النص المفهرس

صفحات 61-80

أهل البدع، والترحم على أمواتهم، وعلى الحلَّج وأمثاله، وأشهد عليه
جماعة كثيرة من الشهود والعلماء.
قال ابن الجوزي وأفتى ابن عقيل، ودرَّس وناظر الفحول، واستُفتي في
الديوان في زمن القائم في زمرة من الكبار. وجمع علم الفروع والأصول،
وصنَّف فيها الكتب الكبار، وكان دائم التشاغل بالعلم، حتّى إني رأيت بخطه:
إني لا يحل لي أن أُضيع ساعة من عُمري، حتَّى إذا تعطّل لساني عن
مذاكرة ومناظرة، وبصري عن مطالعة، أعملت فكري في حال راحتي، وأنا
منطرح(١) فلا أنهض إلّ وقد خطر لي ما أسطره.
وقال ابن الجوزي أيضاً: وكان ابن عقيل قويّ الدِّين، حافظاً للحدود.
وکان کريماً ينفق ما يجد، فلم يخلّف سوى كتبه وثياب بدنه، وكانت بمقدار
كفنه، وأداء دينه. انتهى .
وكان - رحمه الله تعالى - بارعاً في الفقه وأصوله. له في ذلك استنباطات
عظيمة حسنة، وتحريرات كثيرة مستحسنة .
وله تصانيف كثيرة في أنواع العلم، وأكبر تصانيفه كتاب ((الفنون)) وهو
كبير جداً، فيه فوائد كثيرة جليلة، في الوعظ، والتفسير، والفقه، والأصول(٢)
والنحو، واللغة، والشعر، والتاريخ، والحكايات. وفيه مناظراته ومجالسه التي
وقعت له، وخواطره، ونتائج فكره قَّدَها فيه.
قال ابن الجوزي: وهذا الكتاب مائتا مجلد.
وقال عبد الرزاق الرسعني في ((تفسيره)): قال لي أبو البقاء اللّغوي:
سمعت الشيخ أبا حكيم النّهرواني يقول: وقفتُ على السِّفر الرابع بعد
الثلثمائة من كتاب ((الفنون)).
(١) كذا في ((آ)) و((ط)): ((منطرح)) وفي ((ذيل طبقات الحنابلة)): ((مستطرح)) ..
(٢) كذا في ((آ)): (والأصول)) وفي (ط)) و((ذيل طبقات الحنابلة)): ((والأصلين)).
٦١

وقال الحافظ الذهبي في ((تاريخه)): لم يُصنَّفَ في الدنيا أكبر من هذا
الكتاب. حدثني من رأى منه المجلد الفلاني بعد الأربعمائة.
وقال بعضهم: هو ثمانمائة مجلد(١).
وله في الفقه كتاب ((الفصول)) ويسمى ((كفاية المفتي)) في عشر
مجلدات، وله كتب كثيرة غير ذلك.
قال السِّلفي: ما رأت عيناي مثل الشيخ أبي الوفاء بن عقيل، ما كان
أحد يقدر أن يتكلم معه لغزارة علمه، وحسن إيراده، وبلاغة كلامه، وقوة
حججه، ولقد تكلم يوماً مع شيخنا أبي الحسن إلكيا الهرَّاسي في مسألة،
فقال له شيخنا: ليس هذا بمذهبك. فقال: أنا لي اجتهادٌ، متى طالبني
خصمي بحجة، كان عندي ما أدفع به عن نفسي، وأقول له بحجتي. انتهى.
وكان ابن عقيل كثير التعظيم للإِمام أحمد وأصحابه، والردِّ على
مخالفيهم .
وله مسائل كثيرة ينفرد بها .
منها: أن الرِّبا لا يجري إلّ في الأعيان الستة المنصوص عليها.
ومنها: أن المشروع في عطية الأولاد التسوية بين الذكور والإناث.
ومنها أنه يجوز استئجار الشجر المثمر تبعاً للأرض، لمشقة التفريق
بينهما .
ومنها: أن الزروع (٢) والثمار التي تسقى بماءٍ نجسٍ طاهرةٌ مُباحة، وإن
لم تسق بعده بماء طاهر.
ومنها: أنه لا يجوز وطء المكاتبة، وإن اشترط وطأها في عقد الكتابة.
(١) في ((ذيل طبقات الحنابلة)): ((مجلدة)).
(٢) في ((ط)): ((الزرع)).
٦٢

ومنها: أنه لا زكاة في حليّ المواشط المعد للكراء.
إلى غير ذلك.
وتوفي أبو الوفاء - رحمه الله تعالى - بكرة الجمعة، ثاني عشر جمادى
الأولى، وصُلِّي عليه في جامعي القصر والمنصور. وكان الجمع يفوت
الإحصاء .
قال ابن ناصر: حزرتهم بثلثمائة ألف. ودفن في دكة قبر الإِمام أحمد
رضي الله عنه. وقبره ظاهر، رضي الله عنه.
وقال ابن الجوزي: حدثني بعض الأشياخ: أنه لما احتضر ابن عقيل،
بكى النساء، فقال: قد وقَّعْتُ عنه (١) خمسين سنة، فدعوني أتهنأ بلقائه.
انتهى ما أورد ابن رجب ملخصاً كثيراً.
ثم قال(٢): وكان لابن عقيل ولدان ماتا في حياته، أحدهما:
أبو الحسن عقيل. كان في غاية الحسن، وكان شاباً فهماً، ذا خطّ
حسن .
قال ابن القطيعي: حكى والده أنه ولد ليلة حادي عشري(٣) رمضان،
سنة إحدى وثمانين وأربعمائة .
وحكى غيره أنه سمع من هبة الله بن عبد الرزاق الأنصاري، وعلي بن
حسين بن أيوب، وغيرهما. وتفقه على أبيه، وناظر في الأصول والفروع.
وسمع الحديث الكثير، وشهد عند قاضي القضاة أبي الحسن ابن
(١) يعني عن الله تعالى.
(٢) القائل ابن رجب في ((ذيل طبقات الحنابلة)) (١٦٣/١ - ١٦٥).
(٣) في ((ذيل طبقات الحنابلة)): ((حادي عشر)).
٦٣

الدامغاني، فقبل قوله. وكان فقيهاً فاضلاً، يقول الشعر، وكان يشهد مجلس
الحكم، ويحضر الموكب.
وتوفي - رحمه الله - يوم الثلاثاء، منتصف محرم، سنة عشر، وقيل سنة
ثلاث عشرة، قبل والده بشهر واحد، وكان له من العمر سبع وعشرون سنة،
ودفن في داره [بالظفرية]، فلما مات أبوه نُقل معه إلى دكة الإِمام أحمد.
قال والده: مات ولدي عقيل، وكان قد تفقّه وناظر، وجمع أدباً حسناً
فتعزَّيت بقصة عمرو بن عبدودِّ الذي قتله علي رضي الله عنه، فقالت أُمُّه
ترثيه :
ما زلتُ أَبكي عليه دائم الأبدِ
لَوْ كَانَ قَاتِلُ عمرو غيرَ قاتلهِ
من كان يُدعى أبوه بيضةَ البلدِ
لكنَّ قاتلَهُ مَنْ لا يُقَادُ به
فأسلاها وعزاها جلالة القاتل، وفخرها بأن ابنها مقتوله. فنظرت إلى
قاتل ولدي الحكيم المالك، فهان عليَّ القتل والمقتول لجلالة القاتل، وأكب
عليه وقبّله، وهو في أكفانه. وقال: يا بني استودعتُك الله الذي لا تضيع
ودائعه. الرَّبُّ خير لك مني، ثم مضى وصلى عليه.
ومن شعر عقيل هذا:
طللٌ عافٍ سوى أثرِهْ
شَاقَهُ والشوقُ من غيرهْ
واكف بالودق من مطرِهْ
مقفرٌ إلّ معالمهُ
كانسلال السِلك عن درره
فانثنى والدمعُ منهملٌ
سبحاتٌ لَسْنَ من وَطَرِهْ
طاوياً كشحاً على نُوَبٍ
وحُلولُ الشَّيب في شعرهْ
رحلة الأحبابِ عن وطنٍ
مستبيناتٌ لمختبرِةْ
شيمٌ للَّهر سالفة
وقبول الدّر مبسمها
أبلج يفترّ عن خَصَرِهْ
٦٤

هزَّ عطفيها الشبابُ كما ماس غصنُ البان في شجرهْ
كدجىَّ أبدى سنا قمرهْ
ذاتُ فرع فوق ملتمع
كاشتكاء الصبِّ من سهرِهْ
خَصْرُهَا يشكو رَوَادِفَهَا
فهو مصمى بمعتورِةْ
نصبت قلبي لها غرضا
والآخر :
• أبو منصور هبة الله. ولد في ذي الحجة، سنة أربع وسبعين
وأربعمائة، وحفظ القرآن، وتفقه، وظهر منه أشياء تدل على عقل غزير ودين
عظيم. ثم مرض وطال مرضه، وأنفق عليه أبوه مالاً في المرض وبالغ.
قال أبو الوفاء: قال لي ابني لما تقارب أجله: يا سيدي قد أنفقتَ
وبالغت في الأدوية، والطب والأدعية (١)، وللّه تعالى فيَّ اختيارٌ، فدعني مع
اختياره. قال: فوالله ما أنطق الله سبحانه وتعالى ولدي بهذه المقالة التي
تشاكل قول إسحاق لإِبراهيم(٢): ﴿أَفْعَلْ مَا تُؤْمَر﴾ [الصافات: ١٠٣] إِلَّ
وقد اختاره للحظوة .
(١) قوله: ((والطب والأدعية)) سقط من ((آ)).
(٢) قلت: اختلف العلماء في الذّبيح على قولين. أحدهما أنه إسماعيل، والآخر أنه إسحاق،
عليهما السلام، والأول هو الصحيح.
قال الحافظ ابن كثير في ((تفسيره)) (١٤/٤): قال تعالى: ﴿فَبَشَّرناه بغلام حليم) وهذا
الغلام هو إسماعيل عليه السلام، فإنه أول ولد بشّر به إبراهيم عليه السلام، وهو أكبر من
إسحاق باتفاق المسلمين وأهل الكتاب، بل في نص كتابهم أن إسماعيل عليه السلام ولد
ولإِبراهيم عليه السلام ست وثمانون سنة. وولد إسحاق وعمر إبراهيم عليه الصلاة والسلام
تسع وتسعون سنة. وعندهم أن الله تبارك وتعالى أمر إبراهيم أن يذبح ابنه وحيده، وفي نسخة
أخرى بكره، فأقحموا هاهنا كذباً وبهتاناً إسحاق ولا يجوز هذا لأنه مخالف لنص كتابهم،
وإنما أقحموا إسحاق لأنه أبوهم وإسماعيل أبو العرب، فحسدوهم، فزادوا ذلك وحرّفوا
وحيدك بمعنى الذي ليس عندك غيره، فإن إسماعيل كان [إبراهيم قد] ذهب به وبأمه إلى
مكة، وهو تأويل وتحريف باطل، فإنه لا يقال وحيدك إلا لمن ليس له غيره، وأيضاً فإن أول
ولد ولد له بعزُّه ما ليس لمن بعده من الأولاد، فالأمر بذبحه أبلغ في الابتلاء والاختبار . =
٦٥

