النص المفهرس

صفحات 201-220

سنة أربع وأربعين ومائة
فيها سَارَ جيش العِرَاق، والجَزِيْرَة لغزو الدَّيْلَم، وعلى النَّاس مُحمَّد بن
السَّفَّاحِ.
وحج بالنَّاس المَنْصُور، وأهمَّه شأْنُ مُحمّد بن عَبْدِ الله بن حَسَن، وأخيه
إِبْرَاهِيْم لتخلَّفهما عن الحضور عنده، فوضع عليهما العُيُون(١) وبذل الأموال،
وبالغ في تَطَلُّبهما لأنه عرف مَرَامَهُمَا، وقبض على أبيهما فسجنه في بضعة
عشر من أهل البيت وماتوا في سجنه.
قيل: طرحهم في بيت وَطَيِّنَ عليهم حتَّى ماتوا.
ولما بلغ مُحمَّداً وفاةُ أبيه ثار بالمَدِيْنَةِ، وسجن متولِّيها، وتتبّع أصحابه،
وخطب النَّاس، وبايعوه طَوْعاً وكَرْهاً، واستعمل على مَكَّةً، واليَمَن، والشَّام
عُمَّالاً لم يتمكّنوا، وأحبّه النَّاس حُبّاً عظيماً، وكان فيه من الكمال وخصال
الفَضْل، ويُشْبِهُ النَّبِيَّ - وَ - فِي الخَلْقِ والخُلُق، واسمِه واسم أبيه، حتّى
قیل: إن خاتمهُ بین کتفیه، وكان أهل المدينة يعدون فيه من الكمال ما لو جاز
أن يَبْعَثَ الله نبياً بعد مُحمّد - وَلَ - لكان هو.
وتكاتب هو والمَنْصُور مكاتباتٍ عظيمة، ولِكليهما قولٌ فصلٌ جزلٌ،
والحق والتحقيق في جانب مُحمِّد.
(١) أي الجواسيس. قال ابن منظور: قال ابن سيدَةً: العَيْنُ الذي يُبْعَثُ ليتجسس الخبر،
ويسمى ذا العينين، ويقال تسمية العرب ذا العينين وذا العوينتين، كله بمعنىٍ واحدٍ ((لسان
العرب)) (عين).
٢٠١

وقد كان المَنْصُور، والسَّفَّح في خلافة الأمويين من الدُّعاة إلى مُحمَّد بن
عَبْدِ الله هذا، ولما أعيا المنْصُور أمره، جهز إلیه ابن عمه عِيْسی بن مُوسی بن
مُحمَّد بن عَلي بن عَبْدِ الله بن عَبَّاس، وقال: لا أبالي أيُّهما قَتَلَ صاحبه، لأن
عِيْسى ولي العهد بعد المَنْصُور، على ما رتَبه لهم السَّفَّاح، فسار عِيْسَى في
أربعة آلاف، وكتب إلى الأشراف يستميلهم، فمال كثيرٌ منهم، وتحصَّن
مُحمَّد بالمَدِيْنَةِ، وأُعْمَقَ خَنَادِقَهَا، وزحف عليه عيسى، وناداه بالأمان، وناشده
الله، ومُحمَّد لا يرعوي لذلك، ولما ظهر له وتخاذل أصحابه، اغتسل وتحنّط،
وقاتلهم بنفسه قتالاً شديداً ومعه ثمانون رجلاً، وقَتَلَ بيده اثني عشر رجلاً ثم
قُتل، واستشهد لثنتي عشرة ليلة من رمضان سنة خمسٍ وأربعين، وله اثنتان
وخمسون سنة، وقبره بالبقيع مشهورٌ مزورٌ، وبُعث برأسه إلى المَنْصُور،
وكانت مدة قيامه شهرين واثني عشر يوماً.
وخرج أخوه إبْرَاهِيْم بالبَصْرَة في هذه السنة أيضاً. وقد كان سار إليها
من الحِجَاز، فدخلها سرّاً في عشرة أنفس، فدعا إلى نفسه سراً، وجرت له
أمورٌ، وتهاون متولِّي البَصْرَة في أمر إبْرَاهِيْم حتَّى اتَّسع الخرق، وخرج أول
ليلة من رمضان، ونزل إليه متولِّي الْكُوفَة بالأمان، ووجد إبْرَاهِيْمُ في بيت
المال ستمائة ألف، ففرقها في أصحابه، ولما بلغ الْمَنْصُور خروجه، تحوّل
إلى الْكُوْفَةِ ليأمن غائلة أهلها، وألزم النَّاس لبس السواد، وجعل يقتلُ ويحبسُ
من اتَّهمه، وبعث إبْرَاهِيْمُ عاملاً إلى الأُهْوَاز، وآخرَ إلى فارسَ وسائر البلدان،
فأتاه مقتل أخيه بالمَدِيْنَةِ قبل عِيْد الفطر بثلاثٍ، فَعَيَّدَ مُنكسراً، وجهز المَنْصُور
لحربه خمسة آلاف، فكان بينهما وقعات قتل فيها خلق عظيم، ولم يبرح
المَنْصُورُ حتَّى قدم عِيْسَى من المدينة فوجَّهه إلى إبْرَاهِيْم، وجعل المَنْصُور
لا یقُّ له قرارٌ، ولا یأوي إلى فراشٍ خمسين ليلة، كل ليلة یأتیه فتق من ناحية،
وعنده مائة ألف بالكُوْفَةِ، ولو هجم عليه إِبْرَاهِيْم بالكُوْفَةِ لأُوْقَعَ به، ولکنه قال:
٢٠٢

