النص المفهرس

صفحات 221-240

ولد سنة تسع وأربعين وخمسمائة. وسمع من السِّلَفي، وابن عساكر.
وكان رئيساً سَرِيًّاً، صاحب أخبار وتواريخ، ماجناً(١)، خليعاً، من غير ذكرٍ
فَاحِشَةٍ، وكان متولعاً بستّ الشام، يتولى أمر ديوانها، وفوضت إليه أوقافها،
وترك الولايات في آخر عمره. وكان له تُجَّارٌ يسافرون في تجارته، وله نظمٌ،
وعنده كتب كثيرة. توفي بدمشق، ودفن بالباب الصغير.
• وفيها فخر الدِّين بن شَافِع، محمد بن أحمد بن صالح بن شافع بن
صالح بن حاتم الچِيلي ثم البغدادي المُعَدَّل الحنبلي، أبو المعالي(٢).
ولد ببغداد ليلة الجمعة سادس عشري جُمادى الآخرة، سنة أربع
وستين وخمسمائة. وتوفي والده(٣) وله سنة وشهور، فتولاه خاله أبو بكر بن
مشق، وأسمعه الكثير من خلق، منهم: السَّقْلاطوني، وابن الرِّحلة، وشُهْدَة.
وقرأ القرآن بالرِّوايات، وتفقه في المذهب.
قال ابن النجار: كان طيِّب النغمة في قراءة القرآن والحديث، ويفيد
الناس إلى آخر عمره. وكان متديناً، صالحاً، حسن الطريقة، جميل السيرة،
وقوراً، صدوقاً، أميناً. كتبت عنه ونِعْمَ الرجل.
وقال ابن نقطة: ثقةٌ [مأمونٌ] مُكثِرٌ، حسن السمت.
وقال ابن السَّاعي: ثقةٌ، صالحٌ، جميل الطريقة، من بيت العدالة
والرواية.
وقال ابن النجار: توفي يوم الأحد رابع رجب، ودفن عند آبائه بدكة
الإِمام أحمد.
(١) في الأصل: ((مجاناً)) وهو خطأ والصواب ما أثبتناه.
(٢) انظر ((تكملة الإكمال)) (٤٩٠/٢) و((التكملة لوفيات النقلة)) (٢٦٤/٣ - ٢٦٥) و((ذيل طبقات
الحنابلة)) (١٧٥/٢ - ١٧٧) ولفظة ((مأمون)) مستدركة منه.
(٣) تحرفت في ((آ)) إلى ((ولده)).
٢٢١

سنة ثمان وعشرين وستمائة
● لما علمت التتار بضعف جلال الدِّين خوارزم شاه، بادروا إلى
أذربيجان، فلم يقدم على لقائهم، فملكوا مَرّاغة، وعاثوا، وبدَّعُوا [وفَرَّ هو
إلى آمد](١) وتفرِّق جنده، فبيَّته التتار ليلةٌ فنجا بنفسه. وطمع الأكراد
والفلاحون وكُلُّ أحدٍ في جنده وتخطَّفوهم. وانتقم الله منهم، وساقت التتار إلى
مارْدِين يَسْبُون ويقتلون، ودخلوا إلى إِسْعَرْد(٢) فقتلوا نيفاً وعشرين ألفاً،
وأخذوا من البنات ما أرادوا، ووصلوا إلى أذربيجان ففعلوا كذلك، واستقرَّ
ملكهم بما وراء النهر، وبقيت مدن خُراسان خراباً لا يجسر أحدٌ يسكنها.
• وفيها توفي أبو نصر بن النَّرْسي أحمد بن الحسين بن عبد الله بن
أحمد بن هبة الله البغدادي البِيِّع(٣) روى عن أبي الوقت [السِّجْزِي]
وجماعة، وتوفي في رجب.
· وفيها الملك الأمجد مجد الدِّين أبو المظفّر بَهْرَام شاه بن فَرُّوخ شاه
(١) ما بين الحاصرتين مستدرك من ((العبر)) (١١٠/٥).
(٢) ذكرت ((إسعرد)) غير مرة في ((الكامل في التاريخ)) لابن الأثير. وقال في ((بلدان الخلافة
الشرقية)) ص (١٤٥) مدينة ((سعرت)) أو ((سعرد) أو (إسعرت)) كانت تعد في الغالب من أعمال
أرمينية، وانظر ((آثار البلاد وأخبار العباد)) ص (٣٦٠) أثناء الكلام على ((حِيزَان)).
(٣) انظر ((العبر)) (١١٠/٥) و((سير أعلام النبلاء)) (٣٠٧/٢٢ -٣٠٨) و((تاريخ الإسلام))
(٢٧٨/٦٣ - ٢٧٩).
٢٢٢

ابن شاهنشاه بن أيوب بن شادي(١)، صاحب بعلبك. تملَّكها بعد والده خمسين
سنة، وكان جواداً(٢) كريماً شاعراً محسناً، قتله مملوك له جميل بدمشق في
شوال. وسببه أنه سرقت له دواة من ذهب تساوي مائتي دينار، فظهرت عند
هذا المملوك، فحبسه في خزانة في داره، فلما كان ليلة الأربعاء ثامن شوال
فتح الخزانة بسكين كانت معه قلع بها رزة الباب، وأخذ سيف الأمجد، وكان
يلعب بالشطرنج، فضربه فَحَلَ(٣) كتفه، وطعنه بالسيف في خاصرته فمات،
وهرب المملوك، فثارت عليه المماليك وقتلوه، ودفن الأمجد بتربة أبيه على
الشرف الشمالي.
ومن شعره في مليح يقطع باناً:
في قطعِ كُلِّ قضيبٍ بانٍ رائقٍ
مَنْ لِي بِأهْيَفَ قَالَ حِينَ عَتِبْتُهُ
رَيَّان بين جداولٍ وحدائقٍ:
تحكي شَمَائِلُهُ الرُّشَاقُ إذا انثنى
فَقَطَعْتُهَا والقَطعُ حَدُّ السّارقِ
سَرَقتْ غصونُ الْبَانِ لِينَ معاطفي
ورؤي في المنام فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال:
زالَ عَْنْيِ ذلكَ الوَجَلُ
كنتُ من ذنبي على وَجَلٍ
عِشتُ لَمَّا مِتُّ يا رَجُلُ
أَمِنَتْ نفسي بوائِقَهَا
● وفيها جَلْدَك التقويّ الأمير(٤). ولي نيابة الإِسكندرية، وسدّ(٥) الدِّيار
(١) انظر (مرآة الزمان)) (٤٤١/٨ - ٤٤٢) و((وفيات الأعيان)) (٤٥٣/٢) و((تاريخ الإسلام)).
(٢٨١/٦٣ - ٢٨٢) و((النجوم الزاهرة)) (٢٧٥/٦ - ٢٧٦) وأورد له أبياتاً أخرى من شعره
یحسن بالقارىء الوقوف عليها.
(٢) تحرفت في (ط)) إلى ((جوداً)).
(٣) في ((آ)) و((ط)): ((حل)) وما أثبته من ((مرآة الزمان)).
(٤) انظر ((فوات الوفيات)) (٣٠٠/١ -٣٠١) و((العبر)) (١١١/٥) و((الوافي بالوفيات))
(١٧٤/١١ - ١٧٥).
(٥) في ((العبر)) بطبعتيه: ((وشدَّ)).
٢٢٣

