النص المفهرس

صفحات 141-160

وطبقتهما. وعنه: شيخه عثمان بن خرَّزاذ(١) الحافظ، وأبو بكر الربعي، وعدد
كثير. وكان من علماء هذا الشأن. وصفه بالحفظ ابن ماكولا(٢) والحاكم أبو
أحمد(٣)، وضعفه الدارقطني (٤).
● وفيها أبو بكر محمد بن جعفر الخَرَائطي السامري(٥) مصنَّف ((مكارم
الأخلاق))(٦) و((مساوىء الأخلاق)) وغيرها. سمع الحسن بن عَرَفَة، وعمر بن
شَبَّة (٧) وطبقتهما، وتوفي بفلسطين في ربيع الأول وقد قارب التسعين.
· وفيها مُحدِّثُ الأندلس محمد بن قاسم بن محمد بن قاسم بن محمد
الأموي أبو عبد الله البَّانِيُّ (٨) القرطبي (٩). أكثر عن أبيه، وبقيٍّ بن مَخْلَد،
ومحمد بن وَضَّاح، ومُطَيِّن، والنسائي. وعنه: ولده أحمد بن محمد،
وخالد بن سعيد، وسليمان بن أيوب، وكان عالماً ثقةً، ورحل بآخرة، فسمع
من مُطَيَّن، والنسائي وأكثر، وتوفي في آخر العام.
• وفيها أبو نُعَيْم الرَّمْلي(١٠)، وهو محمد بن جعفر بن نوح، الحافظ.
كان علَّمةً ثبتاً. قاله ابنُ ناصر الدِّين.
(١) في الأصل والمطبوع: ((خوراد)) وهو خطأ والتصحيح من ((سير أعلام النبلاء)) و((طبقات
الحافظ)) ص (٢٦٥).
(٢) انظر ((الإِكمال)) (٢٣٤/١).
(٣) انظر ((تذكرة الحفاظ)) (٨٢٧/٣).
(٤) انظر ((تذكرة الحفاظ)) (٨٢٧/٣).
(٥) ((العبر)) (٢١٥/٢) وانظر ((سير أعلام النبلاء)) (٢٦٧/١٥ - ٢٦٨).
(٦) طبع ((المنتقى)) منه للسِّلفي في دار الفكر بدمشق في العام الماضي بتحقيق صديقي الفاضل
الأستاذ محمد مطيع الحافظ والسيدة غزوة بدیر.
(٧) تحرّف في المخطوط إلى ((عمر بن شيبة)) وأثبت ما في المطبوع وهو الصواب.
(٨) تحرّفت في الأصل إلى ((البناني)) وفي المطبوع إلى ((التياني)) والتصحيح من ((سير أعلام
النبلاء)» وكتب الرجال.
(٩) ((العبر)) (٢١٥/٢) وانظر ((سير أعلام النبلاء)) (٢٥٤/١٥ - ٢٥٥).
(١٠) مترجم في ((التبيان شرح بديعة البيان)) (١١٨ / آ) مصورة نسخة المتحف البريطاني.
١٤١

● وفيها إسحاق بن إبراهيم بن محمد الجرجاني البَحْري(١) الحافظ
الثقة، مُحدِّث جُرجان أبو يعقوب. روى عن محمد بن بسَّام، وإسحاق
الدَّبَري(٢)، والحارث بن أبي أسامة. وعنه: ابنُ عدي، والإِسماعيلي .
قال الخليلي: حافظُ ثِقَةٌ مذكور. قاله ابن بَرْدِس(٣).
● وفيها مَبْرَمَان النَّحوي (٤)، مصنف ((شرح سيبويه)) وما أتمّه. وهو أبو
بكر محمد بن علي العسكري، أخذ عن المُبَرّد، وتصدّر بالأهواز، وكان
مهيباً، يأخذ من الطلبة ويلح، ويطلب طَبِيَّةٍ حَمَّالٍ (٥)، فيُحمل إلى داره من
غير عجز، وربما انبسط وبالَ على الحمال، ويتنقّل بالتمر، ويخذف بنواه
الناس. قاله في ((العبر))(٦).
(١) مترجم في ((سير أعلام النبلاء)) (١٥ /٤٧١ - ٤٧٢).
(٢) في الأصل والمطبوع: ((الديري)) وهو تصحيف والتصحيح من ((الأنساب)) (٢٧١/٥) وهو
إسحاق بن إبراهيم بن عبّاد الدِّبَري .
(٣) في الأصل والمطبوع: ((ابن برداس)) وهو خطأ، والصواب ما أثبته، وقد تقدم الكلام عنه في
ص (١٠٢) فراجعه.
(٤) انظر ((معجم الأدباء)) لياقوت (١٨ /٢٥٤ - ٢٥٧)، و((الوافي بالوفيات)) (١٠٨/٤ - ١٠٩).
(٥) في الأصل والمطبوع: ((ويطلب حمال طبلية)) والتصحيح من ((الوافي بالوفيات)).
(٦) (٢١٥/٢ - ٢١٦).
١٤٢

سنة ثمان وعشرين وثلثمائة
· فيها كما قال في ((الشذور)) انبثق بثق بنواحي الأنبار، فاجتاح القُرى،
وغرق النَّاس، والبهائم، والسباع، وانصبّ في الصراة، ودخل الشوارع في
الجانب الغربي، وتساقطت الدُّور والأبنية. انتهى .
● وفيها التقى سيف الدولة بن حَمْدَان الدُّمُسْتُقَ - لعنه الله - وهزمه(١).
• وفيها عُزل البريدي (٢) من الوزارة بسليمان بن مخلد، بإشارة
بَجْكَم(٣).
● وفيها استولى الأمير محمد بن رائق على الشام، فالتقاه الإِخشيذُ
محمد بن طُغْج، [فانكسر ابن رائق، ووصل إلى دمشق في سبعين فارساً، ثم
التقى أبا نصر بن طُغج](٤) فانهزم أبو نصر، وأسر كبار أمرائه، ثم قتل أبو
نصر في المصاف.
● وفيها توفي الوزير أحمد بن عُبَيْد اللّه بن أحمد بن الخصيب، أبو
(١) انظر الخبر بتوسع في ((غربال الزمان)) ص (٢٨٥).
(٢) في الأصل والمطبوع: ((اليريدي)) وهو تصحيف، والتصحيح من ((العبر)) (٢١٦/٢) وانظر
((تكملة تاريخ الطبري)) الهمذاني ص(٣٢١) الملحق بـ ((تاريخ الطبري)).
(٣) تصحف في الأصل والمطبوع إلى ((بحكم)) والتصويب من ((العبر)) (٢١٦/٢).
(٤) ما بين حاصرتين سقط من الأصل والمطبوع واستدركته من ((العبر)) للذهبي (٢١٦/٢) مصدر
المؤلف .
١٤٣

