النص المفهرس
صفحات 361-380
● وفيها فتيان بن مباح بن حمد بن حمد بن سليمان بن المبارك بن الحسين السلمي الحرَّاني (١) الضرير، الفقيه الحنبلي، أبو الكرم. قدم بغداد، وسمع الحديث من أبي البركات الأنماطي، وصالح بن شافع، وغيرهما، وتفقّه بمذهب الإِمام أحمد، وعاد إلى بلده، فأفتى ودرَّس به إلى أن مات، وسمع منه أبو المحاسن القاضي القرشي، وفخر الدِّين بن تيمية، وقال في أول ((تفسيره)) - وقد ذكر شيوخه في العلم، فأول ما قال -: كنت برهة مع شيخنا الإِمام الورع أبو الكرم فتيان بن مباح، وكان طويل الباع في علم اللغة والإِعراب، لا يشق غباره في علم القرآن(٢) ومعاناة المعاني، فهماً في الأحكام ومواقع الحلال والحرام. انتهى . • وفيها محمد بن أسعد بن محمد بن نصر الفقيه الحنفي، المعروف بابن الحليم(٣) البغدادي الواعظ. درَّس بالطرخانية والصادرية، وبنى له معين الدِّين مدرسة. شرح ((المقامات)) ودفن بباب الصغير. ومن شعره : الدَّهْرُ يوضِعُ عَامداً فِيلَا وَيَرْفَعُ قَدْرَ نَمْلَهْ م. وَقَامَ لِلنَّوَّامِ نَمْ لَهْ (٤) فَإِذَا تَنَبَّه للمَنَا ● وفيها أبو عبد الله محمد بن يوسف بن سعادة المُرْسي(٥) نزيل (١) انظر ((ذيل طبقات الحنابلة)) (٣١٥/١ - ٣١٦) وفيه ((فتيان بن مياح)). (٢) في ((ذيل طبقات الحنابلة)): ((في علم القراءات)). (٣) في ((آ)) و((ط)): ((المعروف بابن الحكيم)) وفي ((الجواهر المضية)) (٣٢/٢) طبع حيدر أباد: ((عرف بابن حكيم)) والتصحيح من ((تبصير المنتبه)) (٤٤٨/١) وحاشية العلامة الشيخ عبد الرحمن المعلمي اليماني على ((الإِكمال)) (٨١/٣). (٤) رواية البيت في ((الجواهر المضية)): فإذا تنبه لليا م ونام نوام قنم له (٥) انظر ((العبر)) (١٩٣/٤) و((سير أعلام النبلاء)) (٥٠٨/٢٠). ٣٦١ شاطِبَة، مكثر عن أبي علي الصَّدَفي(١) وإليه صارت عامة أصوله، وسمع أيضاً من أبي محمد بن عَتَّب(٢)، وحجَّ(٣) فسمع من ابن غَزَال، ورَزِين العَبْدَري (٤). قال [ابن] الأَبَّار: كان عارفاً بالأثر، مشاركاً في التفسير، حافظاً للفروع، بصيراً باللغة والكلام، فصيحاً، مفوَّهاً، مع الوقار والسمتِ، والصيام والخشوع، ولي قضاء شاطِبَة، وحَدَّث وصنَّف، ومات في أول العام، وله سبعون سنة. • وفيها يحيى بن ثابت بن بندار أبو القاسم البغدادي البقّال(٥). سمع من طِرَاد والنِّعالي وجماعة، وتوفي في ربيع الأول وقد نيّف على الثمانين. · وفيها المُسْتَنْجِدُ بالله أبو المظفّر يوسف بن المُقتفي لأمر الله محمد ابن المُستظهر بالله أحمد بن المقتدي العبّاسي (٦). خطب له أبوه بولاية العهد سنة سبع وأربعين، واستخلف سنة خمس وخمسين، وعاش ثمانياً وأربعين سنة، وأُمُّه طاووس الكرجية أدركت دولته. قال السيوطي في ((تاريخ الخلفاء)) (٧): كان موصوفاً بالعدل والرفق، أطلق من المكوس شيئاً كثيراً بحيث لم يترك بالعراق مكساً، وكان شديداً على المفسدين، سَجَنَ رجلاً كان يسعى بالناس مدة، فحضر (٨) رجل وبذل (١) تحرفت في ((آ)) و((ط)) إلى ((الصوفي)) والتصحيح من ((العبر)) و((سير أعلام النبلاء)) و((نفح الطيب)) (١٥٨/٢). (٢) في ((سير أعلام النبلاء)): ((ابن عبَّاسة)). (٣) تحرفت في ((العبر)) بطبعتيه إلى ((وجمع)) فتصحح. (٤) تصحفت في ((آ)) و((ط)) إلى ((الغندري)). (٥) انظر ((العبر)) (١٩٤/٤) و((سير أعلام النبلاء)) (٥٠٥/٢٠ - ٥٠٦). (٦) انظر ((العبر)) (١٩٤/٤) و((سير أعلام النبلاء)) (٤١٢/٢٠ - ٤١٨). (٧) ص (٤٤٣). (٨) في ((تاريخ الخلفاء)): ((وحضره)). ٣٦٢ فيه عشرة آلاف درهم، فقال: أنا أعطيك عشرة آلاف دينار ودُلَّني على آخر مثله لأحبسه وأكفَّ(١) شره. وقال ابن النجار(٢): كان المستنجد موصوفاً بالفَهم الثاقب، والرأي الصائب، والذكاء الغالب، والفضل الباهر، والعدل الظاهر، له نظمٌ بديعٌ، ونثرٌ بليغ، ومعرفة بعمل آلات الفلك والأسْطُرلاب، وغير