النص المفهرس
صفحات 241-260
قال الجنيد: دفع لي السريُّ رُقعةً وقال: هذه خير لك من سبعمائة فضة، فإذا فيها : فما لي أرى الأعضاء منك كَوَاسِيَا ولما ادعَيْتُ الحُبَّ قالت كَذَبْتَنِي وتذبُل حتَّى لا تُجيب المُنَادِيَا فما الحُب حتَّى يلصق الظهر بالحشا سِوى مقلةٍ تبكي بها وتُناجِيًا(١) وتَنْحَل حتَّى لا يُبْقِّي لَك الهوى انتھی . وقال السخاويُّ في ((طبقات الأولياء)): هو إمام البغداديين في الإِشارات، وكان يَلْزَمُ بيته ولا يخرج منه، لا يراه إلاّ من يقصده إلى بيته. انقطع عن الناس وعن أسبابهم، وأسند عن الجنيد قال: ما رأيت أعبد من السَّريِّ، أتت عليه ثمان وتسعون سنة ما رؤي مضطجعاً إلا في علة الموت. وسئل عن المتصوف فقال: هو اسم لثلاثة معان، وهو الذي لا يطفىء نورُ معرفته نورَ ورعه، ولا يتكلم بباطن ينقضه عليه ظاهر الكتاب، ولا تحمله الكرامات من الله على هتك أستار محارم الله. انتهى ما ذكره السخاوي ملخصاً . • وفيها الأمير محمد بن عبد الله بن طاهر بن الحسين الخُزَاعيُّ، نائب بغداد. كان جَوَاداً مُمَدَّحاً [عالماً](٢)، قوي المشاركة، جيد الشعر، مات بالخوانیق . ● وفيها وصيف التركي، كان [من](٣) أكبر أمراء الدولة، وكان قد استولى على المُعتز، واصطفى الأموال لنفسه، وتمكن ثم قتل (٤). (١) الأبيات فى (غربال الزمان)) للعامري ص(٢٣٤) مع بعض الاختلاف في ألفاظها. (٢) لفظة ((عالماً)) سقطت من الأصل، والمطبوع، واستدركتها من ((العبر)) للذهبي (١١/٢) مصدر المؤلف. (٣) لفظة ((من)) سقطت من الأصل، والمطبوع، واستدركتها من ((العبر)). (٤) في ((العبر)): ((وتمكن حتى قتل)). ٢٤١ سنة أربع وخمسين ومائتين فيها قتل بُغا الصغير الشَّرابيُّ، وكان قد تمرَّد وطغى، وراح نظيره وصيف، فتفرد واستبد بالأمور، وكان المعتز بالله يقول: لا أستلذ بحياةٍ ما بقي بُغا، ثم إنه وثب فأخذ من الخزائن مائتي ألف دينار، وسار نحو السِّنِّ(١) فاختلف عليه أصحابه وفارقه عسكره فذل وكتب يطلب الأمان وانحدر في مركب فأخذته المغاربة وقتله وليد المغربي وأتى برأسه، فأعطاه المعتزُ عشرة آلاف دينار. · وفيها أبو الحسن علي بن الجواد محمد بن الرضا علي بن الكاظم موسى بن جعفر الصادق العلويُّ الحسنيُّ، المعروف بالهادي، كان فقيهاً إماماً متعبِّداً، وهو أحد الأئمة الاثني عشر الذين تعتقد غلاة الشيعة عصمتهم كالأنبياء. سُعي به إلى المتوكل، وقيل له: إن في بيته سلاحاً وعدة ويريد القيام، فأمر من هَجَمَ (٢) عليه [في](٣) منزله فوجده في بيت مغلق، وعليه مدرعة من شعر، يصلي ليس بينه وبين الأرض فراش، وهو يترنّم بآيات من (١) في الأصل، والمطبوع: ((السند)) وهو خطأ، والتصحيح من ((العبر)) للذهبي (١٢/٢)، وانظر ((تاريخ الطبري)) (٣٧٩/٩)، و((الكامل)) لابن الأثير (١٨٦/٧). قال ياقوت: السِّنُّ: يقال لها سنُّ بارِما، مدينة على دجلة فوق تكريت، لها سور وجامع كبير، وفي أهلها علماء. ((معجم البلدان)) (٢٦٨/٣)، وانظر ((بلدان الخلافة الشرقية)) ص (١٢٠). (٢) قال ابن منظور: هجم على القوم يهجم هجوماً: انتهى إليهم بغتة. ((لسان العرب)) (هجم). (٣) زيادة من ((غربال الزمان)) ص(٢٣٥). ٢٤٢ القرآن في الوعد والوعيد، فحُمل إليه ووصف له حالهُ، فلما رآه عظَّمه وأجلسه إلى جنبه، وناوله شراباً، فقال: ما خامر لحمي ولا دمي فاعفني منه، فأعفاه وقال له: أنشدني شعراً، فأنشده أبياتاً (١) أبكاه بها، فأمر له بأربعة آلاف دینار، وردّه مكرماً. وإنما قيل [له](٢) العسكري، لأنه [لما](٢) سُعي به إلى المتوكل، أحضره من المدينة - وهي مولده - وأقرّه بمدينة العسكر، وهي سرَّ من رأى، سميت بالعسكر لأن المعتصم حين بناها انتقل إليها بعسكره، فسميت بذلك، وأقام بها صاحب الترجمة عشرين سنة، فنسب إليها. • وفيها محمد بن عبد الله بن المُبارك المُخَرِّميُّ (٣)، الحافظ أبو جعفر ببغداد. روى عن وَكيع وطبقته. وعنه البخاري، وأبو