أخافُ أن يستباح الصغير والكبير. فقيل له: إذا كان هذا فلم خرجت عليه؟
فالتقى الجمعان على يومين من الْكُوْفَةِ، فظهر جيش إِبْرَاهِيْم، وتهيّا له الفتح،
لولا حملة من عِيْسى بن مُؤْسَى، وظاهره ابنا سُلَيْمَان بن علي، فكسروا جيش
إبْرَاهِيْم، وجاءه سهمٌ فوقع في حَلْقة(١) فأنزلوه وهو يقول: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ
قَدَرَاً مَقْدُوْرَاً﴾ [الأحزاب: ٣٨]. وبعثوا برأسه إلى المَنْصُور، وقتِل وسِنُه
ثمان وأربعون سنة(٢) وهرب أهل البَصْرَة بحراً وبرّاً.
وكان خرج مع إبْرَاهِيْمْ كثيرٌ من القرَّاء، والعلماء، منهم: هُشَيْم، وأَبُو
خالد الأَحْمَر(٣) وعِيْسى بن يُونس، وعَبَّاد بن العَوَّام، وَيَزِيْد بن هَارُون، وأُبُو
حَنِيْفَة، وكان يجاهر في أمره، ويحثُّ النَّاس على الخروج معه، كما كان
مَالك يحثُّ النَّاس على الخروج مع أخيه مُحمَّد.
وقال أبو إسْحَاق الفَزَارِيُّ لأبي حَنِيْفَة: ما اتَّقَيْتَ الله حيث حثتَ أخي
على الخروج مع إبْرَاهِيْم فقتل، فقال: إنه كما لو قتل يوم بدر.
(١) قال ابن الأثير: الحلقة السلاح عاماً، وقيل: هي الدُّرُوع. ((النهاية)) (٤٢٧/١).
(٢) لفظة ((سنة)) سقطت من المطبوع.
(٣) في الأصل، والمطبوع: ((أبو خلد الأحمر)).
وهو سليمان بن حيَّان الأزديُّ الكوفيُّ. حدَّث عن: حُمَيْد الطويل، وسليمان التيمي،
وهشام بن عروة، وليث بن أبي سُليم، وأبي مالك الأشجعي، وإسماعيل بن أبي خالد، وعدة.
وحدَّث عنه: أحمد بن حنبل، ومحمد بن عبدالله بن نمير، وأبو بكر بن أبي شيبة،
وإسحاق بن راهويه، وأبو كُرَيْب، وأبو سعيد الأشجُّ، ويوسف بن موسى، وهنّاد، والحسن بن
حمّاد سجَّادة، والحسن بن حمّاد الضبي، والحسن بن حماد المرادي، وخلق. قال العجليُّ:
ثقة، يؤاجر نفسه من التجار. وقال أبو حاتم: صدوق، ووثقة جماعة. وقال ابن معين:
صدوق وليس بحجة، وتابعه على هذا ابن عدي. وقال معاوية بن صالح عن ابن معين: هو
ثقة، وليس بثبتٍ. قلت (القائل الحافظ الذهبي): كان موصوفاً بالخير، والدِّين، وله هفوة،
وهي خروجه مع إبراهيم بن عبدالله بن حسن، وحديثه محتجٌّ به في سائر الأصول. توفي سنة
تسع وثمانين ومائة. عن ((سير أعلام النبلاء)) (١٩/٩ - ٢١) طبع مؤسسة الرسالة.
٢٠٣