العَبَّاسِ الخَصِيبِي (١)، وزر غير مَرَّة بالعِرَاق.
● وفيها أبو علي محمد بن علي بن حسن بن مُقْلَة (٢) الكاتب، صاحب
الخط المنسوب، وقد وزر للخلفاء غیر مَرَّة، ثم قطع يده ولسانه وسجن حتی
هلك، وله ستون سنة. قاله في ((العبر)) (٣).
وقال غيره: كان سبب موت ابن مُقلة أنه أشار على الراضي بمسك ابن
رائق، فبلغ ابن رائق، فحبس ابن مقلة، ثم أخرج وقطعت يده، فكان يشدّ
القلم عليها ويكتب، ويتطلب الوزارة أيضاً. ويقول: إن قطع يده لم يكن في
حدٍّ ولم يعقه عن عمله، ثم بلغ ابنَ رائق دعاؤه عليه وعلى الراضي، فقطع
لسانه وحُبس إلى أن مات في أسوأ حال، ودفن مكانه، ثم نبشه أهله فدفنوه
في مكان آخر، ثم نُبش ودُفن في موضع آخر، فمن الاتفاقات الغريبة أنه ولي
الوزارة ثلاث مرَّات لثلاث خلفاء، المقتدر، والقاهر، والراضي، وسافر ثلاث
مرات، ودفن ثلاث مرات.
وقال ابنُ خَلِّكان(٤). وأقام ابن مُقلة في الحبس مدة طويلة، ثم لحقه
ذَرَبٌ(٥) ولم يكن له مَن يخدمه، فكان يستقي الماء لنفسه من البئر، فيجذب
بيده اليسرى جذبةً وبفمه جذبة، وله أشعار في شرح حاله وما انتهى أمره
إليه (٦) ورثى يده(٧) فمن ذلك قوله :
(١) مترجم في ((سير أعلام النبلاء)) (٢٩٢/١٥ - ٢٩٣).
(٢) مترجم في ((سير أعلام النبلاء)) (٢٢٤/١٥ - ٢٣٠) و((غربال الزمان)) ص (٢٨٦).
(٣) (٢١٧/٢).
(٤) في ((وفيات الأعيان)) (١١٦/٥ - ١١٧) وقد نقل المؤلف عنه بتصرف والأبيات الآتية فيه.
(٥) قال ابن منظور: الذَّرَبُ: المرض الذي لا يبرأ. انظر ((لسان العرب)) (ذرب).
(٦) في الأصل: ((إليه أمره)) وأثبت ما في المطبوع وهو موافق لما جاء في ((وفيات الأعيان)).
(٧) في ((وفيات الأعيان)): ((ورثاء يده)).
١٤٤

مَا سِئِمْتُ الحياةَ لكن تَوثَّق ـتُ بأيمانهمْ فبانَتْ يميني
حرموني دنياهمُ بعد دِيني
بعتُ دِیني لهم بدنياي حتّى
ولقدحُطْتُ ما استطعت بجهدي
ليس بعد اليمين لذَّةُ عيش
ومن شعره أيضاً:
حفظ أرواحهم فما حَفِظوني
يا حياتي بانت يميني فبيني
وإذا رأيتُ فتىِّ بأَعلى رُتبة
قالتْ لي النفس العروف بقدرها
في شامخٍ من عزّةِ المُترفّعِ
ما كان أولاني بهذا الموضعِ
وله :
إذا مَا مَاتَ بعضُكَ فابْكِ بَعْضاً فإنَّ البعضَ مِنْ بَعْضٍ قَرِيْبُ(١)
وهو أول مَن نقل هذه الطريقة من خط الكوفيين إلى هذه الصورة.
[ومن كلامه: إني إذا أحببت تهالكت، وإذا بغضت أهلكت، وإذا
رضيت آثرت، وإذا غضبت أثَّرْتُ](٢).
ومن كلامه: يعجبني من يقول الشعر تأدُّباً لا تكسُّباً، ويتعاطى الغناء
تطرُّباً لا تطلُّباً.
وله كل معنى مليح في النظم والنثر. وكان ما أصابه نتيجة دعاء أبي
الحسن بن شنبوذ عليه بقطع اليد. وقد تقدم ذكر سبب ذلك، ويأتي قريباً في
هذه السنة.
وكانت ولادة ابن مُقلة يوم الخميس بعد العصر، حادي عشري شوال
سنة اثنتين وسبعين ومائتين، رحمه الله تعالى.
-
(١) البيت في ((المنتظم)) لابن الجوزي (٣١١/٦) و((غربال الزمان)) للعامري ص (٢٨٦).
(٢) ما بين حاصرتين سقط من الأصل وأثبته من المطبوع.
١٤٥