داود، والنسائي، وغيرهم، وكان من كبار الحفاظ الثقات المأمونين. لما قدم ابن المديني بغداد قال: وجدت أَكْيَسَ القوم هذا الغلام المُخَرِّمي. · وفيها أبو أحمد المَرَّار بن حَمُّوية الثَّقَفيُّ الهمَذانِيُّ الفقيهُ. سمع أبا نُعَيْم، وسعيد بن أبي مريم، وكان موصوفاً بالحفظ وكثرة العلم (٤). • وفيها العُتْبِيُّ (٥) صاحب ((العُنْبِيَّة))(٦) في مذهب مالك، واسمه محمد (١) انظرها في ((غربال الزمان)) ص (٢٣٥). (٢) زيادة من ((غربال الزمان)). (٣) في الأصل: ((المخزومي)) وهو خطأ، وأثبت ما في المطبوع، ووهم الأستاذ فؤاد سيد في ضبطها في ((العبر)) (١٢/٢) فضبط نسبته بفتح الميم وسكون الخاء وفتح الراء، نسبة إلى المسور بن مخرمة، وتبعه محقق ((العبر)) المنشور في دار الكتب العلمية ببيروت. والصواب أنه منسوب إلى المخرم، وهي محلة ببغداد. انظر ((اللباب)) لابن الأثير (١٧٨/٣). (٤) انظر ترجمته ومصادرها في ((سير أعلام النبلاء)) للذهبي (٣٠٨/١٢ - ٣١١). (٥) نسبة إلى عتبة بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس أخي معاوية بن أبي سفيان. انظر ((الأنساب)) السمعاني (٣٧٩/٨ - ٣٨٠)، و((اللباب)» لابن الأثير (٣٢٠/٢). (٦) انظر ((كشف الظنون)) (١١٢٤/٢). ٢٤٣ ابن أحمد بن عبد العزيز بن عتبة الأمويُّ العُنْبِيُّ القرطبيُّ الأندلسيُّ الفقيه، أحد الأعلام [ببلده](١). أخذ عن يحيى [بن يحيى](٢)، ورحل فأخذ بالقَيْروان عن سَحْنُون(٣)، وبمصر عن أَصْبَغ، وصنف ((المُسْتَخْرَجة))(٤) وجمع فيها أشياء غريبة عن مالك. وفيها مُؤَمَّل بن إهاب، أبو عبد الرحمن، الحافظ في رجب بالرَّمْلة. روى عن ضَمْرة(٥) بن ربيعة، ويحيى بن آدم، وطبقتهما. · وفيها - على ما جزم به ابنُ ناصر الدِّين - أبو عَاصم خُشَيْش بن أُصْرَم بن الأسود النسائي، أخذ العلم عن الكبار، وحدَّث عنه عدة، منهم أبو داود، والنسائي، وغيرهم، وكان ثقةً (٦). (١) زيادة من ((العبر)) للذهبي (١٣/٢). (٢) ما بين حاصرتين سقط من الأصل، والمطبوع، واستدركته من ((العبر)). (٣) ضبطه الأستاذ فؤاد سيد في ((العبر)) بضم السين وسكون النون ((سُخْنون)) وهو خطأ فيصحح فيه. (٤) قلت: ولكن السمعاني ذكر في ((الأنساب)) بأن ((المستخرجة)) و((العتبية)) مصنف واحد لا مصنفين كما جاء في كتابنا، وفي ((العبر))، وفي ((سير أعلام النبلاء)) (٣٣٥/١٢). (٥) ضبطه محقق ((العبر)) (١٣/٢) طبع الكويت بضم الضاد، وهو خطأ، وتبعه محقق ((العبر)) طبع بيروت، فیصحح فيهما. (٦) انظر ترجمته ومصادرها في ((سير أعلام النبلاء)) (١٢ / ٢٥٠ - ٢٥١). ٢٤٤ سنة خمس وخمسين ومائتين · فيها فتنة الزَّنْج، وخروج العَلويِّ قائد الزَّنج بالبصرة، خرج بالبصرة فعسكر ودعا إلى نفسه، وزعم أنه عليُّ بن محمد بن أحمد بن علي بن عيسى بن الشهيد زيد بن علي (١) ولم يثبتوا نسبه، فبادر إلى دعوته عَبِيْدُ أهل البصرة السودان، ومن ثم قيل: الزَّنج، والتف إليه كل صاحب فتنة، حتّى استفحل أمره، وهزم جيوش الخليفة، واستباح البصرة وغيرها، وفعل الأفاعيل، وامتدت أيامه إلى أن قُتل إلى غير رحمة الله في سنة سبعين. · وفيها خرج غير واحد من العلوية، وحاربوا بالعجم وغيرها. · وفيها توفي الإِمام الحبر، أبو محمد عبد الله بن عَبد الرَّحمن التميميُّ الدارميُّ السمرقنديُّ، الحافظُ الثقة، صاحب ((المسند)) المشهور. رحل وطوّف، وسمع النَّضْر بن شُميل، ويزيد بن هارون، وطبقتهما. قال أبو حاتم: هو إمامُ أهل زمانه. وقال محمد بن عبد الله بن نُمير: غلبنا الدَّارميُّ بالحفظ والورع. وقال رجاء بن مُرَجَّى (٢): ما رأيتُ أعلم بالحديث منه. (١) في الأصل، والمطبوع: ((ابن الشهيد بن زيد بن علي)) وأثبت ما في ((العبر)) للذهبي. (٢) في الأصل، والمطبوع: ((رجاء بن مرجا)) والتصحيح من ((العبر)) للذهبي (١٥/٢)، وانظر ((تقريب التهذيب)) ص(٢٠٨). ٢٤٥ • وفيها قُتل (١) المعتز بالله أبو عبد الله محمد بن المتوكل [على الله](٢) جعفر بن المعتصم محمد بن الرَّشيد العباسي، في رجب، خلعوه وأشهد على نفسه مكرهاً، ثم أدخلوه بعد خمسة أيام إلى حمام فعطش حتَّى عاین الموت، وهو يطلب الماء فيمنع، ثم أعطوه ماءً بثلج، فشربه وسقط ميتاً، واختفت أُمه قَبْحة(٣) وسبب قتله، أن جماعة من الأتراك قالوا: أعطنا أرزاقنا، فطلب من أُمه مالاً فلم تُعْطِه، وكانت ذات أموال عظيمة إلى الغاية، منها جوهر، وياقوت، وزُمُرُّد، قوَّموه بألفي ألف دينار، ولم يكن [بقي](٤) إذ ذاك في خزائن الخلافة شيء، فحينئذ أجمعوا على خلعه، ورأسهم(٥) حينئذ، صالح بن وصيف، ومحمد بن بُغا، فلبسوا السلاح، وأحاطوا بدار الخلافة، وهجم على المعتز طائفة منهم، فضربوه بالدبابيس، وأقاموه في الشمس حافياً ليخلع نفسه، فأجاب، وأحضروا محمد بن الواثق من بغداد، فأول من بايعه، المعتز بالله، وعاش المعتز ثلاثاً وعشرين سنة، وكان من أحسن أهل زمانه، ولقّبوا محمداً بالمهتدي بالله. قاله في ((العبر))(٦). وقال ابنُ الفرات: كانت وفاته في شعبان من هذه السنة، وكان عمره اثنتين وعشرين سنة وثلاثة أشهر، وكانت خلافته من يوم بويع له ببغداد - بعد خلع المستعين بالله نفسه - ثلاث سنين وستة أشهر وأربعة وعشرين يوماً، وأشهرُ ولد المعتز عبد الله بن المعتز الشاعر، وبه كان يكنى. انتهى. (١) تحرفت في المطبوع إلى ((قبل)). (٢) زيادة من ((العبر)). (٣) في الأصل، والمطبوع: ((صبيحة)) وهو خطأ، والتصحيح من ((العبر)) للذهبي (١٥/٢) و((الكامل في التاريخ)) (٢٠٠/٧)، وفيه قال ابن الأثير: وكان المتوكل سماها قبيحة لحسنها وجمالها، كما يسمى الأسود كافوراً. وانظر ((أعلام النساء)) لكحالة (٤ / ١٨٤ - ١٨٧) طبع مؤسسة الرسالة. (٤) زيادة من ((العبر)» للذهبي. (٥) في ((العبر)): ((ورئيسهم)). (٦) (١٥/٢ - ١٦). ٢٤٦ · وفيها محمد بن عبد الرحيم، أبو يحيى، البغداديُّ الحافظُ البَزَّاز، ولقبه صاعقة. سمع عبد الوهاب بن عطاءَ الخَفَّاف وطبقته، وكان أحد الثقات(١) الأثبات المجوِّدین. • وفيها محمد بن كَرَّام، أبو عبد الله السجستانيُّ، الزَّاهد، شيخ الطائفة الكرَّامية، وكان من عُبَّاد المرجئة. قاله في ((العبر))(٢). وقال في ((المغني))(٣): محمد بن كرَّام السِّجزي، العابد، المتكلم، شيخ الكرامية. أكثر عن الجُوَيْبَاري (٤)، ومحمد بن تميم السعدي، وكانا ساقطین. قال ابن حبَّان: خُذِل حتَّى التقط من المذاهب أردأها، ومن الأحاديث أوهاها . وقال أبو العبّاس السرَّاج(٥): شهدت البخاريَّ ودُفع إليه كتاب [من](٦) (١) لفظة ((الثقات)) سقطت من ((العبر)) للذهبي فتستدرك فيه. (٢) (١٦/٢). (٣) («المغني في الضعفاء)) (٦٢٧/٢). ہے (٤) في الأصل والمطبوع: ((الجوبياري)) وهو خطأ، والتصحيح من ((الأنساب)). وهو أحمد بن عبد الله بن خالد بن موسى بن فارس بن مرداس بن نهيك التميمي القيسي الجويباري، نسبة إلى ((جويبار)» إحدى قرى هراة، قاله السمعاني في ((الأنساب)) (٣٨١/٣). وقال ابن حبان في ((المجروحين)) (١٤٢/١): دجال من الدجاجلة كذاب، يروي عن ابن عُيينة، ووكيع، وأبي ضمرة، وغيرهم من الثقات أصحاب الحديث، ويضع عليهم ما لم يحدثوا، وقد روى عن هؤلاء الأئمة ألوف حديث ما حدثوا بشيء منها، كان يضعها عليهم، لا يحل ذكره في الكتب إلا على سبيل الجرح فيه. وقال النسائي في ((الضعفاء الصغير)) ص(٢٢): كذاب. وقال الذهبي في ((ميزان الاعتدال)) (١٠٧/١): هو ممن يضرب المثل بكذبه. وقال ابن حجر في ((لسان الميزان)) (١٩٤/١): قال الخليلي: كذاب، يروي عن الأئمة أحاديث موضوعة، وكان يضع لابن كرَّام أحاديث مصنوعة، وكان ابن كرام يسمعها وكان مغفلًاً. (٥) في الأصل، والمطبوع: ((سراج)) والتصحيح من ((المغني في الضعفاء)). (٦) زيادة من («المغني في الضعفاء)). ٢٤٧ ابن كَرَّام، يسأله عن أحاديث، فيها(١) الزُّهري، عن سالم، عن أبيه، يرفعه ((الإِيمانُ لَا يَزِيْد وَلاَ يَنْقُصُ)). فكتب أبو عبد الله