النص المفهرس

صفحات 361-380

المهلبي، وكان في المجلس القاضي أبو بكر المذكور، فرأى من ظرفه
وسرعة أجوبته مع لطافتها ما عظم منه تعجبه، فكتب الصاحب إلى أبي
الفضل بن العميد كتاباً يقول فيه: وكان في المجلس شيخ خفيف الرُّوح،
يعرَف بالقاضي ابن قُرَيْعة، جاراني في مسائل خِفَّتها(١) تمنع من ذكرها، إلا
أني سأطرفك (٢) من كلامه، وقد سأله رجل بحضرة الوزير أبي محمد عن حدٍّ
القفا، فقال: ما اشتمل (٣) عليه جُرُبَّانك [ومازحك فيه إخوانك](٤) وأَدَّبك فيه
سُلطانك، وباسطك فيه غلمانك.
وجُرُبَّان: بضم الجيم والراء، وتشديد الباء الموحدة، وبعدها ألف، ثم
نون لينة، وهي الخرقة العريضة التي فوق القبِّ، وهي التي تستر القفا،
والجربان لفظ فارسى معرب .
وجميع مسائله على هذا الأسلوب. انتهى ما أورده ابن خلكان
ملخصاً.
وقال ابن حَمْدُون في ((تذكرته))(٥): كان ابن قُريعة في مجلس
المُهَلَّبي، فوردت عليه رقعة فيها: ما يقول القاضي أعزّه الله، في رجل دخل
الحَمَّام، فجلس في الأبزن لعلةٍ كانت به، فخرجت منه ريح، فتحول الماء
زيتاً، فتخاصم الحَمَّامي والضارط، وادّعى كل واحد منهما أنه يستحق جميع
الزيت لحقه فيه، فكتب القاضي في الجواب: قرأت هذه الفتيا الظريفة في
(١) في ((وفيات الأعيان)): ((خسَّتها)).
(٢) في ((وفيات الأعيان)): ((استظرفت)).
(٣) في الأصل: ((ما يشتمل)) وأثبت لفظ المطبوع وهو موافق للفظ ((وفيات الأعيان)).
(٤) ما بين حاصرتين سقط من الأصل والمطبوع واستدركته من ((وفيات الأعيان)).
(٥) قال العلامة المؤرخ خير الدّين الزركلي - طَيِّب الله ثراه - في ترجمة ابن حمدون في
((الأعلام)) (٨٥/٦): منها خمسة أجزاء مخطوطة، طبعت قطعة صغيرة من أحدها. وانظر
(كشف الظنون)» (٣٨٣/١).
٣٦١

هذه القصة السخيفة، وأخلق بها أن تكون عبئاً باطلاً وكذباً ماحلاً، وإن كان
ذلك كذلك فهو [من] أعاجيب الزمان وبدائع الحدثان، والجواب وبالله
التوفيق، أن للضارط (١) نصف الزيت لحق وجعاته، وللحمامي نصف الزيت
لحق مائه، وعليهما أن يصدقا المبتاع منهما عن خبث أصله وقبح فصله،
حتَّى يستعمله في مسرجته ولا يدخله في أغذيته. انتهى.
وقُرَيْعَة: بضم القاف وفتح الراء وسكون الياء التحتية بعدها عين مهملة
وهو لقب جدّه، كذا حكاه السمعاني .
● وفيها أبو بكر بن القُوطِيَّة - بضم القاف وكسر الطاء، وتشديد الياء
المثناة من (٢) تحت - نسبة إلى قوط بن حام بن نوح عليه السلام، نسبت إليه
جدّة أبي بكر هذا وهي أم إبراهيم بن عيسى، واسمها سارة بنت المنذر بن
حطية من ملوك القوط بالأندلس، وقوط أبو السودان، والهند والسِّند أيضاً. واسم أبي
بكر هذا محمد بن عمر بن عبد العزيز بن إبراهيم بن عيسى بن مزاحم
الأندلسي الإِشبيلي الأصل القرطبي المولد. كان رأساً في اللغة والنحو،
حافظاً للأخبار وأيام الناس، فقيهاً مُحَدِّثاً متقناً، كثير التصانيف، صاحب
عبادة ونسك. كان أبو علي القَالي يبالغ في تعظيمه، توفي في شهر ربيع
الأول، وقد روى عن سعيد بن جابر، وطاهر بن عبد العزيز، وطبقتهما،
وسمع بإشبيلية من محمد بن عبيد الزَّبيدي، وبقرطبة من أبي الوليد الأعرج،
وكان من أعلم أهل زمانه باللغة والعربية، وأروى الناس للأشعار وأدركهم
للآثار، لا يدرك (٣) شأوه ولا يشق غباره، وكان مضطلعاً بأخبار الأندلس مليئاً
برواية سير أمرائها وأحوال فقهائها وشعرائها عن ظهر قلب.
(١) في المطبوع: ((للصافع)).
(٢) لفظة ((من)) سقطت من الأصل وأثبتها من المطبوع.
(٣) في المطبوع: ((ولا يدرك)).
٣٦٢