المصرية، وكان أديباً شاعراً. روى عن السِّلَفي، ومولاه - هو صاحب حماة -
تقي الدِّين عمر. توفي في شعبان.
• وفيها الزَّين الكُردي محمد بن عمر المقرىء(١). أخذ القراءات عن
الشَّاطِبي، وتصدَّر بجامع دمشقَ مع السَّخَاويّ.
• وفيها المُهذّب الدَّخْوَار عبد الرحيم بن علي بن حامد الدّمشقي(٢)،
شيخ الطّب وواقف المدرسة التي بالصَّاغة العتيقة على الأطباء(٣).
ولد سنة خمس وستين وخمسمائة، وأخذ عن الموفق بن المطران،
والرَّضي الرَّحبي(٤). وأخذ الأدب عن الكندي. وانتهت إليه معرفة الطب،
وصنّف التصانيف فيه، وحظي عند الملوك ولما تجاوز سِنَّ الكهولة عَرَضَ له
طرفُ خرسٍ حتَّى بقي لا يكادُ يُفهم كلامه. واجتهد في علاج نفسه فما
أفاد، بل وَلَّد له أمراضاً. وكان دخله في الشهر مائة وخمسون ديناراً، وله
أقطاع تعدل ستة آلاف وخمسمائة دينار. ولما ثقل لسانه كان الجماعة يبحثون
بين يديه فيكتب لهم ما أشكل عليهم في اللوح، واستعمل المعاجين الحادة
فعرضت له حُمَّی قوية أضعفت قوته، وزادت إلى أن سالت عينه.
(١) انظر ((العبر)) (١١١/٥).
(٢) انظر ((العبر)) (١١١/٥ -١١٢) و((سير أعلام النبلاء)) (٣١٦/٢٢ -٣١٧) و((تاريخ الإسلام)»
(٢٩٢/٦٣ - ٢٩٤) و((القلائد الجوهرية)) (٣٣١/١ -٣٣٣) طبع مجمع اللغة العربية
بدمشق.
(٣) وقد تحولت مدرسته في هذه الأيام إلى متحف للطب العربي الإسلامي القديم، وتقام فيها
- على فترات منباعدة - بعض الندوات العلمية وتلقى فيها المحاضرات في الأمسيات الصيفية
غالباً، ومن جملة من حاضر فيها محاضرة علمية إسلامية الشكل والمضمون قبل ثلاث سنوات،
العالم الجزائري الفاضل الدكتور أحمد عُرْوَة، تحدث فيها عن خَلْقِ الإِنسانِ في القرآن الكريم،
وقد تنادى إلى حضورها أهل العلم والثقافة والأدب في دمشق في حينه.
(٤) في ((العبر)) بتحقيق الأستاذ الدكتور صلاح الدين المنجد ((الرَّخي)) وتبعه محقِّق ((العبره طبع
بیروت، وهو خطأ.
٢٢٤

• وفيها ناصحُ الدِّين أبو محمد عبد الوهاب بن زَاكي بن جُمَیع
الحَرَّاني(١) الفقيه الحنبلي. نزيل دمشق. سمع بحَرَّان من عبد القادر
الرهاوي .
قال ابن حمدان: كان فاضلاً في الأصلين، والخِلاف، والعربية،
والنثر، والنظم، وغير ذلك. رحل إلى بغداد، وقرأت عليه ((الجدل الكبير))
لابن المَنِّي، و((منتهى السول)» وغير ذلك. وكان كثير المروءة والأدب، حسن
الصحبة .
وذكر المنذري: أنه حَدَّث بشيءٍ من شعره. قال: وجُمَيع: بضم الجيم
وفتح الميم. وتوفي خامس ذي القعدة، ودفن بسفح قاسيون.
• وفيها الدَّاهِري أبو الفضل عبد السلام بن عبد الله بن أحمد بن
بكران البغدادي الحافظ(٢) الخفّاف الخَرَّاز (٣). سمع من أبي بكر الزَّاغُوني،
ونصر العُكْبَري، وجماعة. وكان عاميّاً مستوراً، كثير الرِّواية. توفي في ربيع
الأول.
• وفيها ابن رحّال العَدْلُ نظامُ الدِّين علي بن محمد بن يحيى
المِصْرِي(٤). سمع من السَّلَفي وغيره، وتوفي في شوال.
· وفيها أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الملك بن يحيى بن
إبراهيم بن يحيى الحِمْيَري الكُتَامي الفاسي القطّان(٥)، قاضي الجماعة. كان
حافظاً ثقةً مأموناً، لكن نُقِمَت عليه أغراضٌ في قضائه. قاله ابن ناصر الدِّين.
(١) انظر (التكملة لوفيات النقلة)) (٢٩٢/٣) و((ذيل طبقات الحنابلة)) (١٧٧/٢ - ١٧٨).
(٢) لفظة ((الحافظ)) لم ترد في ((ط)).
(٣) انظر ((العبر)) (١١٢/٥) و((سير أعلام النبلاء)) (٣٠٤/٢٢ - ٣٠٦) و((الإعلام بوفيات الأعلام))
ص (٢٥٩).
(٤) انظر ((العبر)) (١١٢/٥) و((تاريخ الإسلام)) (٢٩٧/٦٣ -٢٩٨).
(٥) انظر («تاريخ الإسلام)) (٢٩٦/٦٣ -٢٩٧) و((التبيان شرح بديعة البيان)) (١٧٥ / آ).
٢٢٥

