النص المفهرس
صفحات 401-420
وقال له: يا حسن الوجه، أنت الذي أمرُ هذه الأمّة والعباد في يدك (١) وفي عنقك، لقد تقلَّدت أمراً عظيماً، فبكى الرّشيد وأعطى كل واحد من الحاضرين من العلماء والعباد بدرة - وهي عشرة آلاف درهم - فَكلٌّ قبلها إلّ الفُضَيْلِ، فقال له سُفْيَان بن عُيَيْنَة: أخطأتَ، ألا صرفتها في أبواب البِرِّ. فقال: يا أبا محمد، أنت فقيه البلد [والمنظور إليه](٢) وتغلط [مثل](٢) هذا الغلط، لو طابت لأولئك طابت لي. وقال: إذا أحبَّ اللَّه عبداً أكثر غمّه، وإذا أبغض وسَّع عليه دنياه. وقال: لو عُرضت عليّ الدُّنيا بحَذَافِيْرِها لا أُحاسب عليها، لكنت أتقذَّرها كالجيفة. وقال: لو كانت لي دعوة مستجابة لم أجعلها إلّ للإِمام، لأنه إذا صلح [الإِمام](٣) أمِنَ العباد والبلاد. وكان ولده من كبار الصالحين. ولد الفُضَيْل - رضي الله عنه - بسمرقند، وقَدِمَ الكُوفة شاباً، وسمع من مَنْصُور وطبقته، ثم جاور بمكّة إلى أن مات، وقبره بالأبطح مشهورٌ مزورٌ. انتهى كلام ابن الأهدل. وفيها على ما قاله ابنُ الأهدل أيضاً، توفي يَعْقُوب بن دَاوُد السّلميُّ. كان كاتب إِبْرَاهيم بن عَبْدِ اللَّه بن الحَسَن بن المُثَنَّى لما خرج على المُنْصُور، وكان عنده صنوف من العلم، فظفر به المَنْصُور، فحبسه في المُطْبِق(٤) وأطلقه المَهْدِيُّ، وكان من خواصّه، إلى أن ظهر له منه تعلّق ببعض (١) كذا في الأصل، و((مرآة الجنان)): ((في يدك))، وفي المطبوع: ((بيدك)). (٢) زيادة من ((مرآة الجنان)) (٤٢٤/١). (٣) زيادة من ((مرآة الجنان)) (٤٢٣/١). (٤) المُطْبِقُ: سجن من سجون بني العباس. انظر ((الكامل في التاريخ)) لابن الأثير (٧٢/٦). ٤٠١ العلويين، فردّه إلى المُطْبِق، وبقي فيه إلى جانب من دولة الرَّشِيْد، فرأى قائلاً يقول: حَنَا عَلى يُوسُف رَبُّ فَأَخْرَجَهُ مِنْ قِعْرِ جُبّ (١) وبَيْتٍ حَوَلَهُ غَمَمُ قال: فمكثت بعده حولاً آخر، ثم رأيت قائلاً يقول: عَسَىْ فَرَجٌ يَأْتِي بِهِ اللَّهُ إِنَّهُ لَهُ كُلِّ يَوْمٍ فِي خَلِيْقَتِهِ أَمْرُ قال: فمكثت بعده حولاً آخر، ثم رأيت قائلاً يقول: يَكُوْنُ وَرَاءَهُ فَرَجٌ قَرِيْبُ عَسَىْ الهَمُّ(٢) الَّذِي أَمْسَيْتَ غِيْهِ وَيَأْتِي أَهْلَهُ النَّائِي الْغَرِيْبُ فَيَأْمَنُ خَائِفٌ ويُفَكُّ عَانٍ فأخرجت صبيحة ذلك اليوم. فلما رأيت الضوء ذهب بصري، فجيء بي إلى الرَّشيد، فأحسن إليَّ، وردّ عليَّ مالي. ثم إن الرّشيدَ خيّره بين المقام عنده وبين الذَّهاب، فاختار الذهاب إلى مكّة، فجاور بها حتَّى مات رحمه الله تعالى. وفيها إِبْرَاهِيمُ بن مَاهَان الموصليُّ التميميُّ، مولاهم، المعروف بالنَّديم، صاحب الغناء، ومخترع الألحان فيه، وأول خليفة سمعه المَهْدِيُّ. حُكي أن الرَّشِيد هوي جاريةً فغاضبته مَرَّةً، فأنف(٣) منها، فهجرها، فقال في ذلك العَبَّاس بن الأحْتَف بسؤال جَعْفَر البَرْمكي: إِنَّ المُتَيِّمَ قَلَّمَا يَتَجَنَّبُ رَاجِعْ أَحِبْتَكَ الَّذِيْنَ هَجَرْتَهم دَبَّ السُّلُوُّ لهُ فَعَزَّ المَطْلَبُ(٤) إِنَّ التَّجَنُّبَ إِن تَطَاوَلَ مِنْكُمَا (١) في ((مرآة الجنان)) (٤٢٦/١): ((من قعر بئر)). (٢) في ((مرآة الجنان)): ((عسى الكرب)). (٣) في الأصل، والمطبوع: ((وأنف)) وما أثبته من ((غربال الزمان)) ص (١٧٥). (٤) البيتان في ((الأغاني)) (٢٤١/٥) مصوّرة مؤسسة جمال للطباعة والنشر ببيروت، و((مرآة = ٤٠٢ وأمر جَعْفَرُ إبراهيم الموصلي أن يغنِّيَ الرَّشيد، ففعل، فبادر