● وفيها أبو عبد الله أحمد بن علي بن العَلَاءِ الجُوْزَجاني(١)
ببغداد، وله ثلاث وتسعون سنة. وكان ثقةً صالحاً بكَّاءً. روى عن أحمد
[ابن] المِقْدَام [العِجْلي](٢) وجماعة.
· وفيها مُحدِّث دمشق، أبو الدحداح، أحمد بن محمد بن إسماعيل
التميمي(٣). سمع موسى بن عامر، ومحمد بن هاشم البعلبكي وطائفة .
وقال الخطيب: كان مليّاً بحديث الوليد بن مسلم.
● وفيها أحمد بن محمد بن عَبْد رَبِّه القرطبي (٤) وقرطبة مدينة كبيرة دار
مملكة الأندلس، وكان ابن عبد رَبِّه أحد الفضلاء، وهو أموي بالولاء، وحوى
كتابه ((العقد)) كل شيءٍ، وله ديوان وشعر جيد. قاله ابنُ الأهدل.
وقال في ((العبر))(٥): مات وله اثنتان وثمانون سنة، وشعره في الذّروة
العليا. سمع من بَقِيِّ بن مَخْلَد، ومحمد بن وضاح. انتهى.
● وفيها العلامة أبو سعيد الإِصْطَخري(٦) الحسن بن أحمد بن يزيد،
شيخ الشافعية بالعراق. روى عن سَعْدَان بن نصر وطبقته، وصنَّف التصانيف،
وعاش نّيِّفاً وثمانين سنة، وكان موصوفاً بالزهد والقناعة، وله وجه في
المذهب.
قال الإِسنوي: كان هو وابن سُرَيج شيخي الشافعية ببغداد. صنَّف كتباً
(١) مترجم في ((العبر)) (٢١٧/٢) وانظر ((تهذيب الكمال)) (٤٨٨/١) طبع مؤسسة الرسالة، ضمن
(ترجمة أحمد بن المقدام العجلي).
(٢) زيادة من ((العبر)) وكتب الرجال التي بين يدي.
(٣) مترجم في ((العبر)) (٢١٧/٢) و((مختصر تاريخ دمشق)) لابن منظور (٢٣١/٣) بتحقيق صديقي
الفاضل الأستاذ رياض عبد الحميد مراد، طبع دار الفكر بدمشق.
(٤) مترجم في ((سير أعلام النبلاء)) (٢٨٣/١٥) و((مرآة الجنان)) (٢٩٥/٢ - ٢٩٦) و((غربال
الزمان)) ص (٢٨٧).
(٥) (٢١٨/٢).
(٦) مترجم في ((العبر)) (٢١٨/٢) و((سير أعلام النبلاء)) (٢٥٠/١٥ - ٢٥٢).
١٤٦
٠٠

كثيرة، منها: ((آداب القضاء))(١) استحسنه الأئمة، وكان زاهداً متقلَّلاً من
الدُّنيا، وكان في أخلاقه حدّة. ولّه المقتدر بالله سجستان ثم حُسْبَةَ بغداد.
ولد سنة أربع وأربعين ومائتين، وتوفي ببغداد سنة ثمان وعشرين وثلثمائة.
زاد ابنُ خَلِّكان(٢) أنه توفي يوم الجمعة ثاني عشر جمادى الآخرة،
وقيل : رابع عشر، ودفن بباب حرب.
وإِصْطَخر: بكسر الهمزة وفتح الطاء، وجوّز بعضهم فتح الهمزة، حكاه
النووي في الحيض من ((شرح المهذب)) (٣).
● وفيها الحُسين بن محمد أبو عبد الله بن المطبقي (٤) البغدادي، ثقة.
روى عن محمد بن منصور الطُّوسي وطائفة.
• وفيها أبو محمد بن الشَّرْقي (٥) عبد الله بن محمد بن الحسن، أخو
الحافظ أبي حامد، وله اثنتان وتسعون سنة. سمع عبد الرحمن بن بشر،
وعبد الله بن هاشم، وخلقاً.
قال الحاكم: رأيته وكان أوحد وقته في معرفة الطب، لم يدع الشراب
إلى أن مات، فضُعِّف بذلك.
وقال في ((المغني))(٦): تكلموا فيه لإِدمانه المُسكِر. انتهى.
· وفيها قاضي القضاة ببغداد، أبو الحسين عمر بن قاضي القضاة أبي
عمر محمد بن يوسف بن يعقوب الأزدي (٧) كان بارعاً في مذهب مالك، عارفاً
(١) في ((سير أعلام النبلاء)): ((أدب القضاء)) وفي ((كشف الظنون)) (٤٧/١): ((أدب القاضي)).
(٢) في ((وفيات الأعيان)) (٧٥/٢).
(٣) انظره (٤٠٠/٢) ويعرف الكتاب بـ ((المجموع شرح المهذب)) وهو مطبوع في مصر.
(٤) في الأصل والمطبوع: ((المطيقي)) وما أثبته من ((العبر)) (٢١٨/٢) مصدر المؤلف في نقله،
و((تاريخ بغداد)) (٩٧/٨).
(٥) مترجم في ((العبر)) (٢١٨/٢) و((سير أعلام النبلاء)) (٤٠/١٥ - ٤١).
(٦) انظر ((المغني في الضعفاء)) (٣٥٦/١).
(٧) مترجم في ((المنتظم)) (٣٠٧/٦) و((العبر)) (٢١٩/٢) وقد نقل المؤلف الترجمة عنه.
١٤٧

بالحديث، صنّف مسنداً متقناً، وسمع من جدّه ولم يتكهَّل، وكان من أذكياء
الفقهاء.
● وفيها أبو الحسن محمد بن أحمد بن أيوب بن الصلت بن شَنَبُوذ
المقرىء (١) أحد أئمة الأداء. قرأ على محمد بن يحيى الكسائِي الصغير،
وإسماعيل بن عبد الله النحاس، وطائفة كثيرة. وعُني بالقراءات أتم عناية،
وروى الحديث عن عبد الرحمن بن محمد بن منصور الحارثي، ومحمد بن
الحسين الحُنَيْني، وتصدّر للإِقراء(٢) ببغداد، وقد امتحن في سنة ثلاث
وعشرين كما مرَّ(٣)، وكان مجتهداً فيما فعل رحمه الله. قاله في ((العبر)).
وقال ابنُ خَلِّكان(٤): كان من مشاهير القرّاء وأعيانهم، وكان ديِّناً، وفيه
سلامة صدر، وفيه حمق، وقيل: إنه(٥) كان كثير اللحن قليل العلم، وتفرد
بقراءات شواذ، وكان(٦) يقرأ بها في المحراب. فأنكرت عليه، وبلغ ذلك
الوزير ابنَ مُقلة الكاتب المشهور، وقيل له: إنه يغيِّر حروفاً من القرآن ويقرأ
بخلاف ما أنزل، فاستحضره (٧) في أول شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وعشرين
وثلثمائة، واعتقله في داره أياماً، فلما كان يوم الأحد سابع الشهر المذكور
استحضر الوزير المذكور [القاضي] أبا الحسين (٨) عمر بن محمد، وأبا بكر
أحمد بن موسى بن العبّاس بن مجاهد المقرىء، وجماعة من أهل القرآن،
(١) مترجم في ((العبر)) (٢١٩/٢) و((سير أعلام النبلاء)) (٢٦٤/١٥ - ٢٦٦).
(٢) لفظة (للإِقراء)) سقطت من ((العبر)) فتستدرك فيه.
(٣) انظر ص (١٢٠) من هذا المجلد.
(٤) في ((وفيات الأعيان)) (٢٩٩/٤).
(٥) لفظة ((إنه)) سقطت من الأصل وأثبتها من المطبوع و((وفيات الأعيان)).
(٦) في ((وفيات الأعيان)): ((كان)).
(٧) في الأصل والمطبوع: ((فاستُحضر)) وما أثبته من ((وفيات الأعيان)).
(٨) في الأصل والمطبوع: ((أبا الحسن)) والتصحيح من ((وفيات الأعيان)) ولفظة ((القاضي)) زيادة
منه .
١٤٨

