النص المفهرس

صفحات 121-140

سنة خمس وعشرين وأربعمائة
· فيها كما قال في ((الشذور)) هبّت ريحٌ سوداء بنصيبين، فقلعت من
بساتينها كثيراً، ورمت قصراً مبنياً بآجر، وحجارة، وكلس، ووقع هناك بَرَدٌ في
أشكال الأكف، والنامرد(١)، والأصابع، وزلزلت الرَّملة، فهدم نحو من
نصفها، وخسف بقرى، وسقط بعض حائط بيت المقدس، وسقطت منارة
جامع عَسْقَلان، وجَزَرَ البحر نحو ثلاث(٢) فراسخ، فخرج الناس يتتبعون(٣)
السمك والصدف، فعاد الماء، فأخذ قوماً منهم. انتهى .
● وفيها الحافظ الكبير الثقة أبو بكر(٤) البَرْقاني - بالفتح، نسبة إلى
برقان، قرية بخوارزم - أحمد بن محمد بن أحمد بن غالب الخُوَارزمي الفقيه
الشافعي. مولده بخوارزم، سنة ست وثلاثين وثلثمائة، وسمع بها بعد
الخمسين من أبي العبّاس بن حمدان وجماعة، وببغداد من أبي علي بن
الصوَّاف وطبقته، وبهَرَاة، وبنيسابور، وجُرجان، ومصر، ودمشق.
(١) لفظة ((والنامرد)) لم ترد في ((آ)) وأثبتها من ((ط)).
(٢) في ((ط)): ((ثلاثة)).
(٣) في ((آ)): ((يتبعون)) وأثبت لفظ ((ط)).
(٤) قوله: ((أبو بكر)) سقط من ((ط)) وانظر ((العبر)) (١٥٨/٣ - ١٥٩) و((سير أعلام النبلاء))
(١٧ / ٤٦٤ - ٤٦٨).
١٢١

قال الخطيب(١): كان [ثقة] ثبتاً ورعاً، لم يُرَ(٢) في شيوخنا أثبت منه،
عارفاً بالفقه، كثير التصنيف، ذا حظٍ من علم العربية، صنَّف ((مسنداً) ضمَّنه
ما اشتمل عليه ((الصحيحان)) وجمع حديث الثوري، وحديث شعبة، وطائفة،
وكان حريصاً على العلم، منصرف الهمّة إليه.
وقال أبو محمد الخلَّل: كان البَرْقاني نسيج وحده.
وقال الإِسنوي (٣): كان المذكور إماماً، حافظاً، ورِعاً، مجتهداً في
العبادة، حافظاً للقرآن.
قال الشيخ في ((طبقاته))(٤): تفقه في صباه، وصنّف في الفقه، ثم
اشتغل بعلم الحديث، فصار فيه إماماً.
وقال ابنُ الصلاح: كان حريصاً على العلم، منصرف الهمّة إليه، لم
يقطع التصنيف إلى حين وفاته. قال: وعاده الصُّوري في آخر جمادى
الآخرة، فقال له: سألت الله أن يؤخِّر وفاتي، حتَّى يهلَّ رجب، فقد روي أن
فيه لله تعالى عتقاء من النَّار فعسى أن أكون منهم(٥)، فاستجيب له. انتهى
كلام الإسنوي .
● وفيها أبو علي بن شَاذَان البزَّاز(٦) الحسن(٧) بن أبي بكر، أحمد بن
(١) انظر ((تاريخ بغداد)) (٣٧٤/٤) وقد نقل المؤلف عنه بتصرف.
(٢) كذا في ((ط)) و(تاريخ بغداد)) وفي ((آ)) و((سير أعلام النبلاء)): ((لم نر)).
(٣) انظر ((طبقات الشافعية)) للإِسنوي (٢٣١/١ - ٢٣٢).
(٤) يعني ((طبقات الفقهاء)) للشيرازي.
(٥) ذكره ابن عراق الكناني في ((تنزيه الشريعة)) (٣٣٣/٢) من رواية الديلمي في ((مسند
الفردوس)) وفي سنده الأصبغ بن نباتة، قال أبو بكر بن عيّاش: كذَّاب، وانظر («ميزان الاعتدال))
(٢٧١/١) وما قالوا في أصبغ هذا، فالحديث موضوع، ولفظه عند الدَّيلمي: ((أكثروا من
الاستغفار في شهر رجب فإن الله في كل ساعة عتقاء من النار)).
(٦) تصحفت نسبته في ((ط)) و((العبر)) إلى ((البزار)) وانظر ((سير أعلام النبلاء)) (٤١٥/١٧ - ٤١٨).
(٧) تحرّف في ((آ)) إلى ((الحسين)) وأثبت لفظ ((ط)) وهو الصواب.
١٢٢

