النص المفهرس
صفحات 361-380
وذكره ابنُ سعد في ((الطبقات)) (١) فقال: لم يكن بالقويِّ. انتهى. وفي رمضان، توفي الإِمامُ العَلم أَبُو عَبْد الرَّحمن عَبْدُ اللَّه بن المَبَارك الحَنْظَليُّ، مولاهم المَرْوَزيُّ، الفقيه، الحافظُ، الزَّاهدُ، ذو المناقب، وله ثلاثٌ وستون سنة. سمع هِشَام بن عُرْوَة، وحُمَيْد الطَّيْل، وهذه الطبقة، وصنّف التصانيف الكثيرة، وحديثه نحوٌ من عشرين ألف حديث. قال أحمد بن حَنْبَل: لم يكن في زمانٍ ابن المُبَارك أَطْلَب للعلم منه. وقال شُعْبَة: ما قَدِمَ علينا مثله. وقال أبو إسْحَاق الفَزَاري: ابنُ المُبَارَكِ إمام المسلمين. وعن شُعَيْب بن حَرْب قال: ما لقي ابنُ المُبَارك مثل نفسه. وكانت له تجارةٌ واسعةٌ، [و] كان ينفق على الفقراء في السنة مائة ألف درهم. قال ابنُ ناصر الدِّين: الإِمام العَلَّمة الحافظ شيخ الإِسلام وأحد أئمة الأعلام (٢)، ذو التصانيف النافعة والرحلة الواسعة. حدَّث عنه ابنُ مَعِيْن، وابن مَنْع، وأحمد بن حَنْبَل، وغيرهم. جمع العلم، والفقه، والأدب، والنحو، واللغة، والشعر، وفصاحة العرب، مع قيام الليل والعبادة. قال الفُضَيْلُ بن عِيَاض: وربّ هذا البيت ما رأت عيناي مثل ابنِ المُبَارَكِ. انتهى. وقال ابنُ الأُهْدَل: تفقّه بسُفْيَان الثَّوري، ومالك بن أنس، وروى عنه (١) (٢٩٠/٧). (٢) في المطبوع: ((وأحد أئمة الأنام)). ٣٦١ ((الموطأ)) وكان كثير الانقطاع في الخلوات، شديد الورع، وكذلك أبوه مُبَارك. روي أنه نظر بستاناً لمولاه، فطلب منه رمّانة حامضة، فجاءه بالرُّمَّانة حلوة، فقال له: أنت ما تعرف الحلو من الحامض؟ قال: لا. قال: ولِمَ؟ قال: لأنك لم تأذن لي فيه، فوجده كذلك، وعَظُمَ قدره عند مولاه، حتَّى كان له بنت خطبت كثيراً، فقال له: يا مُبَاركُ مَن ترى نزوِّج هذه البنت؟ فقال: الجاهلية كانوا يزوِّجون للحَسَب، واليهود للمال، والنصارى للجمال، وهذه الأمَّةُ للدِّيْن، فأعجبه عقله، وقال لأمها: ما لها زوجٌ غيره، فتزوجها، فجاءت بعبد اللَّه، وكان واحد وقته، وفيه يقول القائل: إِذَا سَارَ عَبْدُ اللَّهِ مِنْ مَرْوَ لَيْلَةً فَقَدْ سَارَ مِنْهَا نُوْرُهَا وَجَمَالُهَا فَهُم أَنْجُمٌ فِيْهَا وَأَنْتَ هِلَاَلُهَا إِذَا ذُكِرَ الأَحْبَارُ فِي كُلِّ بَلْدَةٍ وقد صنّف في مناقبه. وعدّ بعضهم ما جمع من خصال الخير فوجدها خمساً وعشرين فضيلة، وكان يحجّ عاماً، ويغزو عاماً، فإذا حَجّ قبض نفقة إخوانه، وكتب على كل نفقةٍ اسم صاحبها، وينفق عليهم ذهاباً وإياباً من أنفس النفقة، ويشتري لهم الهَدَايا من مَكَّة والمَدِيْنَة، فإذا رجعوا اتخذ سِمَاطاً عليه من جفان الفَالوذج نحو خمس وعشرين فضلاً عن غيره، فيطعم إخوانه، ومَن شاء اللَّه، ثم يكسوهم جديداً، ويردّ إلى كلِّ منهم نفقته، وذلك أنه كانت له تجارة واسعة. قال سُفْيَان الثَّوْري: وددت عُمْري كله بثلاثة أيام من أيام ابنِ المُبَارك. قيل: مات بهيْت - بالكسر - بلد بالعِرَاق(١) منصرفاً من غزوة، وقيل: (١) في الجنوب الأوسط منه الآن، وهي بلدة على الفرات من نواحي بغداد فوق الأنبار، ذات نخل كثير وخيرات واسعة، وقد نسب إليها قوم من أهل العلم. وانظر ((معجم البلدان)) لياقوت (٤٢٠/٥ - ٤٢١). ٣٦٢ مات في برية سائحاً مختاراً للعزلة، وكان كثيراً ما يتمثّل بهذين البيتين: وإِذَا صَاحَبْتَ فَاصحب صَاحِبَا ذَا حَيَاءٍ وعَفَافٍ وَكَرَمْ وَإِذَا قُلْتَ نَعم قَال نَعمْ قَائِلاً للشَيء لا إِنْ قُلْتَ لَ انتهى . وقال في ((العبر))(١): كان أستاذه تاجراً، فتعلّم