وأحضر ابن شَنَبُوذ المذكور ونُوظر بحضرة الوزير، فأغلظ في الجواب للوزير
والقاضي، وأبي بكر بن مُجاهد، ونسبهم إلى قلة المعرفة، وعيَّرهم بأنهم
ما سافروا في طلب العلم كما سافر، واستصبى [القاضي] أبا الحسين(١)
المذكور، فأمر الوزير أبو علي بضربه، فأقيم فضرب سبع دِرٍَ، فدعا وهو
يُضرب على الوزير [ابن مُقْلَة](٢) بأن يقطع الله يده، ويشتت شمله، فكان
الأمر كذلك، ثم أوقفوه على الحروف التي كان يقرأ بها، فأنكر ما كان
شنيعاً، وقال فيما سواه: إنه قرأه قوم(٣) فاستتابوه فتاب، وقال: إنه قد رجع
عمّا كان يقرؤه، وإنه لا يقرأ إلا بمصحف عثمان بن عفان، رضي الله عنه،
وبالقراءة المتعارفة التي يقرأ بها الناس.
فكتب الوزير عليه محضراً بما قاله، وأمره أن يكتب خطّه في آخره،
فكتب ما يدل على توبته، ونسخة المحضر: ((سئل محمد بن أحمد المعروف
بابن شَنَّبُوذ عمّا حُكي عنه أنه يقرؤه، وهو ﴿ إِذَا نُودِيَ للصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ
الجُمعَةِ فَامْضوا إلى ذِكْرِ الله﴾ فاعترف به، وعن ﴿وَتَجْعَلُوْنَ شُكْرَكم أَنْكمَ
تَكْذِبُونَ﴾ فاعترف به، وعن ﴿فاليَوْمَ نُنَجِيْكَ بَبَدَنِكَ ﴾(٤) فاعترف به، وعن
﴿تبت يدا أبي لهبٍ وَقد تب﴾ فاعترف به، وعن ﴿إلَّ تفعلوه تكن فتنة في
الأرض وفساد عريض ﴾ فاعترف به، وعن ﴿ولتكن منكم فئة يدعون إلى
الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويستعينون بالله(٥) على
ما أصابهم وأولئك هم المفلحون ﴾ فاعترف به، وعن ﴿إلا تفعلوه تكن فتنة في
(١) في الأصل والمطبوع: ((أبا الحسن)) والتصحيح من ((وفيات الأعيان)) ولفظة ((القاضي)) زيادة
منه .
(٢) زيادة من ((وفيات الأعيان)).
(٣) في ((وفيات الأعيان)): ((إنه قرأ به قوم)).
(٤) في الأصل والمطبوع: ((بندائك)) والتصحيح من ((وفيات الأعيان)).
(٥) في ((وفيات الأعيان)): ((ويستعينون الله)).
١٤٩

الأرض وفساد عريض﴾(١) فاعترف به وتاب(٢) عن ذلك. وكتب الشهود
الحاضرون شهادتهم في المحضر حسبما سمعوه من لفظه.
وكتب ابن شَنَبُوذ بخطه ما صورته: يقول محمد بن أحمد بن أيوب
المعروف بابن شَنَبُوذ: ما في هذه الرقعة صحيح، وهو قولي واعتقادي، وأشهد
الله عزّ وجلّ وسائر مَن حضر علي نفسي بذلك، ومتى خالفت ذلك أو بان
مني غيره، فأمير المؤمنين في حلِّ من دمي وسَعَة، وذلك يوم الأحد سابع
ربيع الآخر، سنة ثلاث وعشرين وثلثمائة.
وشَنَبُوذ: بفتح الشين المعجمة والنون، وضم الباء الموحدة، وسكون
الواو، وبعدها ذال معجمة. انتهى ملخصاً.
• وفيها مُحَدِّثُ الشام أبو العَبَّاس محمد بن جعفر بن محمد بن
هشام بن مَلَّس النُّميريّ مولاهم الدمشقي(٣) في جمادى الأولى. روى عن
موسى بن عامر، وأبي إسحاق الجُوْزَجَاني، وخلق. وهو من بيت حدیثٍ.
● وفيها أبو علي الثَّقفي محمد بن عبد الوهاب النيسابوري (٤) الفقيه
الواعظ(٥)، أحد الأئمة، وله أربع وثمانون سنة. سمع في كِبَره من موسى بن
نصر الرَّازي، وأحمد بن ملاعب، وطبقتهما. وكان له جنازة لم يعهد مثلها،
وهو من ذرِّيَّة الحجّاج.
قال أبو الوليد الفقيه: دخلت على ابن سُرَيج، فسألني على مَن دَرَسْتَ
الفقه؟ قلت: على أبي علي الثّقفي. قال: لعلك تعني الحَجَّاجي الأزرق؟
(١) وقد كررها المؤلف هنا أثناء نقله بتصرف عن ((وفيات الأعيان)) أما في ((الوفيات)) فقد ذكرها
مرة واحدة.
(٢) في الأصل: ((وتاب إلى الله)) وأبقيت لفظ المطبوع وهو موافق لما في ((وفيات الأعيان)).
(٣) مترجم في ((العبر)) (٢١٩/٢) وانظر ((تهذيب الكمال)) (١٣٨٨/٣) (ترجمة موسى بن عامر).
(٤) مترجم في ((العبر)) (٢٢٠/٢) و((سير أعلام النبلاء)) (٢٨٠/١٥ - ٢٨٣).
(٥) في الأصل والمطبوع: ((الفقيه الواحد)) وهو خطأ والتصحيح من ((العبر)).
١٥٠

