النص المفهرس

صفحات 461-480

جماعة، ورحل بعد ذلك، فسمع بقرطبة من يونس بن محمد بن مغيث
والكبار، وكان من أئمة الحديث، والقراءات، والنحو، واللغة، ولي خطابة
مُرْسِية وقضاءها مدة، واشتهر ذكره وبَعُدَ صِيْتُهُ، وكانت الرحلة إليه في زمانه،
وقد صَنَّف كتاب ((المغازي)) في عدة مجلدات(١).
• وفيها عمرُ بن بكر بن محمد بن علي القاضي عماد الدِّين بن الإِمام
شمس الأئمة الجَابِرِيّ(٢) الزَّرَنْجَرِي - بفتح الزاي والراء الأولى والجيم،
وسكون النون، نسبة إلى زَرَنْجَرا قرية ببخارى(٣) - شيخ الحنفية في زمانه بما
وراء النهر، ومن انتهت إليه رئاسة الفقه، توفي في شوال عن نحو تسعين
سنة .
· وفيها التَّاج المسعودي محمد بن عبد الرحمن البَنْجَدِيْهِي (٤) - بفتح
الموحدة وسكون النون، وفتح الجيم، وبعد الدال المهملة تحتية، نسبة إلى
بَنْجِ دِية خمس قرى بمرو الرُّوذ(٥) - الخُرَاسَاني الصُّوفي الشافعي، الرحّال
الأديب، مات عن اثنتين وثمانين سنة بدمشق، وسمع من أبي الوقت وطبقته،
وأملى بمصر مجالس، وعُني بهذا الشأن، وكتب وسعى، وجمع فأوعى،
وصنَّف شرحاً طويلاً للمقامات.
قال يوسف بن خليل الحافظ: لم يكن في نقله بثقة .
وقال بن النجار: كان من الفضلاء في كُلِّ فنٍّ، في الفقه، والحديث،
والأدب، وكان من أظرف المشايخ وأجملهم.
(١) في (سير أعلام النبلاء)): ((في خمس مجلدات)).
(٢) في ((آ)) و((ط)): ((الخابوري)) والتصحيح من ((العبر)) و((سير أعلام النبلاء)).
(٣) انظر ((العبر)) (٢٥٣/٤) و((سير أعلام النبلاء)) (١٧٢/٢١ -١٧٣) و((الجواهر المضية))
(٦٤٠/٢ - ٦٤١).
(٤) انظر ((العبر)) (٢٥٣/٤) و((سير أعلام النبلاء)) (١٧٣/٢١ - ١٧٥).
(٥) انظر ((معجم البلدان)) (٤٩٨/١).
٤٦١

• وفيها أبو الفتح بن التَّعَاوِيذي(١) محمد بن عُبيد الله(٢)، الكاتب
الشاعر المشهور، نسب إلى التَّعَاوِيذي لأنه نشأ في حجره، وهو جدّه لأمه،
كان شاعراً لطيفاً، عذب الكلام، سهل الألفاظ، سار نظمه في الآفاق، وتقدم
على شعراء العراق وعمي في آخر عمره، وجمع ديوانه بنفسه.
قال ابن خَلِّكان: كان شاعر وقته، لم يكن فيه مثله، جمع شعره بين
جزالة الألفاظ وعذوبتها، ورقة المعاني ودقتها، وهو في غاية الحسن
والحلاوة، وفيما أعتقده لم يكن قبله بمائتي سنة من يضاهيه، وله في عماه
أشياء كثيرة يرثي عينيه وزمان شبابه ونضرته. وكان قد جمع ديوانه بنفسه قبل
العمى، وعمل له خطبة ظريفة، ورتبه أربعة فصول، وكل ما جدده بعد ذلك
سماه الزيادات، فلهذا يوجد ديوانه خالياً من الزيادات، وفي بعضها مكملاً
بالزيادات، ولما عمي كان باسمه راتب في الديوان، فالتمس أن يُنْقَل باسم
أولاده فنقل، وكان وزير الديوان ابن البلدي قد عزل أرباب الدواوين وحبسهم
وحاسبهم وصادرهم وعاقبهم، فقال فيه ابن التَّعَاوِيذي:
أنتَ عَلى كَشْفِهِ قديرُ
يا ربّ أشكو إليك ضرّاً
أليس صِرْنَا إلى زمانٍ فيه أبو جعفرٍ وزيرُ
وكانت ولادة ابن التَّعَاويذي في العاشر من رجب يوم الجمعة، سنة
تسع عشرة وخمسمائة، وتوفي في ثاني شوال.
والتَّعَاوِيذِي: نسبة إلى كتب التَّعَاوِيذ وهي الحروز.
• وفيها أبو بكر محمد بن موسى بن عثمان بن حازم، المعروف
(١) انظر ((وفيات الأعيان)) (٤٦٦/٤ - ٤٧٣) و((سير أعلام النبلاء)) (١٧٥/٢١ - ١٧٦) و((العبر))
(٢٥٣/٤).
(٢) في ((آ)) و((ط)): ((ابن عبد الله)) والتصحيح من مصادر الترجمة المذكورة في التعليق السابق.
٤٦٢