إبراهيم بن الحسن بن محمد بن شاذان البغدادي. ولد سنة تسع وثلاثين
وثلثمائة، وسَمَّعهُ أبوه من أبي عمرو بن السمّاك، وأبي سهل بن زياد،
والعَبَّاداني، وطبقتهم، فأكثر، وطال عمره، وصار مسند العراق.
قال الخطيب(١): كان صدوقاً، صحيح السماع (٢)، يفهم الكلام على
مذهب الأشعري. سمعت أبا القاسم الأزهري يقول: أبو علي أوثق مَن بَرَأَ
الله في الحديث، وتوفي في آخر يوم من السنة، ودفن من الغد في أول سنة
ست وعشرين.
● وفيها ابن شُبَانَة، العدل، أبو سعيد، عبد الرحمن بن محمد بن
عبد الله الهَمَذَاني(٣). روى عن أبي القاسم عبد الرحمن بن عبيد وطائفة،
وكان صدوقاً.
● وفيها أبو الحسن الجَوْبَري - بفتح الجيم والموحدة، نسبة إلى جوبر،
قرية بدمشق - عبد الرحمن بن محمد بن يحيى بن ياسر التميمي الدمشقي (٤)
كان أبوه مُحَدِّثاً، فأسمعه الكثير من علي بن أبي العَقِب، وطائفة، وكان أُمِّيَّاً
لا يقرأ ولا يكتب.
● وفيها عبد الوهاب بن عبد الله بن عمر أبو نصر المُرِّي(٥) الدمشقي (٦)
ابن الحبّان الشُّرُوطي (٧) الحافظ. روى عن أبي عمر بن فضالة وطبقته،
وصنَّف كتباً كثيرةً، قاله الكتاني، ومات في شوال.
(١) انظر ((تاريخ بغداد)) (٢٧٩/٧).
(٢) كذا في ((آ)) و((سير أعلام النبلاء)) (٤١٧/١٧): ((صحيح السماع)) وفي ((تاريخ بغداد)):
((صحيح الكتاب)).
(٣) تصحفت نسبته في ((١)) و((ط)) و((العبر)) (١٥٩/٣) إلى ((الهَمْدَاني)) والتصحيح من ((سير أعلام
النبلاء)) (٤٣٢/١٧).
(٤) انظر ((العبر)) (١٥٩/٣ - ١٦٠) و((سير أعلام النبلاء)) (١٧ /٤١٥).
(٥) في ((العبر)): ((المزي)) وهو خطأ . (ع).
(٦) انظر ((الأنساب)) (٢٦٨/١١) و(«العبر)) (١٦٠/٣).
(٧) قال السمعاني في ((الأنساب)) (٣٢١/٧): الشروطي: هذه النسبة لمن يكتب الصِّكاك =
١٢٣

● وفيها أبو الفضل الهَرَوي(١) الزاهد، عمر بن إبراهيم. روى عن أبي
بكر الإسماعيلي، وبشربن أحمد الإِسفراييني وطبقتهما. وكان فقيهاً عالماً ذَا
زُهدٍ، وصدقٍ، وورعٍ ، وتَبْتُلٍ .
· وفيها أبو بكر بن مُصعب التاجر، محمد بن علي بن إبراهيم
الأصبهاني(٢). روى عن ابن فارس، وأحمد بن جعفر السمسار، وجماعة،
وتوفي في ربيع الأول(٣).
= والسُّجلات، لأنها مشتملة على الشروط، فقيل لمن يكتبها: ((الشروطي)).
(١) انظر ((العبر)) (١٦٠/٣) و ((سير أعلام النبلاء)) (٤٤٨/١٧ - ٤٤٩).
(٢) انظر ((العبر)) (١٦٠/٣).
(٣) قوله: ((في ربيع الأول)) سقط من ((آ)) وأثبته من ((ط)) و((العبر)).
١٢٤

سنة ست وعشرين وأربعمائة
● فيها زاد بلاءُ الحراميَّة، وجاهروا بأخذ الأموال، وبإظهار الفسق
والفجور، والفطر في رمضان، حتَّى تملَّكوا بغداد في المعنى .
• وفيها أبو عامر بن شُهَيد، أحمد بن عبد الملك بن مروان بن ذي
الوزارتين، أحمد بن عبد الملك بن عمر بن شُهَيد الأشجعي القرطبي(١)
الشاعر، حامل لواء البلاغة والشعر بالأندلس.
قال ابن حزم: توفي في جمادى الأولى، وصلى عليه أبو الحَزْم
جَهْوَر(٢) ولم يخلف له نظيراً في الشعر والبلاغة، وكان سمحاً جواداً، عاش
بضعاً وأربعين سنة .
● وفيها أبو محمد بن الشَقَّاق(٣) عبد الله بن سعيد، كبير المالكية
بقرطبة، ورأس القرّاء، توفي في رمضان، وله ثمانون سنة. أخذ عن أبي
عمر بن المكوي وطائفة .
● وفيها أبو بكر المَنِيني (٤) محمد بن رزق الله بن أبي عمرو الأسود،
(١) انظر ((العبر)) (١٦١/٣) و((سير أعلام النبلاء)) (١٧ /٥٠١ - ٥٠٢).
(٢) في ((آ)) و((ط)): ((أبو الحرم جمهور)) وهو خطأ، والتصحيح من ((الصلة)) لابن بشكوال
ص (١٣١)، و((العبر)) (١٦١/٣).
(٣) انظر ((العبر)) (١٦١/٣ - ١٦٢) و((ترتيب المدارك)) (٧٢٩/٢).
(٤) انظر ((الأنساب)) (٥١١/١١) و((العبر)) (١٦٢/٣) و((معجم البلدان)) (٢١٨/٥).
١٢٥

خطيب مَنِين(١). روى عن علي بن أبي العَقِب، والحسين بن أحمد بن أبي
ثابت، وجماعة .
قال أبو الوليد الدربندي: لم يكن بالشام مَن يُكْتَنَى بأبي بكرٍ غيره،
وكان ثقةً.
وقال الكتَّاني: توفي في جمادى الأولى، وله أربع وثمانون سنة، وكان
يحفظ القرآن بأحرُفٍ.
• وفيها أبو عمرو الرَّزْجَاهي - بفتح الراء والجيم، وسكون الزاي، نسبة
إلى رَزْجَاه، قرية ببسطامٍ - محمد بن عبد الله بن أحمد البسطامي (٢) الفقيه
الأديب المُحَدِّث، تفقّه على أبي سهل(٣) الصعلوكي، وأكثر عن ابن عدي
وطبقته، ومات في ربيع الأول، وله خمس وثمانون سنة، وكان يُقرىء
العربية. قاله في ((العبر))، والله تعالى أعلم.
*
(١) مَنِين: بلدة كبيرة إلى الشرق من دمشق، خرج منها علماء أفاضل منهم صاحب الترجمة.
(٢) انظر ((الأنساب)) (١١٠/٦) و((العبر)) (١٦٢/٣).
(٣) في ((ط)): ((تفقه على أبي سعد)) وهو خطأ.
١٢٦