قلت: نعم. قال: ما جاءَنا من خراسان أفقه منه.
وقال أبو بكر الضُّبعي: ما عرفنا الجدَل والنظر، حتّى ورد أبو علي
الثقفي من العراق.
وذكره السلمي في ((طبقات الصوفية))(١). قاله في ((العبر)).
وقال السخاوي في ((طبقات الأولياء))(٢): لقي أبا حفص، وحَمدون
القصَّار.
وكان إماماً في علوم الشرع.
قال لبعض أصحابه: لا تفارق هذه الخلال الأربع: صدق القول،
وصدق العمل، وصدق المودّة، وصدق الأمانة.
وقال: مَن صَحِبَ الأكابر على غير طريق الحُرْمَة حُرم فوائدهم وبركات
نظرهم، ولا يظهر عليه من أنوارهم شيء.
وقال: مَنْ غلبه هواه توارَى عنه عقله.
وقال: لا تَلْتمس تقويمَ ما لا يستقيمُ، ولا تَأْديبَ من لا يتأدَّب.
وقال: يا مَنْ باع كلَّ شيءٍ بلا شيءٍ، واشترى لا شيءَ بكل شيءٍ .
وتوفي ليلة الجمعة الثالث والعشرين من جمادى الأولى ودفن في مقبرة
قَرْ بنيسابور، وهو ابن تسع وثمانين سنة، ووعظ مَرَّة فذمَّ الدُّنيا والركون إليها،
ثم تمثَّل بقول بعضهم:
مَنْ نَالَ مِنْ دُنْيَاهُ أُمنيةً
أَسْقَطَتِ الأَيَّامُ مِنْهَا الأَلِفَ
انتهى .
(١) انظر ترجمته في ص (٣٦١ - ٣٦٥).
(٢) انظر هذه النقول في ترجمته في ((طبقات الصوفية)) وقد ورد بعضها في ترجمته عند ابن
الملقن في ((طبقات الأولياء)) ص (٢٩٨).
١٥١

● وفيها الإِمام العلامة ابن الأنباري(١) أبو بكر محمد بن القاسم بن بَشَّار
النحويّ اللُّغويّ، صاحب المصنفات، وله سبع وخمسون سنة. سمع في
صغره من الكُدَيْمي، وإسماعيل القاضي، وأخذ عن أبيه، وثعلب، وطائفة.
وعنه الدارقطنيُّ وغيره(٢).
قال أبو علي القالي: كان شيخنا أبو بكر يحفظ فيما قيل ثلثمائة ألف
بيت شاهد في القرآن.
وقال محمد بن جعفر التميمي: ما رأينا أحفظ من ابن الأنباري، ولا
أغزر بحراً، حدّثوني عنه أنه قال: أحفظ ثلاثة عشر صندوقاً.
قال: وحُدَّثت عنه أنه كان يحفظ مائة وعشرين تفسيراً بأسانيدها(٣).
وقيل عنه: إنه أملى غريب الحديث في خمسة وأربعين ألف ورقة (٤).
قاله في ((العبر))(٥).
وقال ابنُ ناصر الدِّين: كان في كل فنٍ إمامه، وكان إملاؤه من حفظه.
ومن أماليه المدققة ((غريب الحديث)) في خمسة وأربعين ألف ورقة (٦).
انتھی .
وكان سائر ما يصنفه ويمليه من حفظه لا من (٧) دفتر ولا كتاب.
(١) مترجم في ((العبر)) (٢٢٠/٢ - ٢٢١) و((سير أعلام النبلاء)) (٢٧٤/١٥ - ٢٧٩).
(٢) قوله: ((وعنه: الدارقطني وغيره)) لم يرد في ((العبر)).
(٣) لفظة ((بأسانيده)) لم ترد في (العبر)) المطبوع في الكويت واستدركت في ((العبر)» المطبوع في
بیروت.
(٤) قوله: ((وقيل عنه، إنه أملى غريب الحديث في خمسة وأربعين ألف ورقة)) سقط من ((العبر))
المطبوع في الكويت وورد في المطبوع منه في بيروت.
(٥) (٢٢٠/٢ - ٢٢١).
(٦) عقب الذهبي على هذا الخبر في (سير أعلام النبلاء)) (٢٧٧/١٥) بقوله: فهذا الكتاب يكون
أزيد من مئة مجلد.
(٧) لفظة ((من)) سقطت من الأصل وأثبتها من المطبوع.
١٥٢

