النص المفهرس

صفحات 141-160

وعبد الوهّاب الثقفي، وطائفة.
قال عثمان بن خُرَّزاذ: ما رأيت أحفظ من أربعة، فذكر منهم إبراهيم
هذا.
وفيها أُميّة بن بسطام أبو بكر العیشيُّ البصريُّ، أحد الأثبات. روی
D
عن ابن عمه يَزِيْد بن زُرَيْع وطبقته.
• وفيها عَبْد الله بن مُحمد بن أَسْمَاءِ الضُّبَعِيُّ البَصْريُّ أحد الأئمة.
روى عن عمه جُوَيْرِيَة بن أسماء وجماعة.
قال أحمد الدَّوْرَقي: لم أرَ بالبصرة أحفظ منه(١).
وذُكر لعلي بن المَدِيني فعظّمه.
وقال ابنُ ناصر الدِّين: كنيته أبو عبد الرَّحمن، وهو حجة ثقة.
• وفيها كامل بن طلحة [الجَحْدَرِيُّ، البصريُّ](٢) وله ست وثمانون
سنة. روى عن مُبَارك بن فَضَالة وجماعة.
قال أبو حاتم: لا بأس به.
وقال في ((المغني))(٣): قال أبو داود: رَمَيْتُ بكتبه.
وقال أحمد: ما أعلم أحداً يدفعه بحجة.
وقال ابنُ مَعِيْن: ليس بشيءٍ.
وقال أبو حاتم، وغيره: لا بأس به.
وقال الدَّارقطنيُّ: ثقة. انتهى.
· وفيها ابنُ الأعرابي صاحبُ اللغة، وهو أبو عبد الله محمد بن زِيَاد،
توفي بسامرَّاء وله ثمانون سنة، وكان إليه المُنتهى في معرفة لسان العرب.
(١) في ((العبر)) للذهبي: ((لم أر بالبصرة أفضل منه)).
(٢) ما بين حاصرتين زيادة من ((العبر)) للذهبي (٤٠٩/١).
(٣) («المغني في الضعفاء)) (٥٢٩/٢).
١٤١

قال ابنُ الأَهدل: هو مولى بني العبّاس. أخذ عن أبي مُعَاوية الضرير،
والكسائي، وأخذ عنه الحربيُّ، وثعلب، وابن السِّكِّيت. واستدرك على من
قبله. وله بضعة عشرة مصنفاً، منها: ((كتاب النوادر)) و((كتاب الخيل))
و ((كتاب تفسير الأمثال)) و((كتاب معاني الشعر)) وكان يحضر مجلسه مائة
مستفید. انتھی.
• وفيها مُحمد بن سَلَّم الجُمَحِيُّ البصريُّ الأخباريُّ الحافظُ أبو
عبد الله. روى عن حَمَّاد بن سَلَمَة. وجماعة، وصنف كتباً منها ((كتاب
الشعراء))(١) وكان صدوقاً.
وفيها أبو جَعْفَر محمد بن المِنْهَالِ البَصرِيُّ الضريرُ الحافظُ. روى
عن أبي عَوَانة، ويزيد بن زُرَيْع، وجماعة. وكان أبو يعلى الموصلي يُفَخُّم
أمره ويقول: كان أحفظ مَنْ بالبصرة وأثبتهم في وقته .
وهو من الثقات.
• قال في ((العبر))(٢): قلت: ومات قبله بيسير أو بعده، محمد بن المِنْھَال
[البصريُّ](٣) العَطَّار، أخو حَجَّاج بن مِنْهَال. روى عن يَزِيْد بن زُرَيْع
وجماعة، وكان صدوقاً. روى عن [الرجلين](٣) أبو يعلى الموصلي. انتهى.
وفيها مِنْجَاب بن الحارث الكوفيُّ. روى عن شَرِيْك وأقرانه .
وفيها أبو علي هارون بن معروف (٤) الضرير ببغداد. روى عن
(١) وهو المنشور في مصر في مجلدين كبيرين بعنوان ((طبقات فحول الشعراء)) بتحقيق المحقق
الكبير الأستاذ محمود محمد شاكر حفظه الله تعالى.
(٢) (١ /٤١٠).
(٣) زيادة من ((العبر)) للذهبي، ويعني بالرجلين محمد بن المنهال البصري الضرير، ومحمد بن
المنهال البصري العطّار.
(٤) في الأصل، والمطبوع: ((هارون بن معرف)) وهو خطأ والتصحيح من ((العبر)) للذهبي،
و((تقريب التهذيب)) لابن حجر (٣١٢/٢).
١٤٢

عبد العزيز الدَّرَاوردي وطبقته، وكان من حفاظ الوقت، صاحب سنة.
· وفيها الحافظ أبو زكريا يحيى بن عبد الله بن بكير المخزوميُّ مولاهم
المصريُّ في صفر. سمع مالكاً، واللَّيْثَ، وخلقاً كثيراً، وصنف التصانيف.
وسمع ((الموطأ)) من مالك سبع عشرة مَرَّة.
قال ابنُ ناصر الدِّين: هو صاحب مالك والليث، ثقة، وإن كان أبو حاتم
والنسائي تكلما فيه، فقد احتج البخاريُّ ومسلم في ((صحیحهما)) بما يرويه. انتهى.
• وفيها العَلَّمة أبو يَعْقُوب يُوسف بن يحيى البُوَيْطِيُّ الفقيه صاحب
الشافعي، ببغداد في السجن والقيد ممتحناً بخلق القرآن، وكان عابداً مجتهداً
دائم الذِّكر كبير القدر.
قال الشافعيُّ: ليس في أصحابي أعلم من البويطي.
وقال أحمد العجلي: ثقة صاحب سنة. وسمع أيضاً من(١) ابن وهب.
وقال الإِسنويُّ في ((طبقاته)): كان ابن أبي اللَّيث الحنفي يحسده، فسعى به
إلى الواثق بالله أيام المحنة بالقول بخلق القرآن، فأمر بحمله إلى بغداد مع
جماعة من العلماء، فحمل إليها على بغلٍ مغلولاً مقيَّداً مسلسلًا في أربعين
رطلاً من حديد، وأريد منه القول بذلك فامتنع، فحبس ببغداد على تلك
الحالة إلى أن مات يوم الجمعة قبل الصلاة. وکان في کل جمعة یغسل ثيابه،
ويتنظف، ويغتسل، ويتطيب، ثم يمشي إذا سمع النداء إلى باب السجن،
فيقول له السجّان: ارجع رحمك الله، فيقول البويطي: اللهم إني أجبت
داعيك فمنعوني. انتهى ملخصاً.
وفيها أبو تمام الطائيُّ حبيب بن أوس الحَوْرانيُّ، مُقدَّم شعراء العصر،
•
توفي في آخر السنة [بالموصل](٢) كهلاً.
سئل الشريف الرضي عن أبي تمام، والبحتري، والمتنبي، فقال: أما
(١) لفظة ((من)) سقطت من الأصل وأثبتها من المطبوع.
(٢) زيادة من ((العبر)) للذهبي (٤١١/١).
١٤٣

