النص المفهرس
صفحات 261-280
وقال في ((العبر)(١): صحب یزید بن أبي حَبْب. وروی عن یُونس مولى أبي هُرَيْرَة وطبقته، وكان مُجاب الدَّعوة. انتهى. وفيها زُفَرُ. قال في ((المعارف))(٢): زُفَرُ بنُ الْهُذَيْلِ بن قَيْس من بني الْعَنْبَرِ، ويُكنّى أبا الهُذَيْلِ، وكان قد سمع الحديث وغلب عليه الرّأَيُ، ومات بالبَصْرَةِ، وكان أَبُوهُ الْهُذَیْل علی أصْبَهَان. انتهى. وقال في ((العبر))(٣): زُفَرُ بنُ الْهُذَيْلِ العَنْبَرِيُّ الفقيهُ صاحب أبي حَنِيْفَة، وله ثمانٍ وأربعون سنة(٤) وكان ثقة في الحديث، موصوفاً بالعبادة، نزل البَصْرَةَ وتفقَّهوا عليه. وفيها عُبَيْدُ اللَّه بن أبي زِيَاد الرُّصَافيُّ الشاميُّ صاحب الزُّهْرِيِّ، وثّقه الدَّارِقُطنيُّ لصحة كتابه. وما روى عنه إلاّ حفيده حَجَّاج بن أبي مَنْع. وفيها عَبْدُ اللَّه بن عَيَّاش الهَمْدَانِيُّ (٥) الكوفيُّ صاحبُ الشَّعْبِيِّ، ويعرف بالمنتوف(٦). وعَوَانَة بن الحَكَمِ البَصرِيُّ الأخباريُّ. وفيها كما قال ابن الجوزي في ((الشذور)): نزل المَنْصُورُ قَصْرَه المُسمى بالخُلْدِ على دِجْلَة، ثم حَجَّ وتوفي ببئر مَيْمُون، وكانت مُدَّة خلافته إحدى (١) (٢٢٩/١). (٢) في الأصل، والمطبوع: ((قال في ((العبر)))) وهو سبق قلم من المؤلف - رحمه اللَّه - فإنه نقل عن ((المعارف)) لابن قتيبة ص (٤٩٦). (٣) (٢٢٩/١). (٤) يعني وقت وفاته رحمه الله. (٥) في المطبوع: ((الهمذاني)) وهو تصحيف. (٦) في الأصل: ((المنشوف)» وهو تحريف، وأثبت ما في المطبوع وهو الصواب. ٢٦١ وعشرين سنة، وأحد عشر شهراً، وأربعة عشر يوماً، وهو مُحْرمٌ وأُخِذَت البَيْعَةُ للمھْدِيِّ. انتھی. قال في ((العبر))(١): توجّه الْمَنْصُور للحَجِّ، فأدركه أُجُهُ يوم سادس ذي الحِجَّة عند بئر مَيْمُون بظاهر مَكَّة مُحْرِمَاً، فأقام الموسم الأمير إِبْرَاهِيْم بن يحيى بن مُحمَّد صبيٍّ أمرد، وهو ابن أخي المَنْصُور، واستخلف الْمَهديَّ، وتوفي وله ثلاث وستون سنة، وكانت أُمّه بَرْبَرِيَّة، وكان طويلاً، مهيباً أسمر، خفيف اللحية، رَحب الجبهة، كأَنَّ عَينيْه لسانان ناطقان، تقبله النُّفُوسُ، وكان يُخالطه(٢) أَبَّهةَ المُلك بزِيِّ أولي النُسك، ذا حَزْمٍ، وعزمٍ، ودَهَاءٍ، ورأيٍ، وشجاعةٍ، وعقلٍ، وفيه جبروتٌ وظلمٌ. انتهى. وقال ابنُ الأَهْدَل: كان لا يبالي أن يُحْرَسَ مُلكه بهلاك مَن كان. وكان قد روى العلم، وعرف الحلال والحرام، وساسَ هو وبنوه مُلْكهم سياسة الملوك، وولّي بعده المَهْدِيّ، وكان المَنْصُور استأذن أخَاهُ السَّفَّح في الحَجِّ، فجاءه نعي السَّفَّاح في بعض الطريق، فسار مُسْرِعاً حتَّى دخل دَار الخلافة، وظفر بالأموال، وتقررت قواعده، ولما أراد إنشاء مدينة السَّلَام - بعد أن مكث سنةً يتردد - فقال له راهبٌ: كأن هناك ما تريد؟ قال: أُريد أن أبني هاهنا(٣) مدينة. قال الرَّاهب: إن صاحبها يُقال له: مِفْلَاص. فقال المَنْصُورُ: أنا والله كنت أُدعى بذلك في الكُتَّاب. ثم قال له منجِّمه: أحكم الآن بالبناء فإنه يتم بناؤها ولا يكون لها في الدُّنيا نظير. قال: ثم ماذا؟ قال: ثم تخرب بعد موتك خراباً ليس بالصحراء ولكن دون العمران، فوضع المَنْصُورُ أول لَبنَة بيده وقال: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿إِنَّ الأَرْضَ للَّه يُوْرِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالعَاقِبَةُ للمُتَّقِيْنَ ﴾ [الأعراف: ١٢٨]. (١) (٢٣٠/١) والمؤلف ينقل عنه بتصرّف. (٢) في ((العبر)): ((يخالط)). (٣) في الأصل: ((هنا)) وأثبت ما في المطبوع. ٢٦٢ ولما تمّ بناؤها وانتقل إلى قصره، وقف يتأمل باب القصر، فإذا عليه مکتوب: ادْخُلِ الْقَصْرَ لاَ تَخَافِ زَوَالا بَعْدَ سِنِّيْنَ مِنْ سِنِيِّكَ تَرْحَلُ (١) فوقف مليّاً، وتغرغرت عيناه، ثم قال: لعبةٌ لغافل، وفسحة لجاهل، وكان وقوفه أنه حَسَبَ ما بقي من عمره من المولد إلى تمام ستين. انتهى. قال المَدَائنيُّ (٢): خرجت مع المَنْصور في حجّته التي مات فيها، فسألني عن سنّي، فقلت: ثلاث وستون، فقال، وأنا فيها، وهي دفّاقة الأعناق، فنزلنا منزلاً، فوجد مكتوباً على الحائط: سِنُؤْكَ وَأَمْرُ اللَّهِ لَا شَكَّ نَازِلُ أَبَا جَعْفَرٍ حَانَتْ وَفَاتُكَ وَانْقَضَتْ يُرُدُّ قَضَاءَ اللَّهِ أَمْ أَنْتَ جَاهِلُ أَبًا جَعْفَرٍ هَلْ كَامِنٌ أَوْ مُنَجِّمْ فجعل يراه وينظر إليه ولا نرى نحن شيئاً. وذكر النووي في ((تهذيبه))(٣) واقِعةٌ جرت له مع سُفْيَان الثَّوْري، وذلك أنه أُرسل لقتل سُفْيَان قبل دخوله مَكَّة، فجاء سُفْيَان إلى الفُضَيْل، وسُفْيَان بن عُيَيْنَة، فضرع لهما، وجلس بينهما، فقالا: اتقِ اللَّه ولا تشمت بنا الأعداء(٤)، (١) البيت في ((مراة الجنان)) اليافعي (٣٥٦/١) وروايته فيه: بعد ستّين من سنيك رحيل ادخل القصر لا تخاف زوالا (٢) قال الزركلي: هو علي بن محمد بن عبد الله المدائني، أبو الحسن، راوية مؤرّخ، كثير التصانيف، من أهل البصرة. سكن المدائن، ثم انتقل إلى بغداد، فلم يزل بها إلى أن توفي سنة (٢٢٥) هـ. أورد ابن النديم أسماء نيّف ومئتي كتاب من مصنفاته في المغازي، والسيرة النبوية، وأخبار النساء، وتاريخ الخلفاء، وتاريخ الوقائع، والفتوح، والجاهليين، والشعراء، والبلدان، قال ابن تغري بردي: وتاريخه أحسن التواريخ وعنه أخذ الناس تواريخهم. بقي من كتبه ((المردفات من قريش)» مطبوع، و((التعازي)) خطّي. انظر «الأعلام)) (٣٢٣/٤) وسوف ترد ترجمته في المجلد الثالث إن شاء الله. (٣) (٢٢٣/١) وقد نقل المؤلف القصة عنه بتصرّف واختصار فراجعها فيه فهي مفيدة. (٤) في الأصل، والمطبوع: ((الأعبد)) وما أثبته من ((تهذيب الأسماء واللغات)). ٢٦٣ فقام سُفْيَانُ إلى البيت وأخذ برِتَاجِهِ(١) وقال: بَرِثْتُ منه إِنْ دَخَلها أَبُو جَعْفَر، فلم يدخلها إلاّ ميتاً. انتهى. وفيها أيضاً مات طاغية الرُّوم قُسْطَنْطِيْن بن ألْيون إلى اللعنة. (١) قال ابن منظور: الرِّتاج والرَّتاج: الباب العظيم، وقيل: هو الباب المغلق ... وقيل: الرِّتاج الباب المغلق وعليه باب صغير، ((لسان العرب)) (رتج). ٢٦٤ سنة تسع وخمسين ومائة فيها ألحّ المَهْدِيُّ على وليِّ العهد عِيْسى بن مُوسى بكل ممكنٍ، وبالرَّغبة والرّهبة في خلع نفسه ليولِّيَ العهد لولده مُوسى الهَادي، فأجاب خوفاً على نفسه، فأعطاه المَهْدِيُّ عشرة آلاف درهم وإقطاعات. وفيها بنى المَهْدِيُّ مسجد الرُّصَافَة، وأعتق الخَيْزُرَان وتزوَّجها. وفيها توفي الإِمام أبو الحارث مُحمَّد بن عَبْدِ الرَّحمن بن الْمُغِيْرَة بن الحَارث بن أبي ذِئب هِشَام بن شُعْبَة القرشيُّ العَامِرِيُّ المدنيُّ الفقيهُ، ومولده سنة ثمان. روی عن عِكْرِمَة، ونافع، وخلق. قال أَحْمَد بن حَنْبَل: كان يشبّه بسَعِيْد بن المُسَيِّب، وما خَلَّفَ مثله. كان أفضل من مَالك، إِلَّ أنَّ مَالِكَاً أشَدُّ تنقية للرِّجال. وقال الواقديُّ: كان ابنُ أبي ذِئب يُصلِّي الليل أَجمع، ويجتهدُ في العبادة، فلو قيل له: إن القيامة تقوم غداً ما كان فيه مزيدٌ من الاجتهاد. وقال أخوه: إنه كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، ثم سرده، وكان شديد الحال، يتعشَّى بالخبز والزَّيْتِ، وكان من رجال العالم صَرَامَةً وقولاً بالحقِّ. وکان یحفظ حديثه، لم یکن له کتاب. وقال أَحْمَد: دخل ابنُ أبي ذِئب على أبي جَعْفَر - يعني المَنْصُور - فلم ٢٦٥ يَهَلْهُ(١) أن قال له: الظلم ببابكَ فاشٍ ، وأبُو جَعْفَرُ أَبُو جَعْفر. حَيَّاهُ يوماً الْمَنْصُوْرُ فلم يقم له، فقيل له: لا تقوم لأمير المؤمنين؟ فقال: إنما يقوم النَّاس لربِّ العالمين. وفيها عَبْدُ الْعَزِيْزِ بن أبي روَّاد [بمكّة](٢) روى عن عِكْرِمَة، وسَالم وطائفة، وخرَّج له الأربعة. قال في ((المغني))(٣): عَبْدُ العَزِيْزِ بن أبي روَّاد [مَيْمُوْن](٤)، صالح الحديث، ضعّفه ابنُ الجُنَيْد. وقال ابنُ حِبَّان: روى عن نافع، عن ابن عُمَرَ نسخةً موضوعةً. انتهى. وقال في ((العبر))(٥): توفي بمَكَّة. روى عن عِكْرِمَة، وسَالم، وطائفة. قال ابن المُبَارَك: كان من أعبد النَّاس. وقال غيره: کان مرجئاً. انتهى. وقال ابنُ الأَهْدَل: رأت امرأةٌ بمكّة الحُور العِيْن حول الكعبة كهيئةٍ الْعُرْسِ ، فقالت: ما هذا؟ فقيل: زواج عَبْدِ العَزِيْزِ، فانتبهتْ فإذا هو مات. وفيها عِكْرِمَة بن عَمَّر اليَمَامِيُّ(٦) روى عن طَاووس وجماعة، وخرَّج له الأربعة، ومسلم. (١) في ((العبر)) للذهبي (٢٣١/١): ((فلم يؤهله)) وهو خطأ، وفي ((تهذيب التهذيب)) لابن حجر (٣٠٦/٩): ((فلم يهبه)): أي فلم يخف منه. (٢) لفظة ((مكة)) سقطت من الأصل، وأثبتها من المطبوع. (٣) (٣٩٧/٢). (٤) زيادة من ((المغني)). (٥) (٢٣٢/١). (٦) في الأصل: ((اليماني)) وهو تحريف، وأثبت ما في المطبوع وهو الصواب. قال ابن الأثير: اليمامي: هذه النسبة إلى اليمامة، وهي مدينة بالبادية من بلاد العوالي = ٢٦٦ قال عاصم بن عَلي: كان مستجاب الدَّعْوَة، وآخِرُ مَن روى عنه يَزِيْد بن عَبْدِ اللَّه اليَمَامي شيخ ابن مَاجَهْ. قال في ((المغني))(١): صدوقٌ مشهورٌ. قال القَطَّان: أحاديثه عن يحيى بن أبي كَثِيْر ضعيفة. وقال أحمد: ضعيف الحديث. ووثّقه ابن مَعِيْن وغيره. وقال الحاكم: أكثرَ مُسلم الاستشهاد به. وقال البخاريُّ: لم يكن له كتابٌ فاضطرب حديثه. انتهى كلام «المغني)). وعَمَّار بن رُزَيْقِ الضَّبيُّ الكوفيُّ. روى عن مَنْصُور، والأُعْمش، وكان كبير القَدْر، عالِماً خيِّراً. قال أبُو أحمد الزُّبَيْرِي(٢): لبعضهم: لو كنتَ اختلفتَ إلى عَمَّر لكَفَاكَ أَهْلَ الدُّنيا. وفيها عِيْسى بن حَقْص بن عَاصم بن عُمَر بن الخَطَّاب المدنيُّ، ولقبه رَبَاحِ. روى عن أبيه، وعن سَعِيْد بن المُسَيِّب، وهو أكبر شيخ للقَعْنَبِيِّ. وفي أولها مَالك بن مِغْوَل البَجَليُّ الكُوْفيُّ. روى عن الشّعبيِّ وطبقته، وكان كثير الحديث ثقةً حجّةً. = أكثر أهلها بنو حنيفة، وبها تنبأ مسيلمة الكذاب. انظر ((اللباب في تهذيب الأنساب)) (٤١٧/٣). (١) (٤٣٨/٢). (٢) في الأصل، والمطبوع: ((الزيتوني)) وهو خطأ، والتصحيح من ((العبر)) (٢٣٢/١)، وقد ذكر المؤلف نسبته على الصواب في ترجمته التي سترد في أول المجلد الثالث إن شاء الله تعالى . ٢٦٧ قال ابنُ عُيَيْنَة: قال له رجل: اتقِ اللَّه، فوضع خدّه بالأرض. وفيها يُونس بن أبي إِسْحَاق السَّبْعِيُّ عن سِنِّ عَاليةٍ. روى عن أَنْس وكبار التابعين، وكان صدوقاً كثير الحديث. قال عَبْدُ الرَّحمن بن مهدي، وغيره: لم یکن به بأس. وفيها أمير خُرَاسَان حُمَيْد بن قَحْطَبَة بن شَبِيْب الطَّائِيُّ، وقد ولي أيضاً الجَزِيْرَةَ وَمِصْرَ. ٢٦٨ سنة ستين ومائة حَجِّ المَهْدِيُّ بالنَّاس، ونزع كُسوة الكعبة كلِّها حتَّى جَرَّدَهَا، ثم طلا البيت بالخَلُوق(١) وقَسَمَ في سفره ثلاثين ألف ألف درهم حملت معه، ووصل إليه من مِصْرَ ثلاثمائة ألف دينار، ومن اليمن مائة ألف، فَقَسَمَ ذلك كله، وفّق من الثياب مائة ألف ثوب وخمسين ألف ثوب. ووسَّع في مسجد رسول اللَّهِ وَّر. قاله ابن الجَوْزي في ((شذور العقود)). وفيها افتتح المسلمون وعليهم عبد الملك المِسْمَعِيُّ مدينةً كبيرةً بالهنْد، وحمل مُحمَّد بن سُلَيْمَان الأمير الثلج حتَّى وافى به مَكَّة للمَهْدِيِّ وهذا شيءٌ لم يتهيأ لأحد. وتوفي في غزوة الهِنْد - في الرَّجعة بالبحر - الرَّبْعِ بن صُبَيْحِ البَصْري صاحب الحَسَن، وقد قال فيه شُعْبَة: هو عِنْدي من سادات المسلمين. وقال أَحْمَد لا بأس به. وفيها لثلاث بقين من جمادى الآخرة، توفي أبو بِسْطَام شُعْبَة بن الحَجَّاجِ بن الوَّرْد العَتْكِيُّ الأزديُّ، مولاهم الواسطيُّ، شيخ البَصْرَة، وأمير (١) في المطبوع: ((بالخلوف)) وهو تصحيف. قال ابن الأثير: الخلوق .. طيبٌ معروفٌ مركبٌ يتخذ من الزَّعفران وغيره من أنواع الطيب، وتغلب عليه الحُمرة والصُّفرة. ((انظر النهاية)) (٧١/٢). ٢٦٩ المؤمنين في الحديث. روى عن مُعَاوِيَة بن قُرَّة، وعَمْرو بن مُرَّة، وخلق من التابعين . قال الشَّافعيُّ: لولا شُعْبَة ما عُرِفَ الحديثُ بالعِرَاقِ. وقال أَبُو زَيْدِ الهَرَويُّ: رأيت شُعْبَة يُصَلِّ حَتَّى ترم قدماه. وكان موصوفاً بالعلم والزُّهد، والقناعة، والرَّحمة، والخير، وكان رأساً في العربية والشعر. وقال أبُو عَبْدِ الرَّحمن النَسائِيُّ: أمناء اللَّه على علم رسول اللَّه - لَه ـ ثلاثة: شُعْبَة بن الحَجَّاج، ويحيى بن سَعِيْد القَطَّان، ومالك بن أَنَس. وفيها توفي المَسْعُودِيُّ عَبْدُ الرَّحمن بن عَبْدِ اللَّه بن عُثْبَة بن عَبْدِ اللَّه بن مَسْعُودٍ الكوفيُّ. روى عن الحَكَم بن عُنَيْبَةِ(١)، وعَمْرو بن مُرَّة، وخلق. وخرَّج له الأربعة . قال أبو حاتم: كان أعلم أهل زمانه بحديث ابنِ مَسْعُود. وتغيَّر قبل موته بسنة أو سنتين. وقال ابنُ حِبَّن: كان صدوقاً إلاّ أنه اختلط في آخر عمره. وقال آخر: كان حسن الحديث. (١) في الأصل، والمطبوع: ((ابن عتبة))، وفي ((العبر)) للذهبي (٢٣٥/١): ((ابن عيينة)) وكلاهما خطأ، والتصحيح من ((تهذيب الكمال)) للمزي (٧٩٨/٢) مصورة دار المأمون للتراث بدمشق. ٢٧٠ - سنة إحدى وستين ومائة . فيها أمر المَهْدِيُّ ببناء القُصور بطريق مَكَّة، واتخاذ المصانع، وتجديد الأميال، وحفر الرَّكايا(١)، وزاد في جامع البَصْرَة، وأمر بنزع المَقَاصِير، وتقصير المنابر، وتصييرها إلى المقدار الذي [كان] عليه منبر رسول الله - وَلِ﴾ - اليوم ففعل ذلك. قاله في ((الشذور)). : - وفيها كان ظهور عَطَاءِ المُقَنَّعِ السَّاحر المَلعون، الذي ادّعى الرُّبوبية بناحية مرو، واستغوى خلائق لا يحصون. قال ابن خلِّكان في ((تاريخه))(٢): عطاء المُقَنَّع الخُرَاسَانِيُّ لا أعرف اسم أبيه. وكان مبدأ أمره قَصَّاراً من أهل مَرو(٣) وكان يعرف شيئاً من السِّحر والنَّيْرَجات، فادّعى الرُّبوبية من طريق المناسخة، وقال لأشياعه والذين اتبعوه: إن اللَّه تعالى تَحَوَّلَ إلى صورة آدم - عليه السلام - فلذلك قال للملائكة: اسجدوا له، فسجدوا له إلا إبليس، فاستحقّ بذلك السخط، ثم تَحَوَّل من صورة آدم إلى صورة نوح، ثم إلى صورة واحد فواحد من الأنبياء - عليهم السَّلام - والحكماء حتَّى حصل في صورة أبي مُسْلم الخُرَاسَاني، ثم زعم أنه انتقل منه إليه، فقبل قوم دعواه، وعبدوه، وقاتلوا دونه، مع ما عاينوا (١) يعني الآبار. انظر ((لسان العرب)) (ركا). (٢) يعني ((وفيات الأعيان) (٢٦٣/٣ - ٢٦٥). (٣) قوله: ((وكان مبدأ أمره قصاراً من أهل مرو)) لم يرد في ((وفيات الأعيان)). ٢٧١ ٠٠ من عظيم ادّعائه وقبح صورته، لأنه كان مُشَوَّه الخَلْقِ، أعور [ألكن، قصيراً، وكان لا يسفر عن وجهه بل اتخذ وجهاً من ذهب فتقنّع به، فلذلك قيل له: المقنّع](١) وإنما غلب على عقولهم بالتمويهات التي أظهرها لهم بالسِّحر والنيرجات، وكان في جملة ما أظهر لهم صورة قمر يطلع فيراه النَّاس من مسيرة(٢) شهرين من موضعه، ثم يغيب، فعظم اعتقادهم فيه، وقد ذكر أبُو العَلَاءِ المَعَري هذا القمر في قوله: ضَلَالٌ وَغَيُّ مِثْلُ بَدْرِ الْمُقْنَّعِ(٣) أَفِقْ إِنَّمَا الْبَدْرُ المُقْنَّعُ رَأْسُهُ وإليه أشار ابن سناء الملك (٤) بقوله : إِلَيْكَ فَلَ بَدْرُ (٥) المُقْنَّعِ طَالِعَاً بَأَسْحَر مِنْ أَلْحَاظِ بَدري المُعَمِّمِ ولما اشتهر أمر ابن المُقَفَع وانتشر ذِكره، ثار عليه النَّاس، وقصدوه في قلعته التي كان قد اعتصم بها، وحصروه، فلما أيقن بالهلاك جَمَعَ نساءه وسَقَاهُنَّ سمّاً فمتن [منه](٦) ثم تناول شربة من ذلك السُّم فمات، ودخل المسلمون قلعته فقتلوا مَن فيها من أشياعه وأتباعه، وذلك في سنة ثلاث وستين ومائة، لعنه الله تعالى، ونعوذ بالله من الخذلان. انتهى ملخصاً. وقال ابنُ الأَهْدَل بعد كلام طويل: كان لا يُسفر عن وجهه لقبح صورته، ولذلك قيل له: المقنّع، ثم اتخذ وجهاً من ذهب فتقنّع به، وعبده خلقٌ كثيرٌ وقاتلوا دونه، وانتُدِبَ لحربه سَعِيْد الحَرَشي (٧) ولما أحسّ بالغلبة (١) ما بين الحاصرتين زيادة من ((وفيات الأعيان)). (٢) في ((وفيات الأعيان)): ((من مسافة)). (٣) البيت في ((سقط الزند) لأبي العلاء المعرّي ص (١٦٥). (٤) هو أبو القاسم هبة الله بن جعفر بن سناء الملك السعدي، المتوفى سنة (٦٠٨) هـ، وسوف ترد ترجمته في المجلد السابع من طبعتنا هذه إن شاء الله. (٥) في ((وفيات الأعيان)): ((فما بدر)). (٦) لفظه ((منه)) زيادة من ((وفيات الأعيان)). (٧) في الأصل، والمطبوع: ((الجرشي)) وهو تصحيف، والتصحيح من ((تاريخ الطبري)) = ٢٧٢ استعمل سمّاً وسقى نساءه، ثم شربه فماتوا كلهم. انتهى ملخصاً أيضاً. - وفيها توفي أَبُو دُلَمَة زَنْد - بالنون - بن الجَوْن صاحب النوادر، أنشد المَهْدِيَّ لما ورد عليه بَغْدَاد: بِقُرَى الْعِرَاقِ وَأَنْتَ ذَا وَفْرِ(٢) إِنِي حَلَفْتُ (١) لَئِنْ رَأَيْتُكَ سَالِمَاً وَلِتَملَأَنَّ دَرَاهِمَاً حِجْرِي(٣) لَتُصَلِّيَنَّ عَلَى النَّبيِّ مُحمَّدٍ فقال المَهْدِيُّ: أما الأولى فنعم، فقال: جُعِلْتُ فداك لا تفرّق بينهما، فملأ له حجره دراهم. واستدعى طبيباً لعلاج وجعٍ فداواه على شيءٍ معلومٍ، فلما برأ قال له أبو دُلَامَةٍ: واللَّه ما عندنا شيءٌ ولكن ادع المقدار على يهودي وأشهد لك أنّا وولدي، فمضى الطبيب إلى القاضي مُحمَّد بن عَبْدِ الرَّحمن بن أبي لَيْلِى، وقيل: عَبْدُ اللَّه بن شُبْرُمَة، فادّعى الطبيب وأنكر اليهودي، فجاء بأبي دُلامة وابنه، وخاف أبو دُلامَة أن يطالبه القاضي بالتزكية، فأنشد في الدهليز بحيث يسمعه القاضي : وَإِن بَحَثُوا عَنّي فَفِيْهم مَبَاحِثُ إِنِ النَّاسُ غَطَّوْنِي تَغَطَّيْتُ عَنْهُمُ لِيَعْلَمَ قَوْمٌ كَيْفَ تِلْكَ الْبَثَابِثُ (٤) وَإِنْ نَبَشُوا بِثْرِي نَبَشْتُ بِثَّارَهم = (١٣٥/٧). قال ابن الأثير في ((اللباب)) (٣٥٧/١): الحرشي: هذه النسبة إلى بني الحريش بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، نزلوا البصرة ومنها تفرقوا. (١) كذا في الأصل، والمطبوع، و((مرآة الجنان)) (٣٥٨/١): ((إني حلفت)) وفي ((الأغاني)): ((إني نذرت)». (٢) في ((مرآة الجنان)) و((الأغاني)): ((وأنت ذوفر)). (٣) البيتان في ((الأغاني)) (٢٥٣/١٠) و((مرآة الجنان)) (١٥٨/١). (٤) البيتان في ((مرآة الجنان)) (٣٥٩/١) وفيه: ((البثائث)). وروايتهما في ((لسان العرب)) (نبث): إن الناس غطوني تغطيت عنهم وإن بحثوني كان فيهم مباحث = ٢٧٣ ٠ فقال له القاضي: كلامك مسموعٌ وشهادتك مقبولة، ثم غرم القاضي المبلغ من عنده. ونوادره كثيرة جداً، وهو مطعون فيه، وليست له رواية. وفي شَعبان منها، توفي الإِمام أَبُو عَبْدِ اللَّه سُفْيَان بن سَعِيْدِ الثَّوْرِي الفقيه، سيِّدُ أهل زمانه علماً وعملاً، وله ستُّ وستون سنة. روى عن عَمْرو بن مُرَّة، وسِمَاك بن حَرْب، وخلق کثیر. قال ابنُ المُبَارك: كتبتُ عن ألف شيخ ومائة شيخ(١) ما فيهم أفضل من سُفْيَان. ٠ وقال شُعْبَة، ويحيى بن مَعِيْن، وغيرهما: سُفْيَانُ أمير المؤمنين في الحدیث. وقال أحمد بن حَنْبَل: لا يتقدم على سُفْيَان في قلبي أحدٌ. وقال يحيى القَطّان: ما رأيت أحفظ من الثَّوْرِيِّ، وهو فوق مَالك في كل شيءٍ. وقال سُفْيَان: ما استودَعتُ قلبي شيئاً قطُّ فخانني . وقال ورْقاء(٢): لم يرَ الثَّوْرِيُّ مثل نفسه. فسوف ترى ماذا ترد النبائث وإن نبثوا بئري نبثت بئارهم = (١) في ((العبر)) للذهبي (٢٣٦/١): ((كتبت عن ألف ومئة)). (٢) هو ورقاء بن عمر اليشكري، أبو بشر، أصله من خوارزم، كان يسكن المدائن مدةً، وبغداد زمناً، ومات بالمدائن على تيقظ فيه وإتقان. وكان صدوقاً صالحاً. انظر ترجمته في («مشاهير علماء الأمصار)) لابن حِبَّان ص (١٧٥)، و((تهذيب الكمال)) (١٤٦٠/٣ - ١٤٦١) مصوّرة دار المأمون للتراث، و((الكاشف)) للذهبي (٢٠٦/٣)، و((تهذيب التهذيب)» لابن حجر (١١٣/١١ - ١١٥)، وسوف ترد ترجمته في صفحة (٢٧٦). ٢٧٤ وكان سُفْيَانُ كثير الحطُّ على المَنْصُوْرِ لظلمه، فهمَّ به وأراد قتله، فما أمهله اللَّه، وأثنى عليه أئمة عصره بما يطول ذِكره، وكان أقسم بربِّ البيت أنَّ المَنْصُورَ لا يدخلها - أي الكعبة - وفي روايةٍ قال: برئت منها - يعني الكعبة - إن دخلها مَنْصُوْر، ودخل على المَهْدِيِّ فسلّم عليه تسليم العامة، فأقبل عليه المَهْدِيُّ بوجه طلق، وقال: تفر هاهنا وهاهنا، أتظن أن لو أردناك بسوء لم نقدر عليك؟ فما عسى أن نحكم الآن فيك؟ فقال سُفْيَانُ: إن تحكم الآن فيَّ يحكم فيك ملكٌ، قادرٌ، عادلٌ، يفرّق بين الحَق والباطل، فقال له الرَّبِيْعُ مولاه: ألهذا الجاهل أن يستقبلك بهذا؟ ائذن لي في ضرب عنقه، فقال المَهْدِيُّ: ويلك اسكت، وهل يريد هذا وأمثاله إلاّ أن نقتلهم فنشقى بسعادتهم؟ اكتبوا عهده على قضاء الكوْفَةِ، على أن لا يعترض عليه فيها حكم، فخرج فرمى بالكتاب في دِجْلَة وهرب، فَطُلِبَ فلم يُقدَر عليه، وتولى قضاءها عنه شَرِيْك بن عَبْدِ اللَّه النَّخَعَيّ، فقال فيه الشَّاعر: تَحرَّزَ سُفْيَانْ فَفَرَّ(١) بدِيْنِهِ وَأَمْسِىْ شَرِيْكُ مَرْصَداً للدَّرَاهِمِ ومات سُفْيَان بالبَصْرَة متوارياً، وكان صاحب مذهب. قال ابنُ رَجَب: وجد في آخر القرن الرابع سفيانيون. ومناقبه تحتمل مجلدات، ورآه بعضهم بعد موته فسأله عن حاله فقال: هَنْئاً رِضَائِي عَنْكَ يا بْنَ سَعِيْدٍ نَظَرْتُ إلى رَبِّي عِيَاناً فَقَالَ لي بِعَبْرَةِ مُشْتَاقٍ وَقَلْبٍ عَمِيْدٍ لَقَدْ كُنْتَ قَوَّامَاً إِذَا أَظْلَمَ الدُّجى وَزُرْنِي فَإِنِي مِنْكَ(٢) غَيْرُ بَعِيْدِ(٣) فَدُوْنَكَ فَاخْتَر أَيَّ قَصْدٍ أَرَدْتَهُ (١) في ((مرآة الجنان)) (٣٦٣/١): ((وفرً)). (٢) في ((مرآة الجنان)): ((عنك)). (٣) الأبيات في ((مرآة الجنان)) (٣٦٣/١). ٢٧٥ وفيها، في أولها، توفي أَبُو الصَّلْت زَائِدَة بن قُدَامَةِ الثَّقَفِيُّ الْكُوْفيُّ الحافظُ. روى عن زِيَاد بن عِلَاقَة وطبقته. وقال أبو حاتم: ثقةٌ صاحبُ سُنَّة. وقال الطَّيَالسي: كان لا يحضر صاحب بدعة. وحَرْبُ بن شَدَّاد اليَشْكُرِيُّ البَصْرِيُّ. روى عن شَهْر بن حَوْشَب، والحسن، ويحيى بن أبي کَثْر. قال في ((المغني))(١): حَرْبُ بن شَدَّاد، عن ابن أبي كَثِير، ثقةٌ، كان يحيى القَطَّان لا يُحدِّثُ عنه. وقال يحيى بن معين، صالحٌ. انتهى. وقد خرَّج له الشيخان، وأبو داود، والترمذي، وغيرهم. وفيها سَعِيد بن أبي أُيُوب المِصْرِيُّ، وقد نيف على الستين. روى عن زُهْرَة بن مَعْبَد(٢) وجماعة. وفيها وَرْقَاء بن عُمَر الْيَشْكُرِيُّ الْكُوْفِيُّ بِالمَدَائن. روى عن عُبَيْد اللَّه (٣) بن أبي يَزِيْد، ومَنْصُور وطبقتهما. قال في ((المغني)) (٤): ثقةٌ ثَبْتُ. قال القَطَّان: لا يساوي شيئاً. انتهى. قال أَبُو دَاوُد الطَّيَالسي: قال لي شُعْبَة: عليك بوَرْقَاء فإِنك لن