وقال شُعْبَة: والله لهي عندي بدر الصغرى.
وقال ابن قُتَيْبَة في ((المعارف))(١): فأما الحسن بن الحسن بن علي فولَد
عَبْدَ الله، والحَسَن، وإِبْرَاهِيْم، وجَعْفَراً، ودَاوُد، ومُحمِّداً.
وكان عَبْدُ الله بن الحَسَن بن الحَسَن(٢) يُكنى أبا مُحَمِّد، وكان خَيِّراً،
فاضلاً، ورؤي يوماً يمسح على خُفَّيه، فقيل له: تمسح؟ فقال: نعم، قد
مَسَحَ عُمَرُ بن الخَطَّاب، ومن جعل عُمَرَ بينه وبين الله فقد استوثق.
وكان مع أبي العَبَّاس - أي السفاح - وكان له مُكرماً، وبه آنساً.
وأخرج يوماً سَفَطاً(٣) فيه جوهر، فقاسمه إياه، وأراه بناءً قد بناه، وقال
له: كيف ترى هَذَا؟ فقال متمثِّلًا:
قُصُوْرَاً نَفْعُهَا لبني بُقَيْلَه
أَلَمْ تَرَ حَوْشَبَاً أَمْسَىْ يُبِّي
وَأَمْرُ الله يَحْدُثُ كُلَّ لَيْلَه
يُؤْمِّلُ أَنْ يُعَمِّرَ عُمْرَ نُوْحٍ
فقال له: أنتمثل(٤) بهذا وقد رأيت صنيعي بك؟ فقال: والله ما أردتُ
بها سوءاً، ولكنها أبياتٌ حضرت، فإنْ رأى أمير المؤمنين أن يحتمل ما كان
مني! فقال: قد فعلت. ثم رَدَّهُ إلى المَدِيْنَةِ.
فَلَمَّا ولي أَبُو جَعْفَر ألحّ في طلب ابنيه مُحمَّد وإبْرَاهِيْم ابني عَبْدِ الله
فتغيَّيا(٥) بالبادية، فأمر أَبُو جَعْفَر أن يؤخذ أبُوهما عَبْدُ الله وإخوته حَسَن،
وَدَاوُد، وإبْرَاهِيْم، وأن يُشَدُّوا وَثاقاً ويبعث بهم إليه، فوافَوْه في طريق مكّة
(١) ص (٢١٢ - ٢١٣) والمؤلف ينقل عنه مع بعض التصرف.
(٢) في الأصل، والمطبوع: ((عبدالله بن حسن بن حسن)) وأثبت ما في ((المعارف)) لابن قتيبة.
(٣) قال الفيروز آبادي: السَفَطُ كالجوالق، أو كالقفة. ((القاموس المحيط)) (٣٧٨/٢).
(٤) في ((المعارف)): ((أتمثل)).
(٥) في الأصل، والمطبوع: ((وتغيبا)) وأثبت ما في ((المعارف)) لابن قتيبة.
٢٠٤

بِالرَّبَذَةِ، مُكتَّفين، فسأله عَبْدُ الله أن يأذن له عليه، فأبى أَبُو جَعْفَر، فلم يَرَهُ(١)
حتَّى فارق الدُّنيا، ومات في الحبس وماتوا، وخرج ابناه مُحمَّد وإبْرَاهِيْم على
أبي جَعْفَر، وغلبا على المَدِيْنَةِ، وَمَّة، والبَصْرَة، فبعث إليهما مُوسى بن
عِيْسِى، فَقَتَلَ مُحمَّداً بِالْمَدِيْنَةِ، وقتل إبْرَاهِيْم بـ باخَمْرًا على ستة عشر
فرسخاً من الكُوْفَةِ .
وإذْرِيْس بن عَبْدِ الله بن حَسَن، أخوهما هو الذي سار إلى الأندلس،
والبربر، وغلب عليهما. انتهى.
وفيها - أي في سنة أربع وأربعين - توفي أَبُو مَسْعُود سَعِيْد بن إياس
الجُرَيْرِيُّ الْبَصْرِيُّ محدِّثُ البَصْرَةِ. روى عن أبي الطُّفَيْلِ وعدَّة، وكان إماماً،
حافظاً، ثبتاً، إلاّ أنه ساء حفظه وتغير قبل موته.
وفقيه الكُوْفَةِ أَبُو شُبْرُمَةِ عَبْدالله بن شُبْرُمة الضَّبِيُّ القَاضي. روى عن
أَنَس والتابعين.
قال أَحْمَدُ العِجْلِيُّ: كان عفيفاً، صارماً، عاقلاً، يشبه النُّسَاك، شاعراً،
جواداً.
وعُقَيْل بن خالد(٢) الأَيليُّ مولى بني أُمَّيَّة، وصاحبُ الزّهري، لقي
عِكْرِمَة(٣) وطائفة، وكان حافظاً، ثبتاً، حجَّة .
(١) في الأصل: ((فلم يرده))، وفي المطبوع: ((فلم يروه)) وأثبت ما في ((المعارف)).
(٢) في الأصل، والمطبوع: ((عقيل بن خالد))، والتصحيح من ((العبر) للذهبي
(١٩٧/١).
(٣) يعني عكرمة البربري مولى عبدالله بن عبّاس رضي الله عنه.
٢٠٥