• وفيها القَاسِم بن القَاسم الوَاسطي(١)، شاعر فاضل.
من نظمه :
فَبعيدٌ من السربِ السَّرَابُ
لا تُرِدْ مِنْ خِيَارِ دَهْرِكَ خَيراً
سٍ ولكن تحت الحُبَابِ الحِبَابُ
منطق(٢) كالحُبَابِ يَطْفُو عَلى الكا
م. ولكن تحت العِذَابِ العَذَابُ(٣)
عَذُبَتْ في اللقاء ألسنةُ القو
وله:
بَرَزَتْ مَحَاسِنُهُ وأَنْتَ مُبَرَّزُ
ديباجُ خلِّك بالعِذَارِ مُطَرِّزُ
والغُصنُ يَنْبُتُ فِي الرِّياضِ ويُغْرَزُ
خَجِلَ الشقيقُ بها وحَارَ القِرْمِزُ
ويَدت عَلى غُصنِ الصِّبالكَ رَوْضةٌ
وجَنَتْ على وجَنَاتٍ خَدِّك حُمرةً
لقَضى القياسُ بأن حُسنكَ مُعجِزُ
لَو كُنْتَ مُدّعياً مَلَاحَة يُوسُفٍ
مَا كَانَ مِنْكَ تَمَنُّعْ وَتَعَزّزُ
أو كَانَ عَطْفُكَ مثل عِطْفِكَ لَيِّنْ
• وفيها ابن عُصَيَّة أبو الرُّضا محمد بن أبي الفتح المبارك بن
عبد الرحمن الكِندي الحَرْبي (٤). روى عن أبي الوقت وغيره، وتوفي في
المحرم.
• وفيها ابن مُعْطي النحوي الشيخ زين الدِّين أبو الحسين يحيى بن
عبد المُعْطي بن عبد النَّور الزَّواوي - نسبة إلى زَوَاوَة قبيلة كبيرة بأعمال
(١) انظر (معجم الأدباء)) (٢٩٦/١٦ - ٣١٦) و((تاريخ الإسلام)) (٢٣٩/٦٣) و((فوات الوفيات))
(١٩٢/٣ -١٩٦) وقد ذكروا جميعاً بأنه مات سنة (٦٢٦) فتنبه.
(٢) في ((فوات الوفيات)): ((رونق)).
(٣) رواية البيت في ((فوات الوفيات)):
م وفي الألسُنِ العذاب العذابُ
عَذُبَت في النفاق ألسنة القو
(٤) انظر (العبر)) (١١٢/٥) و((تاريخ الإسلام)) (٣٠٠/٦٣) و((الإعلام بوفيات الأعلام))
ص (٢٥٩).
٢٢٦

إفريقية - الفقيه الحنفي(١).
ولد سنة أربع وستين وخمسمائة، وأَقرأ العربية مُدَّة بمصر ودمشق،
وروى عن القاسم بن عساكر وغيره، وهو أَجَلُّ تلامذة الجُزوليّ، وانفرد بعلم
العربية، وصنّف ((الألفية)) المشهورة(٢) وغيرها، ومات في ذي القعدة بمصر
وقبره قريب من تُربة الإِمام الشَّافعي.
(١) انظر ((وفيات الأعيان)) (١٩٧/٦) و((العبر)) (١١٢/٥) و((سير أعلام النبلاء)) (٣٢٤/٢٢)
و «تاريخ الإسلام)» (٣٠٣/٦٣ -٣٠٥) و((الإعلام بوفيات الأعلام)) ص (٢٥٩).
(٢) انظر ((كشف الظنون)) (١٥٥/١ - ١٥٦).
٢٢٧

سنة تسع وعشرين وستمائة
● فيها عائت التتارُ لموت جلال الدِّين ووصلوا إلى شَهْرُزُور، فأنفق(١)
المستنصر بالله في العساكر، وجهزهم مع قشتمر(٢) النّاصِري، فانضموا إلى
صاحب إربل، فتقهقرت التتار.
• وفيها توفي السِّمِّذي - بكسرتين وتشديد الميم نسبة إلى السِّمِّذ وهو
الخبز الأبيض يعمل للخواص - أبو القاسم أحمد بن أحمد بن أبي غالب
البغدادي الكاتب(٣). روى ((جزء)) أبي الجهم عن أبي الوقت، وبعضهم سمّاه
علياً. توفي في المحرَّم.
• وفيها الشيخ شرف الدِّين إسماعيل الموصلي ابن خَالة القاضي
شمس الدِّين بن الشيرازي (٤). كان ينوب عن ابن الزَّكي الشَّافعي في
القضاء، وهو على مذهب أبي حنيفة. وكان بيده تدريس مدرسة الطرْخَانية.
بعث إليه الملك المعظّم يقول له: أَقْتِ بإباحة الأنبذة، وما يُعمل من الرُّمَّان
وغيره، فقال الشيخ شرف الدِّين: لا أفتح على أبي حنيفة هذا الباب! وأنا
(١) تحرفت في ((العبر)) بطبعتيه إلى ((فاتّفق)) فتصحح.
(٢) تحرفت في ((آ)) و((ط)) إلى ((قستم)) والتصحيح من ((العبر)) و((تاريخ الإِسلام)) (٣٨/٦٣).
(٣) انظر (العبر)) (١١٣/٥) و((تاريخ الإسلام)) (٣٠٦/٦٣ -٣٠٧).
(٤) انظر ((ذيل الروضتين)) ص (١٦١) و(النجوم الزاهرة)) (٢٧٨/٦ - ٢٧٩).
٢٢٨