بالحَازِمي - بالحاء المهملة نسبة إلى جَدّه - الهمذاني(١) الشافعي الملقب
زين الدِّين. كان فقيهاً حافظاً زاهداً ورعاً متقشفاً، حافظاً للمتون والأسانيد،
غلب عليه علم الحديث، وصنَّف فيه تصانيفه المشهورة، منها ((الناسخ
والمنسوخ)) في الحديث، لم يصنَّف في فنِّه مثله، وكتاب ((المشتبه)) وكتاب
((سلسلة الذهب)) فيما روى الإِمام أحمد عن الشافعي، وفي شروط الأئمة
وغيرها من التصانيف النافعة، واستوطن بغداد، ولازم الاشتغال والتعبد إلى
أن مات ليلة الاثنين الثامن والعشرين من جمادى الأولى، ودفن في الشونيزية
مقابل الجُنيد، وكان قد فرّق كتبه على أصحاب الحديث.
قال الإِسنوي(٢): ولا نعلم أحداً ممن ترجمنا له توفي أصغر سناً منه،
[وذلك] عكس القاضي أبي الطيب، وأبي طاهر الزَّيّادي. نقل عنه في
((الروضة)) في أثناء كتاب القضاء، أن الذين أدركتهم من الحفّاظ كانوا يميلون
إلى جواز إجازة غير المعين بوصف العموم، كأجزت(٣) للمسلمين ونحوه، ثم
صحّحه النَّووي. انتهى .
• وفيها ابن صَدَقَة الحَرَّاني (٤) أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد بن
الحسن بن صَدَقَة، التَّاجر السفَّار. راوي ((صحيح مسلم)) عن الفُرَاوي. شيخ
صالح صدوق، كثير الأسفار، سمع في كهولته الكتاب المذكور، وعُمّر سبعاً
وتسعين سنة، توفي في ربيع الأول بدمشق، وله بها أوقافٌ وبٌّ.
وفيها يحيى بن محمود بن سعد الثقفي أبو الفرج الأصبهاني(٥)
(١) انظر ((العبر)) (٢٥٤/٤) و((سير أعلام النبلاء)) (١٦٧/٢١ - ١٧٢).
(٢) انظر ((طبقات الشافعية)) للإِسنوي (٤١٤/١) وما بين حاصرتين مستدرك منه.
(٣) تحرفت في ((طبقات الشافعية)) للإِسنوي إلى ((كأجرة)) فتصحح من هنا.
(٤) انظر ((العبر)) (٢٥٤/٤) و((سير أعلام النبلاء)) (١٩٣/٢١ - ١٩٤).
(٥) انظر ((العبر)) (٢٥٤/٤) و((سير أعلام النبلاء)) (١٣٤/٢١ - ١٣٥).
٤٦٣

الصوفي، حضر في أول عمره على الحداد وجماعة، وسمع من جعفر بن
عبد الواحد الثقفي، وفاطمة الجُوْزَدَانية، وجَدّه لأمه أبي القاسم، صاحب
((الترغيب والترهيب)). وروى الكثير بأصبهان، والموصل، وحلب، ودمشق،
وتوفي بنواحي هَمَذَان، وله سبعون سنة.
٤٦٤

سنة خمس وثمانين وخمسمائة
· فيها توفي أبو العَبَّاس [التُّرك] أحمد بن أحمد بن محمد بن يَنَال
الأصبهاني(١) شيخ صوفيّةٍ بلده ومسندها. سمع أبا مطيع، وعبد الرحمن
الدُّوني، وببغداد أبا علي بن نَبْهَان، وتوفي في شعبان في عشر المائة.
● وفيها ابن الموازيني أبو الحسين أحمد بن حمزة بن أبي الحسين
علي بن الحسن السُّلَمي(٢). سمع من جَدِّه، ورحل إلى بغداد في الكهولة،
فسمع من أبي بكر بن الزَّاغوني وطبقته، وكان صالحاً خيِّراً مُحَدِّثً فهمَاً، توفي
في المحرم، وهو في عشر التسعين.
· وفيها ابن أبي عَصْرُون(٣)، قاضي القضاة. فقيه الشام، شرف الدِّين
أبو سعد، عبد الله بن محمد بن هبة الله بن المطهّر بن علي بن أبي عَصْرُون
التَّميمي الحَدِيثِي (٤) ثم الموصلي، أحد الأعلام، ومولده في ربيع الأول سنة
(١) انظر ((العبر)) (٢٥٥/٤) و((سير أعلام النبلاء)) (١٢٤/٢١ -١٢٥) و((النجوم الزاهرة))
(١١٠/٦) وما بين حاصرتين مستدرك منها جميعاً.
(٢) انظر ((العبر)) (٢٥٥/٤ - ٢٥٦) و((سير أعلام النبلاء)) (١٦١/٢١ -١٦٢) و((النجوم الزاهرة))
(١١٠/٦).
(٣) انظر ((العبر) (٢٥٦/٤) و((سير أعلام النبلاء)) (١٢٥/٢١ - ١٢٩).
(٤) نسبة إلى حديثة الفرات، وتعرف بحديثة النورة، وهي على فراسخ من الأنبار. انظر ((معجم
البلدان)) (٢٣٠/٢ - ٢٣١) و((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (٣٣/٢ -٣٦).
٤٦٥