منه، وكان أبوه تُركياً، وأُمُّه خَوَارِزميَّة . وقال عَبْدُ الرَّحمن بن مَهْدي: كان ابنُ المُبَارك أَعْلَمُ من سُفْيَان الثّوري. قلت(٢): كان رأساً في العلم، رأساً في الذكاء، رأساً في الشجاعة والجهاد، رأساً في الكرم. وقبره بِهِيت ظاهرٌ يُزار، رحمه اللَّه تعالى. انتھی . وفيها أبو الحَسَن عليُّ بن هاشم بن البَرِيْدِ الكوفيُّ الخَزَّاز. يروي عن الأَعْمَش وأقرانه. وخرَّج له مُسْلم والأربعة. وكان شيعيّاً جَلْداً. قال في ((المغني)(٣): قال ابنُ حِبَّان: روى المناكير عن المشاهير. انتهى. وفيها قاضي مِصْرَ أبو مُعَاوِيَة المُفَضَّل بن فَضَالة القِتْبانيُّ الفقيه. روى عن يَزِيْد بن أبي حَبِيْب، وطائفة كثيرة. وكان زاهداً، ورِعاً، قانتاً، مُجاب الدَّعوة، عاش أربعاً وسبعين سنة. (١) (٢٨١/١). (٢) القائل الذهبي في ((العبر)). (٣) (٤٥٦/٢). ٣٦٣ قال في ((المغني))(١): ثقةٌ حجة. قال ابنُ سَعْد: منكر الحديث. انتهى. وفيها بالاسكندرية، يَعْقُوب بن عَبْدِ الرَّحمن القارىء المدنيُّ. روى عن زَيْد بن أُسْلم وطبقته فأكثر. (١) (٢/ ٦٧٤). ٣٦٤ سنة اثنتين وثمانين ومائة فيها سَمَلَتْ(١) الرُّومِ عَيْنَي طاغيتهم قُسْطَنْطِيْن، وملكوا عليهم أُمَّه. وفيها توفي عَبْدُ الرَّحمن بن زَيْد بن أَسْلم العدويُّ العمريُّ مولاهم المدنيُّ. روى عن أبيه وجماعة، وهو ضعيف كثير الحديث. وفيها عُبَيْدُ اللَّه بن عَبْد الرَّحمن الأشجعيُّ الكُوفيُّ الحافظُ. سمع من هِشَام بنَ عُرْوَة وجماعة، وقال: سمعت من سُفْيَان الثَّوري ثلاثين ألف حدیث . وقال ابنُ مَعِيْن: ما بالكُوْفَة أعلم بالثَّورِيِّ من عُبَيْدِ اللَّه الأشجعيِّ . وفيها عَمَّار بنُ مُحمَّد الثَّورِيُّ الكُوفُّ، ابنُ أخت سُفْيَان الثّوريِّ. روی عن مَنْصُور، والأَعْمَش، وعدّة. قال ابنُ عَرَفَة: كان لا يضحكُ، وكُنَّا لا نشكُّ أَنه من الأبدال. انتهى. وخرّج له مسلم والنسائي وغيرهما. (١) قال في ((مختار الصحاح)) ص (٣١٤): سمل العين: فَقْؤُها بحديدة محماة. ٣٦٥ قال في ((المغني))(١) قال ابن حبان: استحق الترك. انتهى. وفيها أبُو سُفْيَانِ المَعْمَرِيُّ مُحمَّد بن حُمَيْدِ البَصْرِيُّ، نزيل بَغْداد، وكان محدِّثاً مشهوراً، رحل إلى مَعْمَر فلقِّب بالمَعْمَرِيِّ. وفيها الوَلِيْدُ بن [محمَّد] المُوقَّرِيُّ الْبَلْقَاوَيُّ، والمُوَقِّرُ حِصْنَ(٢) بِالْبَلْقَاء. وهو من ضعفاء أصحاب الزُّهْريُّ. وفيها على الأصح، عالم أهل الكُوْفَة يحيى بن زكريا بن أبي زَائِدَة (٣) الكوفيُّ الحافظ. روى عن أبيه وعاصم الأحول وطبقتهما، وعاش ثلاثاً وستين سنة . قال ابنُ المَدِيْني: انتهى العلم في زمانه إليه. ما كان بالكُوْفَة بعد النَّوْريِّ أثبت منه. وقال غيره: ولي قضاء المّدَائن(٤)، وكان من أصحاب أبي حَنِيفَة، وكان ثَبْتَاً مُتقناً. وفيها الحافظ الثِّبْتُ(٥) المتقنُ، أبُو مُعَاوِيَة يَزِيْد بن زُرَيْعِ العَيْشِيُّ، وقيل: التَّيْمِيُّ البصريُّ مُحدِّث أهل البَصْرَة. ثقةٌ ماهرٌ. روى عن أُيُوب السَّخْتِياني وطبقته. وقال أحمدُ بن حَنْبَل: كان ريحانة البَصْرَةِ، ما أتقنه وما أحفظه. وقال يحيى القَطَّان: ما كان هنا أَحدٌ أثبتَ منه. (١) ((المغني في الضعفاء)) (٤٥٩/٢). (٢) في (العبر)) للذهبي (٢٨٣/١): ((حصينٌ)). وفي ((معجم البلدان)) (٢٢٦/٥): موضع بنواحي البلقاء من نواحي دمشق. (٣) في ((العبر)) للذهبي (٢٨٣/١): ((أبو زكريا يحيى بن أبي زائدة)) وهو خطأ فيصحّح فيه. وانظر ((دول الإِسلام)» للذهبي ص (١٠٥)، و((الأعلام)) للزركلي (١٤٥/٨). (٤) في ((العبر)): ((ولي قضاء المدينة)) وهو خطأ فيصحّح فيه. (٥) في الأصل: ((الثابت)) وهو تحريف، وأثبت ما في المطبوع، وهو الصواب. ٣٦٦ وقال نَصْرُ بن علي الجَهْضَميُّ: رأيت يَزِيد بن زُرَيْع في النوم، فقلت له: ما فعل الله بك؟ قال: دخلت الجنة. قلت: بماذا؟ قال: بكثرة الصَّلاة. وفي شهر ربيع الآخر القاضي أبُو يُوسف، واسمه يَعْقُوب بن إبراهيم الكوفي قاضي القضاة، وهو أوّلُ مَن دُعي بذلك. تفقّه على الإِمام أبي حَنِيفَة، وسمع من عَطَاء بن السَّائب وطبقته. قال يحيى بن مَعِيْن: كان القاضي أبو يُوسف يحبُّ أصحاب الحديث ویمیل إليهم. وقال محمد بن سَمَاعة: كان أبو يُوسف يصلّي بعدما ولي القضاء كل يوم مائتي ركعة. وقال يحيى بن يحيى النَّيْسَابوري: سمعت أبا يُوسف يقول عند وفاته: كلّ ما أفتيت به فقد رجعت عنه، إلَّ ما وافق السُّنَّة. وكان مع سَعة علمه، أحد الأجواد الأسخياء. قال أبو حاتم: يُکتب حديثه. وقال أحمد بن حنبل: صدوقٌ. قال جميع ذلك في ((العبر)(١). وقال ابنُ الأَهْدَل: تفقّه على أبي حَنِيفَة، وخالفه في مواضع، وروى عنه مُحمَّد بن الحَسَن الشيباني، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن مَعِيْن، وأكثَرُ العلماء على تفضيله وتعظيمه. ولي القضاء للمَهْديِّ وابنيه، وذكر المؤرِّخون أنَّ له استحسانات يخالفُ فيها. وروي أنه قال عند وفاته: كُلُّ ما أفتيت به فقد رجعت عنه، إلاَّ ما وافق الكتاب والسُّنَّة. وقال: اللَّهمّ إنك تعلم أنّي لم أجرٍ (١) (٢٨٤/١ - ٢٨٥). ٣٦٧ في حكم حكمت [فيه](١) بين اثنين من عبادك متعمِّداً، ولقد اجتهدت في الحكم فيما يوافق سنّة نبيّك - ﴿ - وكُلَّ ما أشكل عليَّ فقد جعلت أبا حَنِيفَة بيني وبينك، وكان عندي والله ممّن يعرف أمرك ولا يخرج عن الحق وهو يعلمه . وروي أن زُبَيْدَة ابنة جَعْفَر (٢) امرأة الرّشيد أرسلت إليه بمال وعنده جلساؤه، فقال بعضهم: قال رسول اللّه ـ ضله -: ((مَنْ أَهْدِيَتْ لَهُ هَدِيَّةٌ فَجُلَسَاؤُهُ شُرَكَاؤُهُ فِيْهَا))(٣) فقال أبو يُوسف: ذلك حين كانت الهدايا من الأقطِ والتمر. وقال بعضهم: كان أبو يُوسف يحفظ التفسير، والمغازي، وأيام العرب. وكان أقل علومه الفقه، ولم يكن في أصحاب أبي حَنْفَة مثله. وهو أوَّلُ مَن نشر علم أبي حَنِيفَة . وسأله الأَعْمَشُ عن مسألةٍ فأجابه. فقال: من أين؟ قال من حديثك الذي حدّثتنيه أنت. فقال: يا يَعقُوب إني لأعرف الحديث قبل أن يجتمع أبواك، وما عرفت تأويله إلَّ الآن. وتناظر هو وزُفَر بن الهُذَيْل عند أبي حَنِيفة، فأطالا، فقال أبو حَنِيفَة (١) لفظة ((فيه)) سقطت من الأصل، وأثبتها من المطبوع. (٢) انظر ترجمتها ومصادرها في ((الأعلام)) للزركلي (٤٢/٣). (٣) ذكره الحافظ الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (١٤٨/٤) من حديث ابن عباس رضي اللَّه عنهما، بلفظ ((مَن أهدي له هدية، وعنده قوم فهم شركاؤه فيها)) وقال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه مندل بن علي وهو ضعيف، وقد وثق. قال الحافظ ابن حجر في ((التقريب)): مندل بن علي العَنَزي أبو علي الكوفي، ويقال: اسمه عمرو، ومندل لقب. ضعيف. وذكره أيضاً الحافظ الهيثمي في ((المجمع)) (١٤٨/٤) من حديث الحسن بن علي رضي اللَّه عنهما بلفظ ((مَن أتته هدية وعنده قوم جلوس، فهم شركاؤه فيها)) وقال: رواه الطبراني في الكبير وفيه يحيى بن سعيد العطار، وهو ضعيف. وذكره السيوطي في ((الجامع الكبير)) وزاد نسبته للعقيلي في ((الضعفاء)) وأبي نعيم في ((الحلية))، والبيهقي