وفي ذي الحِجَّة مُجَالد بن سَعِيْدِ الهَمْدَانِيُّ (١) الكوفيُّ، صاحب
الشّعبي، ليّنوا حديثه(٢) وقد خرَّج له مسلم مقروناً بآخر.
(١) في المطبوع: ((الهمذاني)) وهو تصحيف.
(٢) في ((العبر)) (١٩٧/١): ((كتبوا حديثه)) ولعله تحريف من الناسخ. انظر ((المغني في الضعفاء))
(٥٤٢/٢)، و((تقريب التهذيب)) (٢٢٩/٢).
٢٠٦

سنة خمس وأربعين ومائة
فيها خرجت التُّرك، والخَزَرُ بباب الأَبْوَاب، وقتلوا واستباحوا بعض
إِرْمِيْنية.
وفيها أمر المَنْصُور، فَأَسِّسَتْ بَغْدَادُ، وابتدىء بإنشائها، ورَسَم هيئتها .
وكيفيَّتها أَوَّلاً بالرَّماد، وفرغت في أربعة أعوام بالجانب الغربي، وتحول إليها
المَنْصُور في سنة ست وأربعين قبل تمامها، وبَغْدَادُ الآن أكثرها من الجانب
الشرقي .
وفيها توفي الأَجْلَحُ الكِنْدِيُّ من مشاهير مُحدِّثي الْكُوفَةِ. روى عن
الشَّعْبيِّ وطبقته.
قال في ((المغني))(١): أَجْلَح بن عَبْدِ الله أَبُو جُحَيْفَة الكِنْدِيُّ، عن الشَّعبيِّ،
شيعيّ لا بأس بحديثه، ولَّنه بعضهم.
قال ابن أبي شَيْبَة: ضعيف(٢). انتهى.
وفيها، وقيل: في سنة ستٍ، إِسْمَاعِيْل بن أبي خَالد البَجَلِيُّ، مولاهم
(١) (٣٢/١).
(٢) في ((المغني)): ((وقال الجوزجانيُّ: الأجلح مفترٍ)).
٢٠٧

الكوفيُّ. الحافظ، أحد الأعلام. سمع أبا جُحَيْفَة، وابن أَبِي أَوْفى، وخَلْقَاً،
وكان صالحاً، ثبتاً حجَّةٌ.
وعَمْرو بن مَيْمُون بن مِهْرَان الجَزَرِيُّ الفَقِيْهُ، أَخَذَ عن أبيه ومَكْحُول،
وكان يقول: لو عَلِمْتُ أنه بقي عليَّ حرفٌ(١) من السُّنَّة باليَمَنِ لأتيتها.
وَحَبِيْبُ بنُ الشَهِيد البَصْرِي. روى عن الحَسَن وأقرانه، وأرسل (٢) عن
أَنَس وجماعة، وكان ثبتاً، كثير الحديث.
وَعَبْدُ الملك بن أبي سُلَيْمان العَرزَمِيُّ الكُوفيُّ الحافظ، أحد المُحدِّثين
الكبار، وكان شُعْبَةُ مع جلالته يتعجَّبُ من حفظ عَبْدِ الملك. روى عن أُنْس
فَمَنْ بَعدَهُ.
وكان يقال له: ميزان الكُوْفَة، كما ذكره ابنُ القَيم، وهو ثقة ثبت.
وعُمَرُ (٣) بنُ عَبْدِ الله مولى غُفْرَة عن سنٍّ عاليةٍ. روى عن أَنَس والكبار.
قال أحمد: أكثر أحاديثه مراسیل، وليس به بأسٌ.
وقال ابنُ مَعِيْن: ضعيفٌ.
ومحمد بن عَمْرو بن عَلْقَمَة بن وقَّاص اللَّيْنِيُّ المَدَنيُّ. روى عن أبي
سَلَمَةٍ وطائفة، وكان حَسَنَ الحديث، كثير العلم، مشهوراً، أخرج له البُخاريُّ
مقروناً بآخر.
(١) في الأصل: ((حزب)) وهو تصحيف، وأثبت ما في المطبوع وهو موافق لما في ((العبر))
للذهبي وهو الصواب.
(٢) قال ابن الأثير: المرسل من الحديث: هو أن يروي الرجل حديثاً عمن لم يعاصره، وله بين
المحدِّثين أنواع واصطلاح في تسمية أنواعه. وانظر تتمة كلامه في ((جامع الأصول))
(١١٥/١ - ١١٩) فهو مفيد إن شاء الله.
(٣) في الأصل، والمطبوع: ((وعمرو)) وهو خطأ، والتصحيح من ((العبر)) (٢٠٤/١) وكتب
الرجال.
٢٠٨