اثنتين، وقيل: ثلاث وتسعين وأربعمائة. تفقّه بالموصل وسمع بها من أبي
الحسن بن طَوْق، ثم رحل إلى بغداد، فقرأ القراءات على أبي عبد الله
البَارع، وسبط الخيّاط، وسمع من أبي الحُصَين وطائفة، ودَرَسَ النحو
والأصلين، ودخل واسط وتفقّه بها، ورجع إلى الموصل بعلومٍ جَمَّةٍ، ودرَّس بها
وأفتى، ثم سكن سنجار مدة، ثم قدم حلب ودرَّس بها، وأقبل عليه
نور الدِّين، فقدِمَ معه عندما افتتح دمشق، وولي القضاء لصلاح الدِّين سنة
ثلاث وسبعين، وله مصنفات كثيرة، منها: ((الانتصار)) في أربع مجلدات،
و((صفوة المذهب في نهاية اختصار نهاية المطلب)) في سبع مجلدات، وغير
ذلك.
قال الشيخ موفق الدِّين بن قدامة: كان ابن أبي عصرون إمام أصحاب
الشافعي .
وقال ابن الصلاح في ((طبقاته)): كان من أفقه أهل عصره، وإليه
المنتهى في الفتاوى والأحكام، وتفقّه به خلق كثير. انتهى.
وبنى له نور الدِّين المدارس بحلب، وحماه، وحمص، وبعلبك، وبنى
هو لنفسه مدرسة بحلب وأخرى بدمشق، وتوفي في شهر رمضان، وله ثلاث
وتسعون سنة.
· وفيها أبو طالب الكَرْخِي(١)، صاحب ابن الخِلّ، واسمه المبارك بن
المبارك، شيخ الشافعية بوقته في بغداد، وصاحب الخطّ المنسوب، ومؤدّب
أولاد الناصر لدين الله. درَّس بالنظامية بعد أبي الخير القزويني، وتفقّه به
جماعة، وحَدَّث عن ابن الحصين، وكان ربّ علمٍ وعملٍ ونسكٍ وورعٍ،
وكان أبوه مغنياً فتشاغل الابن بضرب العود، حتّى شهدوا له أنه في طبقة
(١) انظر ((العبر)) (٢٥٧/٤) و((سير أعلام النبلاء)) (٢٢٤/٢١).
٤٦٦

مَعْبَد، ثم أَنِف من ذلك، فجوّد الكتابة حتَّى زاد بعضُهم، وقال هو: أكتب
من ابن البواب، ثم اشتغل بالفقه فبلغ في العلم الغاية .
● وفيها محمود بن علي بن أبي طالب أبو طالب التَّميمي الأصفهاني
الشافعي .
قال ابن خَلِّكان(١): تفقّه على محمد بن يحيى، وبرع في علم
الخلاف، وصنَّف فيه تعليقة (٢) مشهورة، وكانت عمدة المدرسين في إلقاء
الدروس، ويعدون تاركها قاصر الفهم عن إدراكها، واشتغل عليه خلق كثير،
فصاروا أئمة، وكان خطيباً واعظاً، له اليد الطولى في الوعظ، ودرَّس بأصبهان
مدة .
وقال الذهبي: كان ذا يقين في العلوم، وله تعليقة جمّة المعارف،
وتوفي في شوال.
• وفيها ـ كما قال ابن ناصر الدِّين(٣) - يوسف بن أحمد الشيرازي.
كان حافظاً نقًّاداً بارعاً، شيخ الصوفية ببغداد. انتهى.
• وفيها البَحْرَاني (٤) الشاعر المشهور، تفنن في الأدب، واشتغل بكتب
الأوائل، وحَلَّ كتاب إقليدس، وهو منسوب إلى البحرين بليدة فوق هجر،
لأن في ناحية قراها بحيرة على باب الإِحساء قدرها ثلاثة أميال، وكرهوا أن
يقولوا البَحْري فيشتبه بالنسبة إلى البحر. قاله ابن الأهدل في ((تاريخه)).
(١) انظر ((وفيات الأعيان)) (١٧٤/٥) وقد نقل المؤلف عنه بتصرف واختصار.
(٢) في ((آ)) و((ط)): ((طريقة)) وما أثبته موافق لما في ((وفيات الأعيان)).
(٣) في ((التبيان شرح بديعة البيان)) (١٦٩ / ب).
(٤) هو أبو عبد الله محمد بن يوسف بن محمد بن قائد، الملقب موفق الدِّين الإِربلي أصلاً ومنشأً
البحراني. انظر ((وفيات الأعيان)) (٩/٥ -١٢) و((مرآة الجنان)) (٤٣١/٣ -٤٣٢).
٤٦٧

سنة ست وثمانين وخمسمائة
• دخلت والفرنج مُحْدِقُونَ بعَكًا، والسلطان في مقاتلتهم، والحرب
مستعر، فتارةً يظهر هؤلاء، وتارةً يظهر هؤلاء، وقدمت عساكر الأطراف مدداً
لصلاح الدِّين، وكذلك الفرنج أقبلت في البحر من الجزائر البعيدة، وفرغت
السنةُ والناس كذلك.
· وفيها توفي أبو المواهب، الحسنُ بن هبة الله بن محفوظ، الحافظ
الكبير، ابن صَصْرى التَّغْلبي الدمشقي(١). سمع من جَدِّه، ونصر الله
المِصِّيصي وطبقتهما، ولزم الحافظ ابن عساكر وتخرَّج به، ثم رحل وسمع
بالعراق من ابن البطّ وطبقته، وبهمذان من أبي العلاء الحافظ وعدة،
وبأصبهان من ابن ماشاذه وطبقته، وبالجزيرة والنواحي، وبرع في هذا الشأن،
وجمعَ وصنَّف، مع الثقة، والجلالة، والكرم، والرئاسة عاش تسعاً وأربعين
سنة وكان ثبتاً.
· وفيها أبو القاسم سيف الدِّين عبد الله بن عمر بن أبي بكر
[المقدسي](٢) الفقيه الحنبلي الإِمام.
ولد سنة تسع وخمسين وخمسمائة بقاسيون، ورحل إلى بغداد، فسمع
(١) انظر ((العبر)) (٢٥٨/٤) و((سير أعلام النبلاء)) (٢٦٤/٢١ - ٢٦٦).
(٢) انظر ((ذيل طبقات الحنابلة)) (٣٧١/١ - ٣٧٣) وما بين حاصرتين مستدرك منه.
٤٦٨