ذلك. ومن شعره في بخيل: تكرمةً منه لنا شَمْعَهْ وياخِل أشعل في بيته حتَّى جرت مِنْ عينهِ دَمْعَهْ فَمَا جَرَتْ مِنْ عينها دمعةٌ توفي في ثامن ربيع الآخر. · وفيها ابن الخلال القاضي الأديب موفق الدِّين يوسف بن محمد المصري(٣)، صاحب دواوين الإِنشاء للخلفاء، وهو شيخ القاضي الفاضل. ومن شعره: وحلَتْ مواقفُ بالوصالِ حَوَالٍ عَذُبتْ ليالٍ بالعذيب خَوَالٍ تُصبي الخليَّ وتستهيمُ السَّالي ومضَتْ لذاذاتُ تَقضَّى ذِكرُها في الصَّبوةِ الخالي بحُسنِ الخالِ وجلَتْ مُورَّدَةُ الخدودِ فأوثقتْ صَدَقوا كَذَاك البدر فَرْعُ هِلَالٍ قالوا سَرَاةُ بِنِي هِلَالٍ أصلُهَا توفي في جمادى الآخرة، وقد شاخ وولِّي بعده القاضي الفاضل. (١) في (آ)) و((ط)): ((وألف)) وهو تحريف، والتصحيح من ((تاريخ الخلفاء)). (٢) انظر ((سير أعلام النبلاء)) (٤١٨/٢٠). (٣) انظر ((وفيات الأعيان)) (٢١٩/٧ - ٢٢٥) و((العبر)» (١٩٤/٤) و((نكت الهميان)) ص (٣١٤ - ٣١٦). ٣٦٣ سنة سبع وستين وخمسمائة ● فيها تجاسر صلاح الدِّين بن أيوب وقَطَعَ خطبة العاضد العُبيدي، وكان قبل هذا كالمتحكم له، وخطب للخليفة العبّاسي المستضيء، فمات العاضد عقيب ذلك. قيل: إنه مات غبناً، وأظهر صلاح الدِّين الحزن عليه، وجلس للعزاء، ثم تسلّم القصر وما حوى، ثم حوَّل أولاد المعتضد وخاصته إلى مكان آخر ورتّب لهم كفايتهم، ولما وصل أبو سعد بن أبي عصرون رسولاً بذلك إلى بغداد، زُيِّنت، وكان يوماً مشهوداً، وكانت الخطبة العبّاسية قد قُطعت من مصر منذ مائتي سنة وتسع سنين بخطبة بني عُبيد أهل المذهب الرديء، ثم أرسل الخليفة بالخِلَعِ الفائقة الرائقة لنور الدِّين محمود بن زنكي، ولنائبه صلاح الدِّين، وكان فيما أرسل لنور الدِّين طوق ذهبٍ وزنه ألف مثقال، وحصانان وسيفان، قلد بهما، إشارة إلى الجمع له بين مصر والشام . • وفيها وقعت الوحشة بين نور الدِّين وصلاح الدِّين، وعزم على قصده، فكتب إليه صلاح الدِّين بالطاعة، فزالت الوحشة بينهما. • وفيها اتخذ نور الدِّين الحَمَامَ الهوادي في جميع البلاد في الأبراج، تنقل الأخبار، فكانت من بلاد النوبة إلى همذان، وكان أهم ما عنده قَلْعُ الفرنج من السواحل. ٣٦٤ ● وفيها توفي أحمد بن محمد الحريمي العطَّار(١). روى عن النِّعالي وجماعة، ومات في صفر عن خمس وثمانين سنة. • وفيها حسَّان بن نُمَير [الكلبيّ]، عرف بعَرْقَلة(٢). كان شيخاً خليعاً مطبوعاً، أعور العين، منادماً. اختص بصلاح الدِّين. وكان قد وعده صلاح الدِّين أنه إذا أخذ مصر يعطيه ألف دينار، فلما أخذها كتب إليه: يا ألفَ مولايَ أينَ الألفُ دينارٍ قُلْ للصلاحِ مُعيني عِندَ إعسَاري وما تفي جَنَّةُ الفِردَوسِ بالنَّارِ أخشى من الأسرِ إن حاولت(٣) أرضكمُ من بعضٍ ماخلَّفُ الطاغي أخو العَارِي فُجُد بها عاضديّاتٍ مُوفّرةً عُتقاً ثقالاً كأعدائي وأطماري حُمراً كأسيافكم غُرَّاً كخيلكمُ فجهز له ألفاً وأخذ له من إخوته مثلها، فجاءه الموت فجأة فلم ينتفع بفجأة الغِنى(٥). ومن شعره: فقلتُ لهم إذ مات أهلُ المكارمِ يقُولون لِمْ أرخصتَ شعركَ في الورى كثيرٌ إذا حَصَّلْتُهُ(٧) من بهائمِ أُجَازِىْ(٦) على الشعرِ الشعيرَ وإنّهُ • وفيها العلامة أبو محمد بن الخشَّاب عبد الله بن أحمد بن أحمد بن (١) انظر ((العبر)) (١٩٦/٤). (٢) انظر ((فوات الوفيات)) (٣١٣/١ -٣١٨) و((النجوم الزاهرة)) (٦٤/٦). (٣) في ((فوات الوفيات)): ((إن وافيت)) وانظر التعليق عليه. (٤) في ((آ): ((أخلف)). (٥) في ((آ)) و((ط)): ((الغناء)) وهو تحريف والتصحيح من ((فوات الوفيات)). (٦) في ((فوات الوفيات)): ((أُجازُ)). (٧) في ((فوات الوفيات)): ((إذا خلَّصْته)) وانظر التعليق عليه. ٣٦٥ عبد الله بن نصر البغدادي(١) النحوي المُحَدِّثُ الفقيه الحنبلي. ولد سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة، وسمع