على ظهر كتابه: من حدَّث بهذا استوجب الضرب الشديد، والحبس الطويل. وقال ابن حِبَّان: جعل ابن كَرَّام الإِيمان قولاً بلا معرفة. وقال ابنُ حزم: قال ابن كَرَّام: الإِيمان قول باللسان، وإن اعتقد الكفر بقلبه فهو مؤمن. قلت(٢): هذه أشنع بدعة. وقوله في الرِّبُّ: جسم لا كالأجسام. انتهى ما قاله الذهبيُّ في ((المغني في الضعفاء)). • وفيها موسى بن عامر المُرِّيُّ الدِّمشقيُّ. سمع الوليد بن مسلم، وابن عُيينة، وكان أبوه أبو الهَيْذَام(٣) عامر بن عُمارة سيد قيس وزعيمها وفارسها، وکان طلب من الوليد بن مسلم فحدث ابنه هذا بمصنفاته. قال في ((المغني)) (٤): موسى بن عامر المُرِّي صاحب الوليد بن مسلم، صدوق تُكُلُّم فيه بلا حجة، ولا يُنكر له تفرده عن الوليد، فإنه يكثر عنه. انتهى . (١) في ((المغني في الضعفاء)): ((منها). (٢) القائل الحافظ الذهبي . (٣) في المطبوع: ((أبو الهندام)) وهو خطأ، وانظر ((جمهرة أنساب العرب)) لابن حزم ص(٢٥٢). (٤) ((المغني في الضعفاء)) (٦٨٤/٢). ٢٤٨ سنة ست وخمسين ومائتين • كان صالح بن وصيف التركي قد ارتفعت منزلته، وقتل المعتز وظفر بأمه قَبْحَة (١) فصادرها حتَّى استصفى نعمتها، وأخذ منها نحو ثلاثة آلاف ألف دينار، ونفاها إلى مَكَّة، ثم صادر خاصَّة المُعتز وكُتَّابه، وهم: أحمد بن إسرائيل، والحسن بن مَخْلَد، وأبو نوح عيسى بن إبراهيم (٢)، ثم قتل أبا نوح، وأحمد، فلما دخلت هذه السنة أقبل موسى بن بُغا وعبأ جيشه في أكمل أهبة، ودخلوا سَامراء مُلِّين، قد أجمعوا على قتل صالح بن وَصِيْف، وهم يقولون: قتل المعتز، وأخذ أموال أُمه، وأموال الكُتَّاب، وصاحت العامة: يا فِرْعَوْن جاءَكَ موسى، ثم هجم مُوسى بمَن معه على المُهتدي بالله، وأركبوه فرساً، وانتهبوا القصر، ثم أدخلوا المهتدي دار باجور(٣)، وهو يقول: يا موسى ويحك، ما تريد؟ فيقول: وتربة المتوكل لا نالك سوء، ثم حلَّفوه لا يمالىء صالح بن وصيف عليهم، وبايعوه، وطلبوا صالحاً يناظروه(٤) على (١) في الأصل، والمطبوع: ((صبيحة)) وهو خطأ، والتصحيح من ((العبر)) للذهبي (١٦/٢) و((الكامل في التاريخ)) لابن الأثير (٢٠٠/٧)، وانظر التعليق رقم (٣) في حاشية الصفحة (٢٤٦) من هذا المجلد. (٢) في الأصل، والمطبوع: ((وأبو نوح وعيسى بن إبراهيم)) وهو خطأ، والتصحيح من ((العبر)) للذهبي (١٧/٢). وانظر («تاريخ الطبري)) (٣٩٧/٩). (٣) في الأصل: ((بادور)) وهو خطأ، وأثبت ما في المطبوع وهو موافق لما في ((العبر)) (١٧/٢). وانظر ((تاريخ الطبري)» (٣٨١/٩). (٤) في ((العبر)): ((ليناظروه)). ٢٤٩ أفعاله فاختفى، وردوا المهتدي إلى داره، وبعد شهر قتل صالح بن وصيف. · وفي رجب، قُتل المهتدي بالله أمير المؤمنين أبو إسحاق محمد بن الواثق بالله هارون بن المعتصم [بالله](١) محمد بن الرَّشيد العبّاسي، وكانت دولته سنةً، وعمره(٢) نحو ثمان وثلاثين سنة، وكان أسمر، رقيقاً، مليح الصورة، ورعاً، تقياً، متعبداً، عادلاً، فارساً، شجاعاً، قوياً في أمر الله، خليقاً للإِمارة، لكنه لم يجد ناصراً ولا معيناً على الخير. وقيل: إنه سَرَدَ الصوم مدة إمرته، وكان يقنعُ بعض الليالي بخبز وزيت وخلٍّ، وكان يُشبّه بعمر بن عبد العزيز. وورد أنه كان له جبة صوف وكساء يتعبد فيه بالليل، وكان قد سَدَّ باب الملاهي والغناء، وحَسَم الأمراء عن الظلم، وكان يجلس بنفسه لعمل حساب الدواوين بين يديه، ثم إن الأتراك خرجوا عليه فلبس السلاح وشَهَرَ سيفه(٣)، وحمل عليهم فجرح، ثم أسروه وخلعوه، ثم قتلوه إلى رحمة الله ورضوانه، وأقاموا بعده المعتمد على الله. قاله في ((العبر))(٤). وقال ابنُ الفرات: أرادوا أن يبايعوا المهتدي بالله على الخلافة، فقال: لا أقبل مبايعتكم حتى أسمع بأذني خلع المعتز نفسه، فأدخلوه عليه، فسلّم عليه بالخلافة، وجلس بين يديه، فقال له الأمراء: ارتفع، فقال: لا أرتفع إلّ أن يرفعني الله، ثم قال للمعتز: يا أمير المؤمنين