قال ابن خلِّكان(١): وكانت كتب اللغة أكثر ما تقرأ عليه وتؤخذ عنه، ولم
يكن بالضابط لروايته في الحديث والفقه، ولا كانت له أصول يرجع إليها،
وكان ما يسمع عليه من ذلك إنما يحمل على المعنى لا على اللفظ، وكان
كثيراً ما يقرأ عليه ما لا رواية له به على جهة التصحيح، وطال عمره فسمع
الناس منه(٢) طبقة بعد طبقة، وروى عنه الشيوخ والكهول، وكان قد لقي
مشايخ عصره بالأندلس وأخذ عنهم، وأكثر من النقل من فوائدهم.
وصنَّف الكتب المفيدة في اللغة، منها: كتاب ((تصاريف الأفعال)) وهو
الذي فتح هذا الباب، فجاء من بعده ابن القَطَّاع(٣) وتبعه، وله كتاب
((المقصور والممدود)) جمع فيه ما لا يحدّ ولا يوصف، ولقد أعجز مَن يأتي
بعده وفاق مَن تقدّمه.
وكان مع هذه الفضائل من العُبَّاد النُّساك، وكان جيد الشعر، صحيح
الألفاظ، واضح المعاني، حسن المطالع والمقاطع، إلا أنه ترك ذلك
[ورفضه] (٤).
حكى الشاعر أبو بكر [يحيى] بن هذيل التميمي أنه توجه يوماً إلى
ضيعة له بسفح جبل(٥) قرطبة، وهي من بقاع الأرض الطيبة المؤنقة، فصادف
أبا بكر بن القُوطية المذكور صادراً عنها، وكانت له أيضاً هناك ضيعة، قال:
فلما رآني عرَّج عليَّ واستبشر بلقائي، فقلت له: على البديهة (٦) مداعباً له:
(١) انظر ((وفيات الأعيان)) (٣٦٨/٤ - ٣٧١).
(٢) في الأصل والمطبوع: ((عنه)) وأثبت لفظ ((وفيات الأعيان)).
(٣) هو أبو القاسم علي بن جعفر البغدادي الصقلي، المعروف بابن القطّاع، صاحب كتاب
((تثقيف اللسان)) المتوفى سنة (٥١٤)، وسوف ترد ترجمته في المجلد السادس من كتابنا هذا
إن شاء الله تعالى.
(٤) زيادة من ((وفيات الأعيان)).
(٥) لفظة ((جبل)) لم ترد في الأصل وأثبتها من المطبوع.
(٦) تحرفت في المطبوع إلى ((البهديهة)).
٣٦٣

وَمَنْ هُو الشَّمْسُ وَالدُّنْيَا لَهُ فَلَكُ (١)
مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ يَا مَنْ لَا شَِْهَ لَهُ
قال فتبسم وأجاب بسرعة:
وَفِيْهِ سِتْرُ عَنِ الفُتَّاكِ إِنْ فَتَكُوا (١)
مِنْ مَنزلٍ تُعْجِبُ النُّسَّاكَ خَلْوَتُهُ
قال: فما تمالكت أن قبَّلت يده، إذ كان شيخي، ومجدته ودعوت له.
انتهى ما أورده ابن خلِّكان ملخصاً.
● وفيها أبو الطاهر الوزير، نصير الدولة محمد بن محمد بن بَقِيَّة بن
علي، أحد الرؤساء والأجواد، تنقلت به الأحوال، ووزر لمعز الدولة بختيار،
وقد كان أبوه فلاحاً، ثم عزل وسُمل، ولما تملك عَضُد الدولة قتله وصلبه في
شوال، ورثاه محمد بن عمر الأنباري بقوله(٢).
لحقُّ أنتَ إحدى المُعْجِزَاتِ
عُلوُّ في الحياةِ وفي المماتِ
كأنَّ النَّاسِ حَوْلَكَ حِيْنَ قَامُوا
كَأَنَّكَ قَائِمٌ فِيهِمْ خَطِيباً
مَدَدْتَ يَدَيْكَ نَحْوَهُمُ احتِفَاءً
فَلِمَا ضَاقَ بَطْنُ الأَرْضِ عَنْ أَن
أَصَاروا الجَوَّ قَبْرَكَ واسْتَنَابُوا
العُظْمِكَ فِي النَّفُوسِ تَبْتُ تُرعى
وتُشْعَلُ عِنْدَكَ النَّيْرَانُ لَيْلاً
رَكبتَ مَطِيَّةً مِنْ قَبلُ زَيْدٌ
وتِلْكَ فَضِيْلةٌ فِيْهَا تَأْسِّ
وفُودُ نَذَاكَ أَيَّامَ الصَّلَاَتِ
وَكُلُّهُمُ قِيَامٌ للصَّلَةِ
كَمَدِّكَهَا(٣) إِلَيْهُمْ بِالهِبَاتِ
يَضُمَّ عُلَاكَ مِنْ بَعْدِ المَمَاتِ
عَنِ الْأَكْفَانِ ثَوبَ السَّافِيَاتِ
بحفّاظِ وَحُرَّاسٍ ثِقَاتِ
كَذَلِكَ كُنْتَ أَيام الحَيَاةِ
علاهَا في السِّنينِ المَاضِيَاتِ
تُبَاعِدُ عَنْكَ تَغْيِيرَ العُدَاةِ
(١) البيتان مع الخبر في ((يتيمة الدهر)) (٨٤/٢) طبع دار الكتب العلمية، و((معجم الأدباء))
لياقوت (٢٧٤/١٨).
(٢) الأبيات في ((وفيات الأعيان)) (١٢٠/٥) أو((الكامل في التاريخ)) لابن الأثير (٦٩٠/٨)،
و((نكت الهيمان)) ص (٢٧٢ - ٢٧٣)، و((النجوم الزاهرة)) (١٣٠/٤ - ١٣١) مع تقديم وتأخير.
(٣) في ((وفيات الأعيان)) و((النجوم الزاهرة)): ((كمدّها)) وفي ((الكامل)): ((كمدّهما)».
٣٦٤