من علي بن الحسين الرَّبَعي، وابن النَّرسي، ثم طلب بنفسه، وأكثر عن أبي الحصين وطبقته، وقرأ الكثير، وكتب بخطه المليح المتقن، وأخذ العربية عن ابن الشَّجَري، وابن الجواليقي، وأتقن العربية واللغة والهندسة وغير ذلك، وصنَّف التصانيف، وكان إليه المنتهى في حسن القراءة وسرعتها وفصاحتها، مع الفهم والعذوبة، وانتهت إليه الإمامة في النحو، وكان ظريفاً مزَّاحاً قذراً، وسخ الثياب، يستقي في جرة مكسورة، وما تأهل قطَّ ولا تسرى. توفي في رمضان. قاله في ((العبر)). وقال ابن النجار(٢): كان أعلم أهل زمانه بالنحو، حتّى يقال: إنه كان في درجة أبي علي الفارسي. قال: وكانت له معرفة بالحديث، واللغة، والمنطق، والفلسفة، والحساب، والهندسة، وما من علم من العلوم إلّ کانت(٣) له فیه ید حسنة. وقال ياقوت الحموي: رأيت قوماً من نحاة بغداد يفضلونه على أبي علي الفارسي. قال: وسمع الحديث الكثير، وتفقّه فيه، وعَرَفَ صحيحه من سقیمه، وبحث عن أحكامه وتبحر في علومه. وقال ابن الأخضر: دخلت عليه يوماً وهو مريض، وعلى صدره كتاب ينظر فيه، قلت: ما هذا؟ قال: ذَكَرَ ابنُ جنِّي مسألةً في النحو، واجتهد أن يستشهد عليها ببيت من الشعر فلم يحضره، وإني لأعرف على هذه المسألة (١) انظر ((العبر)) (١٩٦/٤ -١٩٧) و((سير أعلام النبلاء)) (٥٢٣/٢٠ -٥٢٨) و((ذيل طبقات الحنابلة)) (٣١٦/١ - ٣٢٣). (٢) انظر ((المستفاد من ذيل تاريخ بغداد)) للدمياطي ص (٢٥٧) طبع مؤسسة الرسالة. (٣) لفظة ((كانت)) سقطت من ((آ)). ٣٦٦ سبعين بيتاً من الشعر، كُلُّ بيتٍ من قصيدة. وكان عالماً بالتفسير، والحديث، والفرائض، والحساب، والقراءات. وقال ابن القطيعي: انتهت(١) إليه معرفة علومٍ جَمَّةٍ، أنهاها، وشرح الكثير من علومه، وكان ضنيناً بها مع لطف مخالطةٍ وعدم تكبرٍ، واطْراحِ تَكَلُّفٍ، مع تَشْدُّدٍ في السُّنَّة، وتظاهرٍ بها في محافل علومه، ينتصر لمذهب أحمد، ويُصرّحُ ببراهينه وحججه على ذلك. وقال مسعود بن البادر: كنت يوماً بين يدي المستضيء، فقال لي: كلُّ من نعرفه(٢) قد ذكّرنا بنفسه، ووصل إليه برُّنا إلّ ابن الخشَّاب، فاعتذرت عنه بعذرٍ اقتضاه الحال، ثم خرجت، فَعَرَّفْتُ ابنَ الخشَّاب ذلك، فكتب إليه هذين البيتين : فَوَقَفْتُ دُونَ الوَرد وقفةَ حَائِمٍ وَرد الورى سلسالُ جُودِكُ فَارْتَووا والوردُ لا يَزْدَادُ غيرَ تَزَاحُمِ ظمآنُ أطلبُ خِقَّةً مِنْ زَحْمَةٍ قال ابن البادر: فعرضتهما على المستضيء، فأرسل إليه بمائتي دينار، وقال: لو زادنا زدناه. وقال ابن رجب: ويقال: إنه كان بخيلاً مقتراً على نفسه، وكان يعتمُ العِمَّة، فيبقي مُعتَّماً أشهراً تتسخ أطرافها من عرقه، فتسود وتتقطع من الوسخ، وترمي عليها العصافير ذرقها، وكان إذا رفعها عن رأسه ثم أراد لبسها تركها على رأسه كيف اتفق، فتجيء عذبتها تارةً من تلقاءِ وجهه، وتارةً عن يمينه، وتارة عن شماله(٣)، ولا يغيرها، فإذا قيل له في ذلك يقول: ما استوت العِمَّة على رأس عاقلٍ قطُّ . (١) في ((ط)): ((انتهى)). (٢) تصحفت في ((ط)) إلى ((تعرفه)). (٣) في ((آ)): ((عن يساره)). ٣٦٧ وكان - رحمه الله تعالى - ظريفاً، مزَّاحاً، ذا نوادر. فمن نوادره أن بعض أصحابه سأله يوماً، فقال: القفا يُمد أو يقصر؟ فقال: يمد ثم يقصر. ولابن الخشَّاب شعر كثير حسن، فمنه ما ألغزه في كتابه: بسرِّ وذو الوجهين للسرِّ يُظْهرُ(١) وذي أوجهٍ لكنه غير بائحٍ فَتَسْمَعُهَا مَا دُمتَ بالعينِ تُبْصَرُ (٣) تُنَاجِيكَ(٢) بالأسرارِ أسرارُ وجههِ ومنه لغزٌ في شمعة : كيفَ وكانت أُمُّهَا الشافيهْ؟ صفراءُ لا من سقمٍ مَسَّهَا فاعجب لهَا عَارية كاسيهْ عَاريةُ باطِنُهَا مكتسٍ قال ابن الجوزي: مرض ابن الخشّاب نحواً من عشرين يوماً، فدخلت عليه قبل موته بيومين وقد يئس من نفسه، فقال لي: عند الله أحتسب نفسي . وتوفي يوم الجمعة ثالث رمضان، ودفن بمقبرة الإِمام أحمد قريباً من بشر الحافي، رضي الله عنهما. ● وفيها أبو محمد عبد الله بن منصور بن الموصلي البغدادي (٤) المُعَدّل. سمع من النَّعالي، وتفرَّد بـ ((ديوان المتنبي)) عن أبي البركات الوكيل، وعاش ثمانين سنة. · وفيها العاضِدُ لدين الله أبو محمد عبد الله بن يوسف بن الحافظ لدين الله عبد المجيد بن محمد بن المستنصر بن الظاهر بن الحاكم العبيدي (١) في ((آ)) و((ط)): ((ليس يطهر)) وأثبت لفظ ((ذيل طبقات الحنابلة)). (٢) في ((ط)): ((تناديك)). (٣) في ((ذيل طبقات الحنابلة)): ((تنظر)). (٤) انظر ((العبر)) (١٩٧/٤) و((سير أعلام النبلاء)) (٥٢٩/٢٠) و((النجوم الزاهرة)) (٦٦/٦). ٣٦٨ المصري(١) الرافضي، خاتمة خلفاء الباطنية . ولد في أول سنة ستٍ وأربعين وخمسمائة، وأقامه الصالح بن رزِّيك، بعد هلاك الفائز. وفي أيامه قدم حسين بن نزار بن المستنصر العُبيدي في جموع من الغرب(٢)، فلما قرب غَدَرَ به أصحابُه وقبضوا عليه، وحملوه إلى العاضد فذبحه صبراً. ورد أن موت العاضد كان بإسهال مُفْرطٍ، وقيل: مات غماً لما سمع بقطع خطبته، وقيل: بل كان له خاتمٌ مسمومٌ فامتصه وخسر نفسه، وعاش إحدى وعشرين سنة. · وفيها أبو الحسن بن النِّعْمَة علي بن عبد الله بن خلف الأنصاري الأندلسي المَرِّي ثم البَلَنسي(٣) أحد الأعلام. توفي في رمضان، وهو في عشر الثمانين. روى عن أبي علي بن سُكّرة وطبقته، وتصدر بَبَلْسِيَة لإِقراء القراءات، والفقه، والحديث، والنحو. قال [ابن] الأبَّار: كان عالماً حافظاً للفقه والتفاسير ومعاني الآثار، مقدّماً في علم اللّسان، فصيحاً مفوَّهاً ورِعاً فاضلاً مُعظّماً، دَمِثَ الأخلاق. انتهت إليه رئاسة الفتوى والإِقراء، وصنَّف كتاباً كبيراً في ((شرح سنن النسائي)) بلغ فيه الغاية، وكان خاتمة العلماء بشرق الأندلس. · وفيها أبو المُطَهّر القاسم بن الفضل بن عبد الواحد بن الفضل (١) انظر ((العبر)) (١٩٧/٤ - ١٩٨) و((سير أعلام النبلاء)) (٢٠٧/١٥ - ٢١٥) و((النجوم الزاهرة)) (٣٣٤/٥ - ٣٥٧). (٢) تصحفت في ((آ)) و((ط)) إلى ((العرب)) والتصحيح من ((سير أعلام النبلاء)) وفي ((العبر)): ((المغرب)). (٣) انظر ((العبر)) (١٩٨/٤) و((سير أعلام النبلاء)) (٥٨٤/٢٠ - ٥٨٥). ٣٦٩ الأصبهاني الصَّيْدَلاني(١) - بفتح أوله وسكون الياء التحتية، نسبة إلى بيع الأدوية والعقاقير - روى عن رزق الله التميمي، والقاسم بن الفضل الثقفي، وتوفي في جمادى الأولى، وقد نيّف على التسعين. • وفيها أبو عبد الله بن الفرس محمد بن عبد الرحيم الأنصاري الخَزْرَجي الغرناطي (٢). تفقّه على أبيه، وقرأ عليه القراءات، وسمع أبا بكر بن عطيّة، وسمع بقرطبة من أبي محمد بن عتّاب وطبقته، وصار رأساً في الفقه، والحديث، والقراءات، توفي في شوال ببلنسية وله ست وستون سنة. • وفيها أبو حامد البُرُّوي الطَّوسي (٣) الفقيه الشافعي محمد بن محمد تلميذ محمد بن يحيى وصاحب ((التعليقة)) المشهورة في الخلاف. كان إليه المنتهى في معرفة الكلام والنظر والبلاغة والجدل، بارعاً في معرفة مذهب الأشعري. قدم بغداد وشغَّب على الحنابلة، وأثار الفتنة، ووعظ بالنظامية، وبَعُدَ صيته، فأصبح ميِّاً، فيقال: إنَّ الحنابلة أهدوا له مع امرأة صحن حلوى مسمومة، وقيل: إن البُرُّوي قال: لو كان لي أمرٌ لوضعت على الحنابلة الجزية. قاله في ((العبر)). والبُرُّوي: بفتح الموحدة وتشديد الراء المضمومة، نسبة إلى بَرُّوية جدٌّ. وفيها أبو المكارم البَاذَرائي (٤) المبارك بن محمد بن المُعَمَّر، الرجل الصالح. روى عن ابن البَطِر، والطّرثيثي، وتوفي في جمادى الآخرة. (١) انظر ((العبر)) (١٩٩/٤) و((سير أعلام النبلاء)) (٥٢٨/٢٠ - ٥٢٩). (٢) انظر ((العبر)) (١٩٩/٤) و((سير أعلام النبلاء)) (٥٢٩/٢٠) و((الوافي بالوفيات)) (٢٤٥/٣). (٣) انظر ((العبر)) (٢٠٠/٤) و((طبقات الشافعية)) للإِسنوي (٢٦٠/١ - ٢٦٣). (٤) تحرفت في ((آ)) و((ط)) إلى ((الباوراي)) والتصحيح من ((العبر)) (٢٠٠/٤) و((سير أعلام النبلاء)) (٤٩٤/٢٠). ٣٧٠ • وفيها أبو جعفر مكِّ بن محمد بن هُبيرة البغدادي(١) الأديب الحنبلي. كان فاضلاً عارفاً بالأدب، نظم ((مختصر الخِرَقي)) وقرىء (٢) [عليه] مرَّات. [توفي] بنواحي الموصل. قال ابن رجب: وأظنه أخا(٣) الوزير أبي المظفر. وكان يلقب فخر الدولة، وكأنه(٤) خرج من بغداد بعد موت الوزير. ● وفيها أبو الفتوح(٥) نصر الله بن عبد الله بن مخلوف بن قَلاقِس(٦) الأزهري الإِسكندري (٧)، الملقب القاضي الأعز، كان سِنَاطاً (٨) لا لحية له. وكان شاعراً مجيداً مدحه السِّلفيُّ، وصحب السِّلفيَّ وانتفع بصحبته، ودخل اليمن وامتدح أمير عدن فأجزل عطيته، ثم غرق ما معه وعاد إليه عرياناً، فأنشده قصيدته التي أولها: فَعُدْنَا إِلى مَغْنَاكَ والعَوْدُ أجملُ صَدَرْنَا وَقَد نادىْ السَّمَاحُ ببادىء فأحسن إليه أيضاً. ومن شعره: شيءٌ به تتعبُ القلوبُ الفِكْرُ في الرِّزقِ كيف يأتي (١) انظر ((ذيل طبقات الحنابلة)) (٣٢٣/١). (٢) في ((آ)) و((ط)): ((وقرأ)) وما أثبته من ((ذيل طبقات الحنابلة)) وما بين حاصرتين مستدرك منه. (٣) في ((آ)) و((ط)): ((أخو)) وما أثبته من ((ذيل طبقات الحنابلة)). (٤) في ((ذيل طبقات الحنابلة)): ((وكان)). (٥) في ((i)) و((ط)) و((غربال الزمان)) ص (٤٤٨) ((أبو الفتح)) والتصحيح من مصادر الترجمة. (٦) في ((آ)) و((ط)): ((ابن ملامس)) وفي ((غربال الزمان)) إلى ((قلانس)) والتصحيح من مصادر الترجمة . (٧) انظر ((وفيات الأعيان)) (٣٨٥/٥ - ٣٨٩) و((سير أعلام النبلاء)) (٥٤٦/٢٠) و((مرآة الجنان)» (٣٨٣/٣) و((البداية والنهاية)) (٢٦٩/١٢ - ٢٧٠) و((حسن المحاضرة)) (٥٦٤/١). (٨) تصحفت في (آ)) و((ط)) إلى ((سباط) والتصحيح من ((وفيات الأعيان)) والسِّناط: الكوسج الذي لا لحية له أصلاً وكذا السَّنُوط والسَّنُوطي. انظر ((مختار الصحاح)) (سنط). ٣٧١ في علم ما تحجُبُ الغُيوبُ وحَامِلُ الهَمِّ ذُو دُعاءٍ أو قَرَعَتْ بَابَكَ الخُطُوبُ فإِنْ أَلِمَّتْ بِكَ الرَّزَايَا تُكْشِفُ إلَّ به الكُرُوبُ فَجَانِبِ النَّاس وادعُ من لا وسَائِلُ الله لا يَخِيبُ مَنْ يَسأَلِ النَّاسَ يَحْرِمُوهُ ● وفيها الإِمام أبو بكر يحيى بن سعدون الأزْدي القرطبي (١) المقرىء النحوي، نزيل الموصل وشيخها. قرأ القراءات على جماعة، منهم ابن الفحّام بالإِسكندرية، وسمع بقرطبة من أبي محمد بن عَتَّاب، وبمصر من أبي صادق المديني، وببغداد من ابن الحصين، وقد أخذ عن الزمخشري، وبرع في العربية والقراءات، وتصدَّر فيهما، وكان ثقةً ثبتاً، صاحب عبادة وورعٍ وتبحر في العلوم. توفي يوم الفطر عن اثنتين وثمانين سنة. (١) انظر ((العبر)) (٢٠٠/٤ - ٢٠١) و((سير أعلام النبلاء)) (٥٤٦/٢٠ -٥٤٨). ٣٧٢ سنة ثمان وستين وخمسمائة ● فيها دخل قراقوش(١) مملوك تقي الدِّين عمر بن شاهٍ شاه ابن أخي السلطان صلاح الدِّين بن أيوب المغربَ، فنازل طرابلس المغرب وافتتحها، وكانت للفرنج. • وفيها سار شمس الدولة أخو صلاح الدِّين، فافتتح اليمن وقبض على المتغلب عليها عبد النَّبيِّ الزنديق، وقام صيتُ الدولة الأيوبية. قال في ((السمط الغالي الثمن في أخبار ملوك اليمن)): وهم - أي بنو أيوب - سبعة: الملك المعظم تُوران بن أيوب، والملك العزيز أخوه سيف الإِسلام طُغْتِكِين بن أيوب، والملك المعز ولده إسماعيل، وسيف الإِسلام أتابك سنقر بحكم الأتابكية لولد سيده الملك الناصر أيوب، ثم الملك الناصر أيوب بعده، ثم الملك المعظم سليمان بن تقي الدِّين، ثم الملك المسعود صلاح الدِّين يوسف بن الملك الكامل، فهؤلاء سبعة، ستة منهم من بني أيوب والسابع مملوكهم. انتهى. ، وفيها التقى قلج (٢) بن لاون الأرمني والرُّوم فهزمهم، وكان