● وفيها أبو الحسن المُزَيِّن علي بن محمد البغدادي(١) شيخ الصوفية،
صحب الجُنيد، وسهل بن عبد الله، وجاور بمكة.
قال السُّلميُّ في ((طبقاته))(٢): أقام بمكّة مجاوراً بها، ومات بها، وكان
من أوْرَع المشايخ وأحسنهم حالاً .
قال: الذنب بعد الذنب عقوبة الذنب. والحسنة بعد الحسنة ثواب
الحسنة .
وقال: مِلاكُ القلب في التبرّي من الحول والقوة.
ورُؤي يوماً متفكّراً واغرورقت عيناه، فقيل له: ما لك، أيها الشيخ!
فقال: ذكرت أيام تقطّعي في إرادتي، وقطعي(٣) المنازل يوماً فيوماً، وخدمتي
لأولئك السادة من أصحابي، وتذكرتُ ما أنا فيه من الفترة عن شريف
الأحوال، وأنشد:
منازِلُ كُنْتَ تهواها وتَألْفُهَا
أَيَّامَ كنت على الأيَّامِ منصورا (٤)
وقال: المعجَبُ بعمله مُسْتَدْرَجٌ، والمستحسن لشيءٍ من أحواله مَمْكُورٌ
به. والذي يظن أنه موصولٌ فهو مغرورٌ.
ورؤي وهو يبكي بالتنعيم يريد أن يُحرم بعمرةٍ وينشد لنفسه:
أَنافعي دَمْعي فَأَبْكِيْكَا (٥) هَيْهَاتَ مَالي طَمَعٌ فِيْكًا
فلم يزل كذلك إلى أن مات بمكّة، شرَّفها الله تعالى.
(١) مترجم في ((العبر)) (٢٢١/٢) و((سير أعلام النبلاء)) (٢٣٢/١٥) و((غربال الزمان)) ص (٢٨٧).
(٢) ص (٣٨٢ - ٣٨٥) والمؤلف ينقل عنه بتصرف واختصار.
(٣) في الأصل والمطبوع: ((وقطع)) وما أثبته من ((طبقات الصوفية)).
(٤) رواية البيت في ((طبقات الصوفية)):
منازل كنت تهواها وتألفها
أيام أنت على الأيام منصورُ
(٥) رواية البيت في ((طبقات الصوفية)):
هيهات ما لي طمع فيك
أنافعي دمعي فأبكيك
١٥٣

وأسند الخطيب عنه (١) أنه قال: الكلام من غير ضرورةٍ مقت من الله
للعبد .
● وفيها أبو محمد المُرْتَعِشُ عبد الله بن محمد النيسابوري (٢) الزاهد،
أحد مشايخ العراق. صحب الجنيد(٣) وغيره، وكان يقال: إشارات الشبلي،
ونكت المُرَتَعِشِ، وحكايات الخُلْدي. قاله في ((العبر)).
وقال السخاوي في ((طبقاته)): عبد الله بن محمد النيسابوري من محلةٍ
بالحيرة، صحب أبا حفص، وأبا عثمان، والجُنيد، وأقام ببغداد حتّى صار
أحد مشايخ العراق. كانوا يقولون: عجائب بغداد في التصوف ثلاث:
إشارات الشبلي، ونكت المرتعش (٤)، وحكايات الخُلْدي، وكان مقيماً في
مسجد الشُّونِيْزِيَّة. مات ببغداد.
ومن كلامه: سكون القلب إلى غير المولى تعجيل عقوبةٍ من الله في
الدُّنيا.
وقال: ذهبت حقائق الأشياء وبقيت أسماؤها، فالأسماء موجودة،
والحقائق مفقودة، والدعاوى في السرائر مكنونةٌ، والألسنة بها فصيحة، والأمور
عن حقوقها مصروفةٌ. وعن قريب تُفْقَدُ هذه الألسنة وهذه الدَّعاوى، فلا يوجد
لسان صادق ولا مدّعٍ صادق(٥).
وقال: الوسوسةُ تُؤدِّي إلى الحيرة، والإِلهام يؤدِّي إلى زيادة فهمٍ وبيان.
(١) في ((تاريخ بغداد)) (٧٣/١٢).
(٢) مترجم في (العبر)) (٢٢١/٢) و((سير أعلام النبلاء)) (٢٣٠/١٥ - ٢٣١) و((غربال الزمان))
ص (٢٨٧).
(٣) في ((العبر)): ((صحبه الجنيد)).
(٤) قوله: ((ونكت المرتعش)) سقط من الأصل وأثبته من المطبوع.
(٥) في ((طبقات الصوفية)) للسلمي: ((فلا يوجد لسان ناطق، ولا مدَّعٍ مطنب)».
١٥٤

وقال: أصول التوحيد ثلاثة أشياء: معرفةُ الله تعالى بالرُّبوبية، والإِقرارُ له
بالوحدانيَّة، ونفي الأندادِ عنه جملةً.
وسئل: بماذا ينال العبد حبَّ الله تعالى؟ قال: ببغض ما أبغضَ اللهُ،
وهو (١) الدُّنيا والنفس.
وسئل: أيُّ الأعمال أفضل؟ فقال: رؤية فضل الله عزَّ وجل، وأنشد:
إنَّ المقاديرَ إذا ساعدتْ ألحقتِ العاجز بالحازِمِ (٢)
وقيل له: إن فلاناً يمشي على الماء! فقال: عندي إنَّ [مَنْ](٣) مكّنه
الله من مخالفة هواه، فهو أعظم من المشي على الماء (٤).
قال أبو عبد الله الرَّازي: حضرت وفاته في مسجد الشُّوَنِيْزِيَّة، فقال:
انظروا ديوني، فنظروا فقالوا: بضعة عشر درهماً، فقال: انظروا خُرَيْقاتي،
فلما قُرِّبَتْ منه قال: اجعلوها في ديوني وأرجو أن الله عزَّ وجل يعطيني
الكفن، ثم قال: سألت الله ثلاثاً عند موتي فأعطانيها، سألته أن يميتني على
الفقر رأساً برأس، وسألته أن يجعل موتي بهذا(٥) المسجد، فقد صحبت
فيه أقواماً. وسألته أن يكون حولي مَنْ آنسُ به وأحبه. وغمض عينيه ومات
بعد ساعة، رحمه الله تعالى، ورضي عنه وعنّا وعن جميع المسلمين. انتهى
ملخصاً.
● وفيها محمد بن قاسم بن محمد بن سيَّار الحافظ الإِمام، أبو عبد الله
البَيَّانِيُّ (٦) القرطبي. عن أبيه، وبقيّ بن مَخْلَد، ومحمد بن وضَّاح، ومُطَيِّن،
(١) في ((طبقات الصوفية)): ((وهي)).
(٢) البيت في ((طبقات الصوفية)) ص (٣٥٢) و((تاريخ بغداد)) (٢٢١/٧).
(٣) سقطت من الأصل والمطبوع واستدركتها من ((طبقات الصوفية)) ص (٣٥٢).
(٤) في ((طبقات الصوفية)): ((فهو أعظم من المشي على الماء وفي الهواء)).
(٥) في المطبوع: ((في هذا)).
(٦) مترجم في ((تذكرة الحفاظ)) (٨٤٤/٣ - ٨٤٥) و((سير أعلام النبلاء)) (٢٥٤/١٥) و((توضيح =
١٥٥