على مذهب محمدٍ(١) - رضي الله عنه - في تحريمها، وأبو حنيفة لم تتواتر الرواية
عنه في إباحتها، وقد صحَّ عن أبي حنيفة أنه لم يشربها قطّ، فغضب
المعظّم، وأخرجه من مدرسة طَرْخَان؛ وولاها لتلميذه الزَّين بن العتَّال، وأقام
هو في بيته تتردد الناس إليه، لا يغشى أحداً من خلق الله تعالى، قانعاً باليسير
إلى أن مات، رحمه الله تعالی.
• وفيها أبو علي الحسين بن المبارك الزَّبِيدي(٢). قدم بغداد وسكنها،
وكان خيِّراً، عارفاً بمذهب أبي حنيفة، عالي الإِسناد. سمع أبا الوقت
[السُّجْزِيّ] وغيره، ومنه الأبرقُوهي .
• وفيها أبو الرَّبيع سَلْمَان بن نَجاح القوصي [الغَمْري](٣). سكن دمشق
وكان بارعاً في الأدب. ومن شعره:
وكُنْتَ بالأمس يا مولايَ مُنبسِطا
أَرَاكَ مُنْقَبِضَاً عَنِّي بِلَا سَبَبٍ
هذا الصُّدودَ لَعَلّ الذِّنْبَ كَانَ خَطا
وما تَعمّدتُ ذَنْباً أُستَحقُّ بِهِ
قُلْ لِي لَعَّيَ أنْ أَسْتَدْرِكَ الغَلَطا
فَإِن يَكُنْ غَلَطْ(٤) مِنِّي على غَرَرٍ
• وفيها السلطان جلال الدِّين خُوارزم شاه منكوبري بن خُوارزم شاه
علاء الدِّين محمد بن خوارزم شاه علاء الدِّين تكش بن خُوارزم شاه أرسلان
ابن خُوارزم شاه أَتْسِزْ(٥) بن محمد الخوارزمي. أحد من يضرب به المثل في
الشجاعة والإقدام.
(١) يعني محمد بن الحسن الشيباني تلميذ أبي حنيفة (ع).
(٢) انظر (العبر)) (١١٣/٥) و((سير أعلام النبلاء)) (٣٥٧/٢٢ - ٣٥٩) و((البداية والنهاية))
(١٣٣/١٣) وقد تحرفت (الحسين)) إلى ((الحسن)) في ((العبر)) بطبعتيه فتصحح.
(٣) انظر ((الوافي بالوفيات)) (٤٣٧/١٥ - ٤٣٨) ولفظة ((الغمري)) زيادة منه.
(٤) في ((الوافي بالوفيات)): ((غلطة)).
(٥) في ((آ)) و((ط)): ((أنز)) والتصحيح من ((وفيات الأعيان)) (٤٢٨/٢) و((العبر» (١١٤/٥) وهو
مترجم أيضاً في ((سير أعلام النبلاء)) (٣٢٦/٢٢ -٣٢٩) و((تاريخ الإِسلام))
(٢٨٣/٦٣ - ٢٨٧).
٢٢٩

قال الذهبي: لا أعلم في السلاطين أكثر جولاناً منه في البلدان،
ما بين الهند إلى ما وراء النهر، إلى العراق، إلى فارس، إلى كرمان، إلى
أذربيجان، وإِرمينية، وغير ذلك. وحضر مصافاً، وقاوم التتار في أول
جِدِّهم(١) وحِدّتهم. وافتتح غير مدينة، وسفك الدماء، وظلم، وعسف،
وغدر، ومع ذلك كان صحيح الإِسلام. وكان ربما قرأ في المصحف ويبكي.
وآل أمره إلى أن تفرّق [عنه](٢) جيشه وقلّوا، لأنهم لم تكن لهم إقطاعٌ، بل
أکثر عیشھم من نهب البلاد. انتهى.
وقال غيره: انهزم من التتار فرآه فلاحٌ من قريةٍ يقال لها: عَيْنُ دَارًا(٣)،
راكباً على سرجٍ مُرَصِّعَاً باليواقيت، وعلى لِجَام فرسه الجواهر، فَشَرِه الفلاح
إلى ما كان معه فأنزله فأطعمه، فلما نام ضربه بفأس فقتله وأخذ ما معه ودفنه،
فبلغ ذلك شهاب الدِّين غازي صاحب مَيَّفارقين، فأحضر الفلاح وعاقبه؛
فأقر. وأحضر الفرس والسلاح، وكان جلال الدِّين سدّاً بين المسلمين
والكُفّار. فلما مات انفتح السدُّ. وكان يتكلم بالتّركية والفارسية. انتهى.
• وفيها أبو موسى الحافظ جمال الدِّين عبد الله بن عبد الغني بن
عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي الحنبلي (٤)، الحافظ ابن الحافظ.
ولد في شوّال سنة إحدى وثمانين وخمسمائة، وسمع من عبد الرحمن
(١) كذا في ((آ((و((ط)): ((في أول جدهم)) وفي ((العبر)): ((في أول حدهم)) بالحاء المهملة.
(٢) لفظة ((عنه)) مستدركة من ((العبر)).
(٣) عین دارا، لم أقف على من ذكرها بهذا الاسم عند أصحاب کتب البلدان التي بين يدي،
ولكن جاء في (معجم البلدان)) (٤١٨/٢): دَارًا ... بلدة في لحف جبلٍ بين نصيبين
وماردين ... ذات بساتين ومياه جارية.
(٤) انظر ((العبر)) (١١٤/٥ - ١١٥) و((سير أعلام النبلاء)) (٣١٧/٢٢ - ٣٢٠) و((تاريخ الإسلام))
(٣١٦/٦٣ - ٣٢٠) و(«ذيل طبقات الحنابلة)) (١٨٥/٢ - ١٨٧).
٢٣٠

ابن الخِرَقي بدمشق، ومن ابن كُلَیب ببغداد، ومن خليل الرَّارَاني(١) بأصبهان.
ومن الأرتاحي بمصر. ومن منصور الفُراوي بنيسابور. وكتب الكثير، وعُني
بهذا الشأن. وجمع وأفاد، وتفقه وتأدب وتميَّز. مع الأمانة والدَّيانة والتقوى.
قال الضياء: اشتغل بالفقه والحديث، وصار علماً من الأعلام، حافظاً
متقناً ثقةً.
وقال عمر بن الحاجب: لم يكن في عصره مثله في الحفظ والمعرفة
والأمانة، وكان كثير الفضل، وافِرَ العقل، متواضعاً، مهيباً، وقوراً، جواداً،
سَخِيًّا، له القبولُ التَّم، مع العبادة والورع والمجاهدة.
وقال الذهبي: روى عنه الضياء، وابن أبي عمر، وابن النجار(٢)،
وجماعة كثيرون. ومع هذا فقد غمزه النَّاصح بن الحنبلي، وسبط ابن
الجوزي بالميل. إلى السلاطين.
قال ابن رجب: والعجب أن هذين الرجلين كانا من أكثر الناس ميلاً
إلى السلاطين(٣) والملوك، وتوصلًا(٤) إليهم، وإلى بِّهم بالوعظ وغيره. ولقد
كان أبو موسى أتقى للّه تعالى، وأورع، وأعلم منهما، وأكثر عِبَادَةً، وأنفع
للناس. وبنى الملك الأشرف دار الحديث بالسفح على اسمه، وجعله
شيخها. وقرَّر له معلوماً. فمات أبو موسى قبل كمالها.
توفي - رحمه الله - يوم الجمعة خامس رمضان ودفن بسفح قاسيون.
(١) تصحفت في (آ)) و((ط)) إلى (الرَّازاني)) والتصحيح من ((التكملة لوفيات النقلة)) (٣٥٤/١)
و(٣١٩/٣) و((تذكرة الحفاظ)) (١٤٠٨/٤) وحوادث سنة (٥٩٦) في المجلد السادس
ص (٥٢٨) وتحرفت نسبته في ((ذيل طبقات الحنابلة)) إلى ((الداراني)) فتصحح.
(٢) تحرفت في ((ذيل طبقات الحنابلة)) إلى ((وابن البخاري)).
(٣) لفظة ((السلاطين)) لم ترد في ((ذيل طبقات الحنابلة)).
(٤) في ((ذيل طبقات الحنابلة)): ((والتوصل)).
٢٣١