نور الدِّين قد استخدم ابن لاون وأقطعه سِيس، وظهر له نُصحه، وكان الكلبُ شديد (١) تحرفت في ((آ)) و((ط)) إلى ((قراوش)) والتصحيح من ((العبر)) (٢٠١/٤) و((دول الإِسلام)) (٨١/٢) و((غربال الزمان)) ص (٤٤٨). (٢) كذا في ((آ)) و((ط)) ((قلج)) وفي ((الكامل في التاريخ)) (٣٨٧/١١) و((العبر)» (٢٠١/٤) و((دول الإِسلام)» (٨١/٢): ((مليح)). ٣٧٣ النصح لنور الدِّين، مُعيناً له على الفرنج، ولما ليم نور الدِّين في إعطائه سيس، قال: أستعين به وأُريح عسكري وأجعله سدّاً بيننا وبين صاحب القسطنطينية . • وفيها سار نُور الدِّين، فافتتح [بَهَسْنَا و]مَرْعَش، ثم دخل الموصل قلج أرسلان . وفيها توفي أبو الفضل أحمد بن محمد بن شنيف الدَّارقَزّي(٢) - نسبة إلى دار القَزّ محلة ببغداد(٣) - الحنبلي المقرىء أسند من بقي في القراءات، لكنه لم يكن ماهراً بها. قرأ على ابن سوار، وثابت بن بندار، وعاش ستاً وتسعين سنة. • وفيها أرسلان خُوَارزم شاه بن أتسِز(٤) خوارزم شاه بن محمد نوشتكين(٥). ردَّ من قتال الخِطَا فمرض ومات، فتملّك بعده ابنه محمود، فغضب ابنه الأكبر خُوارزم شاه علاء الدِّين تِكش(٦)، وقصد ملك الخِطَا فبعث معه جيشاً، فهرب محمود واستولى هو على خُوَارزم، فالتجأ محمود إلى صاحب نَيْسَابُور المؤيّد فنجده، فالتقيا، فانهزم هؤلاء، وأُسر المؤيد وذُبح بين يدي تِكش(٦) صبراً، وقَتَل أُمَّ أخيه، وذهب محمود إلى غياث الدِّين صاحب الغَور(٧) فأكرمه . (١) سقطت من ((آ)) و((ط)) واستدركتها من ((العبر)) (٢٠٢/٤) و((دول الإِسلام)) (٨٢/٢). (٢) انظر ((العبر)) (٢٠٢/٤) و((سير أعلام النبلاء)) (٥١٢/٢٠) و((ذيل طبقات الحنابلة)) (٣٢٣/١ -٣٢٤) وضبط السمعاني نسبته في ((الأنساب)) (٣٠١/٥) بفتح الدال المهملة وسكون الراء وفتح القاف والزاي . (٣) انظر ((معجم البلدان)) (٤٢٢/٢). (٤) تحرفت في ((آ)) و((ط)) إلى ((أنس)) والتصحيح من ((العبر)) (٢٠٢/٤) و((سير أعلام النبلاء)) (٣٢٢/٢٠). (٥) مستدركة من ((العبر)). (٦) تصحفت في ((آ)) و((ط)) إلى ((تكس)) بالسين، والتصحيح من ((العبر)) و((سير أعلام النبلاء)). (٧) تحرفت في ((آ)) و((ط)) إلى ((الفور)) والتصحيح من ((العبر)). ٣٧٤ ● وفيها أَلْدكز ملك أذربيجان وهمذان. كان عاقلاً حميد السيرة(١) واسع المملكة(٢)، وكان ابن امرأته أرسلان شاه بن طُغْرُل السلجوقي هو السلطان وألْدكز أتابكه، لكنه كان من تحت حكمه، وولي بعده ابنه محمد البهلوان . وفيها الأمير نجم الدِّين أيوب بن شادي الدُّوِيني (٣) - بضم الدال المهملة وكسر الواو، وتحتية، ونون، نسبة إلى مدينة بأذربيجان - وهو والد الملوك صلاح الدِّين، وسيف الدِّين، وشمس الدولة، وسيف الإِسلام، وشاهٍ شاه، وتاج الملوك بوري، وست الشام، وربيعة خاتون، وأخو الملك أسد الدِّين. شبَّ به فرسه، فحمل إلى داره ومات بعد أيام في ذي الحجّة، وكان يلقَّب بالأجلِّ الأفضل، وكان أول ولاية تولاها قلم تكريت بتولية عتَّاب ابن مسعود السلجوقي، فقتلَ أخوه أسد الدِّين رجلاً فأخرجا منها، فخرجا إلى الموصل، فأحسن إليهما عماد الدِّين بن زنكي الأتابك - والأتابك اسمٌ لمن يربي الملك - وهو والدُ نور الدِّين، وهو يومئذٍ متحكم السلجوقية، فولى نجم الدِّين قلعة بعلبك، فبنى بها نجم الدِّين خانقاه للصوفية، وهي المعروفة اليوم بالمنجمية، وكان نجم الدِّين صالحاً، حسن السيرة، كريم السريرة، ولما تولى (٤) ولده صلاح الدِّين مصر استدعى أباه وكان بدمشق في خدمة نور الدِّين محمود بن زنكي، فاستأذنه فأذن له، فلما قدم على ولده صلاح الدِّين أراد أن يخلع الأمر إليه فكره، ولما مات نجم الدِّين دفن عند أخيه بالقاهرة، ثم نقلا سنة تسع وسبعين إلى المدينة النبوية. (١) في ((العبر)) (٢٠٣/٤): ((جيد السيرة)). (٢) في ((العبر)): ((واسع الممالك)). (٣) انظر ((العبر)) (٢٠٣/٤ - ٢٠٤) و((النجوم الزاهرة)) (٦٧/٦ - ٦٨). (٤) تحرفت في ((آ)) إلى ((توفي)). ٣٧٥ : · وفيها المؤيد أَبي بَهْ بن عبد الله السّنجري(٢)، صاحب نيسابور، قتل في هذا العام. • وفيها جعفر بن عبد الله بن قاضي القضاة أبي عبد الله محمد بن علي الدَّامغاني الحنفي أبو منصور. روى عن أبي مسلم السِّمْنَاني، وابن الطُّوري، وتوفي في جمادى الآخرة. ● وفيها ملكُ النُّحَاة أبو نزار الحسن بن صافي البغدادي(٢) الفقيه الأصولي المصنّف في الأصلين، والنحو، وفنون الأدب. استوطن دمشق آخراً، وتوفي بها عن ثمانين سنة. وكان لقّب نفسه ملك النُّحاة، ويغضب على من لا يدعوه بذلك، وله ديوان شعر، ومدح النَّبِيَّ - وَّهِ - بقصيدة طنَّانة، واتفق أهل عصره على فضله ومعرفته. قال في ((العبر)): كان نحويّاً بارعاً، وأصولياً متكلماً، وفصيحاً متفوهاً، كثير العجب والتيه، قدم دمشق واشتغل بها، وصنّف في الفقه والنحو والكلام، وعاش ثمانين سنة، وكان رئيساً ماجداً. انتهى. وكان شافعياً. قال ابن شهبة: تفقّه على أحمد الأشنهي، تلميذ المتولي، وقرأ أصول الفقه على ابن برهان، وأصول الدِّين على أبي عبد الله القيرواني، والخلاف على أسعد الميهني، والنحو على الفصيحي وبرع فيه، وسافر إلى خراسان والهند، ثم سكن واسط مدة، وأخذ عنه جماعة من أهلها، ثم استوطن دمشق، وصنَّ في النحو كتباً كثيرةً، وصنَّف في الفقه كتاباً سمّاه (١) انظر ((العبر)) (٢٠٤/٤). (٢) انظر ((إنباه الرواة على أنباء النحاة)) (٣٤٠/١ -٣٤٥) و((العبر)) (٢٠٤/٤) و((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (٤/٢ - ٥). ٣٧٦ ((الحاكم)) ومختصرين في الأصلين. وتوفي بدمشق في شوال ودفن بباب الصغير. · وفيها الحافظ عبد الرحيم بن محمد بن أحمد بن حمدان بن موسى الأصبهاني أبو الخير(١). كان من الأئمة الحفّاظ الأمجاد، ومن محفوظه فيما قيل ((الصحيحان)) بالإِسناد. تكلّم فيه أبو موسى المديني وغيره من النُّقَّاد. قاله ابن ناصر الدِّين(٢). ، وفيها أبو جعفر الصَّيدلاني محمد بن الحسن الأصبهاني(٣) له إجازة من بيبى الهَرْثَمِيَّة تفرَّد بها، وسمع من شيخ الإِسلام وطبقته بهراة، ومن سليمان الحافظ وطبقته بأصبهان، توفي في ذي القعدة. قاله في ((العبر)). (١) انظر ((المستفادة من ذيل تاريخ بغداد)) ص (٢٩١ - ٢٩٢) و((سير أعلام النبلاء)) (٥٧٣/٢٠ - ٥٧٥). (٢) في ((التبيان شرح بديعة البيان)) (١٦٦ / آ). (٣) انظر ((العبر)) (٢٠٤/٤) و((سير أعلام النبلاء)) (٥٣٠/٢٠ - ٥٣١). ٣٧٧ سنة تسع وستين وخمسمائة ، فيها ثارت الفرنج لموت نور الدِّين الملك العادل أبو القاسم محمود ابن زنكي ابن آق سُنْقُر (١). تملّك حلب بعد أبيه ثم أخذ دمشق فملكها عشرين سنة، وكان مولده في شوال سنة إحدى عشرة وخمسمائة، وكان أجلَّ ملوك زمانه، وأعدلهم، وأدينهم، وأكثرهم جهاداً، وأسعدهم في دنياه وآخرته، هزم الفرنج غير مرَّة. وأخافهم وجرّعهم المُرَّ، وكان أولاً متحكماً لملوك السلاجقة، ثم استقلّ، وكان في الإِسلام زيادة ببقائه. افتتح من بلاد الرُّوم عدة حصون، ومن بلاد الفرنج ما يزيد على خمسين حصناً، وكان أسمرَ، طويلاً، مليحاً، تركي اللحية، نقي الخدِّ، شديد المهابة، حسن التواضع، طاهر اللِّسان، كامل العقل والرأي، سليماً من التكبر، خائفاً من الله. قلّ أن يوجد في الصلحاء مثله، فضلاً عن الملوك. ختم الله له بالشهادة ونوله الحسنى إن شاء وزيادة، وخطب له في الدُّنيا، وأزال الأذان بـ (حيَّ على خير العمل) وبنى المدارس وسور دمشق، وأسقط ما كان يؤخذ من جميع المكوس، وبنى المكاتب للأيتام ووقف عليها الأوقاف، وبنى الرُّبط والبيمارستان، وأقطع العرب الإِقطاعات لئلا يتعرضوا للحاج، وبنى الخانات(٢)، وكان حسن الخطِّ، كثير المطالعة، مواظباً على الصلوات (١) انظر ((وفيات الأعيان)) (١٨٤/٥ - ١٨٨) و((سير أعلام