تمكن مِنْ عِنَاقِ المَكْرُمَاتِ
فَلَمْ أَرَ قَبْلَ جِدْعِكَ قَطُ جِذَعَاً
فَأَنْتَ قَتْلُ ثَأْرِ النَّائَِّاتِ
أَسَأْتَ إلى النوائبِ فَاسْتَثَارَتْ
وهي طويلة .
ولم يزل ابن بَقِيَّة مصلوباً إلى أن توفي عَضُد الدولة، فأنزل عن
الخشبة، ودفن في موضعه.
قال الحافظ ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)): لما صنع أبو الحسن
المرثية التائية، كتبها ورماها في شوارع بغداد، فتداولتها الأدباء إلى أن وصل
الخبر إلى عَضُد الدولة، فلما أنشدت بين يديه، تمنى أن يكون هو المصلوب
دونه، وقال: عليَّ بهذا الرجل، فطُلب سنة كاملة، واتصل الخبر
بالصاحب بن عَبَّد وهو بالرَّيِّ، فكتب له الأمان، فلما سمع أبو الحسن ذلك
قصد حضرته، فقال له: أنت القائل هذه الأبيات؟ قال: نعم، قال: أنشدنيها
من فِيْك، فلما أنشد:
وَلَمْ أَرَ قَبْلَ جِذْعِكَ قَطُّ جِذْعَاً تَمَكِنَ مِنْ عِنَاقِ المَكْرُمَاتِ
قام إليه الصاحب وقبَّل فاه، وأنفذه إلى عَضُد الدولة، فلما مَثُلَ بين
يديه قال: ما الذي حملك عَلى رثاء عَدُوي؟ فقال: حقوق سلفت وأيادٍ
مضت، فقال: هل يَحْضُركَ شيءٌ في الشموع؟ والشموع تُزهر بين يديه،
فأنشأ يقول :
مِنَ النَّارِ في كُلِّ رَأْسٍ سِنَانا
كأَنَّ الشُّمُوعَ وَقَدْ أَظْهَرَتْ
تَضِرَّعُ تطلبُ مِنْكَ الأمَانَا
أَصَابعُ أَعْدَائِكَ الخَائِفِيْنَ
فلما سمعها خلع عليه وأعطاه فرساً وردّه. انتهى .
وكان ابن بَقِيَّة في أول أمره قد توصل إلى أن صار صاحب مطبخ معز
الدولة والد عزّ الدولة، ثم انتقل إلى غيرها من الخدم، ولما مات معز الدولة
٣٦٥

وأفضى الأمر إلى عزّ الدولة حسنت حاله عنده، ورعى له خدمته لأبيه، وكان
فيه توصل وسعة صدر، وتقدم إلى أن استوزره عز الدولة يوم الاثنين سابع ذي
القعدة، سنة اثنتين وستين وثلثمائة، ثم إنه قبض عليه لسببٍ يوم الاثنين سابع
عشر ذي الحجة، سنة ست وستين بمدينة واسط، وسمل عينيه، ولزم بيته .
قال ابن الهمذاني في كتابه ((عيون السير)): لما استوزر عز الدولة بن
بَقِيَّة بعد أن كان يتولى أمر المطبخ، قال الناس: من الغضارة إلى الوزارة،
ولكن سَتَرَ كَرَمُهُ عيوبه، وخلع يوماً عشرين ألف خلعة. انتهى .
وتقدم أنه كان راتبه من الشمع في كل شهر ألف منٍّ، فكم يكون غيره
مما تشتد الحاجة إليه، فسبحان المعز المذل، وعاش ابن بَقِيَّة نيفاً وخمسين
سنة .
● وفيها يحيى بن عبد الله بن يحيى بن الإِمام يحيى بن يحيى اللَّيثي
القرطبي، أبو عيسى، الفقيه المالكي، راوي ((الموطأ)) عالياً.
٣٦٦

سنة ثمان وستين وثلثمائة
فيها كما قال السيوطي في ((تاريخ الخلفاء))(١): أمر الطائع بأن تضرب
الدبادب على باب عضد الدولة في وقت الصبح، والمغرب، والعشاء، وأن
يخطب له على منابر الحضرة .
قال ابن الجوزي: وهذان أمرانٍ لم يكونا من قبله، ولا أطلقا لولاة
العهود، وما حظي عضد الدولة بذلك إلا لضعف الخلافة(٢).
· وفيها توفي أبو بكر القطيعي، أحمد بن جعفر بن حَمْدان بن مالك
البغدادي، مُسْند العراق، وكان يسكن بقطيعة الدَّقيق(٣)، فنسب إليها. روى
عن عبد الله بن الإِمام أحمد ((المسند)) وسمع من الكديمي، وإبراهيم الحربي
والكبار، توفي في ذي الحجة، وله خمس وتسعون سنة، وكان شيخاً صالحاً.
• وفيها السِّيرافي، أبو سعيد، الحسن بن عبد الله بن المَرْزُبَان، صاحب
العربية، كان أبوه مجوسياً فأسلم (٤)، وسُمِّي عبد اللّه، سمّاه به ابنه المذكور،
(١) ص (٤٠٧) بتحقيق الشيخ محمد محيي الدِّين عبد الحميد، وقد نقل المؤلف عنه
باختصار.
(٢) وقد ساق الذهبي هذا الخبر في ((العبر)) (٢ /٣٥٢). باختصار أيضاً فراجعه.
(٣) كذا في الأصل والمطبوع، و(تاج العروس)) (قطع)، وفي ((معجم البلدان)) لياقوت (٣٧٧/٤)
طبع دار صادر: ((قطيعة الرَّقيق)).
(٤) في الأصل والمطبوع: ((وأسلم)) وأثبت لفظ ((العبر)).
٣٦٧