وترضَّاها، فسألت الجارية عن السبب، فأخبرت، فحملت لكلٍّ منهما مالاً جزيلاً. وكانت وفاة إبراهيم بالقُولَنْج(١)، وله مصنفات كثيرة في الفقه، وغريب الحديث، والنَّوادر، والشعر، وغير ذلك، والله تعالى أعلم. = الجنان)) (٤٢٧/١) وقد ذكر محققه الدكتور عبد الله الجبوري في حاشيته بأنهما في ((ديوانه)) ص (٢٨). (١) في الأصل، والمطبوع: ((بالقلولنج)) وهو خطأ، والتصحيح من ((غربال الزمان)). ٤٠٣ سنة ثمانٍ وثمانين ومائة فيها غزا المسلمون الرُّوم وعليهم إبْرَاهِيم بن جِبْرِيْل، من دَرْب الصَّفْصَاف(١)، والتقوا، فجرح الملكُ نِقْفُور ثلاثَ جراحات، وانهزم، وقتل من جيشه أربعون(٢) ألفاً، وأخذ منهم أربعة آلاف دابة(٣). وحجِّ الرّشيد بالنَّاس في هذه السنة. وفيها عرَّس المأمون بأُمِّ ◌ِيْسى بنت عَمّه مُوسى الهَاديَ. وفيها توفي مُحدِّثُ الرَّيِّ الحافظُ أبو عَبْدِ اللَّه جَرِيْر بن عَبْد الحميد الضَّبِّيُّ، وله ثمان وسبعون سنة. روى عن مَنْصور وطبقته من الكوفيين، ورحل إليه النَّاس لثقته وسَعة علمه(٤). ورِشْدِيْن بن سَعْد المَهْرِيُّ. محدِّثُ مِصْرَ، لكنه ضعيف. وفيه دِينَ وصلاحُ. روى عن زبَّان(٥) بن فَائد، وحُمَيْد بن هانیء، وخلق کثیر. (١) في الأصل، والمطبوع: ((درب الصفاف)) وهو خطأ، والتصحيح من ((العبر)) للذهبي (٢٩٩/١)، وانظر ((تاريخ الطبري)» (٣١٣/٨). (٢) في الأصل: ((أربعين)) وهو خطأ، وأثبت ما في المطبوع. (٣) نقل المؤلف هذا الخبر عن ((تاريخ الطبري)) بتصرف. (٤) انظر ((الأمصار ذوات الآثار)) للذهبي ص (٦٤ - ٦٥) بتحقيقي طبع دار ابن كثير. (٥) في الأصل، والمطبوع: ((زياد)) وهو خطأ، والتصحيح من (العبر)» للذهبي (٢٢٩/١) وكتب الرِّجال التي بين يدي. ٤٠٤ قال السيوطيُّ في ((حسن المحاضرة))(١): هو أبُو الحَجَّاجِ المِصْريُّ. عن (٢) عَقِيْل، ويُونس بن يَزِيْد. وعنه قُتَيْبَة، وأبو كُرَيْب. وهَاهُ ابنُ مَعِيْن وغيره. وقال ابنُ يُونس: كان رجلاً صالحاً لا يُشك(٣) في صلاحه وفضله، فأدركته غَفْلةُ الصالحين، فخلَّط(٤) في الحديث. انتهى. وعَبْدَةُ بن سُلَيْمَان الكِلابِيُّ الكُوفيُّ. روى عن عاصم الأحول وطبقته. قال أحمد: ثقةٌ وزيادة، مع صلاح وشِدَّة فقرٍ، وکنیته أبو محمد. وفيها، وقيل: سنة تسعين، عَتَّاب بن بَشِيْرِ الحَرَّانِيُّ. صاحب خُصَيْف، وکان صاحب حديثٍ. قال في ((المغني))(٥) عَتَّاب بن بَشِيْرِ الجَزَري. عن خُصَيْف. قال بعضهم: أحاديثه عن خُصَيْف منكرة. وقال ابنُ مَعِيْن: ثقة. انتهى. وقد خرَّج له البُخاريُّ، وأبو داود، والنَّسائي. وفيها عُقْبَة بن خَالد السَّكُوني(٦). روى عن هِشَام بن عُرْوَة وطبقته. وفيها - أو سنة تسعين - مُحمَّد بن يَزِيْدِ الوَاسطيُّ. روى عن إِسْمَاعِيْل ابن خالد وجماعة. وعمر بن أيُّوب المَوْصليُّ المُحدِّثُ الزَّاهد. رحل وسمع من جَعْفَر بن بُرْقان. قال ابنُ مَعِيْن: ثقةٌ مأمونٌ. (١) (٢٨٣/١). (٢) في الأصل. والمطبوع: ((من)) وأثبت ما في ((حسن المحاضرة). (٣) في ((حسن المحاضرة)): ((لا شك)). (٤) في ((حسن المحاضرة)): ((مخلط)). (٥) (٤٢٢/٢). (٦) كنيته أبو مسعود. انظر ((الأنساب)) للسمعاني (١٠٢/٧). ٤٠٥ وقال ابنُ عَمَّار: ما رأيته يذكر الدُّنيا. وفيها مُقْرِىء الكُوفة سُلَيم بن عِيْسى الحنفيُّ، مولاهم، صاحبُ حَمْزَة. تصدَّر لإِقراء النَّاس مُدَّة. وعليه دارت(١) قراءة حَمْزَة. وروى عن الثَّوريّ. قال العُقْليُّ : مجهول. وفيها، على الصحيح، الإِمام