أبو تمام فخطيب منبر، وأما البحتري فواصف جؤذر(١) وأما المُتنبي فقائد عسكر.
وقال أبو الفتح بن الأثير في كتاب ((المثل السائر))(٢) يصف الثلاثة:
[وهؤلاء الثلاثة](٣) هم لاتُ الشعر، وعُزَّاه، ومَنّاته، الذين ظهرت على
أيديهم حسناته ومستحسناته، وقد حوت أشعارهم غرابة المُحْدَثِيْن، وفصاحة
القدماء، وجمعت بين الأمثال السائرة وحكمة الحكماء (٤).
أما أبو تمَّام فربُّ معان وصيقل ألباب وأذهان، وقد شهد له بكل معنى
مبتكر لم يمش فيه على أثر، فهو غير مدافع عن مقام الإغراب الذي يبرز فيه
على الأضراب، ولقد مارست من الشعر كل أول وأخير، ولم أقل ما أقول فيه
إلاّ عن تنقيب وتنقير، فمن حفظ شعر الرَّجل وكشف عن غامضه وراض فكره
برائضه أطاعته أعنة الكلام، وكان قوله في البلاغة ما قالت حَذَام : فخذ مني
في ذلك قول حكيم، وتعلّم ففوق كل ذي علم عليم.
وأما البحتريُّ، فإنه أحسن في سبك اللفظ على المعنى، وأراد أن
يشعر فغنّى، ولقد حاز طرفي الرِّقَّة والجزالة على الإطلاق، فبينا يكون في
شظف نجد، حتَّى يتشبَّب(٥) بريف العراق.
وسئل أبو الطيب عنه، وعن أبي تَمَّام، وعن نفسه، فقال: أنا وأبو تمام
حكيمان، والشاعر البحتري .
قال(٦): ولعمري لقد أنصف في حكمه، وأعرب بقوله هذا عن متانة
علمه، فإن أبا عبادة أتى في شعره بالمعنى المقدود من الصخرة الصماء، في
اللفظ المصوغ من سلاسة الماء، فأدرك بذلك بعد المرام، مع قربه من
(١) الجؤذر: ولد البقرة الوحشية. انظر ((مختار الصحاح)) ص (٩٠).
(٢) (٣٦٨/٢ - ٣٧٠) بتحقيق الشيخ محمد محيي الدِّين عبد الحميد رحمه الله تعالى.
(٣) ما بين حاصرتين لم يرد في الأصل، وأثبته من المطبوع، و((المثل السائر)).
(٤) في الأصل، والمطبوع: ((وكلمة الحكماء)) وأثبت ما في ((المثل السائر)).
(٥) في ((المثل السائر)): ((يتشبث)).
(٦) القائل ابن الأثير في ((المثل السائر)).
١٤٤

الأفهام، وما أقول إلاّ أنه أتى في معانيه بأخلاط الغالية، ورقي في ديباجة
لفظه إلى الدرجة العالية.
وأما أبو الطيب المتنبي فأراد أن يسلك مسلك أبي تَمَّام فقصرت عنه
خطاه، ولم يعطه الشعر [من قياده] ما أعطاه، لكنه حظي في شعره بالحكم
والأمثال، واختصَّ بالإِبداع في وصف مواقف القتال.
قال(١): وأنا أقول قولاً لست فيه متأثّماً، ولا منه متلئِّماً(٢)، وذلك أنه إذا
خاض في وصف معركة كان لسانه أمضى من نصالها، وأشجع من أبطالها، وقامت
أقواله للسامع مقام أفعالها، حتّى تظن الفريقين فيه تقابلا، والسلاحين فيه
تواصلا، وطريقه في ذلك یضل بسالكه، ویقوم بعذر تاركه، ولا شك أنه كان
يشهد الحروب مع سيف الدولة ابن حمدان، فيصف لسانه، وما أدَّى إليه
عيانه. ومع هذا فإني رأيت النَّاس عادلين فيه عن سنن التوسط، فإما مُفْرِطٌ
فيه وإما مُفَرِّط، وهو وإن انفرد في طريق وصار أبا عُذره، فإن سعادة الرجل
كانت أكبر من شعره، وعلى الحقيقة فإنه كان خاتم الشعراء، ومهما وصف به
فهو فوق الوصف وفوق الإطراء، ولقد صدق في قوله من أبيات يمدح بها
سيف الدولة :
إِنَّ الْكِرَامَ بِأَسْخَاهمِ يَدَأْ خُتِمُوا
لَ تَطْلُبَنَّ كَرِيْمَاً بَعْدَ رُؤْيَتِهِ
قَدْ أَفْسَدَ الْقَوْلَ حَتَّى أَحْمِدَ الصَّمَمُ
وَلَا تُبَالِ بِشِعْرٍ بَعْدَ شَاعِرِهِ
انتهى ما قاله ابن الأثير.
وقال ابن الأهدل: ألَّف أبو تَمَّام كتاب ((الحماسة)) وكتاب ((فحول
الشعراء)) جمع فيه بين الجاهليين، والمخضرمين، والإِسلاميين، وكتاب
(١) القائل ابن الأثير في ((المثل السائر)).
(٢) في الأصل، والمطبوع: ((متثلماً)) والتصحيح من ((المثل السائر)).
١٤٥

