة الأحمدية بحلب.
٢٧٢

ابن خُمارتكين بن طاشتكين الإِربلي المعروف بالحَاجِري، الملقب
حسام الدِّين(١).
قال ابن خَلَّكان: هو جندي ومن أولاد الأجناد، وله ((ديوان)» شعر تَغْلِبُ
عليه الرِّقَّة، وفيه معانٍ جيدة، وهو مشتمل على الشعر، والدُّوبيت، والمواليا.
ولقد أحسن في الكُلِّ مع أنه قَلْ من يجيد في مجموع الثلاثة. وله أيضاً ((كان
وكان)) واتفقت له فيه مقاصد حسان. وكان صاحبي وأنشدني كثيراً من شعره،
فمن ذلك قوله - وهو معنی جید -:
أن لا يزال مَدَى الزَّمَانِ مُصَاحِبي
ما زَالَ يَحْلِفُ لِي بِكُلِّ أَلِيَّةٍ
فَتَعَجَّبوا لسوادٍ وجهِ الكاذبِ
لما جَفَا نَزَل العِذَارُ بِخَدِّهِ
وأنشدني لنفسه أيضاً:
ش شَقيقٍ قد استوى
لكَ خَالٌ مِن فَوْقِ عَرْ
بعث الصُّدْغُ مُرْسَلا يأمر النَّاسِ بِالهَوَىُ
وأنشدني لنفسه أبياتاً منها في صفة الخالٍ :
لم يَحوِ ذَاكَ الخَدُّ خَالًا أَسْوَدَاً إلّ لِنَبْتِ شَقَائِقِ النُّعْمَانِ
وله، وقال لي: ما يعجبني فيما عملت مثل هذا الدُّوبيت، وهو آخر شيءٍ
عملته إلى الآن وهو:
مَا كَانَ أَلذّ عَامَهُ مِنْ عَامِ
حَيًّا وسقى الحِمى سَحَابٌ هَامي
إلّ وَتَظَلّمَت على الأيامِ
يا علوة ما ذكرت أَيَّامكمُ
وكان لي أخٌّ يسمىْ ضياء الدِّين عيسى، وكان بينه وبين الحاجري
المذكور مودة أكيدة، فكتب إليه من الموصل في صدر كتاب، وكان الأخ
باربل :
(١) انظر ((وفيات الأعيان)) (٥٠١/٣ - ٥٠٥) و((النجوم الزاهرة)) (٢٩٠/٦ - ٢٩١).
٢٧٣

مِنِّي فِرَاقُكَ يَا مَنْ قُرْبُهُ أَمَلُ
اللّهُ يَعْلَمُ مَا أبقى سِوىْ رَمَقِ
فربما مُتُّ شَوْقَاً قَبْلَ مَا يَصِلُ
فَابْعَثْ كِتَابَكَ واسْتَوْدِعْهُ تَعْزِيَةٌ
وكنت قد خرجت من إربل في أواخر شهر رمضان سنة ست وعشرين
وستمائة وهو معتقل بقلعتها لأمر يطول شرحه، بعد أن كان حُبس بقلعة
خُفْتِيدْ(١) كان ثم نقل منها، وله في ذلك أشعارٌ منها قوله:
قَيدٌ أُكَابِدُهُ وسِجْنٌ ضَيِّقُ يَا رَبّ شابَ مِنَ الهُمُومِ المفرقُ
ومنها:
وعَلاَ عَليكَ مِنَ النَّدَانِي رَوْنَقُ
يا بَرْقُ إن جِئْتَ الدِّيَارَ بإربلٍ
أَبدأ بأَذْيَالِ الصِّبَا تَتَعَلَّقُ
بَلِّغْ تحيَّة نَازِحٍ حَسَرَاتُهُ
مِنْ كُلِّ مُشتاقٍ إليكم أَشْوَقُ
قُل يَا حَبيبُ(٢) لكَ الفداء أسيرُكُمْ
إلاَّ وكدتُ بدمعِ عيني أشرَقُ
واللهِ ما سَرَتِ الصَّبا نجديةٌ
وبلغني بعد ذلك أنه خرج من الاعتقال؛ واتصل بخدمة الملك المعظم
مُظَفَّر الدِّين صاحب إربل، وتقدم عنده وغَيَّرَ لباسه، وتزيًّا بزي الصُّوفية. فلما
توفي مُظَفَّرُ الدِّين سافر من إِربل ثم عاد إليها وقد صارت في مملكة
أمير المؤمنين المُستنصر بالله ونائبُهُ بها الأمير شمس الدِّين أبو الفضائل
باتكين، وكان وراءه من يقصده، فاتفق أنه خرج من بيته يوماً قبل الظهر،
فوثب عليه شخص وضربه بسكين فأخرج حشوته، فكتب في تلك الحال إلى
باتکین المذکور وهو یکابد الموت:
أَشْكُوكَ يا ملكَ البسيطةِ حَالةً
لم تُبُقِ رُعباً فيَّ عُضواً سَاكِنَا
(١) تنبيه: كذا في ((آ)) و((ط)) و((وفيات الأعيان)): (خُفْتِيدْ)) بالدال المهملة كذا قيدها ابن خلِّكان
في «وفيات الأعيان» (٥٠٥/٣). وفي ((معجم البلدان)) (٣٨٠/٢) ((خُفْتِيذْ)) بالذال المعجمة.
(٢) في ((وفيات الأعيان)): ((يَا جُعِلْتُ)).
٢٧٤

