النص المفهرس
صفحات 201-220
سنة أربع وأربعين ومائتين · فيها على ما قاله في ((الشذور)) اتفق عيد الأضحى، وعيد الفطير للیهود، وشعانین النصارى. وفيها توفي أحمد بن مَنِيْع الحافظُ الكبير أبو جعفر البغويُّ الأصم، صاحب ((المسند)) ببغداد في شوال. سمع هُشَيْمَاً وطبقته، وهو جد أبي القاسم البغوي لأمه. وقد خرَّج له الجماعة، لكن البخاري بواسطة واحدٍ، وكان أحد الثقات المشهورین. · وإبراهيم بن عبد الله الهرويُّ الحافظُ ببغداد في رمضان. روی عن إسماعيل بن جعفر، وكان من أعلم الناس بحديث هُشَيْم، وكان صوَّاماً، عابداً، تقياً. قال في ((المغني))(١): إبراهيم بن عبد الله الهرويُّ شيخ الترمذي. قال النسائي: ليس بالقويِّ. وقال أبو داود: ضعيف، وقد وثق. انتهى. · وفيها إسحاق بن موسى الأنصاري الخَطْميُّ المدنيُّ ثم الكوفيُّ، أبو موسى، قاضي نيسابور. روى عن ابن عُيينة وطبقته. أطنب أبو حاتم الرَّازي (١) ((المغني في الضعفاء)) (١٧/١). ٢٠١ في الثناء عليه، وكان كثير الأسفار، فتوفي بجُوْسِيَة(١) من أعمال حمص. • والحسنُ بن شُجَاع أبو علي البَلْخيُّ الحافظُ، أحد أركان الحديث في شوال كهلاً، ولم ينتشر(٢) حديثه. سمع عُبَيْد الله بن موسى وطبقته، روى الترمذيُّ عن رجل عنه. قال ابنُ ناصر الدِّين: الحسنُ بن شُجَاعِ بن رَجَاء البلخيُّ أبو علي. روى عنه البخاريُّ، وغيره، وكان من نظراء أبي زُرْعَة، لكن لم يشتهر لموته کھلاً قبل أوان السماع. انتهى. • وفيها أبو عَمَّار الحُسَيْن بن حُرَيْث المروزيُّ الحافظُ. سمع جَرِيْر بن عَبد الحميد وطبقته ولم يرحل(٣). ● وحَمْدَوَيْهِ، وهو حُمَيْد بن مَسْعَدَة بن المُبَاركِ السَّاميُّ البصريُّ الثقة، قرأ وأقرأ، وسمع وحدَّث. روى عنه أصحاب الكتب الستة إلَّ البخاري (٤). • وفيها عبد الحميد بن بَيَان الواسطيُّ. روى عن خالد الطحَّان، وهُشَيْم فأكثر (٥). · وفيها عليُّ بن حُجْر الحافظُ الإِمام أبو الحسن السَّعديُّ المروزيُّ، نزيل نيسابور في جمادى الأولى وله نحو من تسعين سنة. روى عن إسماعيل ابن جَعْفَر، وشَرِيْك، وخلق، وكان من الثقات الأخيار. • ومحمد بن أَبَان أبو بكر المُستمليُّ، مُستملي وكيع، لقي ابن عيينة، وابن وهب، والكبار. (١) أنظر خبرها في ((معجم البلدان)) لياقوت (١٨٥/٢). (٢) في الأصل، والمطبوع: ((ولم ينشر)) وما أثبته من ((العبر)) للذهبي مصدر المؤلف. (٣) انظر ترجمته في ((تهذيب الكمال)) للمزي (٣٥٨/٦ - ٣٦١)، و((سير أعلام النبلاء)) للذهبي (١١ /٤٠٠ - ٤٠١). (٤) انظر ترجمته في ((تهذيب الكمال)) للمزي (٣٩٥/٧ - ٣٩٧). (٥) انظر ترجمته في (تهذيب الكمال)) للمزي (٧٦٥/٢) مصورة دار المأمون للتراث بدمشق. ٢٠٢ • وفيها أبو عبد الله محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب الأمويُّ البصريُّ في جمادى الأولى. سمع أبا عَوَانة وطبقته، وكان صاحب حديثٍ. ولي القضاء جماعة من أولاده. • وفيها يَعْقُوب بن السِّكِيْت، النحويُّ، أبو يوسف البغدادي، صاحب كتاب ((إصلاح المنطق)) و((تفسير دواوين الشعراء)) وغير ذلك. سبق أقرانه في الأدب مع حظٍ وافٍ في السنن والدِّين، وكان قد ألزمه المتوكل تأديب ابنه المعتز، فلما جلس عنده، قال له: يا بني بأي شيء يحب الأمير أن يبتدىء من العلوم. قال: بالانصراف، قال ابن السِّكِيْت: فأقوم. قال المعتز: أنا أخف نهوضاً منك، فقام المعتز مسرعاً، فعثر بسراويله فسقط، فالتفت خجلاً، فقال ابن السِّكِّيْت: وَلَيْسَ يُصَابُ المرءُ مِن عَثْرَةِ الرِّجْلِ يُصابُ الفَتِى مِنْ عَثْرَةٍ بلسانهِ وَعَثْرَتُهُ بالرِّجْلِ تبرا (١) عَلَى مَهْلٍ (٢) فَعَثْرَتُهُ بالقولِ تُذْهِبُ رَأْسَهُ فلما كان من الغد دخل على المتوكل، فقال له: قد بلغني البيتان، وأمر له بخمسين ألف درهم. وقال أحمد بن محمد بن شَدَّاد: شكوت إلى ابن السكيت ضائقة فقال: هل قلت شيئاً؟ قلت: لا. قال: فأقول: أنا، ثم أنشد: مَا دُمْتُ أَحْذَرُ مَا يَأْتِي بِهِ القَدَرُ نَفْسِي تَرُوْمُ أُمُوْرَاً لَسْتُ أُدْرِكُهَا لَيْسِ ارْتِحَالُكَ في كَسْبِ الغِنِى سَفَرَاً لَكن مَقَامُك في ضُرِّ هُو السَّفَرُ (١) في الأصل، والمطبوع: «تبرىء))، والتصويب من مصادر التخريج. (٢) البيتان في ((وفيات الأعيان)) لابن خلِّكان (٣٩٩/٦)، و((سير أعلام النبلاء)) للذهبي (١٩/١٢)، و((مرآة الجنان)) اليافعي (١٤٨/٢)، و((غربال الزمان)) للعامري ص (٢٢٨)، وفي رواية البيتين بعض الخلاف في كل من ((الوفيات)) و((السير)). ٢٠٣ وقال ابن السِّكِّيْت: كتب رجل إلى صديق له: قد عرضت لي قبلك حاجة، فإن نجحت فألفاني منها حظي والباقي حظك، وإن تعذرت فالخير مظنون بك والعذر مقدم لك، والسلام. وكان ابنُ السِّكِّيت يوماً عند المتوكل، فدخل عليه ابناه المعتز، والمؤيد، فقال له: يا يعقوب! أيُّمَا أَحبُّ إليك، ابناي هذان، أم الحسن والحسين؟ فغض(١) من ابنيه، وذكر محاسن الحسن والحسين، فأمر المتوكل الأتراك فداسوا بطنه، وحمل إلى داره فمات من الغد. وروي أنه قال له: والله إن قنبراً خادمَ عليٍّ خيرٌ منك ومن ابنيك، فأمر بسلِّ لسانه من قفاه، رحمه الله ورضي عنه. ويقال: إنه حمل ديته إلى أولاده. (١) في الأصل: ((فغضب)) وهو خطأ، وأثبت ما في المطبوع وهو الصواب. ٢٠٤ ز سنة خمس وأربعين ومائتين فيها كما قاله في ((الشذور)) زلزلت بلاد المغرب حتَّى تهدمت الحصون، والمنازل، والقناطر، فأمر المتوكل بتفرقة ثلاثة آلاف ألف درهم في الذين أصيبوا بمنازلهم، وكانت بأنطاكية زلزلة ورجفة قتلت خلقاً كثيراً وسقط منها ألف وخمسمائة دار، ووقع من سورها نّيِّفٌ وتسعونَ بُرْجاً، وسمع أهلها أصواتاً هائلة لا يحسنون وصفها، فتركوا المنازل وهرب الناس إلى الصحراء، وسَمِعَ أهل تِنَيْس(١) صيحة عالية دامت، فمات منها خلق كثير، وذهبت جبلة بأهلها. انتهى. • وفيها توفي أحمد بن عَبْدَة الضَّبيُّ بالبَصْرَة. سمع حَمَّاد بن زَيْد، والكبار. وروى الكثير. • وإسحاق بن أبي إسرائيل إبراهيم بن كامَجْرا(٢) المروزيُّ الحافظُ، في شوَّال ببغداد وله خمس وتسعون سنة. سمع حَمَّاد بن زَيْد وطبقته، وكان من كبار المُحدِّثین. (١) في ((النجوم الزاهرة)) لابن تغري بردي (٣١٩/٢): ((بلبيس))، وانظر هذا الخبر فيه فإن فيه بعض الزيادة . (٢) كذا في الأصل، والمطبوع، و((العبر)) للذهبي، و(تهذيب التهذيب)) (٢٢٣/١)، و((تقريب التهذيب ((ص(١٠٠): ((كامَجْر))، وفي ((تهذيب الكمال)) (٣٩٨/٢) طبع مؤسسة الرسالة، و(٨١/١) مصورة دار المأمون للتراث، و((سير أعلام النبلاء)) للذهبي (٤٧٦/١١): ((كامّجْر)). ٢٠٥ قال ابنُ ناصر الدِّين: هو ثقة لکن تُكُلُّم فیه. انتهى. • وفيها إسماعيل بن موسى الفَزَاريُّ الكوفيُّ الشيعيُّ المُحدِّثُ، ابن بنت السُّدِّي. روى عن مالك وطبقته، وروى عن عمر بن شاكر عن أنس بن مالك. وخرَّج له أبو داود، والترمذي، وغيرهما. قال في ((المغني))(١): إسماعيل بن موسى الفزاريُّ السُّدِّيُّ يترقَّض، وقال أبو داود: يتشيع. انتهى. ، وفيها ذُو النُّون المصريّ أبو الفيض ثَوْبَان، ويقال: الفيض بن إبراهيم، أحد رجال الطريقة، وواحد وقته. كان أبوه نوبيَّاً، سُعي به إلى المتوكل فسجنه، وأهدي له طعام في السجن فكرهه لكون السجان حمله بيده . ولما أُطلق اجتمع عليه الصوفية ببغداد في الجامع واستأذنوه في السماع، وحضر حضرته القوَّال، فأنشد: فَكَيْفَ بِهِ إِذا احْتَنَكَا صَغِيْرُ هَوَاكَ عَذَّبني هوىَّ قَدْ كَانَ مُشْتَرَكَا(٢) وَأَنْتَ جَمَعْتَ مِنْ قَلبي فتواجد ذو النون، وسقط فانشج(٣) رأسه، وقطر منه دم، ولم يقع على الأرض، فقام شابٍّ يتواجد، فقال له ذو النَّون: الذي يراك حين تقوم، فقعد الشاب. قال بعضهم: كان ذو