ويحيى بن الحارث الذِّمَارِيُّ مقرىء دِمَشْقَ وإمام جامعها. قرأ على ابن
عَامر، وروى عن وَائِلة بن الأُسْقَع وخلق، وورد أنه قرأ القرآن [أيضاً](١) على
وَاثلة بن الأسْقَع، وعليه دارت قراءة الشَّاميين.
ويحيى بن سَعِيْدِ الَّيميُّ(٢) - تيم الرَّباب - الكُوْفِيُّ، وكان ثقةً،
إماماً، صاحب سُنَّةٍ. روى عن الشَّعبيِّ ونحوه.
(١) لفظة ((أيضاً)) زيادة من ((العبر)) للذهبي (٢٠٥/١).
(٢) في الأصل: ((التميمي)) وهو خطأ، وأثبت ما في المطبوع وهو الصواب، وهو يحيى بن سعيد
ابن حيَّان أبو حيَّان التيمي الكوفي العابد، من تيم الرباب كما في ((تهذيب التهذيب»
(٢١٤/١١).
٢٠٩

سنة ستٍ وأربعين ومائة
في صفر تَحوَّل المَنْصُور، فنزل بَغْدَاد قبل استتمام بنائها، وكان
لا يدخلها أحدٌ أبداً راكباً، حتَّى أنَّ عمه عيسى بن علي شكا إليه المشي، فلم،
یأذن له.
وفيها توفي أَشْعَثُ بن عَبْدِ الملك الحُمرانيُّ، منسوب إلى حُمْران(١)،
مولى عُثْمَان. روى عن ابن سِيْرِيْن وغيره، وكان ثبتاً، ثقةً، حافظاً.
أما أَشْعَتُ بن سَوَّار، فكوفيٍّ فيه ضعفٌ.
وكذا أَشْعَتُ الحُدَّانِيُّ الرَّاوي عن أَنْسٍ ليس بالقوي.
وفيها عوف الأعرابيُّ البَصْريُّ، وكان صَدُوْقاً، شيعياً، كثير الحديث.
روى عن أبي العَالية وطائفة.
قال في ((المغني))(٢): ثقةٌ، مشهورٌ.
قال بُنْدَار(٣): قَدَرِيٌّ، رَافِضيِّ، يعني يتشيع. انتهى.
(١) في الأصل والمطبوع: الحمراني مولى حمران، وما أثبته من ((تهذيب الكمال)) (٢٧٧/٣)
طبع مؤسسة الرسالة.
(٢) (٤٩٥/٢).
(٣) هو محمد بن بشار بن عثمان العبدي البصري أبو بكر، وبندار، لقب له.
٢١٠