وكان اسمه أولاً (٤) بهزاد(٢)، تصدّر أبو سعيد لإِقراء القراءات، والنحو،
واللغة، والعروض، والفقه، والحساب، وكان رأساً في النحو، بصيراً بمذهب
الإِمام أبي حنيفة، قرأ القرآن على ابن مُجاهد، وأخذ اللغة عن ابن دُرَيْد،
والنحو عن ابن السَّراج، وكان ورعاً يأكل من النسخ، وكان ينسخ الكراس
بعشرة دراهم لبراعة خطه، ذُكر عنه الاعتزال ولم يظهر منه، ومات في رجب
عن أربع وثمانين سنة.
قال ابن خلِّكان (٣): أبو سعيد الحسن بن عبد الله بن المرزُبان السِّيرافي
النحوي المعروف بالقاضي. سكن بغداد وتولى القضاء بها نيابة عن أبي
محمد بن معروف، وكان من أعلم الناس بنحو البصريين، وشرح ((كتاب
سيبويه)) فأجاد فيه، وله كتاب ((ألفات الوصل والقطع)) وكتاب ((أخبار النحويين
البصريين)) وكتاب ((الوقف والابتداء)) وكتاب ((صنعة الشعر والبلاغة)) و((شرح
مقصورة ابن دريد)) وكان الناس يشتغلون عليه بعدة فنون، القرآن الكريم،
والقراءات، وعلوم القرآن، والنحو، واللغة، والفقه، والفرائض، والحساب،
والكلام، والشعر، والعَروض، والقوافي، وكان نزهاً عفيفاً، جميل الأمر،
حسن الأخلاق، وكان معتزلياً، ولم يظهر منه شيء، وكان كثيراً ما ينشد في
مجالسه :
ذَهَبَ الزَّمان وأنتَ مُنْفَردُ
اسكُنْ إلى سَكَنٍ تُسَرُّ بِهِ
في الحيِّ لا يَدْرُونَ ما تلدُ
ترجو غداً وغدٌ كحاملةٍ
وتوفي يوم الاثنين ثاني رجب ببغداد، وعمره أربع وثمانون سنة، ودفن
بمقابر (٤) الخیزران.
(١) في المطبوع: ((وكان أولاً اسمه)).
(٢) تحرّف في المطبوع إلى ((بهزار)).
(٣) انظر ((وفيات الأعيان)) (٧٨/٢ - ٧٩).
(٤) في ((وفيات الأعيان)): ((بمقبرة)).
٣٦٨

وقال ولده أبو محمد يوسف: أصل أبي من سيراف، ومضى إلى عسكر
مكرم، وأقام عند أبي محمد بن عمر المتكلم، وكان يقدمه، ويفضله(١) على
جميع أصحابه، ودخل بغداد، وخَلَفَ القاضي أبا محمد بن معروف على
قضاء الجانب الشرقي [ثم](٢) في الجانبين.
والسِّيرافي: بكسر السين المهملة، وبعد الراء والألف فاء، نسبة إلى
سيراف، وهي من بلاد فارس، على ساحل البحر، مما يلي كَرْمَان، خرج
منها جماعة من العلماء.
· وفيها أبو القاسم الآبْنْدُوني - بألف ممدودة وفتح الباء الموحدة،
وسكون النون، وضم المهملة، نسبة إلى آبندون من قرى جُرجان - واسمه
عبد الله بن إبراهيم بن يوسف الجرجاني الحافظ. سكن بغداد، وحدَّث عن
أبي خليفة، والحسن بن سفيان، وطبقتهما، وهو ثقة ثّبْت.
قال الحاكم: كان أحد أركان الحديث.
وقال البرقاني: كان مُحَدِّثاً، زاهداً، متقلِّلاً من الدُّنيا، لم يكن يُحَدِّث
غير واحد [منفردٍ](٣)، لسوء أدب الطلبة وحديثهم وقت السماع، عاش
خمساً وتسعين سنة، وممّن حَدَّث عنه البَرْقَاني (٤)، وأبو العلاء الواسطي.
· وفيها الرُّخَّجِيُّ - بالضم وتشديد المعجمة المفتوحة وجيم، نسبة إلى
الرُّخَّجية، قرية ببغداد - القاضي أبو الحسين عيسى بن حامد البغدادي(٥)
(١) في الأصل: ((وفضله)) وأثبت لفظ المطبوع وهو موافق لما في ((وفيات الأعيان)).
(٢) سقطت من الأصل والمطبوع واستدركتها من ((وفيات الأعيان)).
(٣) زيادة من ((تاريخ بغداد)) (٤٠٧/٩) و((المنتظم)) لابن الجوزي (٩٦/٧).
(٤) في الأصل والمطبوع: ((الرماني)) والتصحيح من ((تاريخ بغداد)) (٤٠٧/٩) و((المنتظم)) لابن
الجوزي (٩٦/٧) وهو أبو بكر أحمد بن محمد بن أحمد بن غالب الخوارزمي البرقاني
المتوفى سنة (٤٢٥) هـ. انظر ((طبقات الحفاظ)) للسيوطي ص (٤١٨).
(٥) قال السمعاني في ((الأنساب)) (٩٧/٦): يعرف بابن بنت القنبيطي، وانظر تتمة كلامه عنه
هناك .
٣٦٩