توفي - رحمه الله تعالى - سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، وله نحو أربع
عشرة سنة .
وحمل أبو الوفاء - رحمه الله تعالى - في نفسه من شدة الألم أمراً
عظيماً، ولكنه تصبَّر ولم يُظهر جزءاً، وكان يقول: لولا أن القلوب توقن
باجتماع ثانٍ لانفطرت المرائر لفراق المحبوبين. انتهى ملخصاً أيضاً.
• وفيها قاضي القضاة، أبو الحسن الدَّامغاني(١)، علي بن قاضي
القضاة أبي عبد الله الحنفي، ولي القضاء بضعاً وعشرين سنة، وكان ذا
حزمٍ، ورأيٍ، وسؤددٍ، وهيبةٍ وافرةٍ، وديانةٍ ظاهرةٍ. روى عن أبي محمد
الصريفيني وجماعة، وتفقّه على والده، وتوفي في المحرم، عن أربع وستين
سنة .
وفيها أبو سعد المخرِّمي، المباركُ بن علي بن الحسن بن بندار
البغدادي (٢). الفقيه الحنبلي. روى عن القاضي أبي يعلى، وابن المهتدي،
وابن المُسلمة، والصَّريفيني، وابن النَّقور، وغيرهم. وسمع من القاضي أبي
وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الذبيح هو إسحاق، وحكي ذلك عن طائفة من
=
السلف، حتى نقل عن بعض الصحابة رضي الله عنهم أيضاً، وليس ذلك في كتاب ولا سنّة،
وما أظن ذلك تلقي إلا عن أخبار أهل الكتاب، وأُخذ ذلك مسلَّماً من غير حجة، وهذا كتاب
الله شاهد ومرشد إلى إسماعيل، فإنه ذكر البشارة بغلام حليم، وذكر أنه الذبيح، ثم قال بعد
ذلك: ﴿وبشرناه بإسحاق نبياً من الصالحين﴾ ولما بشرت الملائكة إبراهيم بإسحاق قالوا:
﴿ إِنّا نبشرك بغلام علیم﴾. انتهى كلام ابن كثير.
أقول: وقال الإِمام ابن قيم الجوزية في ((زاد المعاد)) (٧١/١) طبع مؤسسة الرسالة:
وإسماعيل هو الذبيح على القول الصواب عند علماء الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وأما
القول بأنه إسحاق فباطل بأكثر من عشرين وجهاً، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول:
هذا القول إنما هو متلقى عن أهل الكتاب، مع أنه باطل بنص كتابهم، فإن فيه: إن الله أمر
إبراهيم أن يذبح ابنه بكره، وفي لفظ: وحيده، ولا يشك أهل الكتاب مع المسلمين أن
إسماعيل هو بكر أولاده. (ع).
(١) انظر ((العبر)) (٣٠/٤).
(٢) انظر ((العبر)) (٣١/٤) و((ذيل طبقات الحنابلة)) (١٦٦/١ - ١٧١).
٦٦

يعلى شيئاً من الفقه، ثم تفقه على صاحبه الشريف أبي جعفر، ثم القاضي
يعقوب، ثم القاضي البَّرْزَبِيني. وأفتى ودرَّس، وجمع كتباً كثيرة لم يُسبق إلى
جمع مثلها. وكان حسن السيرة، جميل الطريقة، سديد الأقضية، وتوفي في
[ثاني] عشر المحرم، ودفن إلى جانب أبي بكر الخلال عند رجلي الإِمام
أحمد، رضي الله عنه.
· وفيها أبو الفضل بن المَوَازِيني، محمد بن الحسن بن الحسين
السّلمي الدمشقي(١) العابد، أخو أبي الحسن. روى عن أبي عبد الله بن
سلوان وجماعة.
• وفيها أبو بكر محمد بن طرخان بن بُلْتِكِين بن مُبارز التُّركي ثم
البغدادي(٢)، الشافعي، المُحَدِّث النحوي، أحد الفضلاء. روى عن أبي
جعفر بن المسلمة وطبقته، وتفقّه على الشيخ أبي إسحاق، وكان ينسخ
بالأجرة، وفیه زهد وورع تام.
• وفيها خُورْوَست، أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد بن الحسين
الأصبهاني (٣) المجلِّد. روى عن أبي الحسين بن فاذشاه، وابن رِيذة، وتوفي
في جمادى الأولى.
• وفيها محمد بن عبد الباقي، أبو عبد الله الدُّورِيّ (٤)، السّمسار
الصالح. روى عن الجَوْهَري، وأبي طالب العُشَاري، ومات في صفر، عن
تسع وسبعين سنة .
(١) انظر ((العبر)) (٣٠/٤).
(٢) انظر ((العبر)) (٣٠/٤).
(٣) انظر ((العبر)) (٣٠/٤) و((سير أعلام النبلاء)) (٤١٩/١٩ - ٤٢٠).
(٤) انظر ((العبر)) (٣١/٤).
٦٧