• وفيها عبد الغفَّار بن شُجَاعِ المَحَلِّي (١) الشَّروطي(٢). روى عن
السِّلَفي وغيره، ومات في شوّال عن سبع وسبعين سنة.
• وفيها عبد اللَّطيف بن عبد الوهَّاب بن محمد بن الطََّري(٣). سمع
من أبي محمد بن المَادِحِ، وهِبة الله بن الشُّبْلي، وتوفي في شعبان.
● وفيها الموفق أبو محمد عبد اللّطيف بن يُوسف العَلَّمة ذو الفُنون
البغدادي (٤) الشافعي النَّحوي اللُّغوي الطَّيب الفَيْلَسُوف، صاحب التصانيف
الكثيرة .
ولد سنة سبع وخمسين وخمسمائة، وسمع من جماعة كثيرين، منهم:
ابن البطّ، وأبو زُرْعَة، وتفقه على أبي القاسم بن فَضْلَان، وأقام بحلب،
وحفظ كُتباً كثيرةً، ومن تصانيفه ((شرح مقدمة ابن باب شاذ))(٥) في النحو،
و((شرح المقامات))(٦) و((شرح بانت سعاد)) و((الجامع الكبير)) في المنطق
والطبيعي والإِلّهي في عشر مجلدات، و((الرد على اليهود والنصارى»
و((غريب الحديث)) في ثلاث مجلدات، واختصره. و((شرح أحاديث ابن
ماجه المتعلقة بالطب)). وحَدَّث ببلدان كثيرة.
(٧) تصحفت في ((العبر) بطبعتيه إلى ((المُجَلِّي)) فتصحح.
(٢) انظر (التكملة لوفيات النقلة)) (٣٢٠/٣ -٣٢١) و((العبر)) (١١٥/٥) و((سير أعلام النبلاء))
(٣٢٠/٢٢) و(«تاريخ الإسلام)) (٣٢٢/٦٣) و((حسن المحاضرة)) (٣٧٧/١).
(٣) انظر ((التكملة لوفيات النقلة)) (٣١٥/٣ -٣١٦) و((العبر)) (١١٥/٥) و((تاريخ الإسلام))
(٣٢٣/٦٣ - ٣٢٤).
(٤) انظر (التكملة لوفيات النقلة)) (٢٩٧/٣ -٢٩٨) و((العبر)) (١١٥/٥ -١١٦) و((سير أعلام
النبلاء)) (٣٢٠/٢٢ -٣٢٣) و((تاريخ الإسلام)) (٣٢٤/٦٣) و((الإعلام بوفيات الأعلام))
ص (٢٥٩).
(٥) في ((تاريخ الإسلام)) (٣٢٨/٦٣): ((شرح مقدمة بابشاد)).
(٦) في ((تاريخ الإسلام)): ((الإنصاف بين ابن بَرِّي وابن الخشَّاب في كلامهما على المقامات)).
٢٣٢

قال الذهبي: كان أحد الأذكياء البارعين(٥) في اللغة، والآداب،
والطبِّ، وعلم الأوائل. لكن كثرة دعاويه أزرت به.
ولقد بالغ القِفْطِيُّ (٢) في الحطُّ عليه، وظَلَمَه وبخسَهُ حَقّه.
سافر من حلب ليحجّ من العراق، فأدركه الموت ببغداد في ثاني عشر
المحرم. انتهى كلام الذّهبي.
وقال الدُّبَيثي: غلب عليه علم الطبِّ والأدب، وبرع فيهما.
ومن كلامه: من لم يحتمل ألم التَّعَلُّم، لم يذق لَذَّةَ العِلْمِ ، ومن لم
یکْدَحْ لم يُفْلِحْ.
· وفيها الشيخ عُمر بن عبد الملك الدِّينَوَري(٣) الزاهد، نزيل قاسيون.
كان صاحب أحوالٍ ومُجَاهَدَات وأتباع، وهو والد جمال الدِّين خطيب كَفَر
بطنا .
• وفيها عُمر بن كَرَم بن أبي الحسن أبو حفص الدِّينَوَري ثم البغدادي
الحَمّامي (٤).
ولد سنة تسع وثلاثين وخمسمائة، وسمع من جَدِّه لَأمه عبد الوهاب
الصَّابوني، ونصر العُكْبَري، وأبي الوقت [السِّجْزِي]. وأجاز له الكَرُوخي،
وعمر بن أحمد الصفَّار الفقيه، وطائفة. انفرد عن أبي الوقت بأجزاء، وكان
صالحاً. توفي في رجب.
(١) في ((تاريخ الإِسلام)): ((المتضلعين)).
(٢) في ((آ): ((القطيعيُّ)) وهو خطأ.
(٣) انظر ((العبر)) (١١٦/٥) و((تاريخ الإسلام)) (٣٣٥/٦٣ - ٣٣٦).
(٤) انظر (التكملة لوفيات النقلة)) (٣١٣/٣) و((العبر)) (١١٦/٥) و((سير أعلام النبلاء))
(٣٢٥/٢٢) و((تاريخ الإسلام)» (٣٣٦/٦٣ - ٣٣٧).
٢٣٣