تلقى مثله حتَّی ترجع. وقال أَحْمَد: كان ثقة صاحبَ سُنَّة. وفيها هِشَام بن سَعْد. (١) (١٥٣/١). (٢) في ((العبر)) (٢٣٧/١): ((عن أبي زهرة)) وهو خطأ فيصحّح فيه. (٣) في الأصل: ((عن عبد اللَّه)) وهو خطأ، وأثبت ما في المطبوع وهو الصواب. (٤) (٧١٩/٢). ٢٧٦ قال في ((المغني))(١): هِشَامُ بن سَعْد مولى بني مَخْزُوم. صدوقٌ مشهورٌ، ضعّفه النّسَائيُّ وغيره، وكان يحيى القَطَّان لا يحدِّث عنه. وقال أحمد: ليس هو محكمٌ للحديث. وقال ابنُ عَدي: مع ضعفه یُکتب حديثه. وقال ابن مَعِيْن: ليس بذاك القوي. قال الحاكم: روى له مسلم في الشواهد. انتهى. وفيها دَاوُد بن قَيْس المَدنيُّ الفَرَّاء الدَّبَّاغ. روى عن المَقْبُريِّ، وطبقته. وأَبُو جَعْفَرِ الرَّازِيُّ عِيْسى بن مَاهَان. روى عن عَطَاء بن أبي رَبَاح، والرَّبْعِ بن أَنَس الخُرَاسَاني، وكان زميل المَهْدِيِّ إلى مَكَّة. وفيها - قال ابنُ الأَهْدَل: أو في سنة أربع وتسعين - إمام النَّحو عَمْرو بن عُثْمَان المعروف بـ سِيْبَوَيْهِ الحَارثي مولاهم، أخذ النحو عن عِيْسى بن عُمَر، واللغة عن أبي الخَطَّاب الأخْفَش الأكبر وغيره. قيل: ولم يقرأ عليه كتابه قطُ، وإنما قُرىء بعد موته على الأَخْفَش. قال ابن سَلَّم: سألت سِيْبَيْه عن قوله تعالى: ﴿فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيْمَانُهَا إِلَّ قَوْمَ يُؤْنُسَ﴾ [يونس: ٩٨] بأيّ شيءٍ نصب قوم؟ قال: إذا كانت إلاّ بمعنى لكن نصب. قيل: وكان أعلم المتقدمين والمتأخرين بالنحو، ولم يصنّف فيه مثل كتابه. وكان الخَلِيْلُ إذا جاءه سِيْبَوَيْهِ يقول: مرحباً بزائرٍ لا يُملّ. وتناظر هو والكِسَائيُّ في مجلس الأمين، فظهر سِيْبَوَيْه بالصواب، وظهر الكِسائيُّ بتركيب الحُجَّة والتعصّب. انتهى كلام ابن الأهْدَل. (١) (٧١٠/٢). ٢٧٧ وقال الشُّمُنِّيُّ في ((حاشيته)) على ((المغني)): أما سِيْبَوَيْهِ، فَعَمْرو بن عُثْمَان بن قَنْبر أبو بِشْر (١) طلب الآثار والفقه، ثم صحب الخَلِيْل، وبَرَعَ في النحو، وهو مولى لبني الحَارِث بن كَعْب، ويُكنى أيضاً أبا الحَسَن، وتفسير سيبويه بالفارسية: رائحة التفاح. قال إِبْرَاهِيْم الحَربي: سمي بذلك لأن وجنتيه كانتا كأنهما تفاحتان. قال المُبَرَّد: كان سِيْبَوَيْه، وحَمَّاد بن سَلَمَة: أعلم بالنحو من النَّضْر بن شُمَيْل، والأَخْفَش. وقال ابنُ عَائِشَة: كنّا نجلس مع سِيْبَوَيْه في المسجد، وكان شاباً جميلاً نظيفاً قد تعلَّق من كل علمٍ بسبب مع حداثة سِنّه. وقال أبُو بَكْر العَبْدِيُّ النحويُّ: لما ناظر سِيْبَوَيْهِ الكِسائِيَّ ولم يظهر، سأل مَن يرغب من الملوك في النحو؟ فقيل له: طَلْحَة بن طَاهر، فَشَخَصَ إليه إلى خُرَاسَان فمات في الطريق. ذكر بعضهم أنه مات سنة ثمانين ومائة وهو الصحيح، كذا قال الذَّهبِيُّ، ويقال: سنة أربع وتسعين ومائة. انتهى كلام الشُّمُنِّي. وما قاله هو الصواب. وانظر تناقض ابن الأَهْدَل، كيف ذكر موته سنة إحدى وستين، وذكر أن ما جريته مع الكِسَائيِّ في مجلس الأمين، وما أبعد هذا التناقض، فلعله لم يتأمل. وأما صاحب ((مغني اللبيب عن كتب الأعاريب)) فقد ذكر ذلك وذكر أن المناظرة کانت عند یحیی بن خالد البرمكي، فلنورد عبارته بحروفها وإن كان فيها طول، لما فيها من الفوائد، فنقول: قال ابن هشام في ((المغني))(٢): مسألة: (١) في الأصل: ((ابن بشر)) وهو خطأ، وأثبت ما في المطبوع وهو الصواب. (٢) ص (١٢٢ - ١٢٣)، طبع دار الفكر ببيروت، بتحقيق العالم الفاضل الدكتور مازن المبارك والأستاذ الفاضل علي حمد الله. ٢٧٨ قالت العرب: قد كنتُ أظنُّ أن العقربَ أشدُّ لسعةً من الزُّنبور، فإذا هوَ هيَ، وقالوا أيضاً: فإذا هو إِياها، وهذا هو الوجه الذي أنكره سِيْبَوَيْه لَمَّا سأله الكِسَائِيُّ، وكان من خبرهما أنَّ سِيْبَيْهِ قَدِمَ على البرامكة، فعزم يحيى بن خَالِدٍ على الجمع بينهما، فجعل لذلك يوماً، فلما حضر سِيْبَوَيْه تقدَّم إليه الفرَّاء، والأَحْمَر(١) فسأله الأَحْمَر (١) عن مسألة فأجاب فيها، فقال له: أخطأت، ثم سأله ثانية وثالثة، وهو يجيبه، ويقول له: أخطأتَ، فقال [له سِيْبَوَيْهِ](٢): هذا سوء أدب، فأقبل عليه الفَرَّاء، فقال [له](٣): إن في هذا الرجل حِدَّةً وعجلة، ولكن ما تقول فيمن قال: هؤلاء أبُون ومررتُ بأبين؟ كيف تقول على مثال ذلك من وأيْتُ أو أويتُ، فأجابه، فقال: أعدِ النظر، فقال: لست أُكلِّمكما حتَّى يحضر صاحبكما، فحضر الكِسَائِيُّ، فقال له [الكِسَائيُّ] (٤): تسألني أو أسألك؟ فقال له سِيْبَوَيْهِ: سَلْ أنت؟ فسأله عن هذا المثال، فقال سِيْبَوَيْه: فإذا هو هي، ولا يجوز النصب، وسأله عن أمثال ذلك نحو: خرجتُ فإذا عبدُ اللَّه القائمُ، أو القائمَ، فقال [له](٥): كلُّ ذلك بالرفع، فقال له الكِسَائيُّ: العربُ ترفع كُلَّ ذلك وتنصبه(٦) فقال يحيى: قد اختلفتما، وأنتما رئيسا بلديكما، فَمَن يحكم بينكما؟ فقال له الكِسَائيُّ: هذه العرب (١) في الأصل، والمطبوع: ((وخلف)) وهو خطأ تبع فيه المؤلف ابن هشام والتصحيح من حاشية التحقيق في (مغني اللبيب))، وقد جاء في ((الحاشية)) أيضاً ((الأحمر)) هو علي بن المبارك الكوفي تلميذ الكسائي المتوفى سنة (١٩٤) هـ، وإنما تضمنت القصة ذكر لقبه فقط، فظن ابن هشام، وصاحب ((الإنصاف)) ص (٧٠٣) قبله أنه ((خلف الأحمر)) البصري المتوفى سنة (١٨٠) هـ، والقصة في ((مجالس العلماء)) ص (٨). (٢) ما بين الحاصرتين زيادة من ((مغني اللبيب)). (٣) زيادة من ((مغني اللبيب)). (٤) زيادة من (مغني اللبيب)). (٥) زيادة من (مغني اللبيب)). (٦) في ((مغني اللبيب)): ((وتنصب)). ٢٧٩ ببابك، قد سمع منهم أهل البلدين، فيُحضرون ويُسألون، فقال يحيى، وجَعْفَر (١): أنصفت، فأحضِرُوا، فوافقوا الكِسَائِيَّ، فاستكان سِيْبَوَيْهِ، فأمر له يحيى بعشرة آلاف درهم، فخرج إلى فَارس، فأقام بها حتَّى مات، ولم يعد إلى البَصْرَةِ، فيقال: إن العرب [قد](٢) أُرْشُوا (٣) على ذلك، أو إنهم علموا منزلةً الكِسَائِيِّ عند الرَّشِيْد، ويقال: [إنهم] (٤) إنما قالوا القولُ قول الكِسَائِيِّ، ولم ينطقوا بالنصب، وإنَّ سِيْوَيْه قال ليحيى: مُرْهم أن ينطقوا بذلك، فإنَّ ألسنتهم لا تطوع به، ولقد أحسن الإِمام الأديب أبو الحَسَن [حَازِم](٥) بن مُحمَّد الأنصاري [القرطاجنُّيُّ](٦) إذ قال في منظومته في النحو حاكياً هذه الواقعة والمسألة: إِذَا عَنَتْ فَجْأَةُ الأَمْرِ الذي دَهَمَا وَالْعُرْبُ قَدْ تَحْذِفُ الأَخْبَارَ بَعْدَ إِذَا ورُبَّما (٧) رَفَعُوا مِنْ بَعْدِهَا رُبَما وَجْهُ الحَقِيْقَةِ مِنْ إِشْكَالِهِ غَمَمَا أَهْدَتْ إلى سِيْبَوَيْهِ الحَتْفَ والْغَمَمَا قِدْماً أَشدَّ مِنْ الزُّنْبورِ وَقْعَ حِما أَوْ هل إِذَا هُوَ إِيَّاهَا قَدِ اخْتَصَمَا مَا قالَ فِيْهَا أبا بِشْرٍ وقَدْ ظَلَمَا وَرُبَّمَا نَصَبُوا بِالحَالِ بَعْدَ إِذَا فَإِنْ تَوَالِى ضَمِيْرَانِ اكْتسى بِهِمَا لِذَاكَ أَعْيَتْ عَلى الأَفْهَامِ مَسْأَّلَةٌ قَدْ كَانَتْ الْعَقْرَبُ الْعَوْجَاءُ أَحْسِبُهَا وفي الجَوَابِ عَلَيْهَا هَلْ إذَا هُوَ هِي وَخَطَّأْ ابْنُ زِيَادٍ وابنُ حَمْزَةً في (١) في المطبوع: ((جعفر، ويحيى)) وما جاء في الأصل موافق لما في ((مغني اللبيب)). (٢) زيادة من (مغني اللبيب)). (٣) في مغني ((اللبيب)): (رُشوا). (٤) زيادة من ((مغني اللبيب)). (٥) لفظة ((حازم)) زيادة من (مغني اللبيب)). (٦) لفظة ((القرطاجني)) زيادة من ((مغني اللبيب)). (٧) في الأصل، والمطبوع: ((وبعدما)) وقد أثبت ما في ((مغني اللبيب)). ٢٨٠