١
سنة أربع عشرة وخمسمائة
• فيها توفي أبو علي بن بَلّيمة، الحسن بن خلف القيرواني(١)
المقرئ، مؤلّف ((تلخيص العبارات في القراءات)) توفي في رجب، في
الإِسكندرية، وهو في عشر التسعين. قرأ على جماعة، منهم: أبو العبَّاس
أحمد بن نَفِيس .
● وفيها الطّغْرَائي، الوزير مؤيد الدِّين أبو إسماعيل، الحسين بن علي
الأصبهاني، صاحب ((ديوان الإِنشاء)) للسلطان محمد بن ملكشاه، واتصل
بابنه مسعود ثم أُخذ الطِّغرائي أسيراً وذبح بين يدي الملك محمود، في ربيع
الأول، وقد نَّف على الستين. وكان من أفراد الدَّهر، وحامل لواء النظم
والنثر، وهو صاحب ((لامية العجم)). قاله في ((العبر))(٢).
وقال ابن خَلِّكان(٣): ذكره ابن السمعاني وأثنى، عليه وأورد (٤) قطعةً
من شعره في صفة الشمعة .
وللطغرائي المذكور ديوان شعر جيد، ومن محاسن شعره قصيدته
(١) انظر ((معرفة القراء الكبار)) (٤٦٩/١ - ٤٧٠).
(٢) انظر ((العبر)) (٣٢/٤).
(٣) انظر ((وفيات الأعيان)) (١٨٥/٢ - ١٩٠) وما بين حاصرتين مستدرك منه.
(٤) في ((ط)): ((وأورد له)).
٦٨

المعروفة بـ ((لامية العجم)) وكان عملها ببغداد، في سنة خمس وخمسمائة،
يصف حاله ويشكو زمانه، وهي التي أولها:
وحليةُ الفَضْلِ زانتني لدى العَطَّلِ
أصالة الرأي صانتني عن الخطّل
ومن رقيق شعره قوله :
طابَ السلوّ وأقصر العشاقُ
يا قَلْبُ مَا لك والهوى من بعدما
نَازَعْتَهُم كأسَ الغرام أفاقُوا
تشكوهُ(٢) لا يُرجى لهُ إِفْرَاقُ
تُطوى عليه أَضالعي خَفَّاقُ
أَو ما بدا لك في الإِفاقةِ والأَلَى (١)
مَرِضَ النَّسيمُ فصَحَّ والدَّاءُ الذي
وهَذَا خُفُوقُ البرق والقلبُ الذي
وله أيضاً:
على موعدٍ للبين لا شكَّ واقعٍ
أجِمّا البُكا يا مقلتيَّ فإننا
فواخَجْلَتَا إن لم تُعِنِّي المدامعُ(٣)
إذا جمعَ العشاقَ موعِدُهُمْ غداً
وذكر العماد الكاتب في كتاب ((نصرة الفترة وعُصرة القطرة (٤)) أن
الطُّغرائيَّ المذكور، كان يُنعت بالأستاذ، وكان وزير السلطان مسعود بن محمد
السلجوقي بالموصل، وأنه لما جرى بينه وبين أخيه السلطان محمود المصافُّ
بالقرب من همذان، وكانت النصرة(٥) لمحمود، فأول من أخذ الأستاذ أبو
إسماعيل وزير مسعود، فأخبر به وزير محمود، وهو الكمال نظام الدِّين أبو
طالب [علي] بن أحمد بن حرب السُّمَيْرَمي، فقال الشهاب أسعد - وكان
طُغرائياً في ذلك الوقت، نيابةً عن النصير الكاتب -: هذا الرجل ملحد، يعني
(١) في ((آ)) و((ط)): ((والأولى)) والتصحيح من ((وفيات الأعيان)).
(٢) تحرفت في ((آ)) إلى («ترجوه)).
(٣) في ((وفيات الأعيان)): ((مدامعي)).
(٤) في ((وفيات الأعيان)): ((الفطرة)) وهو تصحيف، وانظر ((كشف الظنون)) (١٩٥٦/٢).
(٥) كذا في ((آ)) و((وفيات الأعيان)): ((النصرة)) وفي ((ط)): ((الظفرة)).
٦٩

الأستاذ، فقال وزير محمود: من يكن ملحداً يُقتل، فقتل ظلماً.
وقد كانوا خافوا منه، و[قيل] قتل سنة أربع عشرة [وقيل ثمان عشرة](١)
وقد جاوز ستين سنة، وفي شعره ما يدلُّ على أنه بلغ سبعاً وخمسين سنة،
لأنه قال: وقد جاءه مولود:
أَقَرَّ عيني ولكن زاد في فِكري
هَذَا الصغيرُ الذي وافی علی کبري
لبانَ تأثيرُها في ذلك الحَجَرِ
سبع وخمسون لو مرَّت على حجٍّ
والله تعالى أعلم بما عاش بعد ذلك.
وقتل الكمال السُّمَيْرَمي، الوزيرُ المذكور، يوم الثلاثاء سلخ صفر، سنة
ست عشرة وخمسمائة، في السوق ببغداد، عند المدرسة النظامية، قيل: قتله
عبد أسود كان للطّغرائي المذكور، لأنه قتل أستاذه.
والطّغْرَائي: بضم الطاء المهملة، وسكون الغين المعجمة، نسبة
إلى من يكتب الطُّغْرى(٢)، وهي الطُرّة التي تكتب فوق البسملة في
أعلى الكتب بالقلم الغليظ، ومضمونها نعوت الملك الذي صدر الكتاب
عنه، وهي لفظة أعجمية. انتهى ما أورده ابن خَلِّكان ملخصاً.
• وفيها أبو علي بن سُكَّرة، الحافظ الكبير، حسين بن محمد(٣) بن
فيّه بن حَيُّون الصَّدفي السرقسطي الأندلسي. سمع من أبي العبّاس بن
دلهات وطائفة، وحجَّ سنة إحدى وثمانين، فدخل على الحبَّال، وسمع ببغداد
من مالك البانياسي وطبقته، وأخذ ((التعليقة الكبرى)) عن أبي علي الشّاشي
(١) ما بين حاصرتين سقط من ((آ)).
(٢) في ((آ)) و((ط)): ((الطغراء)) والتصحيح من ((وفيات الأعيان))، وانظر ((تاج العروس)) (طغر)
(١٢/ ٤٣٠) طبع الكويت.
(٣) في ((آ)) و((ط)): ((ابن محمود)) وهو خطأ، والتصحيح من ((الصلة)) (١٤٤/١) و((سير أعلام
النبلاء)) (٣٧٦/١٩) و((العبر)) (٣٢/٤).
٧٠