الفقيه، أحد تلامذة ابن جرير(١). روى عن محمد بن جعفر القتَّات وطبقته،
ومات في ذي الحجة، عن سن عاليةٍ .
● وفيها الحافظ النبيل أحمد بن موسى بن عيسى بن أحمد بن عبد
الرَّحمن، الوكيل الفرضي، أبو الحسن(٢) بن أبي عمر الجرجاني. كان حافظاً
نبيهاً غير أنه كان يضع الحديث، نسأل الله العافية.
● وفيها أبو أحمد الجلودي - بضمتين، وقيل بفتح الجيم نسبة إلى
الجلود - محمد بن عيسى بن عَمْرَوَيْه(٣) النيسابوري، راوية ((صحيح مسلم))
عن ابن سفيان الفقيه. سمع من جماعة، ولم يرحل.
قال الحاكم: هو من كبار عُبَّاد الصوفية، وكان ينسخ بالأجرة، ويَعْرِفُ
مذهب سفيان(٤) وينتحله. توفي في ذي الحجة، وله ثمانون سنة.
· وفيها أبو الحسين الحَجَّاجي - نسبة إلى جدِّ - محمد بن محمد بن
يعقوب النيسابوري، الحافظ الثقة المقرىء، العبد الصالح الصدوق، في ذي
الحجة، عن ثلاث وثمانين سنة. قرأ على ابن مجاهد، وسمع عمر بن أبي
غيلان، وابن خُزيمة، وهذه الطبقة، بمصر، والشام، والعراق، وخراسان،
وصنَّف العلل، والشيوخ، والأبواب.
قال الحاكم: صحبته نيِّفاً وعشرين سنة، فلم (٥) أعلم أن المَلَك كتب
(١) في الأصل والمطبوع: ((أحد تلامذة ابن جريج)) وهو خطأ، والصواب أنه أحد تلامذة
محمد بن جرير الطبري كما في ((الأنساب)) و((العبر)) (٣٥٤/٢).
(٢) في الأصل والمطبوع: ((أبو الحسين)) وهو خطأ، والتصحيح من ((سير أعلام النبلاء))
(٣٨٢/١٦) والمصادر المذكورة في حاشيته.
(٣) انظر ((الأنساب)) (٢٨٣/٣) وحاشية محققه العلامة الشيخ عبد الرحمن المعلمي اليماني عليه
ففي ذلك فائدة عزيزة.
(٤) يعني سفيان الثوري. انظر ((الأنساب)) (٢٨٤/٣).
(٥) في ((العبر)): ((فما)).
٣٧٠

عليه خطيئة، وسمعت أبا عليٍّ الحافظ يقول: ما في أصحابنا أفهم ولا أثبت
منه، وأنا أُلقِّبه بعقَّان لثّبته، رحمه الله تعالى.
● وفيها هَفْتَكِين التُّركي الشرابي(١)، خرج عن بغداد خوفاً من عَضُد
الدولة، ونزل الشام، فتملك دمشق بإعانة أهلها في سنة أربع وستين، وردّ
الدعوة العبّاسية، ثم صار إلى صيدا، وحارب المصريين، فقدم لحربه القائد
جوهر، وحاصره بدمشق سبعة أشهر، ثم ترحل عنه، فساق وراء جوهر،
فالتقوا بعسقلان، فهزم جوهراً، وتحصَّن جوهر بعسقلان، فحاصَره هفتكين
بها خمسة عشر شهراً، ثم أُمَّنه، فنزل وذهب إلى مصر، فصادف العزيز
صاحب مصر قد جاء في نجدته، فردَّ معه، فكانوا سبعين ألفاً، فالتقاهم
هَفْتَكين، فأخذوه أسيراً، في أول سنة ثمان هذه، ثم مَنَّ عليه العزيز، وأعطاه
إمرةً، فخاف منه ابن كِلِّس الوزير وقتله، سقاه سُمَّاً، وكان يُضرب بشجاعته
المثل.
(١) انظر ((سير أعلام النبلاء)) (٣٠٧/١٦ - ٣٠٨).
٣٧١

سنة تسع وستين وثلاثمائة
● فيها ورد رسول العزيز صاحب مصر والشام، إلى عَضُد الدولة، ثم
ورد رسولٌ آخر، فأجابه بما مضمونه، صدق الطَّوية وحسن النيّة .
● وفيها توفي أحمد بن عطاء [الرُّوذْبَاري](١) أبو عبد الله الزاهد، شيخ
الصوفية، نزيل صور(٢). روى عن أبي القاسم البغوي وطبقته.
قال القشيري: كان شيخ الشام في وقته، وضعَّفه بعضهم، فإنه روی
عن إسماعيل الصفَّار مناكير، تفرَّد بها. قاله في ((العبر))(٣).
ومن كلامه: ما من قبيح إلا وأقبح منه صوفي شحيح.
وقال: الخشوع في الصلاة علامة فلاح المصلّ ﴿ قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ *
الَّذِيْنَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾ [المؤمنون: ١ - ٢].
وقال: مجالسة الأضداد ذوبان الرُّوح(٤)، ومجالسة الأشكال تلقيح
العقول.
(١) زيادة من ((العبر)) مصدر المؤلف.
(٢) في الأصل: ((نزيل صُغد)) وفي المطبوع: ((نزيل صفد)) وكلاهما خطأ، والتصحيح من ((العبر))
وانظر ((تاريخ بغداد)) (٣٣٦/٤) و((سير أعلام النبلاء)) (٢٢٧/١٦ - ٢٢٨).
(٣) (٣٥٦/٢).
(٤) قوله: ((ذوبان الروح)) سقط من الأصل وأثبته من المطبوع.
٣٧٢