((الاختيارات من شعر الشعراء)) وكان يحفظ أربعة آلاف أرجوزة غير القصائد
والمقاطيع. وجاب البلاد، ومدح الخلفاء وغيرهم، وكان قصد البصرة في
جماعة من أتباعه وبها شاعرها عبد الصَّمد بن المُعَذَّل(١) فخاف عبد الصمد
أن یمیل النَّاس إلیه فکتب إلیه قبل قدومه:
سٍ وَكِلْتَاهُمَا بِوَجْهٍ مذالٍ
أَنْتَ بَيْنَ اثنتين تَبْرُزُ للنًّا
بَيْنَ ذُلِّ الهَوى وَذُلِّ السُؤَالِ (٣)
أَيُّ مَاءٍ يَبْقى بِوَجْهِكَ هَذَا (٢)
فلما وقف عليه رجع، وكتب على ظهر ورقته:
وَأَنْتَ أَنْقَصُ (٤) مِنْ لا شيءَ فِي الْعَدَدِ
أَفيَّ تَنْظِمُ قَوْلَ الزُّورِ والفَنْدِ
كَأنَّهَا حَرَكَاتُ الرُّوْحِ فِي الجَسَدِ
أَسْرَجتَ قَلْبَكَ مِنْ غَيْظٍ عَلَى حَنَقٍ(٥)
كَالْعِيْرِ يَقْدُمُ مِنْ خَوْفٍ عَلَى الْأَسَدِ
أَقْدَمْتَ وَيْحَكَ مِنْ هَجْوِي عَلَى خَطَرٍ
قيل: إن العير إذا شمَّ رائحة الأسد وَثَبَ عليه فزعاً.
ومدح أبو تَمِّامُ الخليفة بحضرة أبي يوسف الفيلسوف الكنديّ (٦) فقال:
(١) في الأصل، والمطبوع: ((ابن المعدل)) بالدال وهو تصحيف، والتصحيح من ((فوات الوفيات))
لابن شاكر (٣٣٠/٢)، و «الأعلام)» للزركلي (١١/٣).
(٢) في ((الأغاني)): ((أي ماء لِحُرِّ وجهك يبقى)).
(٣) البيتان في ((الأغاني)) (٢٥٣/١٣) وبينهما بيت آخر هو:
لست تنفكُ طالباً لوصل
من حبيب أو طالباً لنوال
(٤) في ((الأغاني)): ((وأنت أَبْزَرُ)).
(٥) في ((الأغاني)): ((أشرجت قلبك من بغضي على حرق)).
(٦) هو يعقوب بن إسحاق بن الصباح الكنديُّ، أبو يوسف، فيلسوف العرب والإِسلام في عصره،
وأحد أبناء الملوك من كندة. نشأ في البصرة، وانتقل إلى بغداد، فتعلم واشتهر بالطب
والفلسفة والموسيقا، والهندسة والفلك، وألف وترجم وشرح كتباً كثيرة يزيد عددها عن
ثلاثمائة، ولقي في حياته ما يلقاه أمثاله من فلاسفة الأمم، فوشي به إلى المتوكل العباسي،
فضرب وأخذت كتبه، ثم ردَّت إليه. وأصاب عند المأمون والمعتصم منزلةً عظيمةً وإكراماً.
قال ابن جلجل: ولم يكن في الإِسلام غيره احتذى حذو أرسطاطاليس. من كتبه ((اختيارات =
١٤٦

في حِلمِ أَحْتَفَ فِي ذَكَاءِ إِياسٍ (١)
إِقْدَامُ عَمْروٍ فِي سَمَاحَةِ حَاتِمٍ
فقال له الفيلسوف: أتُشبِّه الخليفة بأجلاف العرب؟ فقال: نور الله
سبحانه شُبِّه بمصباحٍ في مشكاةٍ للتقريب(٢) فقال للخليفة: أعطه ما سأل فإنه
لا يعيش أكثر من أربعين يوماً، لأنه قد ظهر في عينيه الدم من شدة الفكر.
وقيل: قال: إنه يموت قريباً أو شاباً. فقيل له: وكيف ذلك؟ فقال:
رأيت فيه من الذكاء والفطنة ما علمت أن النفس الروحاني تأكل جسمه كما
يأكل السيف المُهَنَّد غمده. فقال له الخليفة: ما تشتهي؟ قال: المَوْصِلَ
فأعطاه إياها، فمات سريعاً وقد نيَّف على الثلاثين، وبنى عليه أبو نَهْشَل بن
حُمَيْد (٣) قبَّةً، ورثاه جماعة منهم: أبو نَهْشَل بن حُميد، الذي ولاء الموصل
فقال :
وَغَدِيْرُ رَوْضَتِهَا حَبِيْبُ الطَّائِي
فُجِعَ القَرِيضُ بِخَاتَم الشعَرَاءِ
وَكَذَاكَ كَانَا قَبْلُ فِي الأَحْيَاءِ
مَاتَا مَعَأَ فَتَجَاوَرَا فِي حُفْرَةٍ
ورثاه مُحمد بن عَبْد الملك الزَّيَّات وزير المُعْتَصِم فقال:
لَمَّا ألمَّ مقلقل الأحشاء
نبأٌ أتى مِنْ أَعْظَمِ الأَنْبَاءِ
ناشدتكم لا تجعلوه الطائي
قالوا حبيب قد ثوى فأجبتهم
انتهى ما قاله ابن الأهدل.
= الأيام)) و(تحاويل السنتين)) و((رسم المعمور))، و((القول في النفس)) و((رسائل الكندي))
و((حوادث الجو)». مات سنة (٢٦٠)هـ. عن ((الأعلام)) للزركلي (١٩٥/٨).
(١) البيت في (ديوانه)) بشرح الخطيب التبريزي (٢٤٩/٢) طبع دار المعارف بمصر.
(٢) يريد قوله تعالى: ﴿الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشاةٍ فيها مصباح المصباح في
زجاجةٍ الزجاجة كأنها كوكب درِّيَّ يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها
يضيءُ ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس
والله بكل شيء عليم ﴾ [النور: ٣٥].
(٣) هو محمد بن حميد بن عبد الحميد الطائيُّ الطوسيُّ. انظر ((معجم الشعراء)» للمرزباني
ص(٣٦٨).
١٤٧