النبلاء)) (٥٣١/٢٠ - ٥٣٩). (٢) في ((ط)): ((الخانات والرُّبط)) وقد تقدمت الإِشارة إلى بنائه الرُّبط قبل قليل كما ترى. ٣٧٨ الخمس، كثير تلاوة القرآن، لم تسمع منه كلمة فحشٍ، ذو عقلٍ متينٍ، يحب الصالحين ويزورهم في أماكنهم. قال ابن الأثير (١): طالعت تواريخ(٢) الملوك المتقدّمين - قبل الإِسلام وإلى يومنا هذا- فلم أرَ فيها بعد الخلفاء الراشدين، وعمر بن عبد العزيز، ملكاً أحسن سيرةً منه، ولا أكثر تحرياً للعدل والإِنصاف. ثم ذكر زهده، وعدله، وفضله، وجهاده، واجتهاده، وكان لا يأكل، ولا يشرب، ولا يتصرف في شيءٍ يخصه إلّ من ملك اشتراه من سهمه من غنائم الكفّار، ولم يلبس حريراً قطُّ ولا ذهباً ولا فضةً، وكان كثير الصيام، وله أوراد في الليل والنهار(٣)، وكان يقدم أشغال المسلمين عليها، ثم يتمم، وكان يلعب بالكرة في ميدان دمشق، فجاء رجل فوقف بإزائه، فقال للحاجب: سله ما حاجته؟ فقال: لي مع نور الدِّين حكومة، فرمى الصولجان من يده وجاء إلى مجلس القاضي كمال الدِّين الشَّهَرِ زُوري، وقال له: لا تنزعج، واسلك معي ما تسلكه مع آحاد الناس، فلما حضر سوى بينه وبين خصمه وتحاكما، فلم يثبت للرجل عليه حقٌّ، وكان يدعي مُلكاً(٤) في يد نور الدِّين، فقال نور الدِّين للقاضي: هل ثبت له عليَّ حقٌّ؟ قال: لا. قال: فاشهدوا أني قد وهبتُ الملك له، وقد كنت أعلم أنه لا حقّ له عندي، وإنما حضرت معه لئلا يُقال عنّي أني طُلبت إلى مجلس الشرع فأبيتُ. وبنى دار العدل، وكان يجلس في كل أسبوعٍ أربعة أيام، ويحضر عنده الفقهاء، ويأمر بإزالة الحُجَّاب والبوّاب حتّى يصل إليه الشيخ الكبير (١) انظر ((الكامل في التاريخ)) (٤٠٣/١١). (٢) في ((الكامل)): ((سِيّر)). (٣) في ((ط)): ((في النهار والليل)). (٤) يعني شيئاً من أملاكه. ٣٧٩ والضعيف، ويسأل الفقهاء عما أشكل، وإذا حضر الحرب شد تركَشين(١) وحمل قوسين، وبنى جامعه بالموصل، وفوّض أمره إلى الشيخ عمر المُلّ، وكان من الأخيار، وإنما قيل المُلّ لأنه كان يملأ أتون الآجر ويتقوت بالأجرة، وليس عليه غير قميص ولا عمامة، ولا يملك شيئاً، فقيل له: إن هذا لا يصح لمثل هذا العمل، فقال: إذا وليت بعض الأجناد لا يخلو من الظلم وهذا الشيخ لا يظلم، فإن ظلم كان الظلم عليه، فدفع إلى الشيخ ستين ألف دينار، وقيل: ثلثمائة ألف دينار، فتم بناؤه في ثلاث سنين، فلما دخل نور الدِّين إلى الموصل دخله وصلى فيه، ووقف عليه قريةً، فدخل عليه المُلّ وهو جالس على دِجلة، وترك بين يديه دفاتر الخرج، وقال: يا مولانا أشتهي أن تنظر فيها، فقال نور الدِّين: يا شيخ، نحن عملنا هذا لله تعالى، دع الحساب ليوم الحساب، ثم رمى الورق إلى دجلة. ووقع في يده ملك من ملوك الفرنج، فبذل في نفسه مالاً عظيماً، فشاور الأمراء، فأشاروا ببقائه في الأسر خوفاً من شرِّه، فقال له نور الدِّين أحضر المال، فأحضر ثلثمائة ألف دينار، فأطلقه، فلما وصل إلى بلده مات. وطلب الأمراء سهمهم، فقال: ما تستحقون شيئاً لأنكم أشرتم بغير الفداء، وقد جمع الله تعالى بين الحسنيين الفداء وموت اللعين، فبنى بذلك الفداء المارستان الذي بدمشق، والمدرسة، ودار الحديث، ووقف عليها الأوقاف. وذكر المَطَري (٢) في كتابه ((تاريخ المدينة)) أن السلطان محمود رأى (١) في ((آ) و((ط)) و((سير أعلام النبلاء)) (٥٣١/٢٠): ((تركاشين)) وما أثبته من ((الكامل في التاريخ)) وهو الصواب. جاء في (معجم الألفاظ الفارسية المعربة)) لادي شير ص (٣٦): التَّلكش تعريب ((تركش)) وهو الجعبة. (٢) هو أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن خلف الخزرجي الأنصاري السعدي المدني المَطَري، المتوفى سنة (٧٤١) هـ، واسم كتابه الذي ألمح إليه المؤلف ((التعريف بما أنست الهجرة من معالم دار الهجرة)). انظر ((لحظ الألحاظ)) ص (١١٠) و((الأعلام)) (٣٢٥/٥ - ٣٢٦). ٣٨٠