المستظهري. وأخذ بدمشق عن الفقيه نصر المقدسي، وردًّ إلى بلاده بعلمٍ
جَمِّ، وبرع في الحديث وفنونه، وصنَّف التصانيف، وقد أُكره على القضاء،
فوليه ثم اختفى حتَّى أعفي واستُشْهِد في مصافٍّ قُتْدَة، في ربيع الأول، وهو
من أبناء الستين، وأصيب المسلمون يومئذ.
قال ابن ناصر الدِّين(١): هو حافظ متقن كبير ثقة مأمون.
• وفيها توفي بالجَنَّد - كما قال ابن الأهدل(٢) - الفقيه الإِمام زيد بن
عبد الله بن جعفر اليفاعي اليمني - نسبة إلى يفاعة مكان باليمن - تفقه على
الشيخ الإمام أبي بكر بن جعفر المخائي - والمَخَا من سواحل اليمن(٣) -
وكانت وفاة المَخَائي سنة خمسمائة، وقد تخرَّج به جماعة، وكان يحفظ
((المجموع)) للمحاملي و((الجامع في الخلاف)) لأبي جعفر، وتفقه زيد
اليفاعي بأبي إسحاق الصّرْدفي (٤) وزوَّجه الصّرْدفي(٤) ابنته كما تقدم، ثم
ارتحل زيد إلى مكَّة المرّة الأولى، فقرأ على تلميذ الشيخ أبي إسحاق
الشيرازي: الحسين بن علي الشَّاشي، مصنِّف ((العدة)) وغيره، ثم رجع إلى
الجَنَد، واجتمع عليه الموافقُ والمخالفُ من أهل اليمن، وقرأ عليه الإِمام
يحيى صاحب ((البيان)) نكت الشيخ أبي إسحاق في الخلاف، وعدة كتب،
وقرأ عليه أيضاً عبد الله الهَمْدَاني، وعبد الله بن يحيى الصّعبي، وذلك في
دولة أسعد بن أبي الفتوح الحميري، الذي قتله أصحابه بحصن تعز ودفنوه
فيه، ونبشه سيف الإِسلام أبو أيوب، ودفنه في مقابر المسلمين.
وكان زيد صغير الجسم، وله مهابة عظيمة.
(١) في ((التبيان شرح بديعة البيان)) (١٥٩/آ).
(٢) انظر ((مرآة الجنان)) (٢٠٥/٣ - ٢٠٦) و((غربال الزمان)) ص (٤٠٥ - ٤٠٦).
(٣) وقال ياقوت في ((معجم البلدان)) (٦٧/٥): المخا: موضع باليمن بين زبيد وعدن بساحل
البحر.
(٤) كذا في ((آ)) و((ط)) و((غربال الزمان)): ((الصردفي)) وفي ((مرآة الجنان)): ((الصروفي)).
٧١

وسئل زيد عن الفقيه إبراهيم بن علي بن الإِمام الحسين بن علي
الطبري صاحب ((العدة)) كيف حاله في العلم، فقال: هو مجوّد لولا أنه
اشتغل بالعبادة [مع الصوفية، فقيل له: هذه طريقة غير ملومة، فقال: كان
جدّه الحسين الطبري يكره ذلك ويقول: اشتغال العالم بالعبادة](١) فرار من
العلم .
وقد نص الشافعيُّ - رحمه الله تعالى - أن طلب العلم أفضل من صلاة
النافلة(٢)، وحديث ((لُأَنْ يَهْدي اللّه بِكَ رَجُلاً وَاحِدً))(٣) دليل على ذلك.
وعلم الباطن هو نتيجة العلم الظاهر، [لأن الأنبياء قادة الخلق إلى الله،
والعلماء ورثتهم، ولم يرثوا غير العلم الظاهر](٤)، فمن استعمل رسوم
الشريعة الظاهرة كما جاءت عن الأنبياء فقد اهتدى وهدى، وهم المشار إليهم
بقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [الأنبياء: ٧١]، ولا شكَّ أن
العالم بأحكام اللّه إذا استبطن التقوى واستشعر العمل، أورثه ذلك العلم بالله
الذي هو أجلُّ العلوم، والمراد بالعلم بالله علم التوحيد الذي هو إثبات
وحدانيته بنفي الشريك والأضداد، إيماناً جازماً، وإثبات(٥) الصفات،
والملائكة، والأنبياء، والكتب المنزلات.
وأفضل العلوم بعده علم الفقه، الذي يستفاد من الكتاب والسُّنّة اللذين
(١) ما بين حاصرتين سقط من ((غربال الزمان)) المطبوع فيستدرك من هنا.
(٢) في ((آ)) و((ط)): ((النفل)) وأثبت لفظ ((غربال الزمان)).
(٣) قطعة من حديث طويل رواه البخاري رقم (٣٧٠١) في فضائل الصحابة: باب مناقب علي
ابن أبي طالب رضي الله عنه، ومسلم رقم (٢٤٠٦) في فضائل الصحابة: باب من فضائل
علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ورواه أبو داود رقم (٣٦٦١) مختصراً في العلم: باب
فضل نشر العلم، كلهم من حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه.
(٤) ما بين حاصرتين سقط من ((غربال الزمان)) المطبوع فيستدرك من هنا.
(٥) في ((ط)) و((آيات الصفات)).
٧٢