قلت: ومن شعر أبي تَمَّام هذه الأبيات الثلاثة وتطلب المناسبة بينها
وهي :
مَا كَانَ يَحسُدُ أَعمَى مَنْ لَهُ بَصَرُ (٢)
لَوْلاَ العُيُونُ وتُفَّاحُ الخُدُوْدِ (١) إِذاً
مَنْ فَاتَهُ العَيْنُ يُذْكِي شَوْقَهُ (٣) الْأَثَرُ
قَالُوا أَتَبْكِي عَلَى رَسْمٍ فَقُلْتُ لَهم
قَلُوا كَمَا غَيْرُهم قُلَّ وإِنْ كَثُروا (٤)
إِنَّ الكِرَامَ كَثِيْرٌ في البِلاَدِ وَإِنْ
(١) في الأصل، والمطبوع: ((وتفاح النهود)) وأثبت لفظ ((ديوانه)) بشرح الخطيب التبريزي.
(٢) البيت في ((ديوانه)) بشرح الخطيب التبريزي (١٨٥/٢).
(٣) في ((ديوانه)): ((هدَّی شوقه)).
(٤) البيتان في ((ديوانه)) (١٨٦/٢).
١٤٨

سنة اثنتين وثلاثين ومائتين
• فيها توفي الحَكْمُ بن مُوسى أَبُو صَالِحِ القَنْطَرِيُّ الْبَغْدَادِيُّ الحَافِظُ
أحد العُبَّاد في شوال. سمع إسماعيل بن عَيَّش وطبقته.
• وفيها عَبِّد الله بن عَوْن الخَرَّازُ الزَّاهدُ، أبو محمد البغداديُّ المُحدِّثُ،
وكان يقال: إنه من الأبدال. وروى عن مالك وطبقته. توفي في رمضان.
قال السخاويُّ في ((طبقاته)): عَبْد الله الخَرَّاز من كبار مشايخ الرِّيِّ ومن
كبار فتيانهم.
قال عبد الله بن عبد الوهّاب: كان عبد الله الخَرَّاز إذا دخل مكّة
يقول المجاورون: طلعت شمس الحرم.
وقال الجُنَيْدُ: لا يأتينا من هذه الناحية مثل عبد الله الخَرَّاز.
وقال يُوسف بن الحُسين: لم أَرَ مثل عبدالله الخَرَّاز، ولا رأى عبد اللهِ
مثل نفسه. انتهى.
وفيها عَمْرو بن مُحمَّد النَّاقد الحافظُ أبو عُثْمَان البغداديُّ نزيل الرِّقَّةِ
وفقيهها ومُحدِّثها. سمع هُشَيْماً وطبقته. توفي في ذي الحجّة ببغداد.
• وفيها أبو يحيى هارون بن عَبْدِ الله الزّهريُّ العوفيُّ المكيُّ المالكيُّ،
الإِمامُ القاضي نزيل بغداد. تفقه بأصحاب مالك.
قال أبو إسحاق الشيرازيُّ(١): هو أعلم مَن صنّف الكتب في مختلف
قول مالك.
(١) في ((طبقات الفقهاء)) ص (١٥٣) بتحقيق الدكتور إحسان عبّاس.
١٤٩

وقال الخطيب(١): إنه سمع من مالك، وإنه ولي قضاء العسكر(٢) ثم
قضاء مصر.
• وفيها يُوسف بن عَديِّ الكوفيُّ نزيلُ مِصْرَ، أخو زكريا بن عَدي.
حدَّث عن مَالك، وَشَرِيْك. وكان مُحدِّثً تاجراً.
· وفي ذي الحجَّةِ توفي الواثق بالله أبو جَعْفَر، وقيل: أبو القاسم هَارُوْن
ابن المُعْتَصم محمد بن الرَّشيد بن المهدي العَبَّاسي عن بضع وثلاثين سنة.
وكانت أيامه خمس سنين وأشهراً. ولِّي بعهدٍ من أبيه، وكان أديباً شاعراً،
أبيض، تعلوه صُفرة، حسن اللُّحية، في عينيه نكتةٌ. دخل في القول بخلق
القرآن وامتحن النَّاس. وقَوَّى عزمه ابن أبي دُوَاد(٣) القاضي، ولما احتضر
ألصق خده بالأرض وجعل يقول: يا من لا يزول ملكه ارحم من قد زال
ملكه. واستخلف بعده أخوه المتوكل، فأظهر السُّنَّة، ورفع المحنة، وأمر بنشرٍ
أحاديث الرؤية والصِّفات. قاله في ((العبر))(٤).
قال ابن الجوزي في ((الشذور)): وسلَّم على المتوكل بالخلافة ثمانيةٌ
كلهم أولاد خليفة، المنتصر ابنه، ومحمد بن الواثق، وأحمد بن المعتصم،
وموسى بن المأمون، وعبد الله بن الأمين، وأبو أحمد بن الرّشيد، والعَبَّاس
ابن الهادي، ومنصور بن المهدي، وكانت عدة كل نوبة من نوب الفرّاشين في
دار المتوكل أربعة آلاف فرَّاش. انتهى.
(١) انظر ((تاريخ بغداد)) للخطيب البغدادي (١٣/١٤).
(٢) يعني ولي قضاء عسكر المهدي ببغداد أيام المأمون. وهو ما ذكره الخطيب البغدادي في
(تاريخ بغداد)).
(٣) في الأصل: ((ابن أبي داوود)) وهو خطأ، وأثبت ما في المطبوع وهو الصواب. انظر:
((العبر)) للذهبي (٤١٢/١)، و((غربال الزمان)) ص(٢١٨) وقد ذكر العامري فيه بأن اسمه
((أحمد بن أبي حُؤاد)).
(٤) (٤١٢/١ - ٤١٣).
١٥٠