في ((السنن)). ٣٦٨ لزُفَر: لا تطمع في رياسة بلد فيها مثل هذا. وكان يقول: العلم لا يعطيك بعضه حتَّى تعطيه كُلَّك. وعاش قريباً من سبعين سنة. انتهى ما قاله ابنُ الأَهْدَل. وقال ابنُ نَاصر الدِّين: قال أحمد بن حنبل: أول ما كتبت الحديث اختلفت إلى أبي يُوسف القاضي، فكتبت عنه، وكان أبو يُوسف أميل إلينا من أبي حَنْفَة، ومحمد. وقال الفَلَّس: أبو يُوسف صَدوقٌ كثير الغلط. انتهى. وقال ابنُ قُتَيْيَة في ((المعارف))(١): هو يَعْقُوب بن إِبْرَاهيم [بن حبيب](٢) بن سَعْد بن حَبْتَة من بَجيلة، وكان سَعْد بن حَبْتَة استُصغر يوم أُحُد. ونزل الكُوفة، ومات بها، وصلّى عليه زَيْد بن أَرْقَم، وكبّر عليه خمساً. وكان أبو يُوسف يروي عن الأعْمَش، وهِشَام بن عُرْوَة، وغيرهما. وكان صاحب حديث، حافظاً، ثم لزم أبا حنيفة، فغلب عليه الرأي. وولي قضاء بَغْدَاد، فلم يزل بها إلى أن مات، وابنه يُوسف ولي القضاء أيضاً بالجانب الغربي في حياة أبيه، وتوفي سنة اثنتين وتسعين ومائة. انتهى كلام ابنِ قُتِبَةِ. وقال ابنُ خَلِّكان(٣): هو أول مَن غيّر لباس العلماء إلى هذه الهيئة التي هم عليها في هذا الزمان، وكان ملبوس النَّاس قبل ذلك شيئاً واحداً لا يتميز أحدٌ على أحدٍ بلباسه. انتهى. وقال غير واحد: كان يحفظ في المجلس الواحد خمسين حديثاً بأسانيدها. (١) ص (٤٩٩). (٢) ما بين حاصرتين زيادة من ((المعارف)). (٣) في ((وفيات الأعيان)) (٣٧٩/٦) وقد نقل المؤلف عنه بتصرف. ٣٦٩ قال ابنُ الفُرات في ((تاريخه))(١): روى علي بن حَرْمَلة عن أبي يُوسف - رحمه الله - قال: كنت أطلب الحديث والفقه وأنا مُقِلَّ رتُّ المنزل، فجاء أبي يوماً وأنا عند أبي حَنِيفَة، فانصرفت معه، فقال: يا بني أنت محتاج إلى المعاش، وأبو حنيفة مستغنٍ، فقصرت عن طلب العلم وآثرت طاعة أبي، فتفقَّدني أَبُو حَنِيْفَة وسأل عنّي، فلما أتيته بعد تأخيري عنه قال: ما خلّفك؟ قلت: الشغل بالمعاش، وطاعة والدي، فلما أردت الانصراف أومأ إليَّ فجلست، فلما قام النَّاس دفع إليّ صُرَةً وقال: استعِنْ بهذه والزم الحلقة، وإذا فقدت هذه فأعلمني، فإذا فيها مائة درهم، فلزمت الحلقة، فكان يتعاهدني بشيءٍ بعد شيءٍ، وما أعلمته بنفاد شيء حتَّى استغنيت، وتموّلت، فلزمت مجلسه حتّى بلغت حاجتي، وفتح اللَّه لي ببركته وحسن نيّته، فأنتج من العلم المال، فأحسن اللَّه مكافأته وغفر له. وقال ابنُ عَبْدِ البَرِّ: كان أبو يُوسف القاضي فقيهاً، عالماً، حافظاً، ذُكر أنه كان يعرف بالحديث، وأنه كان يحضر التحديث فيحفظ خمسين حديثاً وستين حديثاً ثم يقوم فيُمليها على النَّاس. وكان كثير الحديث، وكان جالسَ محمد بن عبد الرَّحمن بن أبي لَيْلِی، ثم جالسَ أبا حَنِيفَة - رضي الله عنهما - وكان الغالب عليه مذهبه، وربما كان يخالفه أحياناً في المسألة بعد المسألة. وكان يقول في دُبُرِ كلّ صلاة: اللَّهمَّ اغفر لي ولأبي حَنِيفَة. ثم قال ابنُ عَبْدِ البَرِّ: ولا أعلم قاضياً كان إليه تولية القضاء في الآفاق من المشرق إلى المغرب إلّ أبا يُوسف في زمانه، وهو أول مَن لُقِّب بقاضي القضاة. (١) واسمه ((الطريق الواضح المسلوك إلى معرفة تراجم الخلفاء والملوك)) وصاحبه هو محمد بن عبد الرحيم بن علي بن محمد الحنفي، المعروف بابن الفرات. مات سنة (٨٠٧) هـ. وكتابه ليس بين أيدينا. انظر ((الأعلام)) للزركلي (٢٠٠/٦)، وسوف ترد ترجمته في المجلد التاسع من طبعتنا هذه إن شاء اللَّه تعالى. ٣٧٠ وقال محمد بن جعفر: أبو يُوسف مشهورُ الأمر، ظاهر الفضل، وهو أفقه أهل