سنة سبع وعشرين وأربعمائة
· فيها توفي أبو إسحاق الثَّعْلَبي(١) أحمد بن محمد بن إبراهيم
النيسابوري المفسر(٢). روى عن أبي محمد المَخْلَدي وطبقته من أصحاب
السَّرَّاج، وكان حافظاً، واعظاً، رأساً في التفسير والعربية، متين الديانة. قاله
في ((العبر)).
وقال ابنُ خلِّكان(٣): كان أوحد زمانه في علم التفسير، وصنَّف
((التفسير الكبير)) الذي فاق غيره من التفاسير، وله كتاب ((العرائس)) في
قصص الأنبياء، وغير ذلك.
ذكره السمعاني وقال: يقال له الثعلبي والثعالبي، وهو لقب له وليس
بنسب. قاله بعض العلماء.
وقال أبو القاسم القشيري: رأيت ربَّ العزّة عزَّ وجل في المنام وهو
يخاطبني وأخاطبه، فكان في أثناء ذلك أن قال الرَّبُّ تعالى اسمه: أقبل
الرجل الصالح، فالتفت. فإذا أحمد الثعالبي مقبل. انتهى ما قاله ابن خَلِّكان
مختصراً.
(١) في ((ط)): ((الثعالبي)). قال ابن الأثير في معرض ترجمته له في ((اللباب)) (٢٣٨/١):
((الثعلبي)) ويقال: ((الثعالبي)).
(٢) انظر ((العبر)) (١٦٣/٣) و((سير أعلام النبلاء)) (٤٣٥/١٧ - ٤٣٧).
(٣) انظر ((وفيات الأعيان)) (٧٩/١ - ٨٠).
١٢٧

● وفيها أبو النُّعمان، تُراب بن عمر بن عبيد المصري الكاتب(١).
روى عن أبي أحمد بن الناصح وجماعة، توفي في ربيع الآخر بمصر، وله
خمس وثمانون سنة.
· وفيها القاسم السَّهْمي، حمزة بن يوسف الجُرْجَاني(٢)، الثقة الحافظ،
من ذرية هشام بن العاص. سمع سنة أربع وخمسين من محمد بن أحمد بن
إسماعيل الصَّرَّام صاحب محمد بن الضريس، ورحل إلى العراق سنة ثمان
وستين، فأدرك ابن ماسي، وهو مُكثر عن ابن عدي الإِسماعيلي، وكان من
أئمة الحديث، حفظاً، ومعرفةً، وإتقاناً.
● وفيها أبو الفضل الفَلَكي، علي بن الحسين الهَمَذَانِيُّ (٣) الحافظ.
رحل الكثير، وروى عن أبي الحسين بن بشران، وأبي بكر الحِيْري
وطبقتهما، ومات شاباً قبل أوان الرواية، ولو عاش لما تقدمه أحد في الحفظ
والمعرفة؛ لفرط ذكائه، وشدة اعتنائه، وقد صنّف كتاب ((المنتهى في الكمال
في معرفة الرجال)) (٤) ألف جزء لم يبيضه.
قال شيخ الإِسلام الأنصاري: ما رأيت أحداً أحفظً من أبي الفضل بن
الفَلَكي، ومات بنيسابور، وكان جدُّه يُلقب بالفلكي لبراعته في الهيئة
والحساب(٥).
(١) انظر ((العبر)) (١٦٣/٣) و((سير أعلام النبلاء)) (٥٠٢/١٧).
(٢) انظر ((العبر)) (١٦٣/٣ - ١٦٤) و((سير أعلام النبلاء)) (١٧ / ٤٦٩ - ٤٧١).
(٣) انظر ((العبر)) (١٦٤/٣) و((سير أعلام النبلاء)) (٥٠٢/١٧ - ٥٠٣).
(٤) كذا اسم الكتاب في ((آ)) و((ط)) و(العبر))، وفي ((الأنساب)) (٣٣٠/٩) و((طبقات الشافعية))
للإسنوي (٢٦٨/٢) و((كشف الظنون)) (١٨٥٨/٢): ((منتهى الكمال في معرفة الرجال)) وفي
((سير أعلام النبلاء)): ((المنتهى في معرفة الرجال)).
(٥) قلت: وقد تقدمت ترجمته في حوادث سنة (٤٠٧) ص (٤٨) فراجعها.
١٢٨

● وفيها أبو علي الجَيَّانيّ، الحسين بن محمد الغَسَّاني الأندلسي(١)
المُحَدِّث له كتاب ((تقييد المهمل)) أجاد فيه وأحسن، وكان من أفراد الحفّاظ
مع معرفة الغريب، والشعر، والنسب، وحُسْن الخط.
وجَيَّان: بلدة كبيرة بالأندلس(٢). وجَيَّان أيضاً، من أعمال الرَّيِّ(٣).
قاله ابن الأهدل.
● وفيها الظاهر لإِعزاز دين الله، علي بن الحاكم منصور بن العزيز
[نزار بن المعز] العُبَيْدي المصري (٤) صاحب مصر والشام، بويع بعد أبيه،
وشرعت دولتهم في انحطاط منذ وَلي، وتغلَّب حَسَّان بن مُفَرِّج الطائي على
أكثر الشام، وأخذ صالح بن مِرْدَاس حَلَبَ، وقوي نائبهم على القيروان، وقد
وزر للظاهر، الوزير نجيب الدولة، علي بن أحمد الجَرْجَرَائي(٥)، وكان هذا
أقطعَ اليدين من المرفقين، قطعهما الحاكم في سنة أربع وأربعمائة، فكان
يكتب العلامة عنه القاضي القضاعي.
قال ابنُ خَلِّكان(٦): قطعت يداه في شهر ربيع الآخر، سنة أربع
وأربعمائة على باب القصر البحري بالقاهرة، وحمل إلى داره، وكان يتولى
بعض الدواوين، فظهرت عليه خيانة، فقُطع بسببها، ثم بعد ذلك ولي ديوان
النفقات، سنة تسع وأربعمائة، ثم وزَرَ للظاهر في سنة اثنتي عشرة وأربعمائة،
وهذا كله بعد أن تنقل(٧) في الخدم بالأرياف والصعيد. وكانت علامته في
الكتابة: ((الحمد لله شكراً لنعمته)) واستعمل العفاف والأمانة الزائدة من
(١) انظر ((مرآة الجنان)) (٤٦/٣).
(٢) انظر ((معجم البلدان)) (١٩٥/٢).
(٣) انظر ((معجم البلدان)) (١٩٥/٢ - ١٩٦) وفيه قال ياقوت: جيَّان: من قرى أصبهان.
(٤) انظر ((العبر)) (١٦٤/٣ - ١٦٥) وما بين حاصرتين مستدرك منه.
(٥) تحرّفت في ((آ)) و((ط)) إلى ((الجرجراي)) والتصحيح من ((العبر)) و((اتعاظ الحنفا)) للمقريزي
(١٨٣/٢).
(٦) انظر ((وفيات الأعيان)) (٤٠٧/٣ - ٤٠٨) وقد نقل المؤلف كلامه بتصرّف.
(٧) في ((ط)): ((انتقل)).
١٢٩