بها من جماعة، وتفقّه، وبرع في معرفة المذهب والخلاف والمناظرة، وقرأ
النحو على أبي البقاء، وحفظ ((الإِيضاح)) (١) لأبي علي، وقرأ العروض، وله فيه
تصنيف .
قال الحافظ الضياء: اشتغل بالفقه، والخلاف، والفرائض، والنحو،
وصار إماماً عالماً ذكياً فطناً فصيحاً، مليح الإِيراد، حتَّى إنني سمعت بعض
الناس يقول عن بعض الفقهاء: ما اعترض السيف على دليل إلّ ثَلَمَ دليله.
قاله ابن رجب.
وكان حسن الخَلْقِ والخُلُقِ، أنكر منكراً ببغداد، فضربه الذي أنكر
عليه، فكسر ثنيته، ثم إنه مُكّن من ذلك الرجل، فلم يقتص منه، وغزا مع
صلاح الدِّين، وسافر إلى حَرَّان، فتوفي بها شاباً في حياة أبيه، وتوفي في
شوال، رحمه الله تعالى.
· وفيها أبو العَلَاءِ نجم الدِّين عبد الوهاب بن شرف الإِسلام
عبد الواحد بن محمد بن علي الشيرازي الأصل الأنصاري (٢) شيخ الحنابلة
بالشام في وقته.
قال ولده ناصح الدِّين عبد الرحمن: ولد والدي سنة ثمان
وتسعين وأربعمائة، وأفتى ودرَّس وهو ابن نيف وعشرين سنة إلى أن مات،
وما زال محترماً معظماً قوياً، ولما مرض مرض الموت، رآني وقد بكيت،
فقال: إيش بك؟ قلت: خيراً، قال: لا تحزن عليَّ أنا ما توليت قضاءاً ولا
شحنكيةً، ولا حبست ولا ضربت، ولا دخلت بين الناس، ولا ظلمت أحداً،
فإن كان لي ذنوب فبيني وبين الله عزَّ وجل، ولي ستون سنة أفتي الناس، والله
(١) في ((آ)) و((ط)): ((الإِفصاح)) وهو خطأ، والتصحيح من ((ذيل طبقات الحنابلة)) وهو لأبي علي
الفارسي .
(٢) انظر ((ذيل طبقات الحنابلة)) (٣٦٨/١ - ٣٧١).
٤٦٩

ما حَابَيْتُ في دين الله تعالى.
وكان الشيخ الموفق وأخوه أبو عمر إذا أشكل عليهما شيءٌ سألا
والدي، وتوفي ثاني عشري ربيع الآخر، ودفن بسفح قاسيون.
• وفيها عز الدِّين عبد الهادي بن شرف الإِسلام الحنبلي.
كان فقيهاً واعظاً شجاعاً، حسن الصوت بالقرآن، شديد القوى، شديداً
في السُّنَّة، تحكى عنه حكايات عجيبة في شدة قوته، منها أنه بارز فارساً من
الفرنج، فضربه بدبوس فقطع ظهره وظهر الفرس فوقعا جميعاً، وكان في
صحبة أسد الدِّين شيركوه إلى مصر، وشاهده جماعة رفع الحجر الذي على
بئر جامع دمشق فمشى به خطوات ثم رده إلى مكانه، وبنى مدرسةً بمصر،
ومات قبل تمامها، وتوفي بمصر. وهو أخو نجم الدِّين المذكور قبله.
• وفيها علي بن محمد بن علي بن الزّيتوني(١) الفقيه الحنبلي،
المقرىء الضرير، أبو الحسن، المعروف بالبرابدسي وبرابدس(٢) قرية من
قری بغداد.
قال ابن القطيعي: سألته عن مولده فقال: ما أعلم، ولكني ختمت
القرآن سنة ثمان وخمسمائة .
قال: وسمع من ابن الحصين وغيره، وتفقّه، وناظر، وأفتى، ودرَّس.
وقال المنذري في ((وفياته)): مولده سنة ثمانين وأربعمائة. انتهى.
· وفيها أبو بكر بن الجَدّ محمد بن عبد الله بن يحيى الفِهْرِي
الإِشبيلي(٣) الحافظ النحوي. ختم ((كتاب سيبويه)) على أبي الحسن بن
(١) انظر ((التكملة لوفيات النقلة)) (١٣١/١ -١٣٢) بتحقيق الدكتور بشار عواد معروف، طبع مؤسسة
الرسالة و((ذيل طبقات الحنابلة)) (٣٦٦/١ - ٣٦٨).
(٢) كذا في ((آ)) و((ط)) وفي ((ذيل طبقات الحنابلة)): ((بالبراندسي، وبراندس ... )).
(٣) انظر ((العبر)) (٢٥٨/٤) و((سير أعلام النبلاء)) (١٧٧/٢١ - ١٧٩).
٤٧٠