ضمن الله العصمة في جانبهما، ولم يضمنها في جانب الكشف والإِلهام
والمشاهدة(١).
كذا نقله صاحب الأصل(٢) عن غير واحدٍ من المحقّقين، منهم: الشيخ
القطب أبو الحسن الشاذلي نفع الله به. انتهى كلام ابن الأهدل بحروفه.
· وفيها أبو نصر عبد الرحيم بن الإِمام عبد الكريم أبي القاسم بن
هوازن القُشيري، وكان إماماً، مناظراً، مفسِّراً، أديباً، علَّمةً، متكلِّماً. وهو
الذي [كان] أصل الفتنة ببغداد بين الأشاعرة والحنابلة، ثم فتر أمره. وقد
روى عن أبي حفص بن مسرور وطبقته، وآخر من روى عنه سبطه أبو سعيد
ابن الصفَّار. توفي في جمادى الآخرة، وهو في عشر الثمانين، وأصابه فالج
في آخر عمره. قاله في ((العبر))(٣).
وقال ابن الأهدل(٤): ولما توفي دفن بمشهدهم المعروف بهم.
وفيه يقول إمام الحرمين :
ويَبدو كشمسٍ وبَرنُو کریمٍ
يَميسُ بغصنٍ إذا مَا بدا
معاني النجابةِ مجموعةٌ
لعبد الرحيم بن عبد الكريم
وحكايته عنه في ((النهاية)) من أعظم الإنصاف.
ومنه قوله في ولده فضل الله :
مِنْ وَلَدِي حِيْنَ نَشَا
كم حسرة لي في الحَشَا
فما نَشَا كَمَا نَشَا
كُنَّا نَشَا فَلَاحَهُ
انتھی .
(١) في ((آ)) و((ط)): ((والمشاهد)) وما أثبته من ((غربال الزمان)).
(٢) يعني اليافعي صاحب ((مرآة الجنان)) الذي اختصر ابن الأهدل كتابه وأضاف إليه إضافات كثيرة
في مواطن عديدة.
(٣) (٣٣/٤).
(٤) انظر ((مرآة الجنان)) (٢١٠/٣ - ٢١١).
٧٣

· وفيها أبو القاسم علي بن جعفر البغدادي الصقلي بن القطّاع(١)،
المصري الدَّار والوفاة، اللغوي.
كان أحد أئمة الأدب، خصوصاً اللغة، وله تصانيف نافعة، منها كتاب
((الأفعال)) أحسن فيه كل الإِحسان، وهو أجود (٢) من ((الأفعال)) لابن القوطِيّة.
وكان ذاك قد سبقه إليه، وله كتاب ((أبنية الأسماء)) جمع فيه فأوعى(٣)، وفيه
دلالة على كثرة اطلاعه، وله عَروض حسن جيد، وله كتاب ((الدُّرة الخطيرة
في المختار من شعراء الجزيرة)) وكتاب ((لمح الملح)) جمع فيه خلقاً كثيراً من
شعراء الأندلس، وكانت ولادته في عاشر صفر، سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة
بصقلية. وقرأ الأدب على فضلائها، كابن عبد البرِّ وأمثاله، وأجاد النحو غاية
الإِجادة، ورحل عن صقلية لما أشرف على تملكها الفرنج، ووصل إلى
مصر في حدود سنة خمسمائة (٤)، وبالغ أهل مصر في إكرامه، وكان ينسب
إلى التساهل في الرواية؛ ونظم الشعر في سنة ست وأربعين، ومن شعره في
ألشغٍ :
حلَّت عقودي وأوهَنَتْ جَلَدي
وشادِنٍ في لسانه عُقَدٌ
أما سمعتم بالنَّفْثِ في العُقَدِ
عابوه جهلاً بها فقلت لهم
وله في غلام اسمه حمزة:
وَأَمْطَرَ (٥) العينَ بالبُكاءِ
يا من رَمی النَّار في فؤادي
وفي ثناياكَ بُرْءُ دائي
اسمُكَ تصحيفهُ بقلبي
(١) انظر ((وفيات الأعيان)) (٣٢٢/٣ - ٣٢٤).
(٢) في ((آ)): ((أجد)) وفي ((ط)): ((أجدى)) والتصحيح من ((وفيات الأعيان)).
(٣) في ((وفيات الأعيان)): ((فأوعب)).
(٤) تحرفت في ((آ)) و((ط)) إلى ((خمسين)) والتصحيح من ((وفيات الأعيان)).
(٥) في ((وفيات الأعيان)): ((وأنبط)) أي أنبع. انظر ((مختار القاموس)) (نبط).
٧٤