والنسائي. وعنه: ولده أحمد بن محمد، وخالد بن سعيد، وسليمان بن
أيوب، وكان عالماً ثقةً. قاله ابن بَرْدِس(١).
· وفيها على ما قاله ابنُ ناصر الدّين في ((بدیعته)» :
وَحَامد بن أحمد الزَّيْدِيُّ كَلَمُهُ حَلَاوَةٌ شَهدِيُّ
قال في شرحها: هو حامدُ بن أحمد بن محمد بن أحمَد أبو أحمد
المروزيُّ (٢) نزيل طَرَسُوس. قيل له: الزيديُّ لجمعه حديث زيد بن أبي أنيسة
دون غيره من المُحدِّثين. انتهى.
= المشتبه)) لابن ناصر الدين (٦٠٩/١).
(١) في الأصل والمطبوع: ((ابن برداس)) وهو خطأ والصواب ما أثبته. انظر ((الأعلام)) (٣٢٤/١).
(٢) مترجم في ((سير أعلام النبلاء)) (٣٦٩/١٥ - ٣٧٠) و((طبقات الحفاظ)) ص (٣٧٣ - ٣٧٤).
١٥٦

سنة تسع وعشرين وثلثمائة
● في ربيع الأول استُخلف المتقي الله، فاستوزر أبا الحسن(١)
أحمد بن محمد بن ميمون، فقدم أبو عبد الله البريدي من البصرة وطلب
الوزارة، فأجابه المتقي وولّه، ومشى إلى بابه ابن مَيْمُون، وكانت وزارة ابن
ميمون شهراً، فقامت الجند على أبي عبد الله يطلبون أرزاقهم، فخافهم
وهرب بعد أيام، ووزرَ بعده أبو إسحاق محمد بن أحمد القراريطي، ثم عُزل
بعد ثلاثة وأربعين يوماً ووزرَ الكرخِيُّ، فعزل بعد ثلاثة وخمسين يوماً، فلم يُرَ
أقرب من مدة هؤلاء، وهَزُلت الوزارة وضؤلت لضعف الدولة وصغر الدائرة.
وأما بَجْكم(٢) التركي، فنزل واسط واستوطنها، وقرر مع الراضي أنه
يحمل إلى خزانته في كل سنة ثمانمائة ألف دينار بعد أن يريح الغلة من مؤنة
خمسة آلاف فارس يقيمون بها، وعدل وتصدق، وكان ذا عقلٍ وافٍ وأموالٍ
عظيمةٍ، ونفسٍ غَضُبَّةٍ(٣)، خرج يتصيَّد، فأساء إلى أكراد هناك(٤)، فاستفرد
(١) كذا في الأصل والمطبوع و((مروج الذهب)) (٣٤٠/٤) وفي ((العبر)) وبعض المصادر: ((أبو
الحسين)) انظر ((النجوم الزاهرة)) (٢٧١/٣) والتعليق عليه.
(٢) تصحف في الأصل والمطبوع إلى: ((بحكم)) والتصحيح من ((العبر)) والمصادر التي بين يدي.
(٣) في ((العبر)): ((عصبية)). قال ابن منظور: ورجل غَضِبٌ، وغَضوبٌ، وغُضُبُّ بغير هاءٍ، وغُضُبَّة
وَغَضُبَّة، بفتح الغين وضمها وتشديد الباء، وغضبان: يغضب سريعاً، وقيل شَدِيدُ الغضب.
((لسان العرب)» (غضب).
(٤) كذا في الأصل و((العبر)) وفي المطبوع: ((إلى كرادهناد)).
١٥٧

به عبد أسود، فطعنه برمح فقتله في رجب. وكان قد أظهر العدل، وبنى دار
ضيافة بواسط، وابتدأ بعمل المارستان، وهو الذي جدده عضد الدولة
بالجانب الغربي، وكانت أمواله كثيرة، فكان يدفنها في داره، وفي
الصحارى، وكان يأخذ رجالاً في صناديق فيها مال إلى الصحراء، ثم يفتح
عليهم فيعاونونه على دفن المال ثم يعيدهم في الصناديق ولا يدرون إلى أي
موضع حملهم، فضاعت أمواله بموته والدفائن، ونقل من داره وأخرج بالحفر
منها ما يزيد على ألفي ألف عيناً وورِقاً، وقيل: للرورحارية: خذوا التراب
بأجرتكم فأبوا(١) فأعطوا ألف درهم وغسل التراب فخرج منه ستة وثلاثون
ألف درهم.
● وفيها توفي البَرْبَهَاري أبو محمد الحسن بن علي(٢) الفقيه القدوة،
شيخ الحنابلة بالعراق، قالاً وحالاً. وكان له صيت عظيم، وحرمة تامة، أخذ
عن المُرُّوذي (٣)، وصحب سَهْلَ بن عبد الله التُّستَري، وصنَّف التصانيف،
وكان المخالفون يغلِّظون قلب الدولة (٤) عليه، فقُبض على جماعة من
أصحابه واستتر هو في سنة إحدى وعشرين، ثم تغيّرت الدولة، وزادت حرمة
البَرْبَهَاري، ثم سَعَتِ المبتدعة به، فنودي بأمر الراضي في بغداد: لا يجتمع
اثنان من أصحاب البَرْبَهَاري، فاختفى إلى أن مات في رجب، رحمه الله
تعالى. قاله في ((العبر)).
وقال القاضي أبو الحسين بن أبي يعلى في ((طبقاته)) (٥): الحسن بن
علي بن خلف، أبو محمد البربهاري، شيخ الطائفة في وقته، ومتقدمها في
(١) في ((تكملة تاريخ الطبري)) للهمذاني ص (٣٢٧): ((ودفع التراب إلى الحفارين فلم يقنعوا))
وانظر تتمة الكلام عنده.
(٢) مترجم في ((العبر)) (٢٢٢/٢ - ٢٢٣) و((سير أعلام النبلاء)) (٩٠/١٥ - ٩٣) و((الكامل في
التاريخ)) لابن الأثير (٣٧٨/٨) و((المنهج الأحمد)) (٢٦/٢ - ٣٩).
(٣) في ((العبر)): ((المروزي)) وهو تحريف. انظر ترجمته في ((طبقات الحنابلة)) (١ /٥٦ - ٦٣).
(٤) في ((طبقات ابن أبي يعلى)) (٤٤/٢) و((سير أعلام النبلاء)): ((قلب السلطان)).
(٥) (١٨/٢ - ٤٥) وقد نقل المؤلف عنه باختصار وتصرف.
١٥٨