الأخضر، وسمع ((صحيح مسلم)) من أبي القاسم الهَوْزَني(١)، ولقي بقرطبة أبا
محمد بن عَتَّب وطائفة، وبرع في الفقه، والعربية، وانتهت إليه الرئاسة في
الحفظ، وقدم للشورى(٢) في سنة إحدى وعشرين وخمسمائة، وعظم جاهه
وحرمته، وتوفي في شوال، وله تسعون سنة.
: وفيها محبي الدِّين قاضي القضاة أبو حامد محمد بن قاضي القضاة
كمال الدِّين أبي الفضل محمد بن عبد الله بن الشَّهْرُ زُوري(٣) الشافعي، تفقّه
ببغداد على أبي منصور بن الرزَّاز، وناب بدمشق عن أبيه، ثم ولي قضاء
حلب، ثم الموصل، وتمكن من صاحبها عز الدِّين مسعود إلى الغاية.
قال ابن خَلَّكان: قيل: إنه أَنْعَمَ في ترسله مرة إلى بغداد بعشرة آلاف
دينار على الفقهاء، والأدباء، والشعراء، ويقال: إنه في مدة حكمه بالموصل
لم يعتقل غريماً على دينارين فما دونها، بل يوفي ذلك عنه، وتحكى (٤) عنه
رئاسة ضخمة ومكارم كثيرة.
ومن شعره في وصف جرادةٍ:
وقَادِمَتَا نَسْرٍ وجُؤْجُؤْ ضَيْغَمِ
لِهَا فَخِذَا بِكْرٍ وسَاقًا نَعَامَةٍ
عَليها جِيَادُ الخَيْلِ بِالرَأْسِ والفَمِ
حَبَتْهَا أَفاعي الرَّمَلِ بَطْناً وَأَنْعَمَتْ
وتوفي بالموصل في جمادى الأولى، وله إثنتان وستون سنة.
● وفيها محمد بن المبارك بن الحسين أبو عبد الله(٥) بن أبي السعود
(١) تحرفت في ((آ)) و((ط)) إلى ((الهوازني)) والتصحيح من ((العبر)) و((سير أعلام النبلاء)).
(٢) تحرفت في ((ط)) إلى ((الستوري)).
(٣) انظر ((وفيات الأعيان)) (٢٤٦/٤ - ٢٤٨) و((العبر)) (٢٥٩/٤) و((طبقات الشافعية)) للإِسنوي
(١٠١/٢ - ١٠٢) و((مرآة الجنان)) (٤٣٢/٣).
(٤) في ((وفيات الأعيان)): ((ويحكى)).
(٥) في ((آ)) و((ط)): ((ابن عبد الله)) وهو خطأ، والتصحيح من ((العبر)) و((سير أعلام النبلاء)).
٤٧١

الخَلَوي الحَرْبي (١) المقرىء. روى بالإِجازة عن أبي الحسين بن الُيُوري
وجماعة، ثم ظهر سماعه بعد موته من جعفر السرَّاج وغيره، وعاش ثلاثاً
وتسعين سنة.
● وفيها أبو الفضل مسعود بن علي بن النَّادر البغدادي(٢). قرأ على
أبي بكر المَزْرَفي، وسبط الخَّط، وكتب عن قاضي المارستان فمن بعده
فأكثر، ونسخ مائة وإحدى وعشرين ختمة، وعاش ستين سنة، وتوفي في
المحرم .
• وفيها ابن الكَّال أبو الفتح، نصر الله بن علي (٣) الفقيه الحنفي،
مقرىء واسط. أخذ العشرة عن علي بن علي بن شِيران(٤)، وأبي عبد الله
البارع، وأخذ العربية عن ابن الشِّجَري، وابن الجَوَاليقي، وتفقّه، ودرَّس،
وناظر، وولي قضاء واسط، توفي في جمادى الآخرة، عن أربع وثمانين سنة،
وحَدَّثَ عن ابن الحُصين.
• وفيها زين الدِّين يوسف بن زين الدِّين علي بن كُوجك(٥)، صاحب
إربل وابن صاحبها، مظفر الدّين، مات مرابطاً على عكا.
• وفيها الفقيه نجم الدِّين محمد بن الموفق الصُّوفي الزاهد الشافعي
الخُبُوشَانِي(٦). تفقّه على محمد تلميذ الغزالي، وكان يستحضر كتابه
((المحيط في شرح الوسيط)) وصنَّف عليه كتاباً سماه ((تحقيق المحيط)) ستة
(١) انظر ((العبر)) (٢٥٩/٤ - ٢٦٠) و((سير أعلام النبلاء)) (١٣١/٢١ و١٥٠).
(٢) انظر ((العبر)) (٢٦٠/٤) و((سير أعلام النبلاء)) (١٥٠/٢١).
(٣) انظر ((العبر)) (٢٦٠/٤) و((معرفة القراء الكبار)) (٥٥٩/٢ - ٥٦٠) و((الجواهر المضية))
(١٩٨/٢) طبعة حيدر أباد.
(٤) تحرفت في ((ط)) إلى ((بشران)).
(٥) انظر ((العبر)) (٢٦٠/٤).
(٦) انظر ((طبقات الشافعية الكبرى)) للسبكي (١٤/٧ - ٢١) و((مرآة الجنان)) (٤٣٣/٣).
٤٧٢