أبُو عمرو عِيْسى بن يُونس بن أبي إِسْحَاق السَّبيعيُّ. رأى جدّه وسمع من إسماعيل بن أبي خالد وخلق من طبقته. وروى عنه من الكبار حَمَّاد بن سَلَمَة، وهو أكبر منه. ذُكر لابن المديني فقال: بخٍ بخٍ ، ثقةٌ مأمون. وقال أحمد بن داود الحُدَّاني: سمعت عِيْسى بن يُونس يقول: لم يكن في أَسْنَاني (٢) أبصر بالنحو مني، فدخلتني منه نخوةٌ فتركته. وقال أحمد بن حنبل: الذي كنّا نُخبر أن عِيْسى كان يغزو سنة ويحجّ سنة، فقَدِمَ بَغْدَاد في شيءٍ من أمر الحُصونِ فأمر له بمال فلم يقبله(٣). وفيها يحيى بن عَبْدِ الملك بن أبي غَنِيّةِ الكُوفِيُّ. روى عن العَلَاء بن المُسيِّب وجماعة، وكان من عُبَّاد المُحدِّثين. قال أحمد العجلي: قالوا له: دواءُ عَيْنَيْكَ تَرْكُ البكاء، قال: فما جبرهما إذاً. (١) في الأصل: ((دارة)) وهو خطأ، وأثبت ما في المطبوع. (٢) قال ابن منظور: فلانٌ سنّ فلانٍ، إذا كان مثله في السِّنَّ. ((لسان العرب)» (سنن). (٣) في الأصل، والمطبوع: ((فلم يقبل)) وأثبت ما في ((العبر)) للذهبي (٣٠١/١) وهو مصدر المؤلف في نقله. ٤٠٦ سنة تسع وثمانين ومائة فيها كان الفِدَاءُ الذي لم يسمع بمثله حتّى لم يبقَ بأيدي الرُّومِ مُسْلِمٌ إلاّ نُودِيَ به. وفيها توهّم الرَّشيد في علي بن عِيْسى بن مَاهَان أمير خُراسان الخروج، فسار حتَّى نزل بالرَّيِّ، فبادر إليه علي بأموالٍ، وجواهر، وتحف، تتجاوز الوصف، فأَعجبَ الرَّشيدَ ورَدَّه على عمله. وفيها توفي في صحبة الرَّشيد شيخ القراءات والنحو الإِمام أبو الحَسَن عليُّ بن حَمْزَةِ الأسديُّ الكوفيُّ الكِسَائِيُّ، أحد السبعة، قرأ على حَمْزَة، وأُدَّب الرَّشيد وولده الأمين، وهو من تلامذة الخليل. قال الشَّافعيُّ: مَن أراد أن يتبخّر في النحو فهو عِيال على الكِسائيِّ. وعنه قال: مَن تبحّر في النحو اهتدى إلى جميع العلوم. وقال: لاأُسأل عن مسألة في الفقه إلاّ أجبتُ عنها من قواعد النحو، فقال له محمد بن الحَسَن: ما تقول فيمن سَهَا في سجود السهو، يسجد؟ قال: لا، لأن المصغّر لا يُصغّر. وله مع اليزيدي وسيبويه مناظرات كثيرة. توفي بالرَّيِّ صحبة هَارُون. وفي ذلك اليوم مات محمد بن الحَسَنِ الحَنفيُّ، فقال الرَّشيد: دفنت ٤٠٧ العربية والفقه بالرَّيِّ اليوم. ومع تبحّر الكِسائيِّ في النحو والعربية لم يكن له معرفة بالشعر. وقيل له: الكِسائيُّ لأنه أحرم في كساء، وقيل: لأنه جاء إلى حَمْزَة ضائفاً بكساء، فقال حمزة: مَن يقرأ؟ فقيل: صاحب الكساء، فبقي عليه اللقب. وأما محمّد بن الحَسَن المذكور، فكان فصيحاً بليغاً. قال الشَّافعيُّ: لو قلت: إن القرآن نزل بلغة مُحمَّد بن الحَسَن لفصاحته لقلت. وصنّف ((الجامع الكبير))، و((الجامع الصغير))، وكان منشؤه بالكوفة، وتفقّه بأبي حَنْفَة، ثم بأبي يُوسف. قال الشَّافعيُّ: ما رأيت سميناً ذكياً إلاَّ مُحمَّد بن الحَسَن. قال في ((العبر))(١): قاضي القضاة وفقيه العصر أبُو عَبْدِ اللَّه مُحمَّد بن الحَسَنِ الشَّيْبَانِيُّ مولاهم، الكوفيُّ المنشأ، ولد بواسط، وعاش سبعاً وخمسين سنة. وسمع أبا حَنِيْفَة، ومَالك بن مِغْوَل وطائفة، وكان من أذكياء العالم. قال أبُو عُبَيْد: ما رأيت أعلم بكتاب الله منه. وقال الشَّافعيُّ: لو أَشاءُ أن أقول نَزَل(٢) القرآن بلغة مُحمَّد بن الحَسَن لقُلتُ، لفصاحته. وقد حملت عنه وِقْر بختي. وقال محمد: خلَّف أبي ثلاثين ألف درهم، فأنفقت نصفها على النحو والشعر، وأنفقت الباقي على