لم يبقَ مِنْهَا سوى الذِّمَاءِ(١)
اردُدْ سلامي فإنَّ نَفسي
قد مَزَجَ اليأسَ بالرجاءِ
وارْفقْ بصبٍّ أتى ذليلاً
فصار في رقةِ الهواءِ
أنهكه(٢) في الهوى التَّجَنِّي
وكانت ولادته في سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة. هكذا ذكره في كتابه
((الدُّرة الخطيرة في شعراء الجزيرة)) عند ذكر ترجمة نفسه، رحمه الله تعالى،
في أواخر الكتاب المذكور، وتوفي بمصر. قاله ابن خَلِّكان(٣).
• وفيها أبو الحسن عبد العزيز بن عبد الملك بن شفيع الأندلسي
المربيّ (٤)، المقرئ، تلميذ عبد الله بن سهل. تصدَّر للإِقراء مدة، وحدَّث
عن ابن عبد البرِّ وجماعة، وفي روايته عن ابن عبد البرِّ كلام. توفي في عشر
التسعين .
• وفيها أبو الحسن بن الموازيني، علي بن الحسن السّلمي، أخو
محمد. روى عن ابن سعدان، وابني عبد الرحمن بن أبي نصر، وطائفة،
وعاش أربعاً وثمانين سنة.
● وفيها محمود بن إسماعيل أبو منصور الأصبهاني الصيرفي الأشقر،
راوي ((المعجم الكبير)) عن ابن فاذشاه، عن مؤلّفه الطبراني، وله ثلاث
وتسعون سنة. توفي في ذي القعدة.
قال السِّلفي: كان صالحاً.
(١) تصحفت في ((آ)) و((ط)) إلى ((الدماء)) والتصحيح من ((وفيات الأعيان)) والذُّماء: بقية النفس.
انظر ((مختار القاموس)) (ذمي).
(٢) في ((آ)) و((ط)): ((أنحله)) وأثبت لفظ ((وفيات الأعيان)).
(٣) انظر ((وفيات الأعيان)) (٣٢٢/٣ - ٣٢٤).
(٤) كذا في ((آ)) و((ط)) و((العبر)) (٣٣/٤): ((المربي)) وفي ((غاية النهاية في طبقات القراء))
(٣٩٤/١): ((المريّ)) بياء واحدة.
٧٥

سنة خمس عشرة وخمسمائة
فيها احترقت دَارُ السلطنة ببغداد، وذهب ما قيمته ألف ألف دينار.
· وفيها توفي أبو علي الحدَّاد الحسنُ بن أحمد بن الحسن الأصبهاني
المقرئُّ المجوِّد، مسند الوقت. توفي في ذي الحجة، عن ست وتسعين
سنة. وكان مع علو إسناده أوسعَ أهلِ وقته روايةً. حمل عن أبي نُعَيْم، وكان
خيِّراً، صالحاً، ثقةً.
وفيها الأفضل أمير الجيوش، شاهنشاه(١) أبو القاسم ابن أمير الجيوش
بدر الجمالي الأرمنيّ. وكان في الحقيقة هو صاحب الديار المصرية. ولي
بعد أبيه، وامتدت أيامه. وكان شهماً، مهيباً، بعيد الغور فحل الرأي. ولي
وزارة السيف والقلم للمستعلي، ثم للأمر. وكانا معه صورةً بلا معنى.
وكان قد أذِن للناس في إظهار عقائدهم، وأمات شعار دعوة الباطنيّة،
فمقتوه لذلك. وكان مولده بعكًا سنة ثمان وخمسين وأربعمائة، وخلّف من
الأموال ما يستحيا(٢) من ذِكْرِهِ. وثب عليه ثلاثةٌ من الباطنية فضربوه بالسكاكين
فقتلوه. وحمل بآخر رَمَقٍ، وقيل: [إن] الآمِرَ دسّهم عليه بتدبير أبي عبد الله
(١) في ((آ)) و((ط)): ((شاه شاه)) والتصحيح من ((العبر)) (٣٤/٤) و((دول الإِسلام)) (٤٢/٢).
(٢) في ((العبر)): ((ما يستحى)). وكلاهما صواب.
٧٦

البطائحي الذي وزر بعده ولُقِّب بالمأمون. قاله في ((العبر))(١).
• وفيها أبو سعد عبد الوهاب بن حمزة بن عمر البغدادي، الفقيه
الحنبلي المُعَدَّل. ولد في أحد الربيعين، سنة سبع وخمسين وأربعمائة.
وسمع من ابن النَّقور، والصريفيني، وابن البُسري، والحميدي، وتفقه على
أبي الخطّاب، وأفتى، وبرع في الفقه، وشهد عند قاضي القضاة أبي الحسن
ابن الدامغاني. وكان مرضي الطريقة جميل السيرة من أهل السنة، وهو شيخ
أبي حكيم النهرواني، الذي تفقّه عليه. وروى عنه حكايةً، ولم يُحدِّث إلا
باليسير. توفي ليلة الثلاثاء ثالث شعبان، ودفن بمقبرة الإِمام أحمد. قاله ابن
رجب(٢).
• وفيها أبو بكر بن الدَّنِف، محمد بن علي بن عُبيد بن الدَّنِف
البغدادي، المقرىء الزاهد، أبوبكر. ولد في صفر سنة اثنتين وأربعين
وأربعمائة. وسمع الحديث من ابن المسلمة، وابن المهتدي، والصريفيني،
وابن النَّقور، وطبقتهم. وتفقّه على الشريف أبي جعفر، وحَدَّث بشيءٍ يسير.
سمع منه ابن ناصر، وروى عنه المبارك بن خضير، و[ذَاكَر] ابن كامل، وابن
بوش وغيرهم. وكان من الزهاد الأخيار، ومن أهل السُّنَّة. انتفع به خلق
كثير، ذكره ابن الجوزي وتوفي يوم الاثنين سابع شوال، ودفن بمقبرة الإِمام
أحمد .
والدَّنِف: بفتح الدال المهملة، وكسر النون، وآخره فاء. قاله ابن
رجب(٣).
· وفيها أبو علي بن المهدي، محمد بن محمد بن عبد العزيز
(١) (٣٥/٤).
(٢) انظر ((ذيل طبقات الحنابلة)) (١٧٢/١).
(٣) انظر ((ذيل طبقات الحنابلة)) (١٧٢/١ - ١٧٣) وما بين حاصرتين مستدرك منه.
٧٧