عصره، ولم يتقدم عليه أحد في زمانه. وكان بالنهاية في العلم، والحلم، والرياسة، والقدر، والجلالة. وهو أول من وضع الكتب في أصول الفقه على مذهب أبي حَنِيفَة، وأملى المسائل ونشرها، وبثّ علم أبي حَنِيفَة في أقطار الأرض. وقال الصَّيْمَريُّ: بلغني أن الرَّشيد - رحمه الله - مشى أمام جنازة أبي يُوسف - رحمه الله - وصلّى عليه بنفسه، ودفنه في مقبرة أهله في مقابر قريش بكرخ بَغْدَاد بقرب أُمّ جَعْفَرِ زُبَيْدَة. وقال الرَّشِيْدُ حين دفن أبو يُوسف: ينبغي لأهل الإِسلام أن يُعزّيَ بعضهم بعضاً بأبي يُوسف. قيل: رأى مَعْرُوف الكرخِيُّ ليلة وفاة أبي يُوسف كأنه دخل الجنة فرأى قصراً قد فرشت مجالسه وأرخيت ستوره، وقام ولدانه. قال معروف: فقلت: لِمَن هذا القصر؟ فقيل: لأبي يُوسف القاضي. فقلت: سبحان اللَّه، وبِمَ استحقّ هذا من اللَّه تعالى؟ قالوا: بتعليمه الناس العلم وصبره على أذاهم. قيل: مرض أبو يُوسف - رحمه الله - في حياة أبي حَنِيْفَة - رضي اللَّه عنه - مرضاً شديداً فقيل له: توفي، فقال: لا، فقيل: من أين عَلِمْتَ هذا؟ قال: لأنه خدم العلم ولم يجن ثمرته، لا يموت حتى يجنيَ ثمرته. فاجتنی ثمرته بأن ولي القضاء، وتوفي وله سبعمائة رِكاب ذهب، فصدق أبو حَنْفَة - رضي اللَّه عنه - في الفراسة. انتهى ما ذكره ابن الفُرات. وفيها، وقيل: قبلها أو بعدها، توفي يُونس بن حَبِيْب النَحويُّ، أحد الموالي المنجبين، أخذ الأدب عن أبي عَمْرو بن العَلَاءِ وغيره. وهو في الطبقة الخامسة من الأدب بعد علي - كرم الله وجهه - اختَلَفَ إليه أبو عُبَيْد ٣٧١ أربعين سنة، وأبو زَيْد عَشْر سنين، وخَلَف الأحمر عشرين سنة. وله عدّة تصانيف. وكان يقول: فرقة الأحباب سَقَمُ الألباب، وينشد: عَيْنَايَ حَتَّى تُؤْذِنَا(٢) بِذَهَابِ شَيْئَان(١) لَوْ بَكَتِ الدِّمَاءُ عَلَيْهِمَا شَرْغُ الشّبَابِ وَفُرْقَةُ الْأَحْبَابِ لَمْ يَبْلُغَا المِعْشَارَ مِنْ حَقِّيْهِمَا ومات یُونس وله مائة سنة وسنتان. وفيها، وقيل: في التي قبلها، مَرْوَان بن أبي حَفْصَةِ(٣) الشاعر اليَمَامِيُّ . روي أنه لما مدح الرَّشِيْد بقصيدته السبعين التي يقول فيها: مَسِيْرَةَ شَهْرٍ بَعْدَ شَهْرٍ نُوَاصِلُهْ إِلَيْكَ قَصَرْنَا(٤) النَّصْفَ مِنْ صَلَوَاتِنَا لَدَيْكَ وَلَكن أَهْنَأُ البِرِّ عَاجِلُهْ(٥) وَلَا نَحْنُ نَخْشَىْ أَنْ يَخِيْبَ رَجَاؤُنًا أعطاه سبعين ألف درهم. قبل أن يتمّها. ومن أجود شعره قوله في مَعْن بن زَائِدَة قصيدته اللَّمِيَّةَ، وفُضِّلَ بها على شعراء أرضه(٦) وأعطاه ثلاثمائة ألف درهم. ومدح وَلَدُ(٧) مَرْوَانَ شَرَاحِيْل ابن مَعْن بقوله: وَيَاذَوِي الْفَضْلِ وَالإِحْسَانِ وَالحَسَب(٨) يا أُكْرَمَ النَّاسِ مِنْ عُجْمٍ وَمِنْ عَرَبِ فَأَعْطِنِي مِثْلَ مَا أَعْطَىْ أَبُوكَ أبي أعْطَىْ أَبُوكَ أَبي مَالا فَعَاشَ بِهِ (١) في ((مرآة الجنان)) اليافعي (٤٠٠/١): ((اثنتان)). (٢) في الأصل والمطبوع: ((حتى يؤذن)) وما أثبته من ((مرآة الجنان)). (٣) انظر ترجمته ومصادرها في ((الأغاني)) (٧١/١٠ - ٩٥)، ((وفيات الأعيان)) (١٨٩/٥ - ١٩٣) و ((الأعلام)) للزركلي (٢٠٨/٧). (٤) في ((وفيات الأعيان)): ((قسمنا)). (٥) البيتان في (وفيات الأعيان)) (١٨٩/٥ - ١٩٠). (٦) في ((وفيات الأعيان)): ((وفضل بها على شعراء زمانه)). (٧) في الأصل، والمطبوع: ((ولده)) والتصحيح من ((وفيات الأعيان)). (٨) رواية البيت في ((وفيات الأعيان)): يا أكرم الناس من عجمٍ ومن عربٍ أيا شراحيل بن معن بن زائدة ٣٧٢ ما حَلَّ قَطُ أَبِي