الاحتراز والتحفّظ، وفي ذلك يقول جاسوس الملك(١):
وَدَعِ الرقاعةَ والتّحَامُقْ
يَا أحمقا اسمعْ وَقُلْ
تِ وَهَبْكَ فيما قُلت صَادِقْ
أأقمتَ نفسكَ في الثقا
قُطِعَتْ يَدَاكَ مِنَ المَرَافِقْ
فمِنَ الأَمَانةِ والتَّقى
وهو منسوب إلى جَرْجَرايا - بفتح الجيمين، قرية من أرض العراق -
وكانت ولادة الظاهر يوم الأربعاء عاشر شهر رمضان، سنة خمس وتسعين
وثلثمائة بالقاهرة، وكانت ولايته بعد فَقْد أبيه بمدة، لأن أباه لما فقد كان
الناس يرجون ظهوره ويتبعون آثاره، إلى أن تحقق عدمه، فأقاموا ولده
المذكور، وتوفي ليلة الأحد منتصف شعبان بالمَفْس(٢) بالموضع المعروف
بالدّكة من القاهرة .
وتوفي وزيره الجرْجرائي(٣) سنة ست وثلاثين في سابع شهر رمضان،
وكانت وزارته للظاهر ولولده المستنصر سبع عشرة سنة وثمانية أشهر وثمانية
عشر يوماً، ولما توفي الظاهر، بايعوا بعده ولده المستنصر وهو صبي.
● وفيها محمد بن المُزَكِّي أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن يحيى،
أبو عبد الله النَّيسابوري، مسند نيسابور في زمانه. روى عن أبيه، وحامد
الرَّفاء، ويحيى بن منصور القاضي، وأبي بكر بن الهيثم الأنباري، وطبقتهم،
وسمع منه الشِّيروي .
(١) كذا في ((آ)) و(ط)): ((جاسوس الملك)) وفي ((وفيات الأعيان)): ((جاسوس الفلك)).
(٢) في ((آ)) و((ط)): ((بالمقص)) بالصاد، والتصويب من ((وفيات الأعيان)) وانظر ((معجم البلدان))
(١٧٥/٥).
(٣) في (آ)) و((ط)): ((الجرجراي)) والتصحيح من ((العبر)) للذهبي و((اتعاظ الحنفا)) للمقريزي.
١٣٠

سنة ثمان وعشرين وأربعمائة
• فيها توفي أبو بكر الأصبهاني اليزدي، أحمد بن علي بن محمد(١) بن
مَنْجَوَيْه الحافظ، نزيل نيسابور ومُحَدِّثها، صنّف التصانيف الكثيرة، ورحل،
ووصل إلى بخارى. وحَدَّث عن أبي بكر الإسماعيلي، وأبي بكر بن
المقرىء، وطبقتهما. روى عنه شيخ الإِسلام(٢) وقال: هو أحفظ مَن رأيتُ
من البشر. قاله في ((العبر)).
وتوفي في المحرم، وله إحدى وثمانون سنة.
وقال ابنُ ناصر الدِّين(٣): كان أحد الحفّاظ المُجَوِّدين، ومن أهل الورع
والدِّين. ثقة من الأثبات، صنَّف على ((الصحيحين)) و((جامع الترمذي)) و((سنن
أبي داود)) مصنَّفات. انتھی .
● وفيها أبو بكر بن النَّمط، أحمد بن محمد بن الصقر، البغدادي،
المقرىء، الثقة، العابد. روى عن أبي بكر الشَّافعي، وفاروق، وطبقتهما.
· وفيها أبو الحسين القُدُوري، أحمد بن محمد بن أحمد بن جعفر بن
حمدان البغدادي الفقيه، شيخ الحنفية بالعراق. انتهت إليه رئاسة المذهب،
(١) في ((العبر)): ((محمد بن علي)) وهو خطأ، وانظر ((سير أعلام النبلاء)) (٤٣٨/١٧). (ع).
(٢) هو شيخ الإِسلام عبد الله بن محمد الهروي الأنصاري، أبو إسماعيل، المتوفى سنة
(٤٨١) هـ.
(٣) في ((التبيان شرح بديعة البيان)) (١٤٥ /ب).
١٣١

وعظُم جاهه، وبَعُدَ صِيته، وكان حسن العبارة في(١) النظم، وسمع الحديث،
وروى عنه أبو بكر الخطيب صاحب ((التاريخ)) وصنّف في المذهب
((المختصر)) المشهور وغيره، وكان يناظر الشيخ أبا حامد الإِسفراييني الفقيه
الشافعي، ويبالغ في تعظيمه بحيث حكى عنه ابنُ خَلَّكان(٢) أنه كان يفضل
الإِسفراييني على الشافعي، وهذا عجب عجاب، وكانت ولادة القُدُوري سنة
اثنتين وستين وثلثمائة، وتوفي يوم الأحد خامس رجب من هذه السنة ببغداد،
ودفن من يومه بداره في درب أبي خلف، ثم نُقل إلى تربة في شارع
المنصور، فدفن بجانب أبي بكر الخوارزمي الفقيه الحنفي .
· وفيها أبو علي بن سينا الرئيس، الحسين بن عبد الله بن الحسن بن
علي بن سينا، صاحب التصانيف الكثيرة في الفلسفة، والطب، وله من
الذكاء الخارق، والذهن الثاقب ما فاق به غيره، وأصله بلخيٌّ، ومولده
ببخارى، وكان أبوه من دُعاة الإِسماعيلية، فأشغله في الصغر، وحَصَّل عدة
علوم قبل أن يحتلم، وتنقل في مدائن خُراسان، والجبال، وجُرجان، ونال
حشمة وجاهاً، وعاش ثلاثاً وخمسين سنة.
قال ابنُ خَلِّكان في ترجمة ابن سينا(٣): اغتسل وتاب، وتصدق بما معه
على الفقراء، وردَّ المظالم [على مَن عرفه] وأعتق مماليكه(٤)، وجعل يختم
في كل ثلاثة أيام ختمة، ثم مات بهمذان يوم الجمعة في شهر رمضان. قاله
جميعه في ((العبر))(٥).
(١) لفظة ((في)) سقطت من ((آ)) وأثبتها من ((ط)).
(٢) انظر ((وفيات الأعيان)) (٧٣/١) وهو مترجم فيه (٧٨/١ - ٧٩).
(٣) انظر ((وفيات الأعيان)) (١٦٠/٢ - ١٦١) وما بين حاصرتين زيادة منه.
(٤) في ((آ)) و((ط)): ((وأعتق مماليك)) وما أثبته من ((وفيات الأعيان)).
(٥) (١٦٧/٣).
١٣٢

وقال ابن خَلِّكان(١): كان أبوه من العمال الكُفاة، تولى العمل بقرية من
ضياع بخارى يقال لها خَرْمَيْثَن من أمهات قراها، وولد الرئيس أبو علي وكذلك
أخوه بها، واسم أُمه ستارة وهي من قرية يقال لها أفْشَنَةُ بالقرب من خَرْمَيْثَن، ثم
انتقلوا إلى بخارى، وتنقل الرئيس بعد ذلك في البلاد، واشتغل بالفنون
وحَصَّل العلوم والفنون(٢) ولما بلغ عشر سنين من عمره كان قد أتقن علم
القرآن العزيز والأدب، وحفظ أشياء من أصول الدِّين وحساب الهندسة(٣)
والجبر والمقابلة، ثم توجّه نحوهم الحكيم أبو عبد الله النَّاتلي فأنزله أبو
الرئيس عنده، فابتدأ أبو علي يقرأ عليه ((كتاب إيساغوجي)) وأحكم عليه علم
المنطق، وإقليدس، والمجسطي، وفاقه أضعافاً كثيرة، حتَّى أوضح له
رموزه، وفهَّمه إشكالات لم يكن النَّاتلي يدريها(٤)، وكان مع ذلك يختلف في
الفقه إلى إسماعيل الزاهد، يقرأ ويبحث ويناظر، ونظر في النصوص(٥)
والشروح، وفتح الله تعالى عليه أبواب العلوم، ثم رغب بعد ذلك في علم
الطب، وتأمل الكتب المصنَّفة فيه، وعالج تأدباً لا تكسُّباً، وعلَّمه حتَّى فاق
فيه على الأوائل والأواخر في أقل مدة وأصبح فيه عديم القرين، فقيد
المثيل(٦)، واختلف إليه فضلاء هذا الفن [وكبراؤه] يقرؤون عليه أنواعه
والمعالجات المقتبسة من التجربة، وسِنُّه إذ ذاك نحو ست عشرة سنة.
وفي مدة اشتغاله لم يَنَّمْ ليلة واحدة بكمالها ولا اشتغل في النهار بسوى
المطالعة، وكان إذا أشكلت عليه مسألة توضأ وقصد المسجد الجامع، وصلّى
ودعا الله عزَّ وجل أن يسهِّلها عليه ويفتح مُغلقها له.
(١) انظر ((وفيات الأعيان)) (١٥٧/٢ - ١٦٢).
(٢) في ((وفيات الأعيان)): ((واشتغل بالعلوم، وحَصَّل الفنون)).
(٣) في ((ط)): ((وحساب الهند)) وهو تحريف.
(٤) في ((وفيات الأعيان)): ((لم يكن للناتلي يدٌ بها)).
(٥) في ((آ)) و((ط)): ((في الفصوص)) والتصحيح من ((وفيات الأعيان)).
(٦) في ((وفيات الأعيان)): ((فقيد المثل)) ولفظة ((وكبراؤه)) مستدركة منه.
١٣٣