وفيها مُحمد بنُ السَّائب أَبُو النَّضْرِ الكَلبيُّ الكوفيُّ، صاحب التفسير،
والأخبار، والأنساب، أجمعوا على تركه، وقد اتّهم بالكَذِب والرّفْض.
وقال ابنُ عدي: ليس لأحد أطول من تفسيره.
عنه(١) قال: سميت العرب شعوباً لأنهم تفرَّقوا من ولد إِسْمَاعِيْل - عليه
السلام - ومن ولد قَحْطَان تشعَّبوا، والعرب كلهم بنو إِسْمَاعِيْل إلا أربع قبائل،
السلف، والأوزَاع، وحضرموت، وثقيف، وأول مَن تكلم بالعربية يعرب بن
الهَمَيْسَع بن نبت بن إسماعيل، وكل نبي ذكر في القرآن فهو من ولد إِبْرَاهِيْم
غير إدْرِيْس، ونُوح، ولُوط، وهُود، وصَالح - وكأنه لم يستثنِ آدم لأنه أبُو
الكُلِّ - قال: ولم يكن في العرب نبي إلا هُود، وصَالح، وإِسْمَاعِيْل،
ومُحمَّد ◌َلِ.
وروى ابن عبّاس أن أصحاب سفينة نُوح كانوا ثمانين رجلاً، فلما كثروا
مَلَكُهم نَمْرُودُ بن كُنْعَان بن حَام بن نُوح، فلما كفروا بلبل اللَّه ألسنتهم وتفرقوا
اثنين وسبعين لساناً، وفهَّم الله العربية عمليق، وأمم(٢) وطسم ابني لاَوَذ بن
سام(٣) وعاداً وعبيلاً بني عَوْص بن سَام بن نُوح. انتهى كلام ابن الكلبي.
وانظر ما في كلامه، فإنه ذكر [أَنَّ] أول مَن تكلم بالعربية يَعْرب من ذريَّة
إِسْمَاعِيْل، ثم ذكر أنَّ اللَّه فهَّمها عَمْلِيْقَاً ومن ذكر بعده من ذريَّة نوح،
وكلاهما مخالفٌ لما جاء، أنَّ إِسْمَاعِيْل تعلم العربية من جُرْهُم لما نشأ
بينهم، حتَّى قيل: إنَّ إِبْرَاهِيْم لما كان يبني البيت يقول لِإِسْمَاعِيْلِ: هَاتٍ
(١) يعني عن ابن الكلبي، وهو غير ابن الكلبي صاحب ((جمهرة النسب)) المنشور بدمشق بعناية
الأستاذ محمود فردوس العظم.
(٢) في الأصل: ((اسم)) وأثبت ما في المطبوع.
(٣) في الأصل، والمطبوع: ((لوذ بن سآم)) وهو خطأ، والتصحيح من ((القاموس المحيط))
(٣٧٢/١).
٢١١

هَيْك، والهيك بالسريانية الحجر، فيقول له إسْمَاعِيْل: خذ الحجر، فهذا
يتكلم بالسريانية، وهذا بالعربية.
وقيل: لما نزل أصحاب نوح من السفينة، خلق الله في قلوبهم لغات
مختلفة، فتكلم كل منهم بلغة.
وفيها توفي هِشَامُ بن عُرْوَة بن الزُّبَيْرِ الفقيه، أحد حفّاظ الحديث.
قال مَسَحَ ابن عُمَرَ برأسي ودعا لي.
وقال وُهَيْب: قَدِمَ علينا هِشَام بن عُرْوَةٍ، فكان مثل الحَسَنِ وابنِ
سِبْریْن.
وحدَّث عن أبيه، وعمّه، وكان ثبتاً، متقناً، توفي ببغداد، وصلى عليه
المَنْصُور، ودفن بمقبرة الخَيْزُرَان.
قيل: إنه ولد هو وَعُمَر بن عَبْدِ الْعَزِيْزِ، والزُّهرِيُّ، وقَتَادَة، والأَعْمَش
ليالي قتل الحُسَيْن بن علي في المحرم سنة إحدى وستين.
وفيها، أوفي التي تليها، يَزِيْد بن أبي عُبَيْد صاحب سَلَمَة بن الأْوَعِ
ومولاه بالمَدِيْنَة .
٢١٢

سنة سبع وأربعين ومائة
فيها بَدَهَت (١) الكفرة التُّرك بناحية إِرْمِيْنية، وقتلوا أمماً، ودخلوا
تِقْلِيْس (٢) فالتقاهم المُسلمون، فلم ينصروا، وهزم أميرهم جِبْرِيْل بن يحيى،
وقتل مقدمهم الآخر حَرْبُ الرِّيْوَنْدي، الذي تنسب إليه الحَرْبِيَّةُ بَغْدَاد.
وفيها ألحَّ المَنْصُور وتحيَّل بكل ممكن على ابن عمه وليّ العهد
عِيْسى بن مُوسى، بالرغبةِ، حتَّى خَلَعَ نفسه كُرهاً، وقيل: بل عوّضه
عشرة آلاف ألف درهم، وعلى أن يكون أيضاً وليّ عهده بعد المَهْدِيِّ بن
المنْصُور.
وفيها توفي عَبْدُ الْعَزِيْزِ بن عُمر بن عَبْدِ العَزِيْزِ بن مَرْوَان الأموي. حدَّث
عن مُجَاهد وجماعة. وكان عالماً، فقيهاً، نبيلاً.
قال في ((المغني))(٣): وثّقه جماعة، وضعّفه أبو مُسْهِر. انتهى.
(١) في الأصل: ((بدعت)) وأثبت ما في المطبوع، وهو الصواب.
ع).
ومعنی : بدهت، فجأت، وبادت: فاجأت.
(٢) في الأصل: ((بقليس)) وهو تصحيف، وأثبت ما في المطبوع وهو الصواب.
قال ياقوت: تفليس: بلد بإرمينية الأولى، وبعضٌ يقول: بأرَّان، وهي قصبة ناحية
جُرزان قرب باب الأبواب، وهي مدينة قديمة أزلية ... وهي مدينة لا إسلام وراءها، يجري
في وسطها نهر يُقال له: الكُرُّ، يصبُّ في البحر ... وافتتحها المسلمون في أيام عثمان بن
عفان رضي الله عنه. انظر ((معجم البلدان)) (٣٥/٢ - ٣٧).
(٣)(٣٩٨/٢).
٢١٣

وخرّج له ابنُ عَدي.
وفيها انهدم الحبس على الأمير عَبْد اللَّه بن علي، الذي هَزَمَ مَرْوَان
وافتتح دِمَشْقَ، وكان من رجال الدَّهر حزماً، ورأياً، ودهاءً، وشجاعة، وهو
عَمُّ المَنْصُور، سجنه المَنْصُور سرّاً، وقيل: إنه قتله سِرّاً، وهدم الحبس
قصداً.
وفيها الإِمام أَبُو عُثْمَان عُبَيْد اللَّه بن عُمَر بن حَفْص بن عَاصم بن
عُمَر بن الخَطَّابِ العَدويُّ العُمَرِيُّ المدنيُّ، وكان أوثق إخوته وأفضلهم،
وأكثرهم علماً، وصلاحاً، وعبادةً. روى عن القاسم، وسَالم، ونَافع.
وفيها هِشام بن حَسَّان الأَزْدِيُّ القُرْدُوسيُّ (١) الحافظ، مُحدِّثُ البَصْرَة،
وصاحب الحَسَنِ، وابن ◌ِيْرِیْن.
قال ابن عُيَيْنَةَ: كان أعلم النَّاس بحديث الحَسَن.
وقيل: كان عنده ألف حديث.
وقال في ((المغني))(٢): هِشَامُ بن حَسَّان، ثقةٌ مشهورٌ.
روى شُعَيْبُ بن حَرْب عن شُعْبَة قال: كان خَشْبِيّاً(٣) ولم يكن يحفظ.
قلت(٤): وذكره العَقِيْليُّ في كتابه، فروى بإسناده عن ابن المَدِيْني،
(١) في الأصل: ((الفردوسي)) وهو تصحيف، وأثبت ما في المطبوع وهو الصواب.
قلت: قال السمعاني في ((الأنساب)) (٩٢/١٠ - ٩٣): كان ينزل درب القَرَادِيْس
بالبصرة، فنسب إليه .
(٢) (٧٠٩/٢ - ٧١٠).
(٣) قال ابن الأثير: الخشبية: هم أصحاب المختار بن أبي عُبيد. ويقال لضرب من الشيعة:
الخشبية، قيل: لأنهم حفظوا خشبة زيد بن علي حين صلب، والوجهُ الأولُ، لأن صَلْبَ زيد
كان بعد ابن عُمَرَ بكثير. ((النهاية)) (٣٣/٢).
(٤) القائل هو الحافظ الذهبي في ((العبر)).
٢١٤
٠

قال: كان أصحابنا يثبتون هِشَامَ بن حَسَّان، وکان یحیی یضعِّفُ حَدِيْثَه [عن
عَطَاءٍ] (١) وكان النَّاس يرون أنه أرسل حديث الحَسَن عن حَوْشَب.
وقال عَرْعَرَةُ بن البرِنْد(٢) ذكرت(٣) لجَرِيْر بن حَازم هِشَام بن حَسَّان،
فقال: ما رأيته عند الحَسَنَ قَطُ.
قلت (٤): وأُنكر عليه حديثه عن محمد بن عَبِيدَة: يَنْقِضُ الْوُضُوْءَ أَذَنى
الْمُسْلم(٥). انتهى.
(١) ما بين حاصرتين سقط من الأصل، والمطبوع، واستدركته من ((العبر)) للذهبي.
(٢) في الأصل: ((اليزيد)) وهو خطأ، وأثبت ما في المطبوع، وهو موافق لما في ((العبر)) للذهبي،
و((تقریب التهذيب)) لابن حجر (١٨/٢).
(٣) في الأصل، والمطبوع: ((ذكر)) وأثبت ما في ((العبر)) للذهبي.
(٤) القائل الحافظ الذهبي في ((العبر)).
(٥) انظر ((سير أعلام النبلاء)) للذهبي (٣٥٩/٦).
٢١٥