وقال الخطيب(١): نشأ ببغداد وأقام بها دهراً طويلاً(٢)، ثم انتقل فنزل
صور من ساحل بلاد الشام(٣)، وتوفي في قرية يقال لها مَنْوَاث من عمل
عكا، وحمل إلى صفد فدفن بها.
· وفيها ابن شَاقلا أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد البغدادي البزَّاز، شيخ
الحنابلة، وتلميذ أبي بكر عبد العزيز، توفي كهلاً في رجب، وكان صاحب
حلقة للفتيا والإشغال بجامع المنصور.
● وفيها الجُعَل، واسمه حسين بن علي البصري الحنفي العَلَّمة،
صاحب التصانيف، وله ثمانون سنة، وكان رأس المعتزلة. قاله أبو إسحاق
في ((طبقات الفقهاء)) (٤).
· وفيها ابن ماسي المُحَدِّث، أبو محمد عبد الله بن إبراهيم بن
أيوب بن ماسي البزَّاز ببغداد، في رجب، وله خمس وتسعون سنة.
قال البرقاني وغيره: ثقة، ثَّبْت. روى عن أبي مسلم الكَجِّي وطائفة.
● وفيها الحسن بن محمد بن علي الأصفهاني أبو سعيد الحافظ
المتقن. روى عن أبي قاسم البغوي، وأبي محمد بن صاعد، وهذه الطبقة.
وعنه: أبو نُعيم وغيره، ووصفه أبو نُعيم بالمعرفة والإِتقان.
• وفيها الإِمام الحافظ الثّبت الثقة، أبو الشيخ، وأبو محمد، عبد الله بن
محمد بن جعفر بن حَيَّان الأصبهاني، صاحب التصانيف، في سلخ المحرم،
وله خمس وتسعون سنة، وأول سماعه في سنة أربع وثمانين ومائتين، من
(١) انظر ((تاريخ بغداد)) (٣٣٦/٤).
(٢) كانت العبارة في الأصل والمطبوع: ((أقام ببغداد ونشأ بها، وأقام ببغداد دهراً طويلاً)) وأثبت
لفظ ((تاريخ بغداد)).
(٣) في الأصل والمطبوع: ((من ساحل بلاد الروم)) وأثبت لفظ ((تاريخ بغداد)).
(٤) انظر ((طبقات الفقهاء)) للشيرازي ص (١٤٣) بتحقيق الدكتور إحسان عبَّاس.
٣٧٣

إبراهيم بن سعدان، وابن أبي عاصم، وطبقتهما، ورحل في حدود الثلثمائة،
وروى عن أبي خليفة وأمثاله، بالموصل، وحرَّان، والحجاز، والعراق، وممّن
روى عنه أبو بكر أحمد بن عبد الرحمن الشيرازي، والماليني، وأبو نعيم،
وابن مردويه.
وقال ابن مردويه: هو ثقة مأمون، وصنَّف ((التفسير)) والكتب الكثيرة في
الأحكام وغير ذلك.
وقال الخطيب(١): كان حافظاً ثَبْتاً متقناً.
وقال غيره: كان صالحاً عابداً قانتاً لله، كبير القدر.
● وفيها الإِمام أبو سهل محمد بن سليمان العجلي الصُّعْلوكي
النيسابوري، الحنفي نسباً والشافعي مذهباً، الفقيه، شيخ الشافعية بخراسان.
قال فيه الحاكم: أبو سهل الصعلوكي الشافعي اللغوي المفسّر النحوي
المتكلم المفتي الصوفي، حَبْرُ زمانه(٢) وبقية أقرانه. ولد سنة تسعين ومائتين،
واختلف إلى ابن خزيمة، ثم إلى أبي علي الثقفي، وناظر وبرع، وسمع من
أبي العَبَّاس السرَّاج وطبقته .
وقال الصاحب بن عَبَّد: ما رأى أبو سهل مثل نفسه، ولا رأينا مثله،
وهو صاحب وجه في المذهب.
وسئل أبو الوليد حَسَّان بن محمد الفقيه، عن أبي بكر القَفَّل، وأبي
سهل الصعلوكي أيُّهما أرجح، فقال: ومَن يقدر أن يكون مثل أبي سهل.
وعنه أخذ ابنه أبو الطيب وفقهاء نيسابور.
وقال أبو عبد الرحمن السُّلمي: سمعته يقول ما عقدت على شيءٍ قطَّ،
(١) انظر ((سير أعلام النبلاء)) (٢٧٨/١٦).
(٢) في الأصل والمطبوع: ((خير زمانه)) وما أثبته من ((العبر)) (٣٥٨/٢) و((سير أعلام النبلاء))
(٢٣٦/١٦).
٣٧٤

وما كان لي قُفْلٌ ولا مفتاح، وما حرزت(١) على فضَّة ولا على ذهب قطّ .
قال: وسمعته يقول: مَن قال لشيخه لِمَ؟ لا يُفلح أبداً (٢).
ومن غرائبه وجوب النّة لإِزالة النجاسة، وأن مَن نوى غسل الجنابة
والجماع(٣) لا يجزئه لواحد منهما، وتوفي في ذي القعدة.
• وفيها ابن أُمِّ شَيْبَان، قاضي القضاة، أبو الحسن محمد بن صالح بن
علي الهاشمي العَبَّاسي العيسوي الكوفي. روى عن عبد الله بن زيدان (٤)
البَجَلي وجماعة، وقَدِمَ بغداد مع أبيه، فقرأ على ابن مُجاهد، وتزوج بابنة
قاضي القضاة، أبي عمر محمد بن يوسف.
قال طلحة الشاهد: هو رجل عظيم القدر، واسعُ العلم، كثير الطّلب،
حسن التصنيف، متوسط في مذهب مالك، مُتَفَنِّن.
وقال ابن أبي الفوارس: نهاية في الصدق، نبيل فاضل، ما رأينا في
معناه مثله. توفي فجأة في جمادى الأولى، وله بضع وسبعون سنة. قاله في
((العبر)(٥).
· وفيها النقَّاش المُحَدِّث، لا المقرىء، أبو بكر محمد بن علي بن
(١) في ((سير أعلام النبلاء)): ((ما حررت)).
(٢) علق الأستاذ الشيخ شعيب الأرناؤوط على هذا الخبر في ((سير أعلام النبلاء)) (٢٣٧/١٦)
بقوله: بلى والله يُفلح إذا كان قصده معرفة الحقيقة، أو كان يرى في الشيخ خطأ لا يقرّه
الشرع، وأراد أن ينبّه عليه بأدب ولطف، فكل بني آدم خطاء كما صحَّ عنه بَّ، وقد اتخذ
هذه الكلمة المنافية لما جاء به الإِسلام مَن لا يَتَرسَّم خُطى الشرع من الشيوخ ذريعة لارتكاب
ما لا يحل، وفعل ما هو محرم.
(٣) في الأصل والمطبوع: ((والجماعة)) والتصحيح من ((العبر)) (٣٥٨/٢) مصدر المؤلف في
نقله.
(٤) في الأصل والمطبوع: ((ابن بدران)) وهو خطأ والتصحيح من ((العبر)) وانظر ((سير أعلام النبلاء))
(٢٢٦/١٦).
(٥) (٣٥٨/٢ - ٣٥٩).
٣٧٥