عشر مجلداً، وكان صلاح الدِّين يعتقد فيه ويبالغ في احترامه(١)، وعمّر له
مدرسة الشافعي، فعمد إلى قبر ابن الكِيرَاني الظاهري، وهو من غلاة أهل
السُّنّة فنبشه من عند الشافعي، وقال: لا يكون صدِّيق وزنديق في موضع
واحد، فثارت عليه الحنابلة بمصر، ووقع فتنة بسبب ذلك، ودفن نجم الدِّين
تحت رجلي الشافعي بينهما شباك، وكان يوصف بسلامة الباطن وقلة المعرفة
بأحوال أهل الدُّنيا. قاله ابن الأهدل.
(١) في ((آ)) و((ط)): ((وكان صلاح الدين يعتقده)) وما أثبته من ((مرآة الجنان)).
٤٧٣

سنة سبع وثمانين وخمسمائة
● فيها توفي الموفق أسعد بن المِطْرَان(١) الطبيب. كان نصرانياً
فأسلم، وكان غزير المروءة، حسن الأخلاق، متعصباً للناس عند السلطان،
وكان يتوالى أهل البيت، وكان يحب صبياً اسمه عمر، فقال ابن عُنين:
هَذَا خِلَافُ الذي للنَّاسِ مِنْهُ ظَهَرْ
قَالوا المُوَفَّقُ شِيعيَّ فَقُلْتُ لَهم
وَمَا دَعَاهُ إلى الإِسلامِ غَيْرُ عُمَرْ
وكَيفَ يُصْبِحُ دِينُ الرَّفْضِ مَذْهَبَهُ
وكان يعود المرضى من الفقراء، ويحمل إليهم الأشربة من عنده
والأدوية، حتى أجرة الحمَّام، وكان مليح الصورة، ومات بدمشق ودفن
بقاسيون على قارعة الطريق عند دار زوجته واسمها جوزه، وبنت إلى جانب
تربته مسجداً ویعرف بدار جوزه.
• وفيها الفقيه أبو محمد عبد الرحمن بن علي بن المسلم الّخمي
الدمشقي الخِرَقي (٢) الشافعي. روى عن ابن المَوَازيني، وعبد الكريم بن
حمزة وجماعة، وكان فقيهاً متعبداً يتلو كُلَّ يومٍ وليلة ختمة، أعاد مدة
بالأمينية، وتوفي في ذي القعدة وسِنَّه ثمان وثمانون سنة.
(١) انظر ((مرآة الزمان)) (٢٦٣/٨ - ٢٦٤) (مخطوط) وفيه: ((ابن البطران)) و((الأعلام)) للزركلي
(٣٠٠/١) الطبعة الرابعة، ولقبه عندهما ((موفق الدِّين)).
(٢) انظر ((العبر)) (٢٦١/٤) و((سير أعلام النبلاء)) (١٩٦/٢١ - ١٩٧).
٤٧٤

• وفيها الفقيه أبو بكر عبد الرحمن بن محمد بن مُغَاور(١) الشَّاطبي
الكاتب، وهو آخر من سمع من أبي علي بن سُكَّرة، وسمع أيضاً من جماعة،
وكان منشئاً بليغاً مفوهاً شاعراً، توفي في صفر.
• وفيها أبو محمد عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عُبيد الله
الحَجْري الأندلسي المَربِّيّ (٢) أبو محمد عبد الله (٣) المقرىء الصالح. كان
حافظاً غايةً في الورع والصلاح والعدالة، برع في هذا الشأن. قاله ابن
ناصر الدِّينِ (٤).
· وفيها أبو المعالي عبدُ المنعم بن عبد الله بن محمد بن المظفَّر
الفُرَاوي النيسابوري(٥)، مسند خراسان. سمع من جَدِّه، وأبي بكر
الشيروئي(٦) وجماعة، وتفرَّد في عصره، وتوفي في أواخر شعبان عن سنِّ
عاليةٍ .
· وفيها تقي الدِّين عمر بن شاهنشاه بن أيوب الملك المظفّر (٧)،
صاحب حماة وأحد الأبطال الموصوفين. كان عمه صلاح الدِّين يحبه
ويعتمد عليه، وكان يتطاول للسلطنة ولا سيما لما مرض صلاح الدِّين، فإنه
(١) في ((آ) و((ط)): ((ابن مفاوز)) والتصحيح من ((العبر)) (٢٦١/٤) و((سير أعلام النبلاء))
(٢١ /١٥٠).
(٢) تحرفت في ((آ)) و((ط) إلى ((المري)) والتصحيح من ((سير أعلام النبلاء)) و((التبيان شرح بديعة
البيان)).
(٣) في ((آ)) و((ط): ((ابن عبد الله)) وما أثبته هو الصواب.
(٤) في ((التبيان شرح بديعة البيان)) (١٧٠ / آ) وانظر ((سير أعلام النبلاء)) (٢٥١/٢١ - ٢٥٥).
(٥) انظر (العبر)) (٢٦٢/٤) و((سير أعلام النبلاء)) (١٧٩/٢١ - ١٨٠).
(٦) في ((آ)) و((ط)) و((العبر)): ((الشيروي)) وما أثبته من ((التكملة لوفيات النقلة)) (١٥٨/١) و ((سير
أعلام النبلاء)).
(٧) انظر ((وفيات الأعيان)) (٤٥٦/٣ - ٤٥٨) و((العبر)) (٢٦٢/٤) و((سير أعلام النبلاء))
(٢٠٢/٢١ -٢٠٣) و((دول الإِسلام)» (٩٩/٢).
٤٧٥