وذكِرَ عند الأمير نوح السَّامَاني صاحب خراسان في مرضه، فأحضره
وعالجه حتّى برىء، واتصل به وقرب منه، ودخل إلى (١) دار كتبه، وكانت
عديمة المثل، فيها من كل فنٌّ [من] الكتب المشهورة بأيدي النَّاس [وغيرها
مما لا يوجد في سواها، ولا سُمِعَ باسمه فضلاً عن معرفته، فظفر أبو علي
فيها بكتب من علم الأوائل](٢) وغيرها، وحَصَّلَ نخب فرائدها، واطّلع على
أكثر علومها، واتفق بعد ذلك احتراق تلك الخِزانة، فتفرّد أبو علي بما حصَّله
من علومها، وكان يقال: إن أبا علي توصل إلى إحراقها ليتفرّد بمعرفة
ما حصّله منها وينسبه إلى نفسه .
ولم يستكمل ثماني عشرة سنة من عمره إلّ وقد فرغ من تحصيل العلوم
بأسرها التي عاناها، وتوفي أبوه وسِنُّ أبي عليٍّ اثنتان وعشرون سنة، وكان
يتصرف هو ووالده في الأحوال ويتقلدون للسلطان الأعمال.
وسار إلى هَمَذان، وتولى الوزارة لشمس الدولة، ثم تشوش العسكر
عليه، فأغاروا على داره ونهبوها وقبضوا عليه، وسألوا شمس الدولة قتله،
فامتنع، ثم أُطلِقَ، فتوارى، ثم مرض شمس الدولة بالقولنج، فأحضره
لمداواته، وأعاده وزيراً، ثم مات شمس الدولة، وتولى تاج الدولة، فلم
يستوزره، فتوجه إلى أصبهان، وبها علاء الدولة بن كاكويه(٣) فأحسن إليه.
وكان أبو علي قويَّ المزاج، وتغلب عليه قوة الجماع، حتَّى أنهكته
ملازمته وأضعفته، ولم يكن يداوي مزاجه، فعرض له قولنج، فحقن نفسه في
يوم واحد ثماني مرَّات، فقرح بعض أمعائه، وظهر له سَحَجٌ، واتفق سفره مع
علاء الدولة، فحدث له الصرع الحادث عقيب القولنج، فأمر باتخاذ دانقين
(١) لفظة ((إلى)) لم ترد في ((ط)).
(٢) ما بين حاصرتين سقط من ((آ)) و((ط)) واستدركته من ((وفيات الأعيان)).
(٣) في ((آ)): ((ابن باكويه)) وأثبت لفظ ((ط)) و((وفيات الأعيان)).
١٣٤

من كرفس في جملة ما يحقن به، فجعل الطبيب الذي يعالجه فيه خمسة
دراهم [منه] فازداد السحج به من حدّة الكرفس، وطرح بعض غلمانه في
بعض أدويته شيئاً كثيراً من الأفيون، وكان سببه أن غلمانه خانوه في شيءٍ،
فخافوا عاقبة أمره عند برئه؛ وكان منذ حصل له الألم يتحامل ويجلس مرة بعد
أُخرى ولا يحتمي ويجامع، فكان يصلح أسبوعاً ويمرض أسبوعاً، ثم قصد
علاء الدولة هَمَذَانَ ومعه الرئيس، فحصل له القولنج في الطريق، ووصل إلى
همذان وقد ضعف جداً وأشرفت قوته على السقوط، فأهمل المداواة وقال:
المدبر الذي في بدني قد عجز عن تدبيره، فلا تنفعني المعالجة، ثم اغتسل
وتاب وتصدق بما معه على الفقراء، وردّ المظالم على من عرفه، وأعتق
مماليكه، وجعل يختم في كل ثلاثة أيام ختمة، ثم مات في التاريخ
المذكور.
وكان نادرة عصره في معرفته وذكائه وتصانيفه، وصنّف كتاب ((الشفاء))
في الحكمة، و((النجاة)) و((الإِشارات)) و((القانون)) وغير ذلك ما يقارب مائة
مصنَّف(١) ما بين مطوَّل [ومختصر] ورسالة في فنون شتى، وله رسائل بديعة،
منها: رسالة ((حيّ بن يقظان)) ورسالة «سلامان [وأبسال])) ورسالة ((الطير))
وغيرها، وانتفع الناس بكتبه، وهو أحد فلاسفة المسلمين.
ومن شعره قوله في النفس :
وَرْقَاءُ ذات تعزٍُّ وَتَمَنُّعِ
هَبَطَتْ إليكَ من المحلِّ الأرفعِ
وهي التي سَفَرَتْ ولم تَتَبَرْقَعِ
مَحْجُوْبَةٌ عَنْ كُل مقلة عارفٍ
كَرِهت فِرَاقَكَ وهي ذاتُ تَفَجِّعِ
وصلَتْ عَلى كُرْهٍ إليكَ ورُبما
ألفت مجاورة الخراب البَلْقَعِ
أَنِفَتْ وَمَا ألفت فلما واصلتْ
(١) لفظة ((مصنف)) سقطت من ((آ)) وأثبتها من ((ط)).
١٣٥

وأَظُنُها نَسِيَتْ عُهوداً بالحمى
حتَّى إذا اتَّصَلَتْ بهاء هُبُوطها
عَلِقَتْ بها ثاءُ الثقيل فأصبحت
تَبْكِي وقد ذكرت عهوداً بالحمى
حتَّى إذا قرب المسيرُ إلى الحمى
وغَدَتْ تغرِّدُ فَوق ذِرْوَةِ شاهقٍ
وتعود عالمةً بكل خفيةٍ
فهبوطُها إذا كان ضَرْبَةً لَازِمٍ
فلأي شيءٍ أهبطت من شاهقٍ
إن كان أهبطها الإِلهُ لحكمةٍ
إذ عاقها الشَّرَكُ الكَثِيْفُ فَصَدَّهَا
فَكَأَنها برق تَأَلَّقَ بالحمى
ومنازلاً بفراقها لَمْ تَقْنَعِ
من ميم مَرْكزها بذات الأجرعِ
بين المَعَالِمِ والطلول الخُضَّعِ
بمدامع تَهْمي ولم تتقطع(١)
ودَنا الرحيل إلى الفَضَاءِ الأوسعِ
والعلم يرفع كُلَّ مَنْ لَمْ يُرْفَعِ
في العالمينَ فَخَرْقُهَا لم يُرْفَعِ
لتكون سامعةً لما لَمْ تَسْمَعِ
سامٍ إلى قعر الحضيض الأوضعِ
طويَتْ عن الفطنِ اللَّبيب الأروعِ
قفص عن الأوجِ الفَسِيْحِ الأَرْبَعِ
ثم انطفى(٢) فَكَأَنَّهُ لَم يلمعِ
ومن المنسوب إليه قوله:
اجْعَل غِذَاءَكَ كُلَّ يومٍ مَرةً
واحْفَظْ مَنِيَّك ما استطعت فإنهُ
وفضائله كثيرة مشهورة.
واحْذَرْ طَعَامَاً قبل هضم طعامٍ
ماءُ الحياة يُراق في الأرحامِ
وكانت ولادته في سنة سبعين وثلثمائة، في شهر صفر، وتوفي بهمذان
يوم الجمعة من شهر رمضان، ودفن بها، وكان الشيخ كمال الدِّين بن يونس
رحمه الله يقول: إن مخدومه سَخِطَ عليه واعتقله، فمات في السجن، وكان
يقول :
(١) رواية البيت في ((وفيات الأعيان)) و((غربال الزمان)) ص (٣٥٣):
بمدامع تهمي ولمّا تُقلع
تبكي وقد نسيت عهوداً بالحمى
(٢) في ((وفيات الأعيان)) و((غربال الزمان)): ((ثم انطوى)).
١٣٦