خلعت أمر الرعية من عنقك طوعاً ورغبة، وكل من كانت لك في عنقه بيعة فهو بريء منها، فقال المعتز من الخوف: نعم، فقال: خار الله لنا ولك يا أبا عبد الله، ثم ارتفع حينئذ إلى (١) زيادة من ((العبر)) للذهبي. (٢) في ((العبر)): ((وعمّر)). (٣) في الأصل، والمطبوع: ((وأشهر سيفه)) وما أثبته من ((العبر)) للذهبي. (٤) (١٧/٢ - ١٨). ٢٥٠ صدر المجلس، وكان أول من بايعه، وكان المهتدي ورعاً، زاهداً، صوَّاماً، لم تعرف له زلَّة، وكان سهل الحجاب، كريم الطبع، يخاطب أصحاب الحوائج بنفسه، ويجلس للمظالم، ويلبس القميص الصوف الخشن تحت ثيابه على جلده، وكان من العدل على جانب عظيم. حكي أن رجلاً من الرَّملة تظلَّم إلى المهتدي بالله من عاملها، فأمر بإنصافه، وکتب إليه كتاباً بخطه، وختمه بيده، وسلَّمه إلى الرجل، وهو يدعو له، فشاهد الرجل من رحمة المهتدي وبره بالرعية، وتوليته أمورهم بنفسه ما لم ير مثله، فاهتز ووقع مغشياً عليه، والمهتدي يعاينه، فلما أفاق قال له المهتدي: ما شأنك، أبقيت لك حاجة؟ قال: لا والله، ولكني ما رجوت أن أعيش حتَّى أرى مثل هذا العدل، فقال له المهتدي: كم أنفقت منذ خرجت من بلدك؟ فقال: أنفقت عشرين ديناراً، فقال المهتدي: إنا لله وإنا إليه راجعون، كان الواجب علينا أن ننصفك وأنت في بلدك ولا نحوجك إلى تعب وكلفة، وإذا أنفقت ذلك فهذه خمسون ديناراً من بيت المال، فإني لا أملك مالاً، فخذها لنفقتك واجعلنا في حل من تعبك وتأخَّرٍ حقك، فبكى الرجل حتَّى غُشي عليه ثانياً، وبهت بعض الناس، وبكى بعضهم، فقال أحد الجماعة: أنت والله يا أمير المؤمنين كما قال الأعشى (١): أَبْلَجِ مِثْلِ القَمَرِ الزَّهرِ حَكَّمتموهُ فَقَضَى بَيْنَكُمْ ولا يُبَالي غَبَنَ الخَاسِرِ (٢) لَا يَقْبَلُ الرّشوةَ في حُكْمِهِ فقال المهتدي: أمَّا أنت فأحسن الله جزاءك، وأما أنا فما رويت هذا الشعر ولا سمعت به، ولكني أذكر قول الله عزَّ وجل: ﴿وَنَضَعُ المَوَازِيْنَ (١) تقدم التعريف به في حاشية الصفحة (٢١٨). (٢) البيتان في (ديوانه)) ص (١٤١) من قصيدة مؤلفة من (٣٨) بيتاً. وروايتهما فيه: أبلج مثل القمر الباهر حكمتمو بي فقضى بينكم ولا يبالي غبن الخاسر لا يأخد الرشوة في حكمه ٢٥١ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِيْنَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، فما بقي في المجلس إلاّ من استغرق بالدعاء له بطول العمر ونفاذ الأمر، وكان يقول: لو لم يكن الزُّهد في الدُّنيا والإِيثار لما عند الله من طبعي لتكلَّفته، فإن منصبي يقتضيه، لأني خليفة الله في أرضه والقائم مقام رسول الله - ويلي - النائب عنه في أمته، وإني لأستحيي أن يكون لبني مَرْوَان عُمر بن عبد العزيز، وليس لبني العَبَّاس مثله، وهم آل الرَّسول ێو. انتهى. • وفيها الزُّبَيْر بن بَكَّار، الإِمام أبو عبد الله الأسديُّ الزّبيريُّ، قاضي مكّة، في ذي القعدة. سمع سُفيان بن عُيينة فمن بعده، وصنف ((كتاب النسب))(١) وغير ذلك، وكان ثقة ولا يلتفت إلى من تكلم فيه كما قال ابنُ ناصر الدِّين. • وفيها ليلة عيد الفطر، الإِمام، حبر الإِسلام، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بَرْدِزْبَه (٢) البخاريُّ مولى الجعفيين، صاحب ((الصحيح)) والتصانيف. ولد سنة أربع وتسعين ومائة، وارتحل سنة عشر ومائتين، فسمع مكي بن إبراهيم، وأبا عاصم النّبِيْل، وأحمد بن حنبل، وخلائق عدتهم ألف شيخ، وكان من أوعية العلم، يتوقد ذكاءً، ولم يخلف (١) واسمه: ((نسب قريش وأخبارها)، وقد نشر في مصر بتحقيق المحقق الكبير الأستاذ محمود محمد شاكر باسم ((جمهرة نسب قريش». (٢) قال الحافظ ابن حجر في ((مقدمة فتح الباري)) ص (٤٧٧): بَرْدِزْبَة بفتح الباء الموحدة، وسكون الراء المهملة، وكسر الدال المهملة، وسكون الزاي المعجمة، وفتح الباء الموحدة بعدها هاء، هذا هو المشهور في ضبطه، وبه جزم ابن ماكولا، وقد