النون صاحب إسراف، والشاب صاحب إنصاف. (١) ((المغني في الضعفاء)) (٨٨/١). (٢) البيتان مع الخبر في ((غربال الزمان)) ص (٢٢٩). (٣) في ((غربال الزمان)): ((وانشدخ)). ٢٠٦ ومن كلامه: علامة محب الله متابعة الرَّسول في كل ما أمر به. قال السيوطي في كتاب ((حسن المحاضرة))(١): ذو النون المصري، ثوبان بن إبراهيم، أبو الفيض، أحد مشايخ الطريق المذكورين في رسالة القُشيري، وهو أول من عَبَّر عن علوم المنازلات، وأنكر عليه أهل مصر، وقالوا: أحدثت(٢) علماً لم تتكلم فيه الصحابة، وسعوا به إلى الخليفة المتوكل، ورموه عنده بالزندقة، وأحضروه من مصر على البريد، فلما دخل سُرَّ مَنْ رأى، وعظه، فبكى المتوكل، وردّه مكرَّماً. وكان مولده بإحْمِيْم(٣). وحدَّث عن مالك، واللَّيث، وابن لهيعة. وروى عنه الجُنيد، وآخرون. وكان أوحد وقته علماً، وورعاً، وحالاً، وأدباً، مات في ذي القعدة سنة خمس وأربعين ومائتين، وقد قارب التسعين. قال السُّلميُّ: كان أهل مصر يسمونه بالزِّنديق، فلما مات أظلَّت الطير الخضر جنازته ترفرف عليه إلى أن وصل إلى قبره. انتهى ما ذكره السيوطي . · وفيها سوَّار بن عَبْد الله بن سَوَّار التميميُّ العنبريُّ البصريُّ، أبو عبد الله [قاضي الرُّصافة ببغداد. روى عن يزيد بن زُرَيْع وطبقته. قال في ((المغني))(٤): سؤَّار بن عبد الله](٥) بن قُدامة العنبريُّ ليس بشيء. انتھی. وكان من الشعراء المُجيدين. (١) (٥١١/١ - ٥١٢). (٢) في المطبوع: ((حدثت)) وهو خطأ، وفي ((حسن المحاضرة)): ((أحدث)). (٣) قال ياقوت: إخميم بلد ... على شاطىء النيل بالصعيد، وفي غربيِّه جبل صغير، من أصغى إليه بأذنيه سمع خرير الماء، ولغطاً شبيهاً بكلام الآدميين، لا يُدرى ما هو، وبإخميم عجائب كثيرة قديمة، منها البراني وغيرها، والبراني أبنية عجيبة فيها تماثيل وصور، واختلف في بانيها. وانظر تتمة كلامه فيه (١٢٣/١ - ١٢٤). (٤) (المغني في الضعفاء)) (٢٨٩/١). (٥) ما بين حاصرتين سقط من الأصل، وأثبته من المطبوع. ٢٠٧ · ودُخَيْم الحافظ الحجَّة، أبو سعيد عبد الرّحمن بن إبراهيم الدمشقي، قاضي فلسطين والأردن، وله خمسٌ وسبعون سنة. سمع ابن عُيَيْنة، والوليد ابن مسلم، وطبقتهما. وروى عنه البخاريُّ وغيره. قال أبو داود: لم يكن في زمانه مثله. • وفيها أبو تُراب النَّخْشَبِيُّ (١) العَارِفُ، واسمه عسكر بن الحُصَيْن، من كبار مشايخ القوم، صحب حاتم الأصم وغيره. قال السخاويُّ في ((طبقاته)): عسكر بن حُصين أبو تُراب النَّخْشَبِيُّ، ويقال: عسكر بن محمد بن حصين، أحد فتيان خُرَاسَان، والمذكورين بالأحوال السنية الرفيعة، وأحد علماء هذه الطائفة، صحب حاتم الأصم حتّى مات، ثم خرج إلى الشَّام، وكتب الحديث الكثير، ونظر في كتب الشافعي، ثم نزل مكَّة، ثم كان يخرج إلى عَبَّدَان، والثغر، ويرجع إلى مكّة، ومات بين المسجدين، ودخل البصرة وتزوج بها، وصحب شقيقاً البلخي . قال أبو تراب: من كان غناه بماله لم يزل فقيراً، ومن كان غناه في قلبه لم يزل غنياً، ومن كان غناه بربه فقد قُطع عنه اسم الفقر والغنى، لأنه دخل في حیز ما لا وصف له. وقال ابن الجلاء(٢): قال أبو تُراب: إذا ألفت القلوب الإِعراض عن الله صحبتها الوقيعة في الأولياء. وقال: أشرف القلوب قلبُ حيِّ بنور الفهم عن الله عز وجل. وقال: ليس في العبادات شيء أنفع من إصلاح خواطر القلوب. (١) نسبة إلى نخشب من مدن ما وراء النهر بين جيحون، وسمرقند. انظر ((معجم البلدان)) لياقوت (٢٧٦/٥)، و((اللباب)) لابن الأثير (٣٠٣/٣). (٢) هو أبو عبد الله أحمد بن يحيى بن الجلاء، كان أصله من بغداد، وأقام بالرَّملة، ودمشق، وكان من جِلَّةٍ مشايخ الشام. مات سنة (٣٠٦)هـ. انظر ((طبقات الصوفية)) للسلمي ص(١٧٦ - ١٧٩)، و((البداية والنهاية)) لابن كثير (١٢٩/١١). ٢٠٨ وقال: إن الله يُنطق العلماء في كل