أَرْضَاً أَبُوكَ بِهَا (١) إِلَّ وَأَعْطَاهُ قِنْطَاراً مِنَ الذَّهَبِ(٢) فأعطاه قنطاراً [من الذهب](٣) والقنطار ألف أوقيَّة ومائتا أوقيَّة، وقيل: غير ذلك. ومثل هذه الحكاية ما روي أنه لما حَبَسَ عُمَرُ بنُ الخَطَّاب - رضي الله عنه - الخُطَيْئَة في هجوه للناس كتب إليه: حُمْرِ الحَوَاصِلِ لَ مَاءٌ وَلَ شَجَرُ مَاذَا تَقُوْلُ لَأَفْرَاخٍ بذي مَرَخٍ فَارْحَم عَلَيْكَ سَلَمُ اللَّهِ يَا عُمَرُ أَلْقَيْتَ كَاسِبَهِم فِي قَعْرٍ مُظْلِمَةٍ أَلْقَتْ إِلَيْكَ مَقَالِيْدَ النُّهِى الْبَشَرُ أَنْتَ الَّذِي قَامَ فِيْهِم بَعْدَ صَاحِبِهِ لَكن لأنْفُسِهِم قَدْ كَانَتِ الأَثَرُ (٤) مَا آثَرُوْكَ بِهَا إِذْ قَدَّمُوكَ لَهَا فأطلقه وشرط عليه أن يكفَّ لسانه. فقال له: إذ منعتني التكسّب بلساني فاكتب لي إلى عَلْقَمَة بن عُلَاثة (٥) العَامري. فامتنع عُمَرُ. فقيل له: يا أمير المؤمنين، ما عليك في ذلك؟ فاكتب له، فإنه ليس من عمّالك، وقد تشفّع بك إليه. فكتب [له بما أراد](٦)، ورحل إليه، فصادف النَّاس منصرفين من جنازته وولده واقف على قبره، فأنشد الخُطَيْئَة: بِحَوْرَانَ أَمسىْ عَلَّقْهُ الحَبَائِلُ لَعَمْرِي لَنِعْمَ المَرْءُ مِنْ آلِ جَعْفَرٍ فَمَا فِي حَيَاتِ بَعْدَ مَوْتِكَ طَائِلُ فإن تَحْيَ لَ أَمْلُل(٧) حَيَاتِي وإِنْ تَمُتْ (١) في الأصل والمطبوع: ((ما حلّ أرضاً أبي ثارٍ وأبوك بها)) وأثبت لفظ ((وفيات الأعيان)). (٢) الأبيات في ((وفيات الأعيان)) (١٩١/٥). (٣) ما بين حاصرتين زيادة من ((وفيات الأعيان)). (٤) الأبيات في ((ديوانه)) بشرح ابن السكيت، والسكري، والسجستاني، تحقيق الأستاذ نعمان أمین طه، طبع مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي بمصر مع شيءٍ من الخلاف في البيتين الأخيرين. (٥) في الأصل والمطبوع: ((علقمة بن وقاص بن علاقة)) وهو خطأ، والتصحيح من ((وفيات الأعيان» (١٩٢/٥) وکتب الرجال التي بين يدي. (٦) زيادة من ((وفيات الأعيان)). (٧) في الأصل، والمطبوع: ((لا أملك)) والتصحيح من ((وفيات الأعيان)). ٣٧٣ وَمَا كَانَ بَيْنِي لَوْ لَقَيْتُكَ سَالِماً وَبَيْنَ الْغِنَّى إِلَّ لَيَالٍ قَلَائِلُ(١) فقال له ابنه: كم ظننت أنه كان يعطيك؟ قال: مائة ناقة يتبعها مائة [من أولادها](٢) فأعطاه إياها. (١) الأبيات في ((وفيات الأعيان)) (١٩٢/٥). (٢) زيادة من ((وفيات الأعيان)). ٣٧٤ سنة ثلاث وثمانين ومائة فيها كان خروج الخزر - لعنهم الله - ومِن قَصَصِهم (١) أن ستيت ابنة ملك التُّرك خَاقَان خطبها الأمير الفَضْلُ بن يحيى البرمكي. وحُملت إليه في عام أوَّل. فماتت في الطريق ببَرْذَعة. فردَّ مَن كان معها في خدمتها من العساكر، وأخبروا خَاقَان أنها قُتِلَتْ غِيْلَةً. فاشتدّ غضبُه، وتجهز للشرِّ. وخرج بجيوشه من الباب الحديد، وأوقع بأهل الإِسلام، وبالذِّمة. وقتل وسبى، وبدع، وبلغ السبي مائة ألف، وعظُمت المصيبة على المسلمين، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون، فانزعج هَارُون الرَّشيد، واهتزَ(٢) لذلك، وجهّز البعوث، فاجتمع المسلمون وطردوا العدو عن إِرْمِيْنية، ثم سدّوا الباب الذي خرجوا منه. قاله في ((العبر))(٣). وفيها توفي الإِمام أبُو مُعَاوِيَة هُشَيْمُ بنُ بَشِيْرِ السُّلَميُّ الواسطيُّ مُحدِّثُ بَغْدَاد. روى عن الزُّهريِّ وطبقته. قال يَعْقُوب الدَّوْرَقِيُّ: كان عند هُشَيْمٍ عشرون ألف حديث. وقال عَبْدُ الرَّحمن بن مهدي: هو أحفظ للحديث من الثَّوريِّ. (١) في ((العبر)) للذهبي: ((ومن