جاء في ضبطه غير ذلك. ويردزبه بالفارسية الزراع كذا يقوله أهل بخارى، وكان بردزبه فارسياً على دين قومه ثم أسلم والده المغيرة على يد اليمان الجعفي وأتى بخارى فنسب إليه نسبة ولاء عملاً بمذهب من يرى أن من أسلم على يده شخص كان ولاؤه له، وإنما قيل له الجعفي لذلك. وانظر: ((تهذيب الأسماء واللغات)) للنووي (٦٧/١) مصورة دار الكتب العلمية ببيروت. ٢٥٢ بعده مثله. قاله في ((العبر))(١). وقال الحافظ عبد الغني في كتابه ((الكمال)) ما ملخصه: محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المُغيرة بن بَرْدِزْبَة، يكنى أبا عبد الله، وبردزبة مجوسي مات عليها، والمغيرة أسلم على يدي يمان البخاري والي بخارى، ويمان هو أبو جد عبد الله بن محمد بن جعفر بن يمان، وهذا هو الإِمام أبو عبد الله الجعفي مولاهم البخاري صاحب ((الصحيح)) إمام هذا الشأن، والمقتدى به فيه(٢)، والمعوَّل على كتابه بين أهل الإِسلام. رحل في طلب العلم إلى سائر محدثي الأمصار، وكتب بخراسان، والجبال، ومدن العراق كلها، وبالحجاز، والشام، ومصر. قال ابن وَضَّاح، ومكي بن خلف: سمعنا محمد بن إسماعيل يقول: كتبت عن ألف نفر من العلماء وزيادة ولم أكتب إلَّ عمّن قال: الإِيمان قول وعمل. وعن أبي إسحاق الريحاني، أن البخاري كان يقول: صنفت ((كتاب الصحيح)) بست عشرة سنة خرجته من ستمائة ألف حديث وجعلته حجةً فيما بيني وبين الله تعالى. وقال محمد بن سُليمان بن فارس: سمعت أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: رأيت النَّبِيَّ، وَله، كأني واقف بين يديه وبيدي مروحة أُذُبُّ عنه، فسألت بعض المُعبرين فقال: إنك تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حملني على إخراج ((الصحيح)). وقال أبو حامد أحمد بن حمدون الأعمشي: سمعت مسلم بن الحَجَّاج (١) (١٨/٢ - ١٩). (٢) لفظة: ((فيه)) سقطت من الأصل، وأثبتها من المطبوع. ٢٥٣ يقول لمحمد بن إسماعيل البخاري: لا يعيبك إلاّ حاسد، وأشهد أن ليس في الدُّنيا مثلك. وقال أحمد بن حمدون الأعمشي: رأيت محمد بن إسماعيل في جنازة أبي عثمان سعيد بن مَرْوَان ومحمد بن يحيى يسأله عن الأسامي والكنى وعلل الحديث، ويمر فيه محمد بن إسماعيل مثل السهم، كأنه يقرأ: ﴿ قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ ﴾ [الإِخلاص: ١]. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي يقول: ما أخرجت خراسان مثل محمد بن إسماعيل البخاري. وروى أبو إسحاق المُستملي، عن محمد بن يوسف الفَرَبْري أنه كان يقول: سمع كتاب ((الصحيح)) من محمد بن إسماعيل تسعون ألف رجل، وما بقي أحد يروي عنه غيري . وقال محمد بن إسماعيل: ما أدخلت في كتابي ((الجامع)) إلّ ما صحَّ، وتركت من الصحاح لحال الطول. وقال النسائيُّ: ما في هذه الكتب كلها أجود من كتاب محمد بن إسماعيل. وقال بكربن مُنير: سمعت محمد بن إسماعيل البخاري يقول: أرجو أن ألقى الله عزَّ وجل ولا يحاسبني أني اغتبت أحداً. وقال عبد الواحد بن آدم الطواويسي: رأيت النَّبِيَّ، وَّر، في النوم ومعه جماعة من أصحابه وهو واقف في موضعٍ ذكرهُ، فسلمت عليه، فرد السلام، فقلت: ما يوقفك يا رسول الله؟ قال: ((أنتظر مُحَمَّدَ بن إسْمَاعِيْل الْبُخَارِي)) فلما كان بعد أيام بلغني موته، فنظرنا فإذا هو قد مات في الساعة التي رأيت النَّبِيَّ، وَلِّر، فيها. وقال عبد القدوس بن عبد الجبار السمرقندي: جاء محمد بن إسماعيل ٢٥٤ إلى خرتنك - قرية من قرى سمرقند على فرسخين - وكان له أقرباء فنزل عليهم، قال: فسمعته ليلة من الليالي وقد فرغ من صلاة الليل يدعو ويقول: اللهم قد ضاقت عليَّ الأرض بما رحبت فاقبضني إليك. قال: فما تم الشهر حتَّى قبضه الله عز وجل، وقبره بخرتنك. ولد البخاريُّ يوم الجمعة بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال، سنة أربع وتسعين ومائة، وتوفي ليلة السبت عند صلاة العشاء ليلة