زمان بما يُشَاكِلُ (١) أعمال ذلك الزمان . وقال: من أشغل مشغولاً بالله عن الله، أدركه المقت من ساعته. دخل بغداد مرَّات، واجتمع بالإِمام أحمد بن حنبل، فجعل الإِمام أحمد يقول: فلان ضعيفٌ، فلان ثقة، فقال له أبو تُراب: لا تغتب العلماء، فالتفت إليه الإِمام أحمد وقال له: ويحك هذا نصيحة ليس هذا غيبة. انتهى ما ذكره السخاويُّ ملخصاً. • وفيها محمد بن رَافع أبو عبد الله القشيريُّ مولاهم النيسابوريُّ الحافظُ. سمع ابن عُيَيْنَةٍ، ووكيعاً، وخلائق. وروى عنه الشيخان، وغيرهما، وكان ثقةً، زاهداً، صالحاً، قد أرسل إليه عبد الله بن طاهر(٢) نوبةً خمسة آلاف درهم، فردَّها، ولم يكن لأهله يومئذ خبزٌ. • وفيها محمد بن هِشَام التميميُّ السعديُّ. قال ابن الأهدل: كان ممدوحاً بالحفظ وحسن الرَّوِيَّة. قال مُؤَرِّج(٣): أخذ منّي كتاباً فحبسه ليلة ثم جاء به وقد حفظه. وقال له سفيان بن عيينة: لا أراك تخطىء شيئاً مما تسمع، ثم قال له: حدَّثني الزُّهري عن عِكْرمة، عن ابن عَبَّاس أنه قال: يولد في كل سبعين سنة (١) في المطبوع: ((بما يشاء كل)) وهو خطأ. (٢) وكان أميراً لخراسان، ومن أشهر الولاة في العصر العباسي، مات سنة (٢٣٠)هـ. انظر ترجمته ومصادرها في ((الأعلام)) للزركلي (٩٣/٤ - ٩٤). (٣) في الأصل، والمطبوع: ((مؤرخ)) وهو تصحيف، وهو مُؤَرِّج بن عمرو بن الحارث. السَّدُوسي، أبوفيد، عالم بالعربية والأنساب، من أعيان أصحاب الخليل بن أحمد الفراهيدي، من أهل البصرة، كان له اتصال بالمأمون العباسي، ورحل معه إلى خراسان، فسكن مدة بمرو، وانتقل إلى نيسابور. من كتبه ((جماهير القبائل))، و((حذف من نسب قريش)) و((غريب القرآن)) و((كتاب الأمثال))، و((المعاني)). مات سنة (١٩٥) هـ. انظر ((الأعلام)) (٣١٨/٧). ٢٠٩ من يحفظ كل شيء. قال: وضرب بيده على جنبي وقال: أراك منهم. انتھی(١). • وفيها هِشَام بن عَمَّار الإِمام أبو الوليد السّلميُّ، خطيب دمشق، وقارئها، وفقيهها، ومحدِّثها في سلخ المحرم، عن سنتين وتسعين سنة. روى عن مالك وطبقته، وقرأ على عِرَاك، وأيوب بن تميم عن قراءتهما على يحيى الذِّماري صاحب ابن عامر. قال في ((المغني))(٢): هشام بن عَمَّار، خطيب دمشق ومقرئها، ثقة مکثر، له ما ینکر. قال أبو حاتم: صدوق وقد تغير، فكان كلما لقنه تَلَقَّن. وقال أبو داود: حدَّث بأربعمائة حديث لا أصل لها. وقال ابنُ معين: ثقة. وقال مُرَّة: كَيِّسٌ كَيِّسٌ. وقال النسائي : لا بأس به. وقال الدارقطني: صدوق كبير المحل (٣). وقال صالح جَزَرَة: كان يأخذ على الرِّواية. انتهى كلام ((المغني)). (١) انظر ((غربال الزمان)) للعامري ص(٢٢٩). (٢) ((المغني في الضعفاء)) (٧١١/٢). (٣) في الأصل: ((كثير المحل)) وهو خطأ، وأثبت ما في المطبوع وهو الصواب. ٢١٠ سنة ست وأربعين ومائتين فيها كما قاله في ((الشذور)» مُطِرَتْ سِكَّةٌ ببلخٍ دَمَاً عَبِيْطاً (١). ● وفيها توفي أحمد بن إبراهيم بن كثير أبو عبد الله العبديُّ البغداديُّ الدَّوْرَقِيُّ (٢) الحافظُ الثقةُ. سمع جرير بن عبد الحميد وطبقته، وصنف التصانيف الحسنة المفيدة. • وفيها أحمد بن أبي الحَوارِي الزَّاهدُ الكبير، أبو الحسن الدِّمشقيُّ (٣). سمع أبا مُعَاوية وطبقته، وكان من كبار المحدِّثين والصوفية، وأَجَلّ أصحاب أبي سُليمان الدَّارَاني، وله كلام في الحقائق، منه: ما ابتلى الله عبداً بشيءٍ أشد من القسوة والغفلة. وقالت له زوجته رابعة الشامية: أحبك حب الإِخوان لا حب الأزواج. وكانت زوجته أيضاً من كبار الصالحات الذاكرات، وكانت تطعمه الطيِّب وتطيِّه وتقول: اذهب بنشاطك إلى أهلك، وتقول عند تقريبها الطعام إليه: كُل فما نضج إلّ بالتسبيح. وتقول إذا قامت من الليل: (١) ذكر ابن تغري بردي هذا الخبر في ((النجوم الزاهرة)) (٣٢٢/٢) برواية أخرى. (٢) انظر ((تهذيب