قصتهم)). (٢) في ((العبر)) للذهبي: ((واهتم)). (٣) (٢٨٥/١ - ٢٨٦). ٣٧٥ وقال يحيى القَطَّان: هو أحفظ مَن رأيت بعد سُفْيَان، وشُعْبَة. وقال ابنُ أبي الدُّنيا: حدّثني مَن سَمِعَ عَمْرو بن عَوْن يقول: مكث هُشَيمُ يصلّي الفجر بوضوءِ العشاء عشر سنين قبل موته. وقال أحمد: كان كثير التسبيح. وقال ابنُ نَاصر الدِّين في شرح ((بديعة البيان)) له: هُشَيْمُ بن بَشِيْر بن أبي خازم(١) قَاسم بن دِيْنَار السّلميُّ أبو مُعَاوِيَة الواسطيُّ نزيل بَغْدَاد. كان من الحفّاظ الثقات المتقنين، لكنه معدودٌ في المدلِّسين. ومع ذلك فقد أجمعوا على صدقه، وأمانته، وثقته، وعدالته، وإمامته(٢). قال وَهْبُ بن جَرِيْر: قلنا لشُعْبَة: نكتب عن هُشَيْمٍ؟ قال: نعم. ولو حدّثكم عن ابنِ عُمَرَ فصدقوه. انتهى . وفيها الواعظ ابنُ السَّمَّاك أبو العَبَّاس محمد بن صُبَيْحِ الكوفيُّ الزَّاهِدُ. مولى بني عِجْل. روى عن الأعْمَش وجماعة. وكان كبير القدر. دخل على الرَّشِيْدِ فوعظه وخوَّفه. ومن كلامه: مَن جَرَّعَتْهُ الدُّنيا حلاوتها لميله إليها، جَرَّعَتْهُ الآخرةُ مرارتها لتجافيه عنها. روي أن الرّشيد استفتاه في يمين حلفها أنه من أهل الجنَّة، فقال له: هل قدرت على معصية فتركتها من مخافة اللَّه - عزَّ وجلّ -؟ قال: نعم. قال: قال اللَّه - عزّ وجلّ -: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىْ﴾ [النازعات: ٤٠ - ٤١] فيمينك بارّة. (١) في الأصل: ((ابن أبي حازم)) وهو تصحيف، وأثبت ما في المطبوع وهو الصواب. (٢) في المطبوع: ((وأمانته)). ٣٧٦ قال اليَافعيُّ (١): وإنما المراد بالآية استمرار الخوف إلى الموت. وقال الفقيه حُسَيْن: استدلال ابن السَّمَّاك صحيحٌ، لأن الظَّاهر أن كل مسلم يدخلها، وإنما الإِشكال لو قال: يدخلها دون مجازاة، وغاية ما فيه الشك والحنث لا يقع به، والله أعلم. انتهى. قلت: وما قاله الفقيه حُسَيْن جارٍ على القواعد الفقهية لعدم تحقّق أنه من غير أهلها، والله أعلم. وقال في ((المغني))(٢): محمَّد بن صُبَيْح بن السَّمَّاك الواعظ. سمع الأعْمَشَ. قال ابنُ نُمَيْر: صدوقٌ ليس حديثه بشيء. انتهى (٣). وفيها السيد الجليل أبو الحَسَن موسى الكاظم بن جَعْفَرِ الصَّادق ووالد عليّ بنِ مُوسى الرضا. ولد سنة ثمانٍ وعشرين ومائة. روى عن أبيه. قال أبو حاتم: ثقةً إمامٌ من أئمة المسلمين. وقال غيره: كان صالحاً، عابداً، جواداً، حليماً، كبير القدر. بلغه عن رجل الأذى له، فبعث [إليه] بألف دينار. وهو أحد الأئمة الاثني عشر المعصومين على اعتقاد الإِمامية. سكن المدينة، فأقدمه المهديُّ بَغْدَاد وحبسه. فرأى المَهديُّ في نومه عليّاً - كرّم الله وجهه - وهو يقول له: يا محمد ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُم أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وتُقَطَّعُوا أَرْحَامَكُمْ ﴾ [محمد: ٢٢] فأطلقه على أن لا يخرج عليه ولا على أحدٍ من بنيه. وأعطاه ثلاثة آلافٍ وردّه إلى المدينة. ثم حبسه هَارُون الرَّشيد في دولته، ومات في حبسه. وقيل: إن هَارُونَ قال: رأيت حُسيْناً في النوم قد أتى بالحربة وقال: (١) في ((مرآة الجنان)) (٤٠٤/١) والمؤلف ينقل عنه بتصرّف واختصار. (٢) ((المغني في الضعفاء)) (٥٩٣/٢). (٣) قلت: لفظة ((انتهى)) لم ترد في المطبوع. ٣٧٧ إن خلَّيت عن مُوسى هذه الليلة، وإلا نحرتك بها، فخلاه وأعطاه ثلاثين ألف درهم. وقال مُوسى(١): رأيتُ النَّبِيِّ - ◌َ - وقال لي: ((يَا مُوسىْ حُبِسْتَ ظُلْمَاً فَقُل هَذِهِ الْكَلِمَاتِ، لا