وفي السِّجن مات أخسَّ المماتِ
رأيتُ ابن سينا يداوي(١) الرِّجالَ
ولم يَنْجُ مِنْ موته بالنجاةِ
فَلَمْ يَشْفِ ما نَابَهُ بِالشِّفا
انتهى ما أورده ابن خلِّكان ملخصاً.
وقال ابن الأهدل: قال اليافعي(٢): طالعت كتابه ((الشفا)) وما أجدره
بقلب الفاء قافاً، لاشتماله على فلسفة لا ينشرح لها قلب متدين، والله أعلم
بخاتمته وصحة توبته، وقد كَفَّرَهُ الغزالي في كتابه ((المنقذ من الضلال))(٣).
وقال ابنُ الصلاح: لم يكن من علماء الإِسلام، بل كان شيطاناً من
شياطين الإِنس. وأثنى عليه ابن خَلَّكان. انتهى كلام ابن الأهدل أيضاً.
وقد تقدم ذكره مع ترجمة الفارابي (٤) فليراجع .
● وفيها ذو القرنين، أبو المُطَاعِ المُطَاع بن الحسن بن عبد الله بن
حمدان(٥) وجيه الدولة بن ناصر الدولة الموصلي، الأديب الشاعر الأمير. ولِّي
إمرة دمشق سنة إحدى وأربعمائة، وعُزل بعد أشهر من جهة الحاكم، ثم وليها
لابنه الظاهر سنة اثنتي عشرة وعُزل، ثم ولِيَها ثالثاً سنة خمس عشرة، فبقي
إلى سنة تسع عشرة، وله شعر فائقٌ منه قوله:
إذا رأيتُ عناق(٦) اللامِ للألفِ
إني لُأَحْسُدُ ((لا)) في أسطرِ الصُّحُفِ
إلاَّ لما لَقيا من شِدَّةِ الشَّغَفِ
وما أَظُنُّهُمَا طالَ اعْتِنَاقُهُمَا
(١) في ((وفيات الأعيان)): ((يعادي)).
(٢) انظر ((مرآة الجنان)) (٥١/٣) وقد تصرف ابن الأهدل في النقل عنه.
(٣) انظر ص (٤٧) من طبعته الصادرة عن الدار التونسية للنشر، والمؤسسة الوطنية للكتاب في
الجزائر بتحقيق الأستاذ عبد الكريم المرّاق.
(٤) انظر المجلد الرابع ص (٢١٤) حوادث سنة (٣٣٩).
(٥) كذا في ((آ)) و((ط)): ((أبو المطاع المطاع بن الحسن بن عبد الله بن حمدان))، وفي ((العبر)):
((أبو المطاع بن الحسن)) وفي ((وفيات الأعيان)) (٢٧٩/٢) و((النجوم الزاهرة)) (٢٧/٥): ((أبو
المطاع الحسن بن عبد الله بن حمدان)).
(٦) كذا في ((ا)) و((ط)) و((غربال الزمان)) ص (٣٥٤) وفي ((وفيات الأعيان)) و((مرآة الجنان)) (٥١/٣)
«اعتناق)).
١٣٧

وتوفي في صفر.
· وفيها أبو طاهر البغدادي عبد الغفَّار بن محمد المُؤدِّب. روى عن
أبي بكر الشافعي، وأبي علي الصوَّاف، وعاش ثلاثاً وثمانين سنة.
· وفيها أبو عمرو البغدادي، عثمان بن محمد بن یوسف بن دُوست،
صدوق. روى عن النَّجاد، وعبد الله بن إسحاق الخُراساني، وتوفي في
صفر.
● وفيها أبو الحسن الحنَّائي، علي بن محمد بن إبراهيم الدمشقي،
المقرىء المُحَدِّثُ الحافظ الناقد الزاهد. روى عن عبد الوهاب الكلابي
وخلق، ورحل إلى مصر، خرَّج لنفسه معجماً كبيراً.
قال الكتّاني: توفي شيخنا وأستاذنا أبو الحسن في ربيع الأول، وكان
من العُبَّاد، وكانت له جنازة عظيمة ما رأيت مثلها، وعاش ثمانياً وخمسين
سنة .
● وفيها أبو علي الهاشمي الحنبلي، محمد بن أحمد بن أبي موسى
البغدادي، صاحب التصانيف، ومَن إليه انتهت رئاسة المذهب. أخذ عن أبي
الحسن التميمي وغيره، وحدَّث عن ابن المظفر وكان رئيساً رفيع القدر، بعيد
الصيت.
قال ابن أبي يعلى في ((طبقاته))(١): كان سامي الذكر، له القدم العالي
والحظ الوافر(٢) عند الإِمامين القادر بالله والقائم بأمر الله .
صنَّف ((الإِرشاد)) في المذهب، وشرح كتاب الخِرقي (٣)، وكانت حلقته
(١) انظر ((طبقات الحنابلة)) (١٨٢/٢ - ١٨٦).
(٢) في ((طبقات الحنابلة)): ((والحظ الوافي)).
(٣) يعني ((مختصر الخرقي)) للإمام أبي القاسم عمر بن الحسين الحنبلي المتوفى سنة (٣٣٤)
وقد تقدم الكلام عنه في الجزء الرابع ص (١٨٦).
١٣٨