الحسن المصري الحافظ، نزيل تِنَيس، وله سبع وثمانون سنة. روى عن
شيخ النَّسائي محمد بن جعفر الإِمام، ورحل، فسمع من النّسائي، وأبي
يعلى، وعبدان، وخلائق، ورحل إليه الدارقطني، وكان من الحفاظ والعلماء
بهذا الشأن(١).
● وفيها أبو عمرو، محمد بن محمد بن صابر البخاري، المُؤَذِّن،
صاحب صالح جَزَرة، الحافظ مُسْند أهل بُخارى وعالمها.
· وفيها البَاقَرْحِيّ - بفتح القاف، وسكون الراء، ثم [حاءٌ] مهملة، نسبة
إلى باقرحا من قرى بغداد - أبو علي مخلد بن جعفر الفارسي الدقاق،
صاحب ((المشيخة)) ببغداد في ذي الحجة. روى عن يوسف بن يعقوب
القاضي وطبقته، ولم يكن يعرف شيئاً من الحديث، فأدخلوا عليه فأفسدوه.
قاله في ((العبر))(٢).
-
(١) يعني علوم الحديث النبوي.
(٢) (٣٦٠/٢).
٣٧٦

سنة سبعين وثلثمائة
فيها رجع عَضُد الدولة من هَمَذَان، فلما وصل إلى بغداد، بعث إلى
الطائع الله ليتلقاه، فما وَسِعَه التخلّف، ولم تجر عادة بذلك أبداً، وأمر قبل
دخوله، أن مَن تكلم أو دعا له قُتل، فما نَطَق مخلوق، فأعجبه ذلك. وكان
عظيم الهيبة، شديد العقوبة على الذنب الصغير.
● وفيها توفي الرَّازي، أبو بكر أحمد بن علي الفقيه، شيخ الحنفية
ببغداد، وصاحب أبي الحسن الكَرْخي، في ذي الحجة، وله خمس وستون
سنة. انتهت إليه رئاسة المذهب، وكان مشهوراً بالزهد والدِّين، عُرض عليه
قضاء القضاة فامتنع، وله عدة مصنفات. روى فيها عن الأصم وغيره.
• وفيها اليَشْكُري، أحمد بن منصور الدِّينَوَري الأخباري، مؤدِّب الأمير
حسن بن عيسى بن المقتدر. روى عن ابن دُرَيْد وطائفة، وله أجزاءٌ منسوبة
إليه رواها الأمير حسن.
● وفيها أبو سهل بشر بن أحمد الإِسفراييني الدهقان المُحَدِّث الجَوَّال.
روى عن إبراهيم بن علي الذُّهْلي، وقرأ على الحسن بن سفيان مسنده،
ورحل إلى بغداد، والموصل، وأملى زماناً، وتوفي في شوال، عن نيِّف
وتسعین سنة .
● وفيها أبو محمد السَّبيعي - بفتح السين المهملة، نسبة إلى سبيع بطن
٣٧٧

من هَمْدَان - وهو الحافظ الحسن [بن أحمد](١) بن صالح الحلبي. روى عن
عبد الله بن ناجية وطبقته، ومات في آخر السنة في الحمام، وكان شرس
الأخلاق.
قال ابنُ ناصر الدِّين: كان على (٢) تشيّع فيه ثقة.
● وفيها الحسن بن رشيق العسكري، أبو محمد المصري الحافظ، في
جمادى الآخرة، وله ثمان وثمانون سنة.
قال يحيى بن الطّخَّان: روى عن النَّسائي، وأحمد بن حَمَّاد رغبة،
وخلق لا أستطيع ذكرهم، ما رأيت عالماً أكثر حديثاً منه.
• وفيها ابن خالَوَيْه، الأستاذ أبو عبد الله(٣) الحسين بن أحمد الهَمَذاني
النحوي اللغوي صاحب التصانيف وشيخ أهل حلب. أخذ عن ابن مجاهد،
وأبي بكر بن الأنباري، وأبي عمر الزاهد.
قال ابن الأهدل: انتقل عن بغداد إلى حلب فاستوطنها، ومات بها،
وكان بنو حمدان يعظّمونه، دخل على سيف الدولة، فقال له: اقعد، ولم
يقل: اجلس، فاتخذت فضيلة لسيف الدولة، وذلك لأن القائم يقال له:
اقعد، والنائم والساجد: اجلس، وله مواقف مع المتنبي في مجلس سيف
الدولة، ومن شعره:
فَلَا خَيْرَ فِيْمَنِ صَدَّرَتْهُ المَجَالِسُ
إِذَا لَمْ يَكُن صَدْرُ المَجَالِسِ سَيِّداً
فَقُلْتُ لَهُ: مِنْ أَجْلِ أَنكَ فَارِسُ (٤)
وَكَمْ قائلٍ : ما لِي رَأَيتِكَ رَاجِلًا؟
انتهى .
(١) ما بين حاصرتين سقط من الأصل والمطبوع واستدركته من ((العبر)) (٣٦١/٢) وانظر ((سير
أعلام النبلاء)) (٢٩٦/١٦).
(٢) لفظة ((على)) سقطت من الأصل وأثبتها من المطبوع.
(٣) في ((العبر)): ((أبو عبيد الله)) وهو تحريف فيصحح فيه.
(٤) البيتان في ((يتيمة الدهر)) (١٣٧/١) طبع دار الكتب العلمية ببيروت، وانظر ((وفيات الأعيان))
(١٧٩/٢).
٣٧٨