قال ابنُ الفرات: كان الواثق مشغوفاً بحب الجواري، واتخاذ
السراري، والتمتع بالأنكحة. روي أنه كان يحب جاريةً حُمِلَتْ إليه من مصر
هدية، فغضبت يوماً من شيءٍ جرى بينه وبينها، فجلست مع صاحبات لها،
فقالت لهن: لقد هجرته منذ أمس وهو يَرُومُ أن أكلِّمه فلم أفعل، فخرج من
مرقده على غفلة فسمع هذا القول منها، فأنشأ يقول:
هَلْ أَنْتَ إِلَّ مَلِيْكٌ جَارَ إِذْ قَدَرَا
يَا ذَا الذِي بِعَذَابِي ظَلَّ مُفْتَخِرا
وإن أفق مِنْهِ يَوْماً ما فَسَوْفَ تَرَىْ
لَوْلَ الهَوىْ لَتَجَارَيْنَا عَلَى قَدر
فاصطلحا، ولگنته وجعلت تغنيه به بقية يومه ذلك.
وقيل: كان مع جاريةٍ فظنها نامت، فقام إلى أخرى فشعرت به التي
كان معها. فقامت مغضبة، فبعث إلى الخَلِيْع البصري(١) وأخبره بقصته
فقال :
فَلَهَا العُنْبِىِ لَدَيْنَا وَالرِّضَا
غَضِبَتْ إِذ زُرْتُ(٢) أُخرى خِلْسَةً
فَاغْفِرِيْهَا واصْفَحِي عَمَّا مَضَى
يَا فَدَتْكِ النفسُ كَانَتْ هَقْوةً
وانسُبِي جَوْرِي إلى حُكْمِ القَضَا
وَاْرُكِي العَذْلَ عَلَى مَنْ قَالَهُ
وَعَلَى قلبِي كَنِيْرَانِ الغَضَا(٣)
فَلَقَدْ نَبِّهْتِنِي مِنْ رَقْدَتي
(١) هو الحسين بن الضحاك بن ياسر البصري الباهلي، أبو علي، شاعر من ندماء الخلفاء، قيل
أصله من خراسان. ولد ونشأ في البصرة، وتوفي ببغداد. اتصل بالأمين العباسي ونادمه
ومدحه. ولما ظفر المأمون خافه الخليع فانصرف إلى البصرة حتى صارت الخلافة للمعتصم.
فعاد ومدحه ومدح الواثق، ولم يزل مع الخلفاء إلى أيام المستعين. وهو شاعر ماجن مطبوع
حسن الافتتان في ضروب الشعر وأنواعه. وبلغ سناً عالية يقال: إنه ولد في سنة (١٦٢)هـ
ومات في سنة (٢٥٠). انظر ((الأغاني)) (١٤٦/٧ - ٢٢٦) و((تاريخ بغداد)) (٥٤/٨ - ٥٥)
و((الأعلام)» (٢٣٩/٢).
(٢) في ((الأغاني)): ((غضبت أن زرت أخرى)).
(٣) في الأصل، والمطبوع: ((وعلى قلبي كيزان الفضاء والتصحيح من ((الأغاني)) والأبيات فيه
(١٦١/٧).
١٥١

فاصطلحا وأجازه.
وكان الواثق شديد الاعتزال، وقام في أيام المحنة بخلق القرآن القيام
الكُلِّي، وشدد على النَّاسِ في ذلك، وكان سبب موته أن طبيبه ميخائيل(١)
عبر عليه ذات يوم فقال له: يا ميخائيل ابغ لي دواءً للباه. فقال يا أمير
المؤمنين خف الله في نفسك، النكاح يهد البدن. فقال: لا بد من ذلك.
فقال: إذا كان ولا بد، فعليك بلحم السبع، اغله بالخلِّ سبع غليات، وخذ
منه ثلاثة دراهم على الشراب، وإيَّك أن تكثر منه تقع في الاستسقاء. ففعل
الواثق ذلك، وأخذ منه فأكثر لمحبته في الجماع، فاستسقى بطنه فأجمع
الأطباء أن لا دواء له إلاّ أن يُسْجَر له تَثُّورُ (٢) بحطب الزيتون، وإذا مُلىء
جمراً نحى ما في جوفه وألقي فيه على ظهره، ويجعل تحته وفوقه الأشياء
الرطب، ويودع فيه ثلاث ساعات، وإذا طلب ماءً لم يسق، فإن سُقي كان
تلفه فيه. فأمر الواثق فصنع به كذلك، وأُخرج من التّنور وهو في رأي العين
أنه احترق، فلما أصاب جسمه روح الهواء اشتد عليه، فجعل يخور كما
بخور الثور، ويصبح: رگُوني إلى(٣) التنور. فاجتمعت جواريه ووزیره محمد بن
الزِّيَّات، فردوه إلى التّنَّور، فلما ردوه إليه سكن صياحه وأُخرج ميتاً.
وقد عُدت ميتته هذه من فضائل الإِمام أحمد بن حنبل - رضي الله عنه -
فإن المُعتصم لما امتحنه للمقالة بخلق القرآن كان الواثق يقول له: لم لا تقول
بمقالةِ أمير المؤمنين؟ قال: لأنها باطلة. قال: لئن كان ما تقوله أنت حقاً
أحرقني الله بالنَّار، فما مات حتَّى حرق بالنَّار. انتهى ما قاله ابن الفرات
ملخصاً.
(١) لم أقف على ذكر له فيما بين يدي من المصادر والمراجع.
(٢) سجر التنور: أحماه. انظر ((مختار الصحاح)) ص(٢٨٧).
(٣) لفظة ((إلى)) لم ترد في الأصل، وأثبتها من المطبوع.
١٥٢