ممن أُؤْمِلُ غير جاشِكَ مّازنًا
إن تستبح إبلي لَقِيْطَةً(١) معشرٍ
مَنْ بَاتَ فِي حَرَمِ الخِلاَفَةِ آمِنًا
ومن العَجَائِبِ كيف يمشي خَائِفاً
ثم توفي بعد ذلك من يومه يوم الخميس ثاني شوال، وتقدير عمره
خمسون سنة.
والحَاجِرِي: بفتح الحاء المهملة، وبعد الألف جيم مكسورة، وبعدها
راء، نسبة إلى حَاجِرَ بليدة بالحجاز، لم يبق اليوم منها سوى الآثار، ولم يكن
الحاجرِيُّ منها، بل نسب إليها لكونه استعملها في شِعْرِهِ كثيراً. انتهى ملخصاً.
• وفيها أبو الفُتُوحِ الوثَّابي محمد بن محمد بن أبي المَعَالي
الأصبهاني(٢). يروي عن جَدِّه کتاب الذِّکر بسماعه من ابن طبرزد، ويروي
عن رجاء بن حامد المَعْدَاني، راح تحت السيف في فتنة التتار، وله ثمان
وسبعون سنة .
● وفيها جامع بن إسماعيل بن غَانِم بن صائن الدِّينِ الأصبهاني
الصُّوفي، المعروف بياله(٣)، راوي ((جزء)) لُوّين عن محمد بن أبي القاسم
الصَّالحاني .
• وفيها شمس الدِّين محمود بن علي بن محمود بن قَرْقين(٤)
الدِّمشقي، الجندي الأديب الشاعر. روى عن أبي سعد بن أبي عَصْرُون،
وتوفي في شوال.
(١) في ((آ)) و((ط)): ((ابن اللقيطة)) وأثبت لفظ ((وفيات الأعيان)) مصدر المؤلّف.
(٢) انظر ((العبر)) (١٣١/٥) و((سير أعلام النبلاء)) (٥٤٤/٢٠) ضمن ترجمة شيخه رجاء بن حامد
المَعْدَاني .
(٣) انظر ((العبر)) (١٣١/٥ -١٣٢).
(٤) في (آ) و((ط)): ((قرقر)) والتصحيح من ((العبر)) (١٣٢/٥) و((تاريخ الإسلام))
(١١٤/٦٤ - ١١٥).
٢٧٥

• وفيها ابن شَدَّاد قاضي القضاة بهاء الدِّين أبو العزّ يوسف بن رافع بن
تميم الأسدي الحلبي الشافعي(١).
ولد سنة تسع وثلاثين وخمسمائة، وقرأ القراءات والعربية بالموصل
على يحيى بن سَعْدُون القُرْطُبي. وسمع من حَفَدة العُطَاردي وطائفة، وبرع
في الفقه والعلوم، وساد أهل زمانه، ونال رئاسة الدِّين والدُّنيا، وصنّف
التصانيف.
قال ابن شهبة: سمع من جماعة كثيرة ببغداد وغيرها، وأعاد بالنظامية
في حدود سنة سبعين، ثم انحدر إلى الموصل، ودرَّس بمدرسة الكمال
الشهرزوري، ثم حجّ سنة ثلاث وثمانين، وزار الشام واتصل بالسلطان صلاح
الدِّين وحظي عنده، وولاه قضاءَ العسكر وقضاءً بيت المقدس، وصنَّف له
كتاباً في فضل الجهاد. ولما توفي اتصل بولده الظاهر وولاه قضاء حلب ونظر
أوقافها، وأجزل رزقه وعطاءه، وأقطعه إقطاعاً جزيلاً، ولم يكن له ولد ولا
قَرَابة، فكان ما يحصل له يتوفر عنده، فبنى به مدرسة وإلى جانبها(٢)، دار
حديث وبينهما(٣) تربة، وقصده الطلبة للدِّين والدُّنيا، وعظم شأن الفقهاء في
زمانه لعظم قدره وارتفاع منزلته .
قال عمر بن الحاجب: كان ثقةً عارفاً بأمور الدِّين، اشتهر اسمه وسار
ذِكره، وكان ذا صَلاحٍ وعِبَادَة، وكان في زمانه كالقاضي أبي يوسف في
زمانه. دبّر أمر الملك بحلب، واجتمعت الألسن على مدحه، وطوّل ابن
خلِّکان ترجمته، وهو ممن أخذ عنه.
(١) انظر (وفيات الأعيان)) (٨٤/٧ - ٨٥) و((العبر)) (١٣٢/٥) و((تاريخ الإسلام))
(١١٧/٦٤ -١٢١) و((الإعلام بوفيات الأعلام)) ص (٢٦١) و((سير أعلام النبلاء))
(٣٨٣/٢٢-٣٨٧) و((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (١٢٠/٢ -١٢٢).
(٢) في ((آ)) و((ط)): ((وإلى جنبها) وأثبت لفظ ((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة.
(٣) في ((آ) و((ط)): ((وبينها)) والتصحيح من ((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة.
٢٧٦