سنة ثمانٍ وأربعينَ ومائة
فيها توجَّه حُمَيْد بن قَحْطَبَة في جَيْشٍ كَثِيْفٍ إلى ثَغْرِ إِرْمِيْنية.
وفيها توفي الإِمام، سلالة النُّبَوَّة، أَبُو عَبْدِ اللَّه جَعْفَرُ الصَّادِقِ بن محمد
البَاقر بن زَيْنِ العَابِدِيْن بن عَلي بن الحُسَيْنِ الهَاشِمِيُّ العَلويُّ، وَأُمُّهُ فَرْوَة بنت
القاسم بن مُحمَّد بن أبي بَكر، فهو علويُّ الأب، بكريُّ الأُمِّ. روى عن أبيه
وجدّه القاسم وطبقتهما، وكان سَيِّد بني هاشم في زمنه. عاش ثمانياً وستين
سنة وأشهراً.
وولد سنة ثمانين بالمدينة، ودفن بالبَقِيْع في قبة أبيه، وجدّه، وعَمِّ جدّه
الحَسَن، وقد ألف تلميذه جابر بن حَيَّان(١) الصوفيّ كتاباً في ألف ورقةٍ يتضمن
رسائله، وهي خمسمائة، وهو عند الإِمامية من الاثني عشر بزعمهم.
قيل: إنه سأل أبا حَتْفَة عن مُحْرِمٍ كَسَرَ رَبَاعِية ظبي، فقال: لا أعرف
جوابها، فقال: أما تعلم أن الظَّبي لا يكون له رباعية.
وقال في ((المغني))(٢): جَعْفَر بن مُحمَّد بن علي ثقة، لم يخرِّج له
(١) في الأصل، والمطبوع: ((جابر بن جباب)) وهو خطأ، والتصحيح من ((غربال الزمان)) للعامري
ص (١٣٧). والشيعة تقول: إن جابر بن حيان، صاحب جعفر الصادق، والأرجح أنه كان
صاحب جعفر بن يحيى البرمكي. انظر «الأعلام)) (١٠٣/٢ و١٠٤).
(٢) (١٣٤/١).
٢١٦

البُخاريُّ، وقد وثقه ابن مَعِيْن، وابنُ عَدي، وأما القَطَّان فَقَال: مُجَالد أحبُّ
إليّ منه . .انتھی.
وفي ربيع الأول توفي الإِمام أَبُو مُحمَّد سُلَيْمَان بن مِهْرَان الأَسَدِيُّ
الكاهليُّ مولاهم الأَعْمَش. روى عن ابن أبي أوفى، وأبي وَائل والكبار.
وكان مُحدِّث الكُوْفَة وعالمها.
قال ابن المديني: للأعْمَش نحو ألف وثلثمائة حديث.
وقال ابنُ عُيَيْنَة: كان أقرأهم لكتاب الله، وأعلَمهم بالفرائض،
وأحفظهم للحديث.
وقال يحيى القَطّان: هو علَّمة الإِسلام.
وقال(١) وَكِيْع: بقي الأَعْمَشُ قريباً من سبعين سنة لم تفته التكبيرة الأولى.
وقال الخُرَيبيُّ(٢): ما خَلْفَ أَعْبَدَ منه. وما يرويه عنه مَالك فهو إرسال،
لأنه لم يسمع منه، وكان فيه مُزَاحٌ، خرج إلى الطلبة يوماً وقال: لولا أن في
منزلي مَن هو أبغض إليَّ منكم ما خرجت.
وطلبه رجل ليصلح بينه وبين زوجته، فقال الرجل لزوجته: لا تنظري
إلى عموشة عينيه، وخموشة ساقيه، فإنه إمامٌ. قالت: ما لديوان الرسائل
٤
أريده. فقالَ: ما أَرَدْتَ إلّا أن تعرّفها عيوبي.
وقال له حائك: ما تقول في شهادة الحائك؟ فقال: تُقبَل مع عَدْلين.
وذكر عنده حديث ((مَنْ نَامَ عَنْ قِيَامِ اللَّيْلِ بَالَ الْشَيْطَانُ في أُذْنِهِ)(٣).
(١) في الأصل، والمطبوع: ((قال)) وأثبت ما في ((العبر)) للذهبي (٢٠٩/١).
(٢) في الأصل: ((الحرّيتي)) وهو خطأ، وأثبت ما في المطبوع وهو الصواب.
(٣) رواه البخاري رقم (١١٤٤) في التهجّد: باب