الخطيب. روى عن ابن غَيْلان، والعتيقي، وجماعة. وكان صدوقاً، نبيلاً،
ظريفاً، توفي في شوال، عن ثلاث وثمانين سنة.
• وفيها هزَارَسْب بن عوض، أبو الخير الهَرَويُّ(١) الحافظ. توفي في
ربيع الأول، وكان عالماً صاحب حديث وإفادة بليغة، وحرص على الطلب.
سمع من طِرَاد ومن بعده، ومات قبل أوان الرواية.
(١) انظر ((العبر)) (٣٦/٤).
٧٨

سنة ست عشرة وخمسمائة
• فيها توفي إِيْ غَازي بن أُرْتُق(١) بن أكسب نجم الدِّين التركماني،
صاحب ماردين، وليها بعد أخيه سقمان، وكانا من أمراء تُتْش صاحب الشام،
وكان إِيْلْ غازي قد استولى على حلب بعد موت أولاد تُتُش، واستولى على
مَيَّفَارقين، وكان فارساً شجاعاً كثير الغزو كثير العطاء، ولَّى بعده بماردين
ابنه حسام الدِّين تمرتَاش.
• وفيها الباقَرْحي - بفتح القاف وسكون الراء، ثم مهملة، نسبة إلى
باقرْحًا من قرى بغداد - أبو علي الحسن بن محمد بن إسحاق. روى عن أبي
الحسن القَزْويني، والبرمكي، وخلق، وتوفي في رجب.
وفيها البغوي مُحبي السُّنَّة أبو محمد. الحسين بن مسعود بن محمد
ابن الفراء، ويعرف تارة بالفراء (٢)، الشافعي المُحَدِّث المُفَسِّر، صاحب
التصانيف، وعالم أهل خُراسان. روى عن أبي عمر المليحي، وأبي الحسن
الداودي، وطبقتهما. وكان سيداً، زاهداً، قانعاً يأكل الخبز وحده، فَلِيمَ (٣)
في ذلك، فصار يأكله بالزيت. وكان أبوه يصنع الفِراء. وتوفي ركن الدِّين
محبي السُّنَّة بمرو الرّوذ في شوال، ودفن عند شيخه القاضي حسين. قاله في
((العبر)) (٤).
(١) في ((آ)) و((ط)): ((رائق)) والتصحيح من ((دول الإِسلام)) للحافظ الذهبي. (ع).
(٢) انظر ((العبر)) (٣٧/٤) و((سير أعلام النبلاء)) (٤٣٩/١٩ - ٤٤٣) والتعليق عليه.
(٣) في ((المنتخب)) (١٠٦ / ب): ((فلاموه)).
(٤) (٣٧/٤).
٧٩

وقال ابن الأهدل هو صاحب الفنون الجامعة، والمصنّفات النافعة، مع
الزهد، والورع، والقناعة، وتفقّه بالقاضي حسين ولازمه، وسمع الحديث
على جماعة، ثم برع، فصنَّف التصانيف النافعة، منها ((معالم التنزيل)) (١)
و ((الجمع بين الصحيحين)) و((المصابيح))(٢) وغيرها. وصنَّ في الفقه
((التهذيب)) و((شرح السُّنَّة))(٣) وكان لا يلقي الدرس إلاّ على طهارة.
ونسبته إلى بَغ (٤) قرية بقرب هراة. انتهى.
وقال السبكي في ((تكملة شرح المهذب)): قلَّ أن رأيناه يختار شيئاً إلَّ
وإذا بحث عنه وجد أقوى من غيره. هذا مع اختصار كلامه، وهو يدل على
نبلٍ كثير، وهو حري بذلك، فإنه جامع لعلوم القرآن، والسُّنَّة، والفقه.
انتھی .
قال الذهبي: ولم يحج، وأظنه جاوز الثمانين، رحمه الله تعالى.
• وفيها أبو محمد السمرقندي الحافظ، عبد الله بن أحمد بن عمر بن
أبي الأشعث، أخو إسماعيل. ولد بدمشق، وسمع بها من أبي بكر الخطيب،
وابن طلَّب، وجماعة. وببغداد من أبي الحسين بن النّقور، ودخل إلى
نيسابور، وأصبهان، وعُني بالحديث، وخرَّج لنفسه ((معجماً)) في مجلد،
(١) طبع في بيروت بعناية الأستاذين خالد عبد الرحمن العك ومروان سوار، وصدر عن دار
المعرفة في أربع مجلدات كبار.
(٢) طبع عدة مرات أفضلها التي صدرت عن دار المعرفة ببيروت في ثلاث مجلدات بتحقيق
الدكتور يوسف عبد الرحمن المرعشلي .
(٣) طبع أول مرة في المكتب الإِسلامي بدمشقٍ بين عامي (١٣٩٠ - ١٣٩٩) هـ، وانفرد بتحقيقه
وتخريج أحاديثه والتعليق عليه الأستاذ المُحقّق الشيخ شعيب الأرناؤوط، وصدر في خمسة عشر
جزءاً، ثم أُتبع بجزء فهرست فيه أحاديث الكتاب تمَّ إعداده وطبعه في المكتب الإِسلامي
ببيروت .
(٤) قلت: ويقال لها أيضاً (بَغْشُور)). انظر ((معجم البلدان)) (٤٦٧/١ - ٤٦٨).
٨٠