الفقه(٣). (١) (٣٠٢/١ - ٣٠٣). (٢) في ((العبر)): ((تنزل)). (٣) في ((العبر)) (٣٠٣/١): ((فأنفقت نصفها على النحو بالري)). ٤٠٨ قال الخَطِيْب: وولي القضاء بعد مُحمَّد بن الحَسَن عليُّ بن حَرْمَلة التيميُّ صاحبُ أبي حَنِيْفَة. انتهى كلام ((العبر)). وقال ابنُ الفُرَات: محمد بن الحَسَن بن فرقد الشَّيبانِيُّ الإِمام الربَّانِيُّ صاحبُ أبي حَنْفَة - رضي الله عنه - أصله دمشقي من أهل قرية حَرَسْتَا. قَدِمَ أبوه العِرَاق، فولد مُحمَّد بَراسِك(١) سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وقيل: سنة إحدى، وقيل: سنة خمس وثلاثين، ونشأ بالكوفة، وطلب الحديث، وسمع سماعاً كثيراً، وجالَسَ أبا حَنِيْفَة. وسمع منه، ونظر في الرأي، وغلب عليه، وعرف به، وكان من أجمل النَّاس وأحسنهم. قال أبُو حَنِيفَة لوالده حين حمله إليه: احلق شعر ولدك وألبسه الخُلْقان(٢) من الثياب لا يفتتن به مَن رآه. قال محمد: فحلق والدي شعري، وألبسني الخُلْقان، فزدت عند الخلق جمالاً. وقال الشَّافعيُّ - رحمه الله -: أول ما رأيت مُحمداً وقد اجتمع النَّاس عليه، فنظرت إليه فكان من أحسن النَّاس وجهاً، ثم نظرت إلى جبينه فكأنه عاج، ثم نظرت إلى لباسه فكان من أحسن النَّاس لباساً، ثم سألته عن مسألة فيها خلاف فقوَّی مذهبه ومرّ فيها كالسهم. وكان الشَّافعيُّ - رضي الله عنه - يثني على محمد بن الحسن ويفضّله، وقد تواتر عنه بألفاظ مختلفة قال: ما رأيت أحداً سأل عن مسألة فيها نظر إلاّ رأيتُ الكراهية في وجهه، إلاّ محمد بن الحَسَن. (١) قال ياقوت: راسك: مدينة من أشهر مدن مكران، ولها رستاق يقال له: الخروج، وهي حروم حارة. ((معجم البلدان)) (١٥/٣). قلت: ومكران تقع الآن في الجنوب الأوسط من إيران على مقربة من ساحل خليج عمان. (٢) قال في «مختار الصحاح) ص (١٨٧): ثوب خلقٌ، أي بالٍ. ٤٠٩ وقال: ما رأيت أعلم بكتاب الله من مُحمَّد بن الحَسَن، ولا أَفْصَح منه . وقال: ما رأيت رجلاً أعلم بالحلال والحرام، والعلل، والناسخ والمنسوخ من محمد بن الحَسَن. وقال: لو أنصف الناس لعلموا أنهم لم يروا مثل محمد بن الحَسَن. ما جالست فقيهاً قطّ أفقه ولا أفتق لسانه بالفقه منه، إنه كان يحسن من الفقه وأسبابه أشياء تعجز عنها الأكابر. وقيل للشافعيّ: قد رأيتَ مالكاً وسمعت منه، ورافقت مُحمَّد بن الحَسَن، فأيُّهما كان أفقه؟ فقال: محمد بن الحسن أفقه نفساً منه. وقال أبُو عُبَيْد: قَدِمت على محمد بن الحَسَن فرأيت الشَّافعيِّ عنده، فسأله عن شيءٍ فأجابه، فاستحسن الجواب، فكتبه، فرآه مُحمَّد، فوهب له دراهم وقال له: إلزم إن كنت تشتهي العلم، فسمعت الشَّافعيَّ - رضي الله عنه(١) - يقول: لقد كتبت عن محمَّد وِقْرَ بعيرٍ ذكرٍ، لأنه يحمل الكثير، ولولاه ما انفتق لي من العلم ما انفتق. وكان محمد قاضياً للرَّشيد بالرَّقَّةِ، وكان كثير البرّ بالإِمام الشَّافعي - رضي الله عنه - في قضاء ديونه والإِنفاق عليه من ماله، وإعارة الكتب، حتَّى يُقال: إنه دفع له حمل بعير كتباً. وقد ذكر بعض الشافعية أن محمد بن الحَسَن وشى بالإِمام الشَّافعيِّ - رضي الله عنه - إلى الخليفة بأنه يدّعي أنه يصلُح للخلافة، وكذا أبو يوسف - رحمهما الله - وهذا بُهتان وافتراء عليهما، والعجب منهم كيف نسبوا هذا إليهما مع علمهم بأن هذا لا يليق بالعلماء ولا يقبله عقل عاقل؟. انتهى (١) في المطبوع: ((رحمه اللَّه تعالى)). ٤١٠ ما ذكره ابنُ الفُرات ملخصاً. قلت: ويُصَدِّقُ مقال ابن