الكمال)) للمزي (٢٤٩/١ - ٢٥١) طبع مؤسسة الرسالة. (٣) انظر ((طبقات الصوفية)) ص (٩٨ - ١٠٢)، و(تهذيب الكمال)) للمزي (٣٦٩/١ - ٣٧٥). ٢١١ قَام المُحبُّ إلى المُؤْمِّلِ قَوْمَةً كَادَ الفُؤادُ مِنَ السُّرُوْرِ يَطِيْرُ (١) وقال السخاويُّ في ((طبقات الأولياء)): أحمد بن أبي الحواري، كنيته أبو الحسن، وأبو الحواري، اسمه ميمون من أهل دمشق، صحب أبا سليمان الدَّاراني، وسفيان بن عُيينة، وأبا عبد الله النياحي، وغيرهم، وله أخ يقال له: محمد، يجري مجراه في الزُّهد والوَّرع، وابنه عبد الله بن أحمد بن أبي الحَوارِي من الزُّهاد، وأبوه أيضاً كان من العارفين والورعين، فبيتهم بيت الوَّرع والزّهد، ومن كلامه: من عمل بلا اتّباع سنة فعمله باطل. وقال: إني لأقرأ القرآن فأنظر في آية آية، فيحار عقلي وأعجب من حفّاظ القرآن كيف يُهنيهم النوم، ويسعهم أن يشتغلوا بتدبير الدُّنيا وهم يتلون كلام الرَّحْمن، أما لو فهموا ما يتلون، وعرفوا حقه، وتلذذوا به، واستحلوا المناجاة به، لذهب عنهم النوم فرحاً بما رزقوا ووفّقوا. وقال الحافظ الذَّهبيُّ في ((التهذيب))(٢): قال محمد بن عوف الحمصي : رأيت أحمد بن أبي الحوارِي صلى العتمة ثم قام يُصلي، فاستفتح بـ ﴿الْحَمْدُ﴾ إلى ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِيْنُ﴾ [الفاتحة: ١ - ٥] فطفت الحائط كله ثم رجعت، فإذا هو لا يجاوز ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِيْنُ﴾ ثم نمت ومررت به سحراً، وهو يقرأ(٣): ﴿إِيَّكَ نَعْبُدُ وَإِيَّكَ نَسْتَعِيْنُ﴾ فلم يزل يردّدها إلى الصبح. انتهى ملخصاً. • وفيها أبو عبد الله الحُسين بن الحسن المروزيُّ الحافظ، صاحب ابن المبارك بمكة، وقد سمع من هُشیم والكبار. وفيها أبو عمر الدُّوْري القارىء (٤) شيخ المقرئين في عصره، وله (١) البيت في ((غربال الزمان)) ص (٢٣٠). (٢) (١٧/١) (مخطوط) وقفت عليه في مكتب الشركة المتحدة للتوزيع بدمشق. (٣) في الأصل، والمطبوع: ((وهو يقول)) وما أثبته من مخطوطة ((التذهيب)). (٤) لفظة ((القارىء)) لم ترد في المطبوع، و((العبر)) للذهبي مصدر المؤلف. ٢١٢ ستُّ وتسعون سنة. وهو حفص بن عمر بن عبد العزيزبن صَهْبَان المقرىء قرأ على الكسائي، وإسماعيل بن جعفر، ويحيى اليزيدي، وحدَّث عن طائفة، وصنف في القراءات، وكان صدوقاً. قرأ عليه خلق كثير. قال: أدركت حياة نافع، ولو كان عندي شيء لرحلت إليه. ، وفيها دِعْبِل بن علي الخُزَاعِيُّ (١) الشاعرُ المشهورُ الرافضيُّ، مدح الخلفاء والملوك، وكان يحب الهجاء(٢). وقد أجازه عبد الله بن طاهر على أبياتٍ ستين ألف درهم. قال ابن خلِّكان(٣): قيل: إن دِعْبلا لقب، واسمه الحسن. وقيل: عبد الرحمن، وقيل: محمد، وكنيته أبو جعفر، وقيل (٤): إنه كان أُطْرُوْشَاً (٥) وفي قفاه سِلْعَة(٦). كان شاعراً مجيداً، إلا أنه بذيء اللسان مُولَعاً بالهجاء(٧) والحطُّ من أقدار النَّاس، وهجاء الخلفاء ومن دونهم، وطال عمره، فكان يقول: لي خمسون سنة أحمل خشبتي على كتفي، أدور على من يصلبني عليها فما أجد من يفعل ذلك. وكان بين دِعْبِل، ومُسلم بن الوليد الأنصاري اتحاد كثير، وعليه تخرج (١) انظر ترجمته ومصادرها في ((وفيات الأعيان)) (٢٦٦/٢ - ٢٧٠)، و((الأعلام)) (٣٣٩/٢). (٢) في ((العبر)) للذهبي: ((وكان خبيث الهجاء)). (٣) في ((وفيات الأعيان)) (٢٦٦/٢). (٤) في ((وفيات الأعيان)): و((يقال)). (٥) قال ابن منظور: الأطروشُ: الأصم. ((لسان العرب)) (طرش). (٦) قال ابن منظور: السِّلْعَة بكسر السين: الضَّوَاةُ، وهي زيادة تحدث في الجسد مثل الغدة، وقال الأزهري: هي الجحدرة تخرج بالرأس وسائر الجسد تمور بين الجلد واللحم إذا حركتها، وقد تكون لسائر البدن، في العنق وغيره، وقد تكون من حمصة إلى بطيخة. ((لسان العرب)) (سلع). (٧) في ((وفيات الأعيان)): ((مولعاً