• وفيها عيسى بن المُحَدِّث عبد العزيز بن عيسى اللّخْمِي الشّرِيشي ثم
الإِسكَنْدَرَاني المقرىء(١).
سمع من السِّلَفي، وقرأ القراءات على أبي الطيِّب عبد المُنْعِم بن
الخُلُوف، ثم ادعى أنه قرأ على ابن خلف الدَّاني وغيره، فاتَّهم، وصار من
الضعفاء، وفَجَعَنَا بنفسه. توفي في سابع جُمادى الآخرة. قاله في ((العبر)).
• وفيها الحافظ الرحّال أبوبكر محمد بن عبد الغني بن أبي بكر بن
شُجَاعِ البغدادي الحنبلي، المعروف بابن نُقْطَة، ويلقب مُعِين الدِّين
ومُحب الدِّين أيضاً(٢).
ولد في عاشر رجب سنة تسع وسبعين وخمسمائة، وسمع ببغداد من
يحيى بن بَوْش، وابن سُكَينة، وغيرهما. ورحل إلى البلدان، فسمع بواسط
من أبي الفتح بن المَنْدَائي(٣)، وبإربل من عبد اللّطيف بن أبي النَّجِيب
السُّهْرَ وَرْدي. وبأصبهان من عَفِيْفَة الفَارِفَانية، وزَاهِر بن أحمد، وجماعات.
وبخُرَاسَان من مَنْصُور الفُرَاوي، والمؤيد الطُّوسي، وغيرهما. وبدمشق من
أبي اليُّمن الكِنْدي، وابن الحَرَسْتَاني، وداود بن مُلاعب، وغيرهم. وبمصر
من ابن الفخر الكاتب وغيره. وبالإِسكندرية من جماعة من أصحاب السِّلَفي.
وبمكَّة من يحيى بن يَاقُوت. وبحَرَّان من الحافظ عبد القادر [الرُّهاوي](٤).
(١) انظر (التكملة لوفيات النقلة)) (٣١٢/٣) و((سير أعلام النبلاء)) (٣١٥/٢٢) و((العبر))
(١١٦/٥ -١١٧) و(معرفة القراء الكبار)) (٦١٤/٢ - ٦١٩).
(٢) انظر (التكملة لوفيات النقلة)) (٣٠٠/٣ - ٣٠١) و((وفيات الأعيان)) (٣٩٢/٤ - ٣٩٣)
و((العبر)) (١١٧/٥) و((سير أعلام النبلاء)) (٣٤٧/٢٢) و((تاريخ الإسلام))
(٣٤٤/٦٣ -٣٤٦) و((الإعلام بوفيات الأعلام)) ص (٢٥٩) و((ذيل طبقات الحنابلة))
(١٨٢/٢ - ١٨٤).
(٣) تحرفت في (آ) و((ط)) إلى ((المنادي)) وفي ((ذيل طبقات الحنابلة)) إلى ((المنداي)) والتصحيح
من ((التكملة لوفيات النقلة)) و((سير أعلام النبلاء)) و((تاريخ الإسلام)).
(٤) تكملة من ((تاريخ الإسلام)).
٢٣٤

وبحلب من الافتخار الهاشمي. وبالموصل من جماعة. وبدَمَنْهُور، ودُنّيْسِر،
وبلاد أُخر. وعُني بهذا الشأن عنايةً تامَّةً، وبرع فيه، وكتب الكثير. وحصَّل
الأصول. وصنَّف تصانيف مفيدة.
ذكره عمر بن الحاجب في ((معجمه)) فقال: شيخنا هذا أحد الحفّاظ
الموجودين في هذا الزمان. طاف البلاد، وسمع الكثير، وصنَّف كُتباً حسنة
في معرفة علوم الحديث والأنساب، وكان إماماً، زاهداً، ورِعاً، ثقةً، ثبتاً،
حسن القراءة، مليح الخطّ، كثير الفوائد، متحرياً في الرواية، حجَّةً فيما
يقوله ويصنَّفه ويجمعه من النقل. ذا سمتٍ ووقار وعَفَاف، حسن السيرة،
جميل الظاهر والباطن، سخي النَّفس، مع القِلَّة، قانعاً باليسير، كثير الرغبة
إلى الخيرات. سألت الحافظ الضياء عنه فقال: حافظً ديِّنٌ ثقةً، صاحب
مروءةٍ، كريم النَّفس، كثير الفائدة. مشهور بالثقة، حلو المنطق. وسألت
البِرزالي عنه فقال: ثقةً ديِّنَ مفيد. انتهى.
وقال المنذري: الحافظ أبو بكر بن نُقْطَّة، سمعت منه وسمع مني بجيزة
فُسطاط مصر وغيرها. وكان أحد المشهورين.
وقال ابن خَلِّكان: دخل خُرَاسَان وبلاد الجبل والجزيرة والشام ومصر،
ولقي المشايخ وأخذ عنهم، وكتب الكثير وعلّق التعاليق النافعة، وذيَّل على
((الإكمال)) لابن ماكولا في مجلدين. وله كتاب آخر لطيف في ((الأنساب))(١)
وله كتاب ((التقييد بمعرفة رواة السنن والمسانيد)) وله غير ذلك.
وقال ابن رجب: روى عنه المنذري، والسيف بن المجد، وابن
الأثري، وابنه اللّيث بن نُقْطَة، وغيرهم.
(١) سماه ((تكملة الإكمال)) واشتهر بـ ((الاستدراك)) وهو قيد الطبع الآن في جامعة أم القرى في
مكة المكرمة، وقد صدر المجلد الأول منه بتحقيق الدكتور عبد القيوم عبد ربّ النبيّ، والمجلد
الثاني بتحقيق الدكتور عبد القيوم بالاشتراك مع الأستاذ محمد صالح عبد العزيز المراد. وقد
صدر المجلدان الثالث والرابع منه حديثاً بتحقيق الدكتور عبد القيوم، نفع الله تعالى به.
٢٣٥