● وفيها القَبَّاب(١) وهو الذي يعمل المحابر(٢) أبو بكر، عبد الله بن
محمد بن محمد بن فُورك بن عطاء الأصبهاني المقرىء، وله بضع وتسعون
سنة. قرأ على ابن شَنَبُوذ، وروى عن محمد بن إبراهيم الجيراني(٣)،
وعبد الله بن محمد بن النّعمان، والكبار، وصار شيخ ناحيته، توفي في ذي
القعدة .
● وفيها الإِمام الإِسماعيلي، أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن العَبَّاس،
أبو بكر، الجرجاني (٤)، أحد الحفاظ الأعيان. كان شيخ المُحَدِّثين والفقهاء،
وأجلّهم في المروءة والسخاء. قاله ابنُ ناصر الدِّين.
● وفيها العلّامة الأزهري، أبو منصور محمد بن أحمد بن الأزهر
الهَرَوي اللغوي النحوي الشافعي، صاحب ((تهذيب اللغة)) وغيره من
المصنفات الكبار، الجليلة المقدار، مات بهراة(٥)، في شهر ربيع الآخر، وله
ثمان وثمانون سنة. روى عن البغوي، ونفطويه، وأبي بكر بن السرَّاج، وترك
الأخذ عن ابن دُرَيْد تورعاً، لأنه رآه سكران، وقد بقي الأزهري في أُسْرِ
القرامطة مدة طويلة. قاله في ((العبر))(٦).
(١) تحرّفت في الأصل والمطبوع إلى ((القتاب)) والتصحيح من ((العبر)) (٣٦٢/٢) وانظر ((سير
أعلام النبلاء)) (٢٥٧/١٦).
(٢) كذا قال المؤلف، وقد تبع في ذلك الإمام الذهبي في ((العبر)) (٣٦٢/٢). وقال الإِمام
الذهبي في (سير أعلام النبلاء)) (٢٥٨/١٦): القَّاب: هو الذي يعمل القبّة، يعني المحارة.
وقال الإِمام السمعاني في ((الأنساب)) (٣٨/١٠): القَّب: هذه النسبة إلى عمل
القباب التي هي كالهوادج، والله أعلم.
(٣) تحرفت في الأصل والمطبوع إلى ((الحيراني)) والتصحيح من ((العبر)) و((سير أعلام النبلاء)).
(٤) مترجم في ((تاريخ جرجان)) ص (١٠٨ - ١٠٩) وسوف تتكرر ترجمته في حوادث سنة
(٣٧١).
(٥) في الأصل: ((في هراة)) وأثبت ما في المطبوع وهو موافق لما في ((العبر).
(٦) (٣٦٢/٢ - ٣٦٣).
٣٧٩

وقال ابن قاضي شهبة: ولد بهراة سنة اثنتين وثمانين ومائتين، وكان
فقيهاً صالحاً، غلب عليه علم اللغة، وصنَّف فيه كتابه ((التهذيب)) الذي جمع
فيه فأوعى، في عشر مجلدات، وصنَّف في التفسير كتاباً سمّاه ((التقريب)).
انتهى ملخصاً.
وقال ابن خَلِّكان(١): وحكى بعض الأفاضل أنه رأى بخطه، قال:
امتحنت بالأسر سنة عارضت القرامطة الحاجَّ(٢) بالهَبير، وكان القوم الذي
وقعت في سهمهم عرباً نشؤوا في البادية يتتبعون مساقط الغيث أيام النجع،
ويرجعون إلى أعدادِ المياه في محاضرهم زمان القيظ، ويرعون النعم
ويعيشون بألبانها، وكنّا نشتِّي بالدهناء، ونرتبع بالصَّمّان، ونقيظ بالسِّتارين،
واستفدت من محاورتهم ومخاطبة بعضهم بعضاً ألفاظاً جمّة، ونوادر كثيرة،
أوقعت أكثرها في كتابي - يعني ((التهذيب)) -. انتهى.
● وفيها الحافظ الكبير، أبو بكر غندر، محمد بن جعفر البغدادي
الورَّاق الثقة. كان رحَّالاً جوَّالاً، توفي بأطراف خُراسان غريباً. سمع بالشام،
والعراق، ومصر، والجزيرة. وروى عن الحسن بن شبيب المَعْمَري،
ومحمد بن محمد الباغندي، وطبقتهما. وعنه: الحاكم، وأبو نُعيم، وغيرهما.
قال الحاكم: دخل إلى أرض التّرك، وكتب من الحديث ما لم يتقدمه
فيه أحدٌ كثرةً.
● وفيها أبو زرعة اليمني الإِستراباذي، محمد بن إبراهيم الحافظ(٣).
روى عن علي بن الحسين بن مَعْدَان، والسَّراج، وأبي عَرُوْبَة الحَرَّاني.
وعنه: الإِدريسي، وحمزة السهمي، وهو ثقة. قاله ابن بَرْدِس.
(١) انظر ((وفيات الأعيان)) (٤/ ٣٣٤ - ٣٣٦).
(٢) في الأصل والمطبوع ((الحج)) وأثبت لفظ ((وفيات الأعيان)).
(٣) مترجم في ((تذكرة الحفاظ)) للذهبي (٩٩٨/٣ - ٩٩٩).
٣٨٠