سنة ثلاث وثلاثين ومائتين
فيها كما قال ابن الجوزي في ((الشذور)) رجفت دمشق رجفة شديدة من
ارتفاع الضحى، أي إلى ثلاث ساعات كما قاله في ((العبر)) (١) فانتقضت منها
البيوت وزالت الحجارة العظيمة، وسقطت عدة طاقات من الأسواق على من
فيها فقتلت خلقاً كثيراً، وسقط بعض شرفات الجامع، وانقطع ربع منارته،
وانكفأت قرية من عمل الغوطة على أهلها فلم ينج منهم إلّ رجلٌ واحدٌ،
واشتدت الزلازل على أنطاكية، والموصل، ووقع أكثر من ألفي دارٍ على
أهلها فقتلتهم، ومات من أهلها عشرون ألفاً، وفقد من بستان أكثر من مائتي
نخلة من أصولها فلم يبق لها أثر. انتهى.
· وفيها توفي إبراهيم بن الحَجَّاج الشَّامِيُّ المُحدِّثُ بالبصرة. روی عن
الحَمَّاديْن وجماعة، وخرّج له النسائيُّ .
• وفيها حِبَّان بن موسى المروزيُّ. سمع أبا حمزة السُّكري، وأكثر
عن ابن المبارك، وكان ثقةً مشهوراً.
· وسُليمان بن عبد الرحمن بن بنت شُرَحْبِيْل، أبو أيوب التميميُّ
الشاميُّ الحافظ، محدّث دمشق في صَفَرْ وله ثمانون سنة. سمعَ إسماعيل بن
عيَّاش ويحيى بن حمزة وطبقتهما، وعني بهذا الشأن، وكتب عمّن دبَّ ودرج.
(١) (٤١٣/١) والمؤلف ينقل عنه بتصرف.
١٥٣

• وسهل بن عثمان العسكريُّ الحافظ أحد الأئمة، توفي فيها أو في
حدودها. روى عن شريك وطبقته.
● وفيها القاضي أبو عبد الله محمد بن سماعة الفقيه ببغداد وقد جاوز
المائة وتفقه على أبي یوسف، ومحمد، وروى عن الليث بن سعد، وله مصنفات
واختيارات في المذهب، وكان ورده في اليوم والليلة مائتي ركعة.
· وفيها الحافظ أبو عبد الله محمد بن عائذ الدمشقيُّ الکاتب، صاحب
المغازي والفتوح وغير ذلك من المصنفات المفيدة. روى عن إسماعيل بن
عيَّاش، والوليد بن مسلم، وخلق، وكان ناظر خراج الغوطة .
● وفيها الوزير أبو جعفر محمد بن عبد الملك بن الزَّيَّات وزر(١)
للمعتصم، والواثق، والمتوكل. ثم قبض عليه المتوكل وعذَّبه وسجنه حتّى
هلك.
كان أديباً بليغاً وشاعراً محسناً كامل الأدوات، جهمياً.
قال ابنُ الأهدل: كان أول أمره كاتباً، فاتفق أنَّ المعتصم سأل وزيره
أحمد بن عَمَّار البَصْري عن الكلأ ما هو؟ فقال: لا أدري. فقال المعتصم:
خليفة أميِّ ووزير عاميٌّ. انظروا من بالباب من الكُتَّاب؟ فوجدوا ابن الزَّيَّات،
فسأله عن الكلأ، فقال: العشب على الإِطلاق. فإن كان رطباً فهو الخَلَى، وإن
كان يابساً فهو الحشيش، وشرع في تقسيم النبات. فاستوزره وارتفع شأنه.
وظَلَمَ واتخذ تنوراً من حديد يحبس فيه المصادَرِيْنَ، فإذا سُئل الرّحمة، قال:
الرَّحمة خَوَرٌ(٢) في الطبيعة. فأمسكه المتوكل في خلافته وأدخله التنور وقيَّده
بخمسة عشر رطلاً من حديد، فافتقده بعد حين فوجده ميتاً فيه.
(١) في الأصل: ((وزير)) وأثبت ما في المطبوع وهو الصواب.
(٢) في الأصل، والمطبوع: ((قال: الرحمة جورٌ)) وهو خطأ، والتصحيح من ((غربال الزمان))
للعامري ص(٢٢٠). قال ابن منظور: الخور، بالتحريك: الضعف ... ورجل خوَّارٌ:
ضعيف. ((لسان العرب)) (خور).
١٥٤

وله ديوان شعر رائق. انتهى ملخصاً.
وقال ابنُ الفُرات: قال صالح بن سُلَيْمَان العَبْدِيُّ: كان ابنُ الزَّيَّات
يتعشّق جارية فبيعت من رجل من أهل خُراسان وأخرجها. قال: فذهل عقل
محمد بن الزَّيَّات حتَّى خُشي عليه ثم أنشأ يقول:
وطول رَعْيَتِهِ للنجم في السَّدَفِ
يَا طُوْلَ سَاعَاتِ ليل العاشق الدَّنِفِ
كأنَّما الجسم منه دِقَّةُ الأَلِفِ
ماذا تُواري ثيابي من أخي حُرَقٍ
إلا لطولِ الذي لاقى من الأسفٍ
ما قال يا أسفي يعقوبُ من كمدٍ
فليستدلَّ على الزِّيَّاتِ وَلْيَقِفِ(١)
من سَرَّهُ أن يرى مَيْتَ الهوى دَنِفاً
• وفيها يحيى بن أيوب المَقَابريُّ (٢) أبو زكريا البغداديُّ العابد. أحد
أئمة الحديث والسُّنَّة. روى عن إسماعيل بن جعفر وطبقته. توفي في ربيع
الأول وله ست وسبعون سنة.
• وفيها الإِمام أبو زكريا يحيى بن مَعِيْن البغداديُّ الحافظُ. أحد
الأعلام وحجَّة الإِسلام في ذي القعدة بمدينة النَّبِيِّ - وَّ ـ متوجهاً إلى
الحجِّ، وغُسل على الأعواد التي غسل عليها النَّبِيُّ - صَ﴿ - وعاش خمساً
وسبعين سنة. سمع هُشيماً، ويحيى بن أبي زائدة، وخلائق. وحدَّث عنه
الإِمام أحمد، والشيخان.
وجاء عنه أنه قال: كتبت بيدي هذه ستمائة ألف حديث يعني بالمكرر.
وقال أحمد بن حنبل: كُلُّ حديثٍ لا يعرفه يحيى بنُ مَعِيْن فليس
بحدیث.
وقال ابنُ المَدِيْنِي: انتهى علم النَّاس إلى يحيى بن مَعِيْن.
(١) الأبيات في ((تاريخ بغداد)) للخطيب البغدادي (٣٤٣/٢).
(٢) نسبة إلى المقابر. انظر ((اللباب)) لابن الأثير (٢٤٤/٣).
١٥٥

قال في ((العبر))(١): حديثه في الكتب الستة.
وقال ابنُ الأهدل: كان بينه وبين أحمد مودَّة، واشتراك في طلب
الحديث ورجاله، وقيل: لما خرج من المدينة إلى مكّة سمع هاتفاً في النوم
يقول: يا أبا زكريا أترغب عن جِوَاري؟ فرجع وأقام بالمدينة ثلاثاً ومات
رحمه الله، وکان ینشد:
طَوْعاً (٢) وتبقى في غدٍ آثامُهُ
المَالُ يَذْهَبُ حِلُّهُ وَحَرَامُهُ
حتَّى يَطِيْبَ شَرَابُهُ وَطَعَامُهُ
لَيْسَ التَّقِيُّ بْمُتَّقٍ لِإِلَهِهِ
ويَكُونَ فِي حُسنِ الحَدِيْثِ كَلَامُهُ
وَيَطِيْبَ ما تحويٌ(٣) وتَكْسِبُ كَفُّهُ
فَعَلَى النَّبِيِّ صَلَتُهُ وَسَلَامُهُ
نَطَقَ النَّبِيُّ لَنَا بِهِ عَنْ رَبِّهِ
(١) (٤١٥/١).
(٢) كذا في الأصل، والمطبوع: ((طوعاً)) وفي (تاريخ بغداد)) (١٨٥/١٤)، و ((مرآة الجنان))
(١٠٨/٢): ((طراً)) وفي ((سير أعلام النبلاء)) (٩٤/١١)، و((غربال الزمان)). ص(٢١٨):
(یوما)).
(٣) في ((سير أعلام النبلاء))، و«مرآة الجنان)): (ما يحوي)).
١٥٦

سنة أربع وثلاثين ومائتين
· قال في ((الشذور)): هبّت ريحٌ شديدةٌ لم يعهد مثلها، فاتصلت نيفاً
وخمسين يوماً وشملت بغداد، والبصرة، والكوفة، وواسِط، وعَبَّادَان،
والأهواز، ثم إلى هَمَذَان، فأحرقت الزرع، ثم ذهبت إلى الموصل، فمنعت
النَّاس من الانتشار، وعطلت الأسواق. وزُلزلت هَرَاة حتى سقطت الدور. انتهى.
• وفيها توفي أحمد بن حرب النيسابوري الزًّاهد الذي قال فیه یحیی بن
يحيى: إن لم يكن من الأبدال فلا أدري من هم؟. رحل وسمع من ابن عُيينة
وجماعة، وكان صاحب غزو، وجهاد، ومواعظ، ومصنفات، في العلم.
وخرَّج له النسائيُّ.
قال في المغني(١): عن ابن عيينة، له مناكير.
قال أبو حاتم: وكان صدوقاً. انتهى.
• وفيها الأمير إيتاخ(٢) التُّركيُّ مقدَّم الجيوش وكبيرُ الدولة. خافه
المتوَكّلُ وعمل عليه بكلِّ حيلة حتَّى قبض له عليه نائبه على بغداد إسحاق بن
إبراهيم، وأُميت عطشاً، وأخذ له المتوكل من الذهب ألف ألف دينار.
• وفيها الإِمام أبو خَيْئَمَة زُهَيْر بن حَرْب النّسائي(٣) الحافظُ بغداد، في
شعبان، وله أربع وسبعون سنة. رحل وكتب الكثير عن هُشَيْم وطبقته،
(١) ((المغني في الضعفاء)) (٣٦/١).
(٢) في الأصل: ((انباخ)) وهو خطأ، وأثبت ما في المطبوع وهو الصواب.
(٣) تحرفت في الأصل والمطبوع إلى ((الشيباني)) والتصحيح من ((الأنساب)) (٧٩/١٢).
١٥٧

وصنف. وهو والد صاحب ((التاريخ)) أحمد بن أبي خيثمة.
قال ابنُ ناصر الدِّين: زهير بن حرب بن شَدَّاد الحَرَشي(١) مولاهم
النسائيُّ أبو خيثمة، ثقة. انتهى.
· وفيها أبو أيوب سُليمان بن دَاود الشَّاذْكُونِيُّ البَصْرِيُّ الحافظُ، الذي
قال فيه صالح بن محمد: ما رأيت أحفظ منه. سمع حَمَّد بن زَيْد وطبقته.
وكان آيةً في كثرة الحديث وحفظه يُنَظَّرُ بعلي بن المديني، ولكنه متروك
الحديث. قاله في ((العبر))(٢).
وقال ابنُ ناصر الدِّين: سُليمان بن دَاود الشَّاذكونيُّ المنقريُّ أبو أيوب،
كان من كبار الحفاظ، لكنه اتهم بالكذب.
وقال البخاريُّ : فيه نظر.
وقال ابنُ عَدي: سألت عَبْدَان عنه فقال: معاذ الله أن يُتّهم، إنما كان
قد ذهبت كتبه، وكان يُحدِّث حفظاً. انتهى.
، وفيها أبو جعفر النَّفَيْلِيُّ الحافظُ، أحد الأعلام، عبد الله بن محمد بن
علي بن نُفَيْل الحَرَّانِيُّ، في ربيع الآخر، عن سن عالية. روى عن زُهير بن
معاوية والكبار.
قال أبو داود: لم أَرَ أحفظَ منه، قال: وكان الشَّاذكوني لا يُقر لأحدٍ
بالحفظ إلا للنُّغَيْلِيِّ.
وقال أبو حاتم: ثقة مأمون.
وقال محمد بن عبد الله بن نُمير: كان النفيليُّ رابع أربعة: وكيع، وابن
المهدي، وأبو نُعَيْم، وهو.
• وفيها أبو الحَسَن بن بحر بن برِّي القَطَّان البغداديُّ الحافظُ بناحية
الأهواز. كتب الكثير عن عبد العزيز الدراوردي وطبقته.
(١) في الأصل والمطبوع: ((الحرئي)) وهو خطأ، والتصحيح من ((سير أعلام النبلاء)) (٤٨٩/١١).
(٢) (٤١٦/١ - ٤١٧).
١٥٨
،

وقال ابنُ ناصر الدِّين: هو علي بن بحر بن بُرِّي الفارسيُّ البغداديُّ.
روی عنه أحمد وغيره، ووثق. انتھی .
• وفيها علي بن المديني، وهو الإِمام أحد الأعلام، أبو الحسن علي بن
عبد الله بن جعفر بن نجيح السعديُّ مولاهم البصريُّ الحافظ، صاحب
التصانيف. سمع من حَمَّاد بن زَيْد، وعبد الوَارث، وطبقتهما.
قال البخاريُّ: ما استصغرت نفسي عند أحدٍ إلاّ عند ابن المديني.
وقال أبو داود: ابن المديني أعلم باختلاف الحديث من أحمد بن
حنبل.
وقال عبد الرحمن بن مهدي: علي بن المديني أعلم الناس بحديث
رسول الله - ﴿﴿هـ وخاصةً بحديث سفيان بن عُيينة.
توفي في ذي القعدة وله ثلاث وسبعون سنة.
• وفيها محمد بن عبد الله بن نُمَيْرِ الحافظ أبو عبد الرّحمن الهَمَذَانِيُّ
الكوفيُّ، أحد الأئمة، في شعبان. سمع أباه، وسُفيان بن عيينة، وخلقاً.
قال أبو إسماعيل الترمذي(١): كان أحمد بن حنبل يُعظّم محمد بنَ
عبد الله بن نُمير تعظيماً عجيباً (٢).
(١) في ((العبر)): ((القرمزي)) وهو خطأ فيصحح فيه. وهو محمد بن إسماعيل بن محمد بن يوسف
السلمي الترمذي أبو إسماعيل، من أهل بغداد، ترمذي الأصل، فقيه عالم ثقة صدوق مكثر
من الحديث، مشهور بالطلب. رحل إلى الحجاز، ومصر. سمع محمد بن عبد الله
الأنصاري، وأبا نعيم الفضل بن دكين، وقبيصة بن عقبة، وإسحاق بن محمد الفروي، وأيوب
ابن سليمان بن بلال، وعبد العزيزبن عبد الله الأويسي، وعبد الله بن مسلمة القعنبي، وعارم
ابن الفضل، وأبا صالح كاتب الليث، ويحيى بن عبد الله بن بكير، وأبا بكر عبد الله بن الزُّبير
الحميدي. وروى عنه أبو بكر بن أبي الدنيا، وموسى بن هارون، وجعفر بن محمد الفريابي،
وأبو عيسى الترمذي، وأبو عبد الرحمن النسائي وأخرجا عنه في كتابيهما، وأثنى عليه
النسائي. وقال: محمد بن إسماعيل الترمذي خراساني ثقة. وقال غيره: كان فهماً، متقناً،
مشهوراً بمذهب السنة، ومات في شهر رمضان سنة ثمانين ومائتين ودفن عند قبر الإِمام أحمد
ابن حنبل. عن ((الأنساب)) السمعاني (٤٧/٣ - ٤٨).
(٢) في الأصل: ((عجباً) وأثبت ما في المطبوع.
١٥٩

وقال علي بن الحُسين بن الجُنَيْد الحافظُ: ما رأيت بالكُوفة مثله، قد
جمع العلم، والسُّنَّة، والزُّهد، وكان فقيراً يلبس في الشتاء(١) لُبَّدة.
وقال ابن صالح المصري: ما رأيت بالعراق مثله ومثل أحمد بن حنبل
جامعين، لم أَرَ مثلهما بالعراق(٢).
• وفيها محمد بن أبي بكر(٣) بن علي بن عطاء بن مقدَّم مولى ثقيف،
الحافظ أبو عبد الله المُقَدَّميُّ البصريُّ. توفي في أول السنة. روى عن حَمَّاد
ابن زَیْد وطبقته.
، وفيها المُعَافى بن سُليمان الرَّسعنيُّ، مُحدِّث رأس العَيْن. روى عن
فليح بن سليمان، وزُهَيْر بن مُعَاوية، وكان صدوقاً.
• وفيها شيخ الأندلس يحيى بن يحيى بن كثير الفقيهُ، أبو محمد
اللَّيثيُّ، مولاهم، الأندلسيُّ في رجب. وله اثنتان وثمانون سنة. روى
((الموطأ)) عن مالك سوى فَوْتٍ من الاعتكاف. وانتهت إليه رياسةُ الفتوى
ببلده. وخرج له عدة أصحاب. وبه انتشر مذهبُ مالك بناحيته، وكان إماماً
كثير العلم، كبير القدر، وافر الحرمة، كامل العقل، خيِّر النفس (٤) كثير
العبادة والفضل. كان يوماً عند مالك فقدم فيل وخرج النَّاس ينظرون إليه ولم
يخرج، فقال له مالك: لم لا تخرج تنظره فإنه ليس ببلدك فيل؟ فقال: إنما
جئت من بلدي لأنظر إليك وأتعلم هديك وعلمك، فقال له: أنت عاقل
الأندلس، رحمه الله تعالى.
(١) في ((سير أعلام النبلاء)) للذهبي (٤٥٦/١١): ((في الشتاء الشاتي)) وانظر تتمة الخبر فيه.
(٢) في المطبوع: ((في العراق)).
(٣) في الأصل، والمطبوع: ((محمد بن بكير)) وهو خطأ والتصحيح من ((العبر)) للذهبي (٤١٩/١)
وانظر ((اللباب)) لابن الأثير (٢٤٧/٣)، و((طبقات الحفاظ)) للسيوطي ص(٢٠٣).
(٤) قوله: ((خير النفس)) لم يرد في ((العبر)) للذهبي المطبوع.
١٦٠