بجامع المنصور، يفتي ويشهد. قرأت(١) على المبارك بن عبد الجبّار - من
أصله في حلقتنا بجامع المنصور - قلت له: حدّثك القاضي الشريف أبو علي
قال: باب ما تنطق به الألسنة وتعتقده الأفئدة من واجب الديانات.
حقيقة الإِيمان عند أهل الأديان: الاعتقاد بالقلب، والنطق باللِّسان: أن
الله عزَّ وجل واحد أحد، فرد صمد، لا يغيِّره الأبد، ليس له والد ولا ولد،
وأنه سميع بصير، بديع قدير، حكيم خبير، عليٍّ كبير، وليَّ نصير، قوي
مجير، ليس له شبيه(٢) ولا نظير، ولا عون ولا ظهير، ولا شريك ولا وزير،
ولا نِدَّ ولا مشير، سبق الأشياء، فهو قديم لا كقدمها(٣)، وعلم كون وجودها
في نهاية عدمها، لم تملكه الخواطر فتكيِّفه، ولم تدركه الأبصار فتصفه، ولم
يخلُ من علمه مكان فيقع به التأبين، ولم يعدمه زمان فينطلق (٤) عليه
التأوين. ولم يتقدمه دهرٌ ولا حينٌ، ولا كان قبله كون ولا تكوين، ولا
تجري ماهيته في مقال، ولا تخطر كيفيته ببال، ولا يدخل في الأمثال
والأشكال، صفاته كذاته، ليس بجسم في صفاته، جلَّ أن يشبَّه بمبتدعاته أو
يُضاف إلى مصنوعاته ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيْعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:
١١] أراد ما العالم فاعلوه ولو عصمهم لما خالفوه، ولو شاء أن يطيعوه جميعاً
الأطاعوه. خلق الخلائق وأفعالهم، وقَدَّر أرزاقهم وآجالهم، لا سَمِيَّ له في
أرضه وسماواته، على العرش استوى، وعلى الملك احتوى، وعلمه محيط
بالأشياء. كذلك سئل [الإِمام] أحمد بن محمد بن حنبل عن قوله عزَّ وجل
﴿ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَىْ ثَلاثَةٍ إلَّ هُو رَابِعُهُمْ وَلَ خَمْسَةٍ إلَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنِىْ
مِنْ ذَلِكَ وَلَ أَكْثَرَ إِلَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ﴾ [المجادلة: ٧] فقال: علمه.
(١) تحرّفت في ((آ)) إلى ((قراءة)) وأثبت لفظ ((ط)) و((طبقات الحنابلة)).
(٢) في ((ط)): ((شبه)).
(٣) في ((آ)) و((ط)): ((فهو قديم قدمها)) والتصحيح من ((طبقات الحنابلة)).
(٤) في ((آ)): ((فيطلق)) وأثبت لفظ ((ط)) و((طبقات الحنابلة)).
١٣٩

والقرآن(١) كلام الله تعالى، وصفة من صفات ذاته، غير مُحْدَثٍ ولا
مخلوق، كلام ربِّ العالمين، في صدور الحافظين، وعلى ألسُن الناطقين،
وفي أسماع السامعين، وبأكف الكاتبين، وبملاحظة الناظرين (٢)، برهانه
ظاهر، وحكمه قاهر، ومعجزه باهرٌ.
وأن الله تعالى كلَّم موسى تكليماً، وتجلى للجبل فجعله دكاً هشيماً.
وأنه خلق النفوس وسوّاها، وألهمها فجورها وتقواها.
والإِيمان بالقدر خيره وشرّه، وحلوه ومرّه، وأن مع كل عبد(٣) رقيباً
وعتيداً، وحفيظاً وشهيداً، يكتبان حسناته ويحصيان سيئاته، وأن كل مؤمنٍ
وكافرٍ وبَرِّ فَاجرٍ، يعاين عمله عند حضور منّته، ويعلم مصيره قبل ميتته.
وأن منكراً ونكيراً إلى كل أحد ينزلان، سوى النبيين، فيسألان
ويمتحنان عما يعتقده من الإِيمان (٤).
وأن المؤمن يُخَبَر في قبره بالنعيم، والكافر يعذَّب بالعذاب الأليم، وأنه
لا محيص لمخلوق من القدر المقدور، ولن يتجاوز ما خُطّ في اللوح
المسطور.
وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور.
وأن الله جلَّ اسمه يعيد خلقه كما بدأهم، ويحشرهم كما ابتدأهم من
صفائح القبور، وبطون الحيتان في تخوم البحور، وأجواف السباع، وحواصل
النسور.
وأن الله تعالى يتجلى في القيامة لعباده الأبرار، فيرونه بالعيون
والأبصار.
(١) في ((آ)) و((ط)): ((القرآن)) وأثبت الواو من ((طبقات الحنابلة)).
(٢) في ((طبقات الحنابلة)): ((وأكفّ الكاتبين، وملاحظة الناظرين)).
(٣) في ((آ)): ((مع كل جسد)) وأثبت لفظ ((ط)) و((طبقات الحنابلة)).
(٤) في ((طبقات الحنابلة)): ((من الأديان)).
١٤٠