توفي في رابع صفر، ودفن بتربته بحلب، وذلك بعد أن ظهر أثر الهرم
عليه. ومن تصانيفه ((دلائل الأحكام)) على التنبيه في مجلدين، وكتاب
((الموجز الباهر)) في الفقه، وكتاب ((ملجأ الحكّام)) (١) في الأقضية في
مجلدين، و((سيرة صلاح الدِّين)) أجاد فيها وأفاد.
*
(١) واسمه الكامل كما في (وفيات الأعيان)): ((ملجأ الحكّام عند التباس الأحكام)).
٢٧٧

سنة ثلاث وثلاثين وستمائة
· في ربيعها جَاءَت فرقة من التتار فَكَسَرهم عسكر إربل، فما بالوا،
وساقوا إلى بلاد الموصل، فقتلوا وسبوا، فاهتمَّ المستنصر بالله؛ وأنفق
الأموال، فردّوا ودخلوا (١) الدَّرَبَنْد(٢).
· وفيها أخذت الفَرَنْجُ قُرْطُبَةٍ واستباحوها، فإنَّا لله وإنّا إليه
راجعون(٣).
· وفيها توفي الجمال أبو حَمْزَة أحمد بن عمر [بن الشيخ أبي عمر] (٤)
المقدسي الحنبلي(٥). روى عن نصر الله القَزَّاز، وابن شَاتِيل، وأبي المعالي
ابن صابر. وكان يتعانى الجندية، وفيه شجاعةٌ وإقدامٌ. توفي في ربيع الأول.
(١) لفظة ((ودخلوا)) سقطت من ((آ)).
(٢) ويسمى أيضاً (باب الأبواب)). انظر ((معجم البلدان)) (٤٤٩/٢).
(٣) قال الذهبي: فقال لنا أبو حيَّان - يعني الغرناطي النحوي أثير الدِّين المفسّر المشهور - توفي
ابن الرَّبيع - يعني أبو سليمان ربيع بن عبد الرحمن القرطبي - بإشبيلة بعد استيلاء النصارى
على شرقي قرطبة سنة ثلاث وثلاثين. انظر («تاريخ الإسلام)) (١٣/٦٤ - ١٤ و١٣٠) والتعليق
عليه .
(٤) ما بين الحاصرتين سقط من ((آ).
(٥) انظر (العبر) (١٣٣/٥) و((تاريخ الإسلام)) (٨٣/٦٤) و((الإعلام بوفيات الأعلام))
ص (٢٦٢).
٢٧٨