بالهجو)). ٢١٣ دِعْبِلُ في الشعر، فاتفق أن ولي مسلم جهة في بعض بلاد خُراسان، وهي جُرجان، فقصده دِعْبِل لما يعلمه من الصحبة التي بينهما، فلم يلتفت مسلم إليه، ففارقه وقال: بِنَا وابتدْتَ الوَصْلَ حتّى تَقَطَّعَا غَشَشْتَ الهوىُ حتَّى تَدَاعَتْ أُصولِهُ ذَخِيْرَةَ ودَّ طَالما قَدْ تَمَنَّعَا وَأَنْزَلْتَ مِنْ بَيْنِ الجَوَانِحِ وَالحَشَا تَخَرَّقْتَ حتَّى لَمْ أَجِدْ لك مَرْقَعا وصبَّرَتُ قَلْبِي بَعْدَهَا فَتَشَجَعَا(١) فَلَا تَعذلِنِّي لَيْسَ لِي فِيكَ مطمعٌ وَهَبْكَ يميني استأْكلتْ فَقَطَعْتُهَا ومن شعره في الغزل: لَا تَعْجَبِي يَا سَلْمَ مِنْ رَجُلٍ يَا لَيْتَ شِعْرِي كَيْفَ نَوْمُكما (٢) لَا تَأْخُذَا بِظُلَامتي أحداً ضَحِكَ المَشِيْبُ بِرَأْسِهِ فَبَكَىْ يا صاحِبَيَّ إِذَا دَمي سُفِكًا قَلْبِي وَطَرْفي في دمي اشْتَرَكًا (٣) ولما مات دِعْبِل - وكان صدِيقاً للبحتريِّ، وكان أبو تمام قد مات قبله - رئاهما البحتريُّ فقال: مَثْوَىْ حَبْبٍ يَوْمَ مَاتَ ودِعْبِلِ (٤) قَدْ زاد في كَلَفِي وَأَوْقَدَ لَوْعَتِي في أبيات. انتهى ملخصاً. (١) الأبيات في ((وفيات الأعيان)) (٢٦٨/٢)، وهي في ((ديوانه)) ص (١٨٢ - ١٨٣) صنعة الدكتور عبد الكريم الأشتر، طبع مجمع اللغة العربية بدمشق، ورواية البيت الأخير منها فيه: وجَشِّمتُ قلبي قطعها فَتَشَجَّعا فَهَبْكَ يميني اسْتَأكلَتْ فاحتَسَبْتُها (٢) في الأصل، والمطبوع: ((كيف نومكم)) والتصحيح من ((وفيات الأعيان))، و((ديوانه)). (٣) الأبيات في ((وفيات الأعيان)) (٢٦٨/٢ - ٢٦٩) وهي الأبيات الثاني، والسابع، والثامن من قصيدة في ((ديوانه)) ص(٢٠٤ - ٢٠٥). (٤) البيت في ((ديوان البحتري)) (١٧٩٠/٣) بتحقيق الأستاذ حسن كامل الصيرفي، طبع دار المعارف بمصر. ٢١٤ • وفيها العَبَّاس بن عبد العظيم، أبو الفضل العَنْبَريُّ البصريُّ الحافظُ، أحد علماء السُّنّة. سمع يحيى القَطَّان وطبقته، وتوفي في رمضان، وكان من الثقات الأخيار. · ولُوَيْن، واسمه محمد بن سُليمان، أبو جعفر الأسديُّ البغداديُّ ثم المصِّيصيُّ. سمع مالكاً، وحَمَّاد بن زيد، والكبار، وعُمِّر دهراً طويلاً وجاوز المائة، وكان كثير الحديث ثقة. قاله في ((العبر))(١). • وفيها محمد بن يحيى بن فَيَّاض الزِّمَّانِيُّ البصريُّ. روى عن عبد الوهّاب الثقفي وطبقته فأكثر، وحدَّث في آخر عمره بدمشق، وبأصبهان. • والمُسَيِّب بن واضح الحمصيُّ. روى عن إسماعيل بن عَيَّش والكبار، وتوفي في آخر السنة. قال أبو حاتم: صدوق يخطىء. • وفيها المُفَضَّل (٢) بن غَسَّان الغلابي ببغداد. روى عن عبد الرّحمن ابن مَهْدي وطبقته، وله ((تاريخ)» مفيد(*). (١) (٤٤٧/١). (٢) في الأصل، والمطبوع: ((الفضل)) وهوخطأ، والتصحيح من ((العبر)) للذهبي (٤٤٨/١)، وانظر ((اللباب)) لابن الأثير (٣٩٥/٢). (*) قلت: وفيها مات محمد بن مُصَفَّى الحمصيُّ، أبو عبد الله. انظر ترجمته ومصادرها في (سير أعلام النبلاء)) (١٢ / ٩٤ - ٩٦). ٢١٥ سنة سبع وأربعين ومائتين · فيها توفي إبراهيم بن سَعِيْد الجوهريُّ أبو إسحاق البغداديُّ الحافظُ، مصنف ((المسند)). روى عن هُشَيْم وخلق كثير. مات مرابطاً بعين زُرْبَة (١) وكان من أركان الحديث. خرَّج («مسند أبي بكر الصِّدِّيق)) في نيف وعشرين جزءاً. وفيها أبو عثمان المازنيُّ النحويُّ، صاحب التصانيف، واسمه بكر بن محمد . قال تلميذه المبرِّد: لم يكن بعد سيبويه أعلم من أبي عثمان المازني بالنحو. قال ابن خلِّكان(٢): كان في غاية الورع. ومما رواه المبرِّد، أن بعض أهل الذِّمَّة قصده ليقرأ عليه ((كتاب سيبويه)) وبذل له مائة دينار في تدريسه إياه، فامتنع أبو عثمان من ذلك. قال: فقلت له: جُعلتُ فِداكَ أتردُّ هذه المنفعة مع فاقتك وشدة إضاقتكَ؟ فقال: إن هذا الكتاب يشتمل على ثلثمائة وكذا وكذا آية من كتاب الله - عزَّ وجل - ولست (١) قال الزبيدي في ((تاج العروس)) (زرب): عين زُرْبَة بالضم، أو زربى، كَسَكْرى، وعلى الأول اقتصر ابن العديم في ((تاريخ حلب))، ثغرٌ مشهورٌ قرب المصيصة من الثغور الشامية، وانظر ((معجم البلدان)) لياقوت (١٧٧/٤ - ١٧٨)، و((الروض المعطار)) للحميري ص(٤٢٢). (٢) في ((وفيات الأعيان)) (٢٨٤/١ - ٢٨٥). ٢١٦ أرى أن أمكِّن منها ذِمِّيَّاً غَيْرَةً على كتاب الله - عزّ وجلّ - وخشية له(١). قال: فاتفق أن غنَّت جارية بحضرة الواثق بقول العَرْجيِّ: أَظلوم إن مُصابكم رجُلاً أَهْدَى السَّلامَ تحيةً ظُلمُ (٢) فاختلف مَنْ بالحضرة في إعراب رجلاً (٣) فمنهم من نصبه وجعله اسم ((إن)) ومنهم من رفعه على أنه خبرها، والجارية مُصِرَّةٌ على أن شيخها أبا عثمان المازني لقنها إياه بالنصب، فأمر الواثق بإشخاصه. ٠٠٠٠ ٠ قال أبو عثمان: فلما مثلت بين يديه قال: ممن الرجل؟ قلت: من بني مازن. قال: أيُّ الموازن؟ أمازن تميم، أم مازن قيس، أم مازن ربيعة؟ فقلت: من مازن ربيعة، فكلمني بكلام قومي، وقال بَاسْمُكَ (٤)، لأنهم يقلبون الميم باء والباء ميماً، فكرهت أن أجيبه على لغة قومي لئلا أواجهه بالمكر، فقلت: بكر يا أمير المؤمنين، ففطن لما قصدته، وأُعجب (٥) به ثم قال: ما تقول في قول الشاعر: * أظلوم إِن مصابكم رجلاً * البيت. أترفع رجلاً أم تنصبه؟ فقلت: بل الوجه النصب يا أمير المؤمنين، فقال: ولم ذلك(٦)؟ فقلت: هو بمنزلة قولك: إن ضربكَ زيداً ظلم، فالرجل مفعول مصابكم وهو منصوب به، والدليل عليه أن الكلام مُعلق إلى أن تقول(٧): ظلم، فاستحسنه الواثق وقال: هل لكَ من ولد؟ قلت: نعم يا أمير (١) في ((وفيات الأعيان)): (وحميَّةً له)). (٢) البيت في ((ديوان العرجي)) ص (١٩٣). كما ذكر الدكتور إحسان عباس في تعليقه على ((الوفيات)). (٣) في الأصل: ((رَجُلٌ)) وأثبت ما في المطبوع وهو موافق لما في ((وفيات الأعيان)). (٤) في الأصل، والمطبوع: ((باأسبك)) والتصحيح من ((وفيات الأعيان)). (٥) في الأصل: ((وتعجب)) وأثبت ما في المطبوع وهو الصواب. (٦) في المطبوع: ((ولما ذاك))، وفي الأصل: ((ولما ذلك)) وما أثبته من ((وفيات الأعيان)). (٧) في الأصل، والمطبوع: ((إلى أن يقول))، والتصحيح من ((وفيات الأعيان)). ٢١٧ المؤمنين بُنَيَّة، قال: ما قالت لك عند مسيرك؟ قلت: أنشدت قول الأعشى (١): أَيا أبتا لا تَرِمْ عِنْدَنّا فإِنَّا بخيرِ إذا لَمْ تَرِمْ أَرَانًا إذا اضْمَرَتْكَ البلا دُ، نُجَفىْ وتُقطع مِنَّا الرَّحِمْ(٢) قال: فما قلت لها؟ قال: قلت قول جرير: ثِقي بالله لَيْسَ لَهُ شَرِيكُ ومَن عِنْدَ الْخَلِيْفَةِ بالنَّجاحِ(٣) قال: على النجاح إن شاء الله تعالى، ثم أمر لي بألف دينار، وردّني مُكرماً. قال المبرِّد: فلما عاد إلى البصرة قال لي: كيف رأيت يا أبا العبَّاس؟ رَدَدْنَا لله مائةً فعوّضنا ألفاً. انتهى ما ذكره ابن خلِّكان ملخصاً. · وفيها في شوال، قُتل المتوكل على الله أبو الفضل جعفر بن المعتصم محمد بن الرشيد العباسي، فتكوا به في مجلس لهوه بأمر ابنه المنتصر، وعاش أربعين سنة، وكان أسمر نحيفاً، مليح العينين، خفيف العارضين، ليس بالطويل، وهو الذي أحيا السُّنَّة، وأمات التجهُم، ولكنه كان فيه نَصبٌ ظاهر، وانهماك على اللذَّات والمكاره، وفيه كرم وتبذير، وكان قد عزم على ابنه المنتصر وتقدم إليه بتقديم المعتز عليه لفرط محبته لأمه، وبقي يؤذيه ويتهدده إن لم ينزل عن العهد، واتفق مصادرة المتوكل لوصيف، فتعاملوا عليه، ودخل عليه خمسة (١) هو ميمون بن قيس بن جندل، من بني قيس بن ثعلبة الوائلي، أبو بصير، المعروف بأعشى قيس، ويقال له: أعشى بكر، والأعشى الكبير، من شعراء الطبقة الأولى في الجاهلية أحد أصحاب المعلقات. مات سنة (٧)هـ. انظر ترجمته ومصادرها في ((الأعلام)) للزركلي (٣٤١/٧). (٢) البيتان في ((ديوانه)) ص (٤١) بتحقيق الدكتور م. محمد حسين، طبع مكتبة الآداب، ورواية البيت الأول منهما فيه : ويا أبتا لا تزل عندنا فإنا نخاف بأن تُخْتَرمْ (٣) البيت في ((ديوانه)) بشرح الصاوي ص(٩٨). ٢١٨ في جوف الليل فنزلوا عليه بالسيوف، فقتلوه وقتلوا وزيره الفتح بن خاقان معه، ولما قتلا أصبح النَّاس يقولون: قتل المتوكل والفتح بن خاقان دبَّ عليهما المنتصر ولد المتوكل، وكان النَّاس على لسان واحد يقولون: والله لا عاش المنتصر إلا ستة أشهر كما عاش شِيْرَوَيْه بن كسرى حيث قتل أباه، فكان الأمر كذلك، وكان قتله ليلة الأربعاء لثلاث خلون من شوال. وكان للمتوكل خمسمائة وصيفة للفراش، ولم يكن فيهن أحظى من صبيحة أم ولده المعتز، وبسبب ميله إليها أراد يقدم ولدها بالعهد، وكان أصغر من المنتصر، وكان تقدم منه العهد للمنتصر، ثم لأخويه من بعده، وفي ذلك يقول السُّلميُّ : وَسَار بسعدٍ جَعْفَرُ بنُ مُحمَّدٍ لَقَدْ شَدَّ ركن الدِّينِ بالبَيْعَةِ الرِّضًا وأكَّد بالمعتز ثم المؤيَّدِ(١) لمنتصرٍ بالله أثبتَ عهده ورزق المتوكل من الحظ من العامة لتركه الهزل واللهو إلا أنه كان يتشبه في الغضب بخلق الجبابرة، وبلغ المتوكل أن صالح بن أحمد بن حنبل رأى في نومه قائلاً يقول: مَلِكٌ يُقَادُ إلى مَلِيْكٍ عَادل مُتَفَضِّلٍ بِالعَفْوِ لَيْسِ بِحَائِرٍ(٢) فصدقه بذلك. وروى علي بن الجهم قال: لما أفضت الخلافة إلى المتوكل، أهدى له الناس على أقدارهم، فأهدى له محمد بن عبد الله بن طاهر ثلثمائة جارية من أصناف الجواري، وكان فيهن جارية يقال لها: مَخْبُوبَة، وقد نشأت بالطائف، فوقعت من قلب المتوكل موقعاً عظيماً، وحلَّت من نفسه محلاً جسيماً، وكانت تُسامره ولا تفارقه، فغاضبها يوماً وأمرها بلزوم مقصورتها، وأمر أن لا يدخل الجواري عليها . ----- (١) البيتان في ((غربال الزمان)) للعامري ص (٢٣٠)، وفيه ((سُدَّ ركن الدِّين)). ..----- (٢) البيت في ((غربال الزمان)) ص(٢٣٠). ٢١٩ قال علي بن الجهم: فبينا أنا عنده جالس يوماً إذ قال لي: يا علي، رأيت البارحة كأنني صالحت محبوبة، فقلت: أقر الله عينك وجعله حقيقة في اليقظة، وإنا لفي ذلك، إذ أقبلت وصيفة كانت تقف على رأسه، فقالت: يا أمير المؤمنين، سمعت الساعة في منزل محبوبة غناءً، فقال لي: يا علي، قم بنا الساعة، فإنا سنرد على بوادر ظريفة، فأخذ بيدي وجعلنا مشي رويداً لئلا يسمع حسناً، فوقف على باب المقصورة، وإذا بها تضرب بالعود وتغني: أشكو إليه وَلاَ يُكلُّمني أَدور في القصر لا أرى أحداً ليست لها توبة تخلّصني حتّ كأنِّي جَنَيْتُ معصِيةً قَدْ زارني في الكرى وصالحني فهل شفيعٌ لنا إلى مَلَكٍ عاد إلى هجرهِ فَصَارَمني(١) حتى إذا ما الصباحُ لاحَ لنا فنفر المتوكل طرباً ونفرت معه لنغيره، فأحست بنا، فخرجت حافية ثم أكبت على رجلي أمير المؤمنين ويديه ورأسه، ثم قالت: يا أمير المؤمنين، رأيت البارحة في النوم كأني قد صالحْتُك. قال لها: وأنا والله رأيت مثل ذلك. قالت: فإن رأى أمير المؤمنين أن يتمم المنة فهو المنعم على كل حال، فقال: ادخل فإنا سَنَرِدُ على ما نحب. قال: فمكثنا ثلاثة أيام ونحن كأننا في بعض رياض الجنة، ووصلني بعد ذلك بَبَدْرَةٍ، فأخذتها وانصرفت. قيل: قرىء على المتوكل كتاب فيه ملاحم، فمر القارىء فيه على موضع فيه: إن الإِمام العاشر من بني العبَّاس يُقتل في مجلسه على فراشه، فقال: ليت شعري من الشقي الذي يقتله، ثم وجم، فقيل له: أنت الحادي عشر، وعدوا إبراهيم بن المهدي من جملة الخلفاء فسُرِّي عنه. وقيل: رأى المتوكل في منامه كأن دابَّةً تُكلِّمه، فقال لبعض جلسائه: ما تفسره، ففسره له بشيءٍ آخر، ثم قال لبعض مَن حضر سراً: حان رحيله لقوله (١) الأبيات في ((مروج الذهب)) للمسعودي (١٢٦/٤) مع شيء من الخلاف في روايتها. ٢٢٠