كان نائبه على مصر، سار إلى ميَّفارقين، وإلى خلاط فأخذهما، وحاصر
مَنَازَكِرْد فمرض في رمضان ومات يوم الجمعة، وكان معه ولده المنصور
محمد فكتم موته إلى مَيَّافارقين(١) وبنيت له مدرسة بظاهر حماة ودفن بها،
واستقر ولده محمد المنصور بحماة .
• وفيها قزل أرسلان بن إِلْدكز(٢) ملك أذربيجان، وأرَّان، وهمذان،
وأصبهان، والرَّيّ بعد أخيه البهلوان محمد، قتل غيلةً على فراشه في شعبان.
• وفيها السُّهْرَ وَرْدي الفيلسوف المقتول شهاب الدِّين يحيى بن حبش
ابن أمِيرَك(٣). أحد أذكياء بني آدم. كان رأساً في معرفة علوم الأوائل، بارعاً في
علم الكلام، مناظراً محجاجاً متزهداً زُهد مردكة وفراغ، مزدرياً للعلماء
مستهزئاً، رقيق الدِّين. قدم حلب واشتهر اسمه، فعقد له الملك الظاهر
غازي ولد السلطان صلاح الدِّين مجلساً، فبان فضله وبَهَرَ علمه، فارتبط عليه
الظاهر واختص به، وظهر للعلماء منه زندقة وانحلالٌ، فعملوا محضراً بكفره
وسيَّروه إلى صلاح الدِّين وخوَّفوه من أن يفسد عقيدة ولده، فبعث إلى ولده
بأن يقتله بلا مراجعة، فخيَّره السلطان فاختار أن يموت جوعاً، لأنه كان له
عادة بالرياضة(٤)، فُمُنع من الطعام حتّى تلف، وعاش ستاً وثلاثين سنة. قاله
في ((العبر)).
وقال السيف الآمدي: رأيته كثير العلم، قليل العقل، قال لي: لا بد
لي أن أملك الأرض.
(١) قال ابن خلَّكان في ((وفيات الأعيان)): وقيل: بل توفي ما بين خلاط وميًّافارقين.
(٢) انظر ((وفيات الأعيان)) (٢٠٩/٥) و((العبر)) (٢٦٢/٤).
(٣) انظر ((وفيات الأعيان)) (٢٦٨/٦ - ٢٧٤) و((العبر)) (٢٦٣/٤ - ٢٦٥) و((سير أعلام النبلاء))
(٢٠٧/٢١ - ٢١١).
(٤) في ((العبر)) بطبعتيه: ((بالرياضيات)).
٤٧٦

وقال ابن خَلِّكان(١): هو يحيى بن حبش، وقيل اسمه أحمد، وقيل
اسمه كنيته، أبو الفتوح، وقيل عمر، والأول أصح، كان من علماء عصره.
قرأ الحكمة وأصول الفقه على الشيخ مجد الدِّين الجيلي بمدينة مراغة من أعمال
أذربيجان، إلى أن برع فيهما، وهذا مجد الدِّين الجيلي هو شيخ فخر الدِّين
الرازي، وعليه تخرَّج وبصحبته انتفع، وكان إماماً في فنونه.
قال في ((طبقات الأطباء))(٢): كان السُّهْرَ وَرْدِي أوحد أهل زمانه في علوم
الحكمية، جامعاً للفنون الفلسفية(٣)، بارعاً في أصول الفقه مُفْرِطَ الذكاء،
[فصيح العبارة]، وكان علمه أكثر(٤) من عقله. قال: ويقال عنه إنّه كان يعرف علم
السیمیاء. حکی بعض فقهاء العجم : أنه کان في صحبته، وقد خرجوا من دمشق،
قال: فلما وصلنا إلى القابون، الذي هو على باب دمشق في طريق من يتوجه إلى
حلب، لقينا قطيع غنم مع تركماني، فقلنا للشيخ: يا مولانا نريد من هذا
الغنم رأساً نأكله، فقال: هذه عشرة دراهم خذوها واشتروا بها رأس غنم،
فاشترينا من أحدهم رأساً ومشينا قليلاً، فلحقنا رفيق لمن باعنا وقال: ردوا.
هذا الرأس وخذوا أصغر منه، فإن هذا ما عرف يبيعكم، وتقاولنا نحن وإِيَّاه،
فلما عرف الشيخ ذلك قال لنا: خذوا الرأس وامشوا وأنا أقف معه(٥) وأُرضیه،
فتقدمنا نحن، وبقي الشيخ يتحدث معه ويطيِّب قلبه، فلما مضينا قليلاً تركه
وتبعنا، وبقي التركماني يمشي خلفه ويصيح به وهو لا يلتفت إليه، ولما لم
(١) انظر ((وفيات الأعيان)) (٢٦٨/٦ - ٢٧٢).
(٢) يعني ((عيون الأنباء في طبقات الأطباء)) والكلام فيه ص (٦٤١ وما بعدها) طبع مكتبة دار
الحياة ببيروت .
(٣) في ((آ)) و((ط)): ((في العلوم الحقيقية والفلسفة)) والتصحيح من ((عيون الأنباء)) و ((وفيات
الأعيان)) وما بين حاصرتين زيادة منهما.
(٤) في ((آ)) و((ط)): ((أكبر)) وما أثبته من ((عيون الأنباء)) و ((وفيات الأعيان)).
(٥) تحرفت في ((آ)) و((ط)) إلى ((وأضيعه)) والتصحيح من ((وفيات الأعيان)).
٤٧٧