• وفيها القَيْلُوبي (١) المُؤَرِّخِ، أبو علي الحسن بن محمد بن إسماعيل.
عاش سبعين سنة، وروى عن الأَبْلَه الشاعر وغيره، فكتب الكثير. وكان أديباً
أخبارياً.
• وفيها زُهْرَة بنت محمد بن أحمد بن حاضر [أم الحَيَاءِ، الْأُنْبَارِيَّة](٢).
شيخة صالحة صوفية. روت عن ابن البَطِي، ويحيى بن ثَابِت، وتوفيت في
جمادى الأولى عن تسع وسبعين سنة.
• وفيها خطيب زَمَلْكًا، عبد الكريم بن خَلَف بن نَبْهَان الأنصاري(٣)،
وله اثنتان وسبعون سنة. روى عن أبي القاسم بن عساكر، وتوفي في
ذي الحجّة.
• وفيها ابن الرَّمَّاح عفيف الدِّين علي بن عبد الصَّمّد بن محمد
المِصْري (٤). المقرىء النحوي. قرأ القراءات على أبي الجيوش عساكر بن
علي، وسمع من السِّلفي، وتصدّر للإقراء والعربية بالفاضلية وغيرها، وتوفي
في جمادى الأولى.
• وفيها ابن رُوْزَبَة أبو الحسن علي بن أبي بكر [بن رُوْزَبَة](٥) البغدادي
القَلَانِسي العَطّارِ الصُّوفي(٦). حَدَّث بالصحيح عن أبي الوَقت [السِّجْزِي]،
(١) تحرفت نسبته في ((ط)) إلى ((القليوبي)) وما جاء في ((آ)) هو الصواب. انظر ((العبر)) (١٣٣/٥)
و «تاريخ الإسلام)) (١٢٩/٦٤ - ١٣٠).
أقول: وفي (معجم البلدان)) (٤٢٣/٤) القِيلوي، نسبة إلى قِيلُوية، ينسب إليها أبو علي
الحسن بن محمد بن إسماعيل القِیلوي. (ع).
(٢) انظر ((العبرة (١٣٣/٥ -١٣٤) و((تاريخ الإسلام)» (١٣١/٦٤) وما بين الحاصرتين زيادة منه.
(٣) انظر ((العبر)) (١٣٤/٥) و((تاريخ الإسلام)) (١٣٦/٦٤) وقد توسع في ترجمته فراجعه.
(٤) انظر ((العبر)) (١٣٤/٥) و((تاريخ الإسلام)) (١٣٨/٦٤ - ١٣٩) و((الإعلام بوفيات الأعلام))
ص (٢٦١) و((غاية النهاية في طبقات القراء)) (٥٤٩/١).
(٥) ما بين الحاصرتين لم يرد في ((آ)).
(٦) انظر ((التكملة لوفيات النقلة)) (٤٠٩/٣ - ٤١٠) و((العبر)) (١٣٤/٥) و((سير أعلام النبلاء))
(٣٨٧/٢٢-٣٨٩) و((تاريخ الإسلام)) (١٤٠/٦٤ -١٤١) و((الإعلام بوفيات الأعلام)»
ص (٢٦٢).
٢٧٩

ببغداد؛ وحَرَّان، ورأس العين، وحلب. وردَّ منها خوفاً من الحِصَار الكائن
بدمشق على الناصر داود، وإلّا كان عزمه المجيء إلى دمشق. توفي فجأةً في
ربيع الآخر وقد نَيَّفَ على التسعين.
• وفيها العَلامة الحافظ ابن دِحْيَة أبو الخطّاب عمر بن حسن بن محمد
الجُمَيِّل(١) بن فَرْح(٢) بن خَلَف الكَلْبِي الدَّاني ثم السّبْتي(٣) الحافظ اللّغوي
الظَّاهري المذهب. روى عن أبي عبد الله بن زَرْقُون، وابن بشكوال، وهذه
الطبقة. وعُني بالحديث أتمَّ عنايةٍ، وجَالَ في مدن الأندلس ومدن العَدْوَةِ،
وحَجَّ في الكهولة، فسمع بمصر من البُوصِيري، وبالعراق («مسند الإِمام
أحمد)»، وبأصبهان (معجم الطبراني)) من الصيدلاني، وبنيسابور ((صحيح
مسلم)» بعلوٍ بعد أن كان حَدَّث به بالغرب بالإِسناد النازل الأندلسي، وكان
يقول: إنه حفظه كُلُّهُ.
قال في ((العبر)): وليس هو بالقَويِّ، ضعَّفَه جماعة. وله تصانيفُ
ودعاوٍ(٤) مدحضة، وعبارةٍ متغيرة ومبغضة. وقد نَفَقَ على [الملك] الكامل
وجعله شيخ دار الحديث بالقاهرة. انتهى.
وقال ابن شهبة في ((تاريخ الإِسلام)): كان من أعيان العلماء ومشاهير
الفضلاء، متفنتاً في الحديث، والنحو، واللغة، وأيام العرب وأشعارها.
حَصَّل ما لا حَصَّل غيره(٥) من العلم، وكان في المُحَدِّثينَ مثل ابن عُنَين في
(١) الجُمَيِّل: تصغير جمل. قاله الذهبي في («تاريخ الإسلام)) (١٥/٦٤).
(٢) تصحف في ((ط)) إلى ((فَرْج)).
(٣) انظر ((العبر» (١٣٤/٥ - ١٣٥) و((سير أعلام النبلاء)) (٣٨٩/٢٢ - ٣٩٥) و(«تاريخ الإسلام))
(١٤١/٦٤ - ١٤٦) و((الإعلام بوفيات الأعلام)) ص (٢٦٢) و((التبيان شرح بديعة البيان))
لابن ناصر الدِّين الدمشقي (١٧٦ /آ).
(٤) في ((آ)) و((ط)): ((ودعاوى)) وأثبت لفظ ((العبر)).
(٥) أقول: في ((سير أعلام النبلاء)) (٣٩١/٢٢): «وحصَّل ما لم يحصِّله غيره)). (ع).
٢٨٠