تبيت هذه الليلة في الحبس: يَا سَامِعَ كُلِّ صَوْتٍ، يَا سَائِقَ الْفَوْتِ، يَاكَاسِيَ الْعِظَامِ لَحْمَاً وَمُنْشِزُهَا(٢) بَعْدَ الْمَوْتِ، أَسْأَلُكَ بأسْمَائِكَ الحُسْنِى، وباسْمِكَ الأَعْظَمِ الأَكْبَرِ المَخْزُوْنِ الْمَكْنُوْنُ الذي لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ الْمَخْلُوْقِيْنِ، يَا حَلِيْمَا ذَا أَنَاةٍ، يَاذَا الْمَعْرُوْفِ الذي لاَ يُنْقَطِعُ أَبَداً [وَلَا يُحْصِىْ عَدَدَاً](٣) فَرِّجْ عَنّي))(٤). وأخباره كثيرةٌ شهيرة رضي الله عنه. وفيها شيخ أصبهان وعالِمِها، أبو المُنْذر النُّعْمَانُ بن عَبْدِ السَّلام التيميُّ - تيم اللَّه بن ثَعْلَبة - وكان فقيهاً، إماماً، زاهداً، عابداً، صاحب تصانيف. أخذ عن الثَّورِيِّ، وأبي حَنْفَة، وطائفة . وفيها الفقيه أبُو عَبْد الرَّحمن يحيى بن حَمْزَةِ الحَضرميُّ البَتَلْهِيُّ (٥) قاضي دِمَشْقَ ومحدِّثها. وله ثمانون سنة. (١) أي موسى الكاظم. (٢) أي ومركب بعضها على بعض (ع). (٣) ما بين حاصرتين زيادة من ((مرآة الجنان)) (٤٠٦/١). (٤) أقول: المنامات لا يؤخذ منها حكم شرعي، والله أعلم بحقيقة هذه الرؤيا، وسندها وصحتها، ولكن هذا الدعاء ليس فيه مخالفة شرعية، وإنما لا يسند إلى رسول اللَّه مامعلي (ع). (٥) في الأصل: ((البتلي)) وهو خطأ، وأثبت ما في المطبوع وهو الصواب. والبَتّلهي، نسبة إلى (بيت لهيا)) وهي قرية في شرق غوطة دمشق وقد أصبحت الآن ضمن حدود دمشق يقوم في موقعها مستشفى الزهراوي. انظر ((غوطة دمشق)) للأستاذ محمد كرد علي ص (١١٨) و(١٦٤) طبع دار الفكر بدمشق. ٣٧٨ قال دُحْيْم: هو ثقة عالِم. روى عن عُرْوَةَ بن رُوَيْم وأقرانه من التابعين، وولِّي القضاء نحو ثلاثين سنة. قال في ((المغني)(١): يحيى بن حَمْزَة قاضي دِمَشْقَ صدوقٌ. وقال عَبَّاس(٢)، عن ابنِ مَعِيْن: كان يُرمى بالقدر. وقال ابنُ مَعِيْن: صدقة أحبُّ إليَّ منه. وقال أبو حاتم: صدوقٌ. وقال ابنُ سَعْد: صالح الحديث. انتهى. (١) (٧٣٣/٢). (٢) هو الإمام الحافظ الثقة أبو الفضل، عبّاسُ بن محمد بن حاتم بن واقد الدُّوريَّ البغداديُّ، المتوفى سنة (٢٧١) هـ، وسوف ترد ترجمته في المجلد الثالث إن شاء الله تعالى. ٣٧٩ سنة أربع وثمانين ومائة وفيها توفي الفقيه أبو إِسْحَاق إِبْرَاهِيْم بن سَعْد الزّهريُّ العوفيُّ المدنيُّ قاضي المدينة ومحدِّثها وله خمس وسبعون سنة. وقيل: توفي في العام الماضي . سمع أباه، والزُّهريَّ، وجماعة. قال الحافظ عَبْدُ الغني(١) في كتابه ((الكمال في أسماء الرِّجال)): روى عنه شعبَةٌ، وابنُ مَهدي، وأبو دَاوُد الطَّيالسي، وأحمد بن حنبل، وغيرهم. قال أحمد، ويحيى، وأبو حاتم: ثقة. وقال أبو زُرْعَة: لا بأس به. وقال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل قال: کان وکیع کفّ عن حديث إبراهيم بن سَعْد ثم حدَّث عنه بعدُ. قلت: لِمَ؟ قال: لا أدري، إبراهيم ثقة. وقال ابنُ سعد: كان ثقةً كثير الحديث، وربما أخطأ في الحديث. وقَدِمَ بَغْدَاد فنزلها هو وعياله وولده، وولي بها بيت المال لِهَارُون. وقال ابنُ عَديّ: هو من ثقات المسلمين. حدّث عنه حَمَّاد من الأئمة ولم يتخلّف أحدٌ من الكبار عنه بالكُوفة، والبَصْرَة، وبَغْدَاد. (١) يعني الإِمام الحافظ الكبير عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي المتوفى عام (٦٠٠) هـ. انظر ترجمته ومصادرها في ((سير أعلام النبلاء)) للذهبي (٤٤٣/٢١ - ٤٧١)، وسوف ترد ترجمته في آخر المجلد السادس من كتابنا هذا إن شاء الله تعالى. ٣٨٠