الفُرات ما ذكره حافظ المغرب الثقة الحجّة الثّبْت ابنُ عَبْدِ البِرِّ المالكيُّ في ترجمة الشافعي - رضي الله عنه - قال: حُمل الشَّافعيُّ من الحِجَاز مع قوم من العلوية تسعة وهو العاشر إلى بغداد، وكان الرَّشيد بالرِّقَّة، فحُمِلوا من بَغْدَاد إلى الرَّقَّة، وأدخلوا عليه ومعه قاضيه مُحمَّد بن الحَسَن الشيباني، وكان صديقاً للشافعيِّ، وأحد الذين جالَسوه في العلم وأخذوا عنه، فلما بلغه أن الشَّافعيَّ في القوم الذين أخذوا من قريش واتهموا بالطعن على هَارُون الرَّشيد اغتمّ لذلك غمّاً شديداً، وراعى وقت دخولهم على الرَّشيد، فلما دخلوا عليه سألهم وأمر بضرب أعناقهم، فضربت أعناقهم، إلى أن بقي حدَثٌ علوي من أهل المدينة - قال الشَّافعيُّ: وأنا - فقال للعلويِّ: أنت الخارج علينا والزاعم أنّي لا أصلح للخلافة؟ فقال: أعوذ باللَّه أن أدعيَ ذلك وأقوله، فأمر بضرب عنقه، فقال له العلويُّ: إن كان لا بدّ من قتلي فأنظرني إلى أن أكتب إلى أمّي فهي عجوز لم تعلم خبري، فأمر بقتله فقتل. ثم قَدِمتُ ومحمد بن الحَسَن جالس معه، فقال لي مثل ما قال للفتى، فقلت: يا أمير المؤمنين لست بطالبيٍّ ولا علويٍّ، وإنما أدخلت في القوم بغياً، وإنما أنا رجل من بني عَبْدِ المُطلب بن عَبْدٍ مَنَاف بن قُصي، ولي مع ذلك حظ من العلم، والفقه، والقاضي يعرف ذلك، أنا محمد بن إدريس بن العَبَّاس بن عُثْمَان بن شَافع بن السائب بن يزيد بن هاشم بن عَبْدِ المُطلب بن عَبْدٍ مَنَّاف، فقال لي: أنت مُحمَّد بن إدريس؟ فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، فقال لي: ما ذكرك لي مُحمَّد بن الحَسَن، ثم عطف على محمد بن الحسن فقال: يا محمد ما يقول هذا؟ هو كما يقوله؟ قال: بلى، وله محل من العلم كبير، وليس الذي رفع عنه من شأنه. قال: فخذه إليك حتَّى أنظر في أمره، فأخذني محمَّد - رحمه الله - وكان سبب خلاصي لما أراد الله عزّ وجلّ، ٤١١ هذا لفظ ابن عبد البرِّ بعينه. فيجب على كل شَافعي إلى يوم القيامة أن يعرف هذا لمحمَّد بن الحَسَن ويدعو له بالمغفرة. وقال ابنُ خَلِّكان(١): قال الرّبيع بن سُلَيْمَان: كتب الشَّافعيُّ - رحمه الله - إلى محمَّد بن الحَسَن - رحمه الله - وقد طلب منه كُتباً له ليستنسخها(٢) فتأخّرت عنه: ـيْنُ مَنْ رَآهُ مِثْلَةْ قُل لِمَنْ لَمْ تَرَ عَـ هُ قَدْ رَأَى مَنْ قَبْلَهْ وَمَنْ كَأَنَّ مَنْ رَآ أَنْ يَمْنَعُوهُ أَهْلَةْ الْعِلْمُ يَنْهِىْ أَهْلَهُ لَعَلَّهُ يَبْذُلُهُ لأَهْلِهِ لَعَلَّهْ ويسمى محمد ابن أبي حَنِيفَة، وهو ابن خالة الفَرَّاء صاحب النحو واللغة. انتهى ملخصاً. وفيها توفي أَبُو مُحمَّد عَبْدُ الأَعلى بن عَبْدِ الأُعلى السَّامِيُّ (٣) البَصْرِيُّ القُرشيُّ. أحد علماء الحديث. سمع من حُمَيْد الطَّيْل وطبقته. قال ابنُ نَاصر الدِّين: صدوقٌ من الأثبات، لكنه رُمي بالقدر. وتكلم فيه بُنْدَار، وليّنه ابن سَعْد في ((الطبقات)). انتهى. وقال في ((المغني))(٤): صدوقٌ. قال ابنُ سَعْد: لم يكن بالقوي. قلت(٥): ورمي بالقدر. انتهى. (١) في ((وفيات الأعيان)) (١٨٤/٤ - ١٨٥) والأبيات فيه. (٢) في ((وفيات الأعيان)): ((لينسخها)). (٣) في الأصل، والمطبوع، و((العبر)) للذهبي (٣٠٣/١): ((الشامي)) بالشين وهو خطأ. والتصحيح من ((المغني في الضعفاء)) (٣٦٤/١)، و((تقريب التهذيب)) (٤٦٥/١) وغير ذلك من کتب الرجال. (٤) (٣٦٤/١). (٥) القائل الحافظ الذهبي في ((المغني)). ٤١٢ وفيها أبو خالد الأحمر