وذكر ابن الأنماطي أنه سأله عن نسبته فقال: جاريةٌ ربَّت جَدَّتِي أُمّ أبي
اسمها نُقْطَة عُرِفْنَا باسمها. توفي في سنَّ الكهولة بكرة يوم الجمعة ثاني
عشري صفر ببغداد ودفن عند قبر أبيه.
• وأبوه الزاهد أبو محمد عبد الغني(١). كان من أكابر الزّهاد المشهورين
بالصلاح والإِيثار، وله أتباع ومُريدون، وبَنَتْ له أمُّ الخليفة النَّاصر مسجداً
حسناً ببغداد فانقطع فيه، وكان يقصده الناس فيتكلم عليهم، وزوَّجته بجارية
من خواصها وجهزتها بنحو من عشرة آلاف دينار؛ فما حال الحول وعندهم من
ذلك شيءٌ، بل جميع ذلك تصدق به. وكان يتصدق في [كُلِّ](٢) يومٍ بألف
دينارٍ وأصحابه(٣) صيام؛ لا يدَّخِرُ لهم عَشَاءً. وقف عليه سائل يلح في الطلب
ويصف فقره وأنه منذ كذا لم يجد شيئاً، فأخرج إليه الهاون؛ وقال: خُذ هذا
كُلْ به في ثلاثين يوماً ولا تشنِّع على الله عزَّ وجل. وتوفي ببغداد في رابع
جمادى الآخرة سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، رحمه الله.
وكان محمد بن نُقْطَة ينشد :
حَالَيْكَ فِي السَّرَّاءِ والضَّرَّاءِ
لا تُظْهِرَنَّ لعَاذِلٍ أو عَاذِرٍ
في القَلْبِ مِثْلُ شَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ
فَلِرَحْمَةِ المُتَوَجِّعِينَ مَرَارَةٌ
(١) انظر ((التكملة لوفيات النقلة)) (١ / ترجمة ١٨) كما في فهرسه. قلت: ولم أقف عليها في
النسخة التي بين يدي فقد سقطت هي وغيرها أثناء الطبع من طبعة مؤسسة الرسالة. و((ذيل
طبقات الحنابلة)) (١٨٤/٢).
(٢) سقطت من (آ)) و((ط)) واستدركتها من ((ذيل طبقات الحنابلة)).
(٣) يعني أهل بيته.
٢٣٦

سنة ثلاثين وستمائة
· فيها حاصر الملك الكَامِل آمِد وأخذها من صاحِبَها الملك المسعود
مَوْدُود، ضَرَبَهَا بالمَجانِيقِ، فلما رأى المسعود الغَلَبَة، خرج وفي رقبته منديل،
فرسم عليه وتسلّم منه البلد، وطلب منه تسليم القِلاع، فسلّم الجميع إلّ
حصن كيفا، فعذّبه بأنواع العذاب، وكان يبغضه، وكان المسعود فاسقاً يأخذ
الحُرُمِ غصباً، حتَّى وجدوا في قصره خمسمائة حُرَّةٍ من بنات النَّاس.
• وفيها توفي بهاء الدِّين التّنُوخي القاضي إبراهيم بن أبي اليُسْر شاكر
ابن عبد الله الشَّافعي(١) الكاتب البَلِيغ، والد تقي الدِّين إسماعيل. روى
بالإِجازة عن شُهْدَة، وولي قضاء المَعَرَّة في صباه خمس سنين، فقال:
لَعَمْري والصِّبا في العُنْفُوانِ
وَلِيتُ الحُكْمَ خمساً هُنَّ (٢) خَمْسٌ
ولاَ قَالوا فُلانٌ قَدْ رَشَاني
فَلَمْ(٣) تَضَعِ الأَعَادِي قَدْرَ شَاني
توفي في المحرّم.
● وفيها إدريس بن السلطان يَعْقُوب بن يُوسف أبو العَلَاءِ المأمون(٤).
(١) انظر ((العبر)) (١١٨/٥) و((تاريخ الإسلام)) (٣٥٤/٦٣ - ٣٥٦).
(٢) في ((آ)) و((ط)): ((وهي)) والتصحيح من ((العبر)) و((تاريخ الإسلام)).
(٣) في ((آ) و((ط)): ((فكم)) والتصحيح من (العبر)) و((تاريخ الإسلام)).
(٤) انظر (العبر)) (١١٨/٥) و((سير أعلام النبلاء)) (٣٤٢/٢٢ - ٣٤٣) و((تاريخ الإسلام))
(٣٠٩/٦٣ - ٣١٠).
٢٣٧

بايعوه بالأندلس، ثم جاء إلى مَرَّاكُش وملكها وعظم شأنه وسلطانه. وكان
بطلاً شجاعاً، ذا هيبةٍ شديدة وسفكٍ للدماء. قطع ذِكْرَ ابن تُومَرْت من
الخطبة، ومات غازياً، والله يسامحه.
· وفيها إسماعيل بن سليمان بن أيْداش أبو طاهر الحنفي ابن
السَّلَّر(١). حَدَّث عن الصائن هبة الله [بن عساكر]، وعبد الخالق بن أسد،
وتوفي في ذي القعدة.
• وفيها الأُوَهي - بفتحتين نسبة إلى أَوَه قرية بين زَنْجَان وهَمَذَان(٢) -
الزاهد أبو علي الحسن بن أحمد بن يوسف. نَزِيل بيت المقدس. أكثر عن
السِّلَفي وجماعة، وكان عبداً صالحاً قانتاً لله، صاحب أحوال ومجاهدات، له
أجزاء يُحَدِّث منها. توفي في عاشر صفر.
• وفيها الحسن بن السَّيِّد الأمير علي بن المُرتضى أبو محمد العَلَوي
الحسينيّ (٣). آخر من سمع من ابن ناصر، يروي عنه كتاب ((الذُّرِّيَّة الطَّاهرة))
(١) انظر (التكملة لوفيات النقلة)) (٣٥١/٣) و((العبر)) (١١٨/٥) و((تاريخ الإسلام))
(٣٥٦/٦٣) و((الجواهر المضية)) (٤٠٨/١) و((الطبقات السنية)) (١٨٩/٢).
(٢) قلت: كذا قيّد المؤلف نسبته (الأوهي)) بفتح الهمزة والواو ثم هاء وياء. وعند ياقوت في
((معجم البلدان)) (٢٨٣/١): ((الأوقي)) بفتح الهمزة والواو، ثم قاف وياء، وقال: لقيته بالبيت
المقدس تاركاً للدنيا مقبلاً على قراءة القرآن، مستقبلاً قِبْلَةَ المسجد الأقصى ... وسألته عن
نسبه فقال: أنا من بلد يقال له ((أَوَه)) فقال لي السِّلَفيُّ الحافظ: ينبغي أن تزيد فيه قافاً للنسبة،
فلذلك قيل لي ((الأوقي)) وضبط في ((سير أعلام النبلاء)) (٣٤٩/٢٢) و((تاريخ الإسلام))
(٣٥٧/٦٣) و((الإعلام بوفيات الأعلام)) ص (٢٦٠) و((توضيح المشتبه)) (٢٨٦/١):
((الإِوَقِي)) بكسر الهمزة وفتح الواو ثم قاف مكسورة تليها ياء النسب، وقال العَلَّمة الشيخ
عبد الرحمن المعلمي اليماني في تعليقه على ((الأنساب)) (٣٨٨/١): ليست - يعني القاف -
بزيادة وإنما هي إبدال الهاء الساكنة في آخر الكلمة الأعجمية قافاً كنظائره.
(٣) انظر ((العبر)) (١١٩/٥) و((سير أعلام النبلاء)) (٣٤٤/٢٢ - ٣٤٥) و((تاريخ الإسلام))
(٣٥٩/٦٣).
٢٣٨
٠