الفطر، ودفن يوم الفطر بعد صلاة الظهر لغرة شوال سنة ست وخمسين ومائتين، وعاش اثنتين وستين سنة إلا ثلاثة عشر يوماً. انتهى ما لخصته من «الكمال)). وقال ابنُ الأهدل - بعد الإِطناب في ذكره -: أجمع النّاس على صحة كتابه، حتَّى لو حلف حالف بطلاق زوجته ما في ((صحيح البخاري)) حديث مسند إلى رسول الله وَّله، إلَّ وهو صحيح عنه كما نقله، ماحُكم بطلاق زوجته، نقل ذلك غير واحد من الفقهاء وقرَّروه. ونقل الفَرَبْريُّ عنه قال: ما وضعت في كتابي الصحيح حديثاً إلَّ وقد اغتسلت قبله وصلیت رکعتین. انتهى. وفيها يحيى بن حكيم البصريُّ المُقَوِّمُ أبو سعيد الحافظ، سمع سفيان بن عُيينة وغُنْدراً، وطبقتهما. قال أبو داود: كان حافظاً متقناً. ٢٥٥ سنة سبع وخمسين ومائتين • فيها وثب العلويُّ قائد الزَّنج على الأَبْلَّة، فاستباحها وأحرقها، وقتل بها نحو ثلاثين ألفاً، فساق لحربه سعيد الحاجب، فالتقوا فانهزم سعيد واستحر القتل(١) بأصحابه، ثم دخلت الزَّنجُ البصرةَ، وخرَّبوا الجامع، وقتلوا بها اثني عشر ألفاً، فهرب باقي أهلها بأسوأ حالٍ، فخربت ودثرت. • وفيها قُتل [ميخائيل بن] توفيل(٢) طاغية الرُّوم، قتله بسيل(٣) الصَّقلبيُّ. • وفيها توفي المُحدِّثُ المُعمِّر، أبو علي الحسن بن عَرَفَة العَبْديُّ البغداديُّ المُؤدِّبُ، وله مائة وسبع سنين. سمع إسماعيل بن عَيَّاش وطبقته، وكان يقول: كتب عني خمسة قرون. قال النسائيُّ : لا بأس به. (١) في الأصل، والمطبوع: ((واستبحر القتل)) والتصحيح من ((العبر)) للذهبي (١٩/٢)، و((مرآة الجنان)» اليافعي (١٦٩/٢). (٢) قلت: في الأصل، والمطبوع، و((العبر)) للذهبي (١٩/٢): ((وفيها قُتل توفيل)) وهو خطأ، والتصحيح من ((تاريخ الطبري)) (٤٨٩/٩)، و((الكامل في التاريخ)) لابن الأثير (٢٤٩/٧) طبع دار صادر، والصواب في قتل والده ((توفيل)) أنه كان سنة (٢٢٧). انظر: ((تاريخ الطبري)» (١٢١/٩). (٣) في الأصل، والمطبوع: ((سيل)) وهو خطأ، والتصحيح من ((تاريخ الطبري))، و((الكامل)) لابن الأثير، و «العبر» للذهبي. ٢٥٦ • وفيها زُهير بن محمد بن قُمَيْرِ المروزيُّ، ثم البغداديُّ، الحافظ. سمع يعلى بن عُبيد، ورحل إلى عبد الرزاق، وكان من أولياء الله تعالى، ثقةً مأموناً. قال البغويُّ: ما رأيت بعد أحمد بن حنبل أفضل منه، كان يختم في رمضان(١). • وفيها زَيْد بن أُخْزَم (٢) الشهيد الطائيُّ النبهانيُّ البصريُّ، أبو طالب، ثقة. حدَّث عنه أصحاب الكتب [الستة] إلَّ مسلماً، وذبحته الزَّنجُ. وفيها الحافظ أبو داود سُليمان بن مَعْبَد السُّنْجيُّ(٣) المروزيُّ. روى عن النَّضْر بن شُميل، وعبد الرزاق، وكان أيضاً مقدماً في العربية. • والرِّياشي، أبو الفضل، العَبَّاس بن الفرج، قتلته الزَّنج بالبصرة وله ثمانون سنة. أخذ عن أبي عُبَيْدة ونحوه، وكان إماماً في اللغة والنحو، أخبارياً علَّمة ثقةً. خرُّج له أبو داود في ((سننه)). • وفيها أبو سعيد الأَشَجّ، عبد الله بن سعيد الكنديُّ الكوفيُّ الحافظُ، صاحب التصانيف في ربيع الأول وقد جاوز التسعين. روى عن هُشَيْم، وعبد الله بن إدريس، وخلق، وكان ثقةً حجَّةٌ. قال أبو حاتم: هو إمام أهل زمانه. وقال محمد بن أحمد الشَّطَوي: ما رأيت أحفظ منه. (١) في ((العبر)) للذهبي مصدر المؤلف: ((كان يختم في رمضان تسعين ختمة)) وهو كذلك في (تاريخ بغداد)) (٤٨٥/٨). (٢) تصحفت في ((العبر)) إلى ((أخرم)) فتصحح فيه. (٣) في الأصل، والمطبوع: ((السبخي)) وهو خطأ، والتصحيح من ((الأنساب)) للسمعاني (١٦٥/٧)، و((العبر)) للذهبي (٢٠/٢). ٢٥٧ سنة ثمان وخمسين ومائتين • فيها توجه منصور بن جعفر فالتقى الخبيث قائد الزَّنج وهو، فقُتل منصور في المصاف، واستبيح ذلك الجيش، فسار أبو أحمد الموفق أخو الخليفة في جيش عظيم، فانهزمت الزَّنج وتقهقرت، ثم جهز الموفق فرقةً عليهم مُفْلح، فالتقوا الزَّنج، فقتل مفلح في المصاف وانهزم النَّاس، وتحيز الموفق