سُلَيْمَان بن حيَّان الگوفيُّ، أحد الكبار. روی عن أبي مالك الأشجعي وخلق من طبقته. قال ابنُ نَاصر الدِّين: هو سُلَيْمَان بن حَيَّن أبُو خَالد الأزدِيُّ الجَعْفَرِيُّ الگُوفُّ. قال ابنُ مَعِيْن، وابنُ عَدي عنه: صدوقٌ ليس بحجة، ووثّقه غيرهما. انتھی . وفيها قاضي المَوْصِل عليُّ بن مُسْهِر أبُو الحَسَن الكُوفيُّ الفقيه. روى عن أبي مَالك الأشجعي وأقرانه. قال أحمد: هو أثبت من أبي مُعَاوِيَة في الحديث. وقال أحمد العجلي: ثقة جامعٌ للفقه والحديث. وحَكَّام بن سَلْمٍ(١) الرَّازيُّ. يروى عن حُمَيْدِ الطَّوِيْل، وطبقته. وفيها، وقيل: قبلها بعام، يحيى بن اليَمَان العجليُّ الكُوفيُّ الحافظُ. روى عن هِشَام بن عُرْوَة، وإِسْمَاعِيْل بن أبي خالد، وطائفة. ذكره أبو بكر بن عَيَّاش فقال: ذاك(٢) راهب. وعن وَكِيْع قال: ما كان أحدٌ من أصحابنا أحفظ منه. كان يحفظ في المجلس خمسمائة حديث، ثم نسي. وقال ابنُ المَديني: صدوقٌ تغيَّر من الفَالج. وقال ابنُ نَاصر الدِّين: يحيى بن اليَمَان العجليُّ الكوفيُّ أَبُو زَكَرِيًّا، قرأ القرآن على حَمْزَة الزَّيَّات. وحدَّث عن جَمَاعة. كان صدوقاً من حفّاظ هذا (١) في الأصل: ((حكام بن أسلم)) وهو خطأ، وأثبت ما في المطبوع. وانظر ((تهذيب الكمال)) للمزّي (٨٣/٧) طبع مؤسسة الرسالة. (٢) في الأصل: ((ذلك)) وأثبت ما في المطبوع وهو موافق لما في ((العبر)) للذهبي (٣٠٤/١). ٤١٣ الشأن(١)، فلج فتغيّر حفظه فغلط فيما يرويه، ومن ثم تكلّم مَن تكلّم فيه. انتھی . وفيها، أو في حدودها، مُحمَّد بن مَرْوَانِ السُّدِّيُّ الصغيرُ(٢) الكوفيُّ المفسّرُ، صاحب الكلبيِّ، وهو متروك الحديث. (١) يعني علم الحديث النبوي الشريف. (٢) في ((العبر)) للذهبي (٣٠٤/١): ((السدوسي)) وهو خطأ فيصحح فيه. وانظر ((الأنساب)) للسمعاني (٦٣/٧). ٤١٤ سنة تسعين ومائة فيها استعدّ الرَّشيدُ وأمعن في بلاد الرُّوم، فدخلها في مائة ألفٍ وبضعة وثلاثين ألفاً، سوى المجاهدين تطوُّعاً. وبثَّ جيوشه في نواحيها، وفتح هِرَقْلَة. ولما افتتحها خَرَّبها، وسبى أهلها، وكان مقامه عليها شهراً. وسارت فرقةٌ فافتتحت حصن الصقالبة، وفرقةٌ افتتحت حصن الصَّفْصَاف ومَلَقُونِيَةٍ(١). وركب حُمَيْد بن مَعْيُوف في البحر، فغزا قُبرس(٢) وسبى وأحرق، وبلغ السبي من قُبرس ستة عشر ألفاً، وكان فيهم أُسقُفَّ قبرس، فنودي عليه، فبلغ ألفي دينار، وبعث نِفْفُور الجزية على رأسه، وامرأته، وخواصِّه. فكان ذلك خمسين ألف دينار. وبعث إلى الرّشيد يخضعُ له ويلتمسُ منه أن لا يخرب حصوناً سمّاها، فاشترط عليه الرَّشيد أن لا يُعمر (٣) هِرَقْلَة، وأن يحمل في العام ثلثمائة ألف دینار. وكتب إليه نقفور: أما بعد، فلي إليك حاجة أن تهب لي (٤) لابني (١) في الأصل: ((فلفونيه))، وفي المطبوع، و((العبر)) للذهبي (٣٠٤/١): ((مقدونية)) وكلاهما خطأ، والتصحيح من جدول الخطأ والصواب الذي أعدّه القدسي - رحمه الله - للجزء الأول من طبعته من هذا الكتاب. قال ياقوت: ملقونية: بلد من بلاد الروم قريب من قونية، تفسيره مقطع الرحى، لأن من جبلها يُقطع رحی تلك البلاد. ((معجم البلدان)) (١٩٤/٥). قلت: وقونية تقع الآن في الجنوب الأوسط من تركية. (٢) في المطبوع: ((قبرص)) وهو ما تعرف به الجزيرة الآن. (٣) في المطبوع: ((ألا يعمر)). (٤) في الأصل: ((أن هب لي)) وأثبت ما في المطبوع، وهو موافق لما في ((العبر)) للذهبي. ٤١٥ جارية من سبي هِرَقْلَة كنتُ خطبتُها له، فأسعفني