الإِنكار على أهل البدع، والمباينة لهم باليد واللسان، وكان له صيت عند
السلطان، وقَدَم عند الأصحاب، وكان أحد الأئمة العارفين، والحفاظ
للأصول المتقنين، والثقات المأمونين.
صحب جماعة من أصحاب إمامنا أحمد، رضي الله عنه، منهم
المُرُّوذي. وصحب سهل التُّستري .
وصنَّ الْبَرْبَهَاري كتباً، منها ((شرح كتاب السُّنَّة)) ذكر فيه: احذر صغار
الْمُحدَثَات من الأمور، فإن صغار البدع تعود حتَّى تصير كباراً. وكذلك كل
بدعة أحدثت في هذه الأمة، كان أولها صغيراً يشبه الحق، فاغتر بذلك مَن
دخل فيها، ثم لم يستطع المَخْرَجَ منها، فعظُمت، وصارت دِيناً يُدان به
يخالف(١) الصراط المستقيم، وخرج (٢) من الإِسلام، فانظر رحمك الله، كل مَن
سمعت كلامه من أهل زمانك خاصة، فلا تعجلنّ ولا تدخلن في شيءٍ منه
حتَّى تسأل وتنظر، هل تَكَلَّمَ فيه أحدٌ من أصحاب النَّبِيِّ، وََّ، أو أحد
العلماء، فإن أصبت فيه أثراً عنهم فتمسك به، ولا تجاوزه بشيءٍ، ولا تختر
عليه شيئاً فتسقط في النار.
واعلم - رحمك الله - أنه لا يتم إسلام عبدٍ حتَّى يكون متَبعاً مصدِّقاً
مسلماً، فَمَن زعم أنه قد بقي شيء من أمر الإِسلام لم يكفوناه أصحاب
رسول الله وَ﴿ فقد كذَّبهم، وكفى بهذا فرقة وطعناً(٣) عليهم، فهو مبتدع،
ضال مضل، مُحْدِثٌ في الإِسلام ما ليس فيه .
واعلم أن الكلام في الربِّ تعالى مُحْدَثٌ وهو بدعة وضلالة ولا يُتْكَلَّم
في الربِّ سبحانه وتعالى إلا بما وصف به نفسه [عزَّ وجلَّ] في القرآن، وما
بَيَّن رسول الله وَّر لأصحابه، وهو، جلّ ثناؤه، واحد ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ
(١) في ((طبقات ابن أبي يعلى)): ((فخالف)).
(٢) في ((طبقات ابن أبي يعلى)): ((فخرج)).
(٣) تحرفت في ((طبقات ابن أبي يعلى)): ((فطعن)).
١٥٩
١
..

السَّمِيْعُ البَصِيْرُ﴾ [الشورى: ١١] ربنا، عزَّ وجل، أولٌ بلا متى، وآخر بلا
مُنتهى، يعلم السِّرَّ وأخفى. على عرشه استوى، وعلمه بكل مكان، لا يخلو
من علمه مكان، ولا يقول في صفات الربِّ لِمَ؟ وكيف؟ إلا شاكّ في الله
تبارك وتعالى. والقرآن كلام الله وتنزيله ونوره، وليس بمخلوق(١)، لأن القرآن
من الله، وما كان من الله فليس بمخلوق، وهكذا قال مالك بن أنس، والفقهاء
قبله وبعده، والمراء فيه كفر. والإِيمان بالرؤية يوم القيامة، يرون الله تعالى
بأعين رؤوسهم، وهو يحاسبهم بلا حاجب ولا ترجمان.
والإِيمان بالميزان يوم القيامة، يوزن فيه الخير والشَّرُّ، له كِفَّتان
ولسان، والإِيمان بعذاب القبر، ومنكر ونكير، والإِيمان بحوض
رسول الله وَطير، ولكل نبيِّ حوض، إلا صالح النَّبِيُّ، وَه، فإن حوضه ضَرْع
ناقته، والإِيمان بشفاعة رسول الله، وَلاير، للمذنبين الخاطئين يوم القيامة،
وعلى الصراط، ويخرجهم [من جوف جهنم](٢). وما من نبيٍّ إلا وله شفاعة،
وكذلك الصِّدِّيقون، والشهداء، والصالحون، والله عزَّ وجل بعد ذلك
يتفضَّل (٣) كثيراً على مَن يشاء، والخروج من النار بعد ما احترقوا وصاروا
فحماً.
والإِيمان بالصراط على جهنم، يأخذ الصراط مَن شاء الله، ويجوز(٤)
من شاء الله، ويسقط في جهنم مَن شاء الله(٥) ولهم أنوار على قدر إيمانهم.
والإِيمان بالله، والأنبياء، والملائكة، والإِيمان بالجنة والنار، أنهما
مخلوقتان، الجنة في السماء السابعة، وسقفها العرش، والنّار تحت الأرض
(١) في ((طبقات ابن أبي يعلى)): ((وليس مخلوقاً)).
(٢) ما بين حاصرتين سقط من الأصل والمطبوع واستدركته من ((طبقات ابن أبي يعلى)) (٢٠/٢).
(٣) في ((طبقات ابن أبي يعلى)): ((تفضل)).
(٤) أي يسلك الصراط من شاء الله من عباده، جعلنا الله تعالى منهم بفضله ورحمته، إنه خير
مسؤول.
(٥) قوله ((من شاء الله)) سقط من المطبوع.
١٦٠