إلى الأبلَّة، فسيَّ قائد الزَّنج جيشاً عليهم يحيى بن محمد، فانتصر المسلمون، وقتل في الوقعة خلق، وأسروا یحیی، فأحرق بعدما قتل ببغداد، ثم وقع الوباءُ في جيش الموفق، وكَثُر [بالعراق](١) ثم كانت وقعة هائلة بين الزَّنج والمسلمين، فقتل خلق من المسلمين، وتفرق عن الموفق عامة جنده. • وفيها توفي أحمد بن بُدَيْلِ الإِمامِ أبو جعفر الياميُّ الكوفيُّ، قاضي الكوفة، ثم قاضي هَمَذَان. روى عن أبي بكر بن عَيَّاش وطبقته، وخرَّج له الترمذيُّ وغيره، وكان صالحاً عادلاً في أحكامه، وكان يُسمى راهب الكُوفة لعبادته . قال الدارقطنيُّ : فيه لينٌ. وقال في ((المغني))(٢): أحمد بن بُديل الكوفي القاضي، مشهور غير متهم . (١) سقطت من الأصل، والمطبوع، واستدركتها من ((العبر)) للذهبي (٢٢/٢). (٢) (٣٤/١). ٢٥٨ قال ابنُ عدي: یکتب حديثه مع ضعفه. وقال النسائي: لا بأس به(١). انتهى . · وأبو علي أحمد بن حفص بن عبد الله السلميُّ النيسابوري، قاضي نيسابور، روى عن أبيه وجماعة. • وفيها أحمد بن سِنَان القَطَّان، أبو جعفر الواسطيُّ، الحافظ. سمع أبا مُعاوية وطبقته، وروى عنه أصحاب الكتب الستة إلّ الترمذي، وصنف ((المسند)) وكتب عنه ابن أبي حاتم، وقال: هو إمام أهل زمانه. • وفيها أحمد بن الفُرات، بن خالد، أبو مسعود(٢) الرَّازيُّ الثقة، أحد الأعلام في شعبان بأصبهان، طوَّف النواحي، وسمع أبا أسامة وطبقته، وكان يُنظّر بأبي زُرعة الرَّازي في الحفظ، وصنف ((المسند)) و ((التفسير)). وقال: كتبت ألف ألف وخمسمائة ألف حديث. • ومحمد بن سنجر، أبو عبد الله الجُرْجاني الحافظ، صاحب (المسند)) في ربيع الأول بصعيد مصر. سمع أبا نُعيم وطبقته، وكان ثقة خيراً. • ومحمد بن عبد الملك بن زَنْجَويه، أبو بكر. الحافظ البغدادي. الغزَّال، مات في جمادى الآخرة ببغداد، وكان ثقةً. رحل إلى عبد الرزاق فأكثر عنه وصنف. • ومحمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس، أبو عبد الله الذُّهلي النيسابوري، أحد الأئمة الأعلام الثقات، سمع عبد الرّحمن [بن (١) قوله: ((وقال النسائي: لا بأس به)) سقط من ((المغني في الضعفاء)) الذي بين يدي فيستدرك فيه. (٢) في الأصل، والمطبوع: ((ابن مسعود)) وهو خطأ، والتصحيح من (العبر)) (٢٢/٢)، و((سير أعلام النبلاء)) (٤٨١/١٢)، و((طبقات الحفاظ)) ص (٢٣٩). ٢٥٩ مهدي](١) وطبقته، وأكثر الترحال، وصنف التصانيف، وكان الإِمام أحمد يَجِلُّه ويعظّمه. قال أبو حاتم: كان إمام أهل زمانه. وقال أبو بكر بن أبي داود: هو أمير المؤمنين في الحديث. • ويحيى بن مُعاذ الرَّازي الزَّاهد [العارف](٢)، حكيم زمانه وواعظ عصره، توفي في جمادى الأولى بنيسابور، وقد روى عن إسحاق بن سليمان الرَّازي وغيره. وقال السلميُّ في ((طبقات الصوفية))(٣): يحيى بنُ مُعاذ بن جعفر الرَّازي الواعظ، تكلم في علم الرجال(٤) فأحسن الكلام فيه. وكانوا ثلاثة إخوة: يحيى، وإبراهيم، وإسماعيل، أكبرهم سِناً إسماعيل، ويحيى أوسطهم، وإبراهيم أصغرهم، وكلُّهم كانوا زهَّاداً. وأخوه إبراهیم خرج معه إلى خُراسان وتوفي بين نيسابور وبلخ، وأقام یحیی ببلخ مدة، ثم خرج إلی نیسابور ومات بها. ومن كلامه: من استفتح باب المعاش بغير مفاتيح الأقدار وُكِلَ إلى المخلوقین . وقال: العبادة حِرْفَة، وحوانيتها الخلوة، وآلاتها المخادعة(٥) ورأس مالها(٦) : (١) زيادة من ((العبر)) للذهبي. (٢) زيادة من ((العبر)) للذهبي. (٣) في الأصل، والمطبوع: ((في طبقات الأولياء)) وهو سبق قلم من المؤلف رحمه الله، والصواب ما أثبته فإنه ينقل عن ((طبقات الصوفية)) للسلمي ص (١٠٧ - ١١٤) بتصرّف، ومعلوم بأن كتاب ((طبقات الأولياء)) لابن الملقن وليس للسلمي. (٤) في ((طبقات الصوفية)): ((في علم الرجاء)). (٥) قوله: (وآلاتها المخادعة)) لم يرد في ((طبقات الصوفية)) المطبوع. (٦) في الأصل: ((ورأس ماله)) وهو خطأ، وأثبت ما في المطبوع وهو الصواب. ٢٦٠