توفي في شعبان عن ستٍ وثمانين سنة، وسماعه في الخامسة من عمره. قاله
في ((العبر)).
• وفيها صفي الدِّين أبو بكر عبد العزيز بن أحمد بن عمر بن سالم بن
محمد بن باقا، العدل البغدادي الحنبلي(١) التاجر.
ولد في رمضان سنة خمس وخمسين وخمسمائة ببغداد، وقرأ القرآن،
وسمع من أبي زُرْعَة، وابن بُنْدار، وابن النَّقُور، وابن عساكر علي
[البطائحي](٢)، وخلق.
وقرأ طرفاً من الفقه على ابن المَنّي، واستوطن مصر إلى أن مات،
وشهد بها عند القضاة. وحَدَّث بالكثير إلى ليلة وفاته، وكان كثير التلاوة
للقرآن.
قال ابن النجار: كان شيخاً جليلاً، صدوقاً أميناً، حسن الأخلاق،
متواضعاً. وسمع منه خلقٍ كثير من الحفّاظ وغيرهم، منهم: ابن نُقْطَة، وابن
النجَّار، والمُنذري. وحَدَّث عنه خلق كثير، وتوفي سحر تاسع عشر رمضان
بالقاهرة، ودفن بسفح المُقَطَّم.
• وفيها القاضي أبو المعالي أحمد بن يحيى ابن قَايد(٣) الأَوَانِي،
الحنبلي. ولآه أبو صالح الجيلي قضاء دُجَيل، وله نظم، حَدَّث ببعضه. توفي
بَأَوَانًا في جمادى الأولى، وكان ابن عمِّ أبي عبد الله محمد بن أبي المَعَالي
ابن قَايد(٣) الأَوَاني، وكان زاهداً قدوةً، ذا كراماتٍ، حكى عنه الشيخ
شهاب الدِّين السُّهْرَوردي وغيره حكايات.
قال الناصح بن الحنبلي: زرته أنا ورفيق لي، فقدَّم لنا العشاء وعنده
(١) انظر ((العبر)) (١١٩/٥) و((سير أعلام النبلاء)) (٣٥١/٢٢ -٣٥٢) و((ذيل طبقات الحنابلة))
(١٨٨/٢) و((شذرات من كتب مفقودة)) ص (١٨٠).
(٢) زيادة من ((سير أعلام النبلاء)) و((ذيل طبقات الحنابلة)).
(٣) في ((١)) و((ط)): ((قائد)) وفي ((ذيل طبقات الحنابلة)) و((شذرات من كتب مفقودة)): ((فايد)) وما أثبته=
٢٣٩

جماعة كثيرة، ولم أَرَ إلّ خبزاً وخَلَّ ويقلًا، فتحدث على الطعام، ثم قال:
ضاف بعيسى، (١) ابن مَرْيم أقوامٌ، فقدم لهم خبزاً وخلا، وقال: لو كنت متكلّفاً
لأحد شيئاً لتكلفت لكم. قال: فعرفت أنه قد عرف حالي.
دخل عليه رجل من الملاحدة في رِبَاطه وهو جالس وحده فقتله فتكاً،
رضي الله عنه، ودفن في رِبَاطه وقُتل قاتله وأُحرق.
• وفيها سالم بن محمد بن سالم العَامِري اليمني.
قال المُنَّاوي في ((طبقاته)): كان رفيع المجد، عليَّ القدر، كثير
التواضع، سليم الصدر. أثنى الأكابر على لطفه وفضله، وجَنَى المريدون
ثِمَارَ الإِحسان من تربيته وعطفه، وكان شريف النَّفْسِ ، عالي الهِمَّةِ، صاحب
کراماتٍ . انتھی .
● وفيها الملك العزيز عثمان بن العادل أبي بكر بن أيوب شقيق
المعظم(٢)، وهو صاحب بانياس(٣)، وثِيْنِين(٤) وهُونِين(٥) وهو الذي بنى قلعة
الصَّبَيْبَة بين هؤلاء البلدان، وكان عاقلاً ساكناً، اتفق موته بالنَّاعِمَة وهو بستان
له ببيت لهيا من صالحية دمشق في عشر رمضان.
= من ((التكملة لوفيات النقلة)) (٣٤١/٣) و((توضيح المشتبه)) (٢٧٩/١) و((المنهج الأحمد))
للعُليمي الورقة (٣٦٦). وقيده المنذري بقوله: ((وقايد: بفتح القاف وبعد الألف ياء آخر
الحروف ودال مهملة».
(١) في ((آ)) و((ط)): (ضاف عيسى) وما أثبته من ((ذيل طبقات الحنابلة)) و((شذرات من كتب
مفقودة)».
(٢) انظر ((العبر)) (١١٩/٥) و((تاريخ الإسلام)) (٣٦٧/٦٣).
(٣) بانياس: بلدة من أعمال الجولان إلى الشمال الغربي من القنيطرة. وانظر ((الروض المعطار)
ص (٧٤) و((أطلس التاريخ العربي)) ص (٥٩) طبع دار الفكر بدمشق، و((أطلس العالم))
ص (١٥) طبع مكتبة لبنان.
(٤) تبنين: بلدة في جبال بني عامر المطلة على بانياس بين دمشق وصور. انظر (معجم البلدان))
(١٤/٢).
(٥) هونین: بلد في جبال عاملة مطلً علی نواحي حمص. انظر («معجم البلدان» (٤٢٠/٥) و ((تاج
العروس)) (٣٦٨/٩) الطبعة القديمة.
٢٤٠