يكلمه لحقه بغيظ وجذب يده اليسرى وإذا بيد الشيخ انخلعت من عند كتفه
وبقيت بيد التركماني. ودمها يجري، فبهت التركماني وتحيَّر في أمره، ورمی
اليد وخاف، فأخذ الشيخ اليد بيده اليمنى ولحقنا، فلما وصل إلينا رأينا في
يده اليمنى منديلاً لا غير.
ويحكى عنه أشياء مثل هذه كثيرة، والله أعلم بصحتها.
وله تصانيف، فمن ذلك ((التنقيحات)) في أصول الفقه، و((التلويحات))
و (الهياكل)» وغير ذلك.
وله أشعار، فمن ذلك ما قاله في النفس على مثال أبيات ابن سينا:
وصبت لمغناها القديم تشوقًا
خلعت هياكلها بجرعاءِ الحمى
رَبْعٌ عَفَتْ أطلالهُ فتمزَّقَا
رجع الصدى أن لا سبيل إلى اللَّقًا
ثم انطفى(١) فكأنه ما أَبْرَقَا
وتَلَفَّت نحو الدِّيارِ فَشَاقَهَا
وقفت تُسَائلهُ فردٍّ جوابها
فإذا بها برق تألَّقَ بالحِمى
ومن شعره المشهور أيضاً:
أبداً تحنُ إليكم الأرواحُ
وقلوبُ أهل ودادِكم تشتاقُكم
ووصالكم رَيحاُهَا والرَّاحُ
وإلى لذيذ لِقَائِكُم تَرْتَاحُ
سِتْرَ المَحَبَةِ والهوىْ فَضَّاحُ
وارحمتا للعاشقينَ تكلّفوا
وهي طويلة.
وله في النظم والنثر أشياء لطيفة، وكان شافعي المذهب، وكان يُتَّهم
بانحلال العقيدة والتعطيل، ويعتمد مذهب الحكماء المتقدمين واشتهر ذلك
عنه. انتهى ما أورده ابن خَلِّكان ملخصاً.
(١) في ((وفيات الأعيان)): ((ثم انطوى)).
٤٧٨

وقال ابن شهبة في ((تاريخ الإِسلام)): كان دنيءَ الهِمَّة، زري الخلقة،
دنس الثياب، وسخ البدن، لا يغسل له ثوباً ولا جسماً ولا يداً، ولا يقصُّ
ظفراً ولا شعراً، وكان القَمْلُ يتناثر على وجهه ويسعى على ثيابه، وكل من
يراه يهرب منه، وهذه الأشياء تنافي الحكمة والعقل والشرع.
وقال ابن الأهدل: قيل: قتل وصلب أياماً، وقيل: خُيِّرَ في أنواع
القتل، فاختار القتل بالجوع، لاعتياده الرياضة(١)، فمنع من الطعام حتى
تلف.
وقال ابن شدَّاد: أقمت بحلب فرأيت أهلها مختلفين فيه، منهم من
يصدقه ومنهم من يزندقه، والله أعلم.
· وفيها أبو طاهر يحيى بن مقبل بن أحمد بن بركة بن عبد الملك
التيمي القرشي الحريمي البغدادي (٢) الحنبلي، المعروف بابن الصدر، وهو
لقب جده عبد الواحد، ويعرف أيضاً بابن الأبيض.
ولد في شعبان سنة سبع عشرة وخمسمائة، وسمع من ابن الحصين،
وأبي بكر الأنصاري، وغيرهما، وتفقّه في المذهب، وناظر في حِلَقِ الفقهاء
وحَدَّث.
قال ابن القطيعي: كتبت عنه وكان ثقة، قال: وتوفي يوم الاثنين في
شهر شوال ودفن بمقبرة الإِمام أحمد.
(١) في ((ط)): ((الرياضات)).
(٢) انظر ((ذيل طبقات الحنابلة)) (٣٧٣/١ - ٣٧٤).
٤٧٩

سنة ثمان وثمانين وخمسمائة
فيها أخذ سيف الدِّين يَافًا بالسيف، ثم هادن الفرنج ثلاثة أعوام
وثمانية أشهر.
• وفيها توفي أحمد بن الحسين بن أحمد بن محمد البغدادي المقرىء
أبو العبَّاس، المعروف بالعراقي(١) نزيل دمشق. قرأ القرآن على أبي محمد
سبط الخيّاط، وسمع الحديث من ابن سَهْلُون وغيره، ومهر في علم
القراءات، ولقي المهذّب بن منير الشاعر بحلب وروى عنه، وقدم دمشق
فسكنها من سنة أربعين إلى أن مات، وقعد للإِقراء تحت قبة النسر، وكان
حنبلياً .
قال الشيخ موفق الدِّين: كان إماماً في السُّنَّة، داعياً إليها، إماماً في
القراءة، وكان ديِّناً يقول الشعر الحسن.
وروى عنه الشيخ موفق الدِّين وغيره، وتوفي في شعبان.
وفيها الجَنْزَوي (٢) أبو الفضل إسماعيل بن علي الشافعي الشُّرُوطي
(١) انظر ((التكملة لوفيات النقلة)) (١٨٠/١) و((معرفة القراء الكبار)) (٥٦١/٢) و((ذيل طبقات
الحنابلة)) (٣٧٦/١ - ٣٧٧) وعنه نقل المؤلف الترجمة .
(٢) في ((آ)) و((ط)) و((العبر)) بطبعتيه: ((الخبزوي)) وهو خطأ والتصحيح من ((سير أعلام النبلاء))
(٢٣٤/٢١) و((طبقات الشافعية)) للإِسنوي (٣٧٠/١) و((النجوم الزاهرة)) (١١٩/٦) ويقال =
٤٨٠