بها، فأحضر الرَّشيد الجارية، فزُيّنت، وأرسل معها سُرادقاً وتُحفاً، فأعطى نقفورُ الرَّسول خمسين ألفاً وثلثمائة ثوبٍ وبراذين [وبُزاة](١). ذكره في ((العبر))(٢). وفيها - كما قال ابن الجوزي في ((الشذور))(٣) - أَسْلم الفَضْلُ بن سَهْل على يد المأمون، وكان مجوسياً. وفيها توفي الفقيه أَسَدُ بن عَمْرو البَجَليُّ الكُوفيُّ صاحبُ أبي حَنِيفَة وقاضي بَغْدَاد. قال في ((المغني))(٤): أَسَدُ بن عَمْرو أَبُو المُنْذر، عن رَبِيْعَة الرَّأي، لّنه(٥) البخاريُّ. وقال یحیی: كذوب. وقال أحمد: صدوق. وقال ابنُ عَدي: لم أرَ له شيئاً منكراً. انتهى. وفيها قارىءُ مَكَّة في زمنه، إِسْمَاعِيْل بن عَبْدِ اللّه بن قُسْطَنْطِيْن المَخْزُومِيُّ، مولاهم المعروف بالقُسْط، وله تسعون سنة. وهو آخر أصحاب ابن كثير وفاةً. قرأ عليه الشَّافعيُّ وجماعة. وفيها أبُو عُبَيْدَة الحَدَّادِ البَصْرِيُّ نزيل بَغْدَاد، واسمه عَبْدُ الواحد بن وَاصل. روى عن عَوْف الأعرابي وعِدَّة، وكان حافظاً مُتقناً. (١) زيادة من ((العبر)). (٢) (٣٠٥/١). (٣) يعني ((شذور العقود في تاريخ العهود)). (٤) (٧٦/١). (٥) في ((المغني)): «ضعّفه)). ٤١٦ وعُبَيْدَةُ بن حُمَيْدِ الكوفيُّ الحَذَّاء الحافظُ وله بضع وثمانون سنة. روى عن الأُسْوَد بن قَيْس، ومَنْصُور، والكبار، وكان صاحب قرآنٍ، وحديثٍ، ونحوٍ. أدَّب الأمينَ بعد الكِسَائيِّ. وكان من الأثبات. وعُمَر بن عَلي المُقدَّمِيُّ أَبُو جَعْفَرِ البَصْرِيُّ. وكان حافظاً مُدَلِّساً. كان يقول: حدّثنا، أو يقول: سمعت، ثم يسكت، ثم يقول: هِشَام بن عُرْوَة، وينوي القطع. قال ابنُ نَاصر الدِّين: عُمَر بن عَلي بن عَطَاءِ المُقَدَّميُّ من الثقات، لكنه شدید التدليس. انتهى . وفيها عطاء بن مُسلم الخَفَّف. كوفيّ صاحبُ حديث، ليس بالقوي. نزل حَلَبَ. وروى عن مُحمَّد بن سُوْقَة وطبقته. وفيها حُمَيْد بن عَبْد الرَّحمن الرُّؤاسيُّ الكوفيُّ. روى عن الأعْمَش وطبقته . قال أبُو بَكر بن أبي شَيْبَة: قلَّ مَن رأيتُ مثله. قال في ((المغني))(١): عن الضَّحَّاك لا يُعرف. انتهى. وفيها يحيى بن خالد بن بَرمك البَرمكيُّ، توفي في سجن الرَّشيد وله سبعون سنة. قال ابنُ الأُهْدَل: وبرمك من مجوس بلخ، ولا يعلم إسلامه، وكان خالد قد ولي وزارة السَّفَّاح. قال المَسْعُوديُّ (٢): ولم يبلغه أحد من بنيه، لا يحيىُ في شرفه ويُعْد همّته، ولا مُوسی في شجاعته ونجدته. (١) (١٩٥/١). (٢) في ((مروج الذهب)) (٢٧٧/٣) والمؤلف ينقل عنه باختصار وتصرّف. ٤١٧ وكان المهديُّ قد جعل الرَّشيد في حِجْر يحيى، فعلَّمه الأدب. وكان يدعوه أباً، فلما ولي دفع إليه خاتمه، وقلّده أمره، وفي ذلك يقول المَوْصليُّ(١): فَلمَّا وَلِي هَارُونُ أَشْرَقَ نُورُهَا أَلَمْ تَرَ أَنَّ الشَّمْسَ كَانَتْ سَقِيمَةٌ فَهَارُونُ وَالِها وَهذَا وَزِيْرُهَا أمينُ أمينِ اللَّه هَارُون ذو النَّدى ومن كلام يحيى: ثلاثة أشياء تدل على عقول أربابها: الهديَّة، والكتاب، والرَّسول. وكان يقول لبنيه: اكتبوا أحسن(٢) ما تسمعون، واحفظوا أحسن ما تکتبون، وتحدّثوا بأحسن ما تحفظون. وفي بنيه يقول الشاعر: كَأَرْبَعِ الطَّبَائِعِ أَوْلَادُ يحيىْ أَرْبَعْ طَبَائِعُ الصَّنَائِعِ (٣) فَهِمْ إِذَا اخْتَبَرْتَهم وفيه يقول العَتَّابِيُّ : فَقَالاً كِلَنَا عَبْدُ يحيى بن خَالِدٍ سَأَلْتُ النَّدى والجُودَ حُرَّانِ أَنْتُمَا وَلَكِن إِرْثَاً وَالِداًّ بَعْدَ وَالِدِ(٤) فَقُلْتُ شِرَاءٌ ذَلِكَ المُلْكُ قَال لَ وكان يقول: إذا أقْبَلَتْ فأنفق فإنها لا تَفنى، وإذا أدبرت فأنفق فإنها لا تبقى. وقال: يدل على حِلْم الرَّجل سُوء أدب غِلمانه. (١) قال ابن خلكان في ((وفيات الأعيان)) (٢٢١/٦): أظنه إبراهيم النديم، أو ابنه إسحاق، وفي ((الكامل)) لابن الأثير (١٠٨/٦): ((إبراهيم الموصلي)) والأبيات فيه برواية أصوب. (٢) لفظة ((أحسن)) سقطت من (مرآة الجنان)) فتستدرك فيه. (٣) البيتان في ((وفيات الأعيان)) (٢٢١/٦)، و((مرآة الجنان)) (٤٣٣/١) وهما برواية أخرى في ((مروج الذهب)) (٢٧٧/٣). (٤) البيتان في ((مرآة الجنان)) (٤٣٥/١) مع بعض الخلاف، ولم ينسبهما لأحد. ٤١٨ وحكي أنه كتب أبياتاً قبل موته يخاطب الرَّشيد: أَدَاهُوهُ وَتَنْقَطِعُ الهُمُوْمُ سَيَنْقَطِعُ التِّلَذُذُ عَنْ أُناسٍ سَتَعْلمُ فِي الِحِسَابِ إِذَا الْتَقْنَا ألا يَا بَائِعاً دِيْنَأْ بِدُنْيَا غَداً عِنْدَ الإِلَهِ مَنِ الظَّلُومُ غَرُوْرَاً لَا يَدُومُ لَهَا نَعِيْمُ عَلَىْ أنْ لَسْتَ ذَا سُقْمٍ سَقِيْمُ تخلَّ مِنَ الذُّنُوبِ فَأَنْتَ مِنْهَا تَنَبَّهْ للمَنِيَّةِ يَا تَؤُومُ تَنَامُ وَلَمْ تَنَمْ عَنْكَ المَنَايَا وَكَمْ قَدْ رَامَ قَبْلَكَ مَا تَرُومُ تَرُومُ الخُلْدَ فِي دَارِ الَّفَاني وَعِنْدَ اللَّهِ تَجْتَمِعُ الخُصُومُ إلى دَيَّانِ يَوْمِ الدِّين نَمضي ولم يزل يحيى بن خالد وابنه الفضل في الرافقة - وهي الرَّقَّةُ القديمة المجاورة للرَّقَّة الجديدة، وهي البلد المشهورة الآن على شاطىء الفرات، ويُقال: لهما الرَّقُّتان تغليباً كالعُمَّرين - في حبس الرَّشيد إلى أن مات يحيى في الثالث من المحرم سنة تسعين وهو ابن سبعين سنة، وصلّى عليه ابنه الفَضَلُ بن يحيى ودفن في شاطىء الفرات في ربض هرثمة، ووجد في جيبه رقعة فيها مكتوب بخطه: قد تقدم الخصم والمدّعي عليه في الأثر، والقاضي هو الحكم العدل الذي لا يجور ولا يحتاج إلى بيّنةٍ، ولما قرأ الرَّشيد الرقعة بكى يومه كله، واستمر أياماً يَتَبيَّنُ الأسى في وجهه، ونام يحيى فمات فجأةً، فقال الرّشيد: اليوم مات عاقل النَّاس. وقال يحيى بن أَكْثم: سمعت المأمون يقول: لم يكن ليحيى بن خالد ولولده أحدٌ في الكفاية، والبلاغة، والجود، والشجاعة. انتهى. ٤١٩ سنة إحدى وتسعين ومائة فيها أمر الرَّشيد بتغيير هيئة أهل الذِّمة. وفيها توفي سَلَمَة بن الأَبرش قاضي الرَّيِّ، وراوي المغازي عن ابن إِسْحَاق، وهو مختلف في الاحتجاج به، ولكنه في ابن إِسْحَاق ثقة. وفيها الإِمام أبُو عَبْدِ اللَّه عبد الرّحمن بن القَاسم العُتَقيُّ، مولاهم، المصريُّ الفقيه، صاحبُ مالك وله ستون سنة، وقد أنفق أموالاً كثيرة في طلب العلم، ولزم مالكاً مدَّة، وسأله عن دقائق الفقه. قال السيوطيُّ في ((حسن المحاضرة)(١): عَبد الرَّحمن بن القاسم بن خالد العتقيُّ المصريُّ أبو عبد الله، الفقيه، راوية المسائل عن مالك. روى عن ابن(٢) عُيينة وغيره. وعنه أصبغ، وسَحْنُون، وآخرون. قال ابنُ حِبَّان: كان حَبْراً، فاضلاً، تفقّه على مذهب مالك، وفرَّع على أصوله. ولد سنة ثمانٍ وعشرين ومائة، ومات في صَفّرْ سنة إحدى وتسعين ومائة. وكان زاهداً، صبوراً، مُجانباً للسُّلطان. انتهى. وفيها الفَضْلُ بن موسى السِّيْنَانِيُّ شيخ مَرْو ومُحدِّثها - وسيْنَان من قُرى (١) (٣٠٣/١). (٢) لفظة ((ابن)) سقطت من الأصل، وأثبتها من المطبوع، وقد تحرّفت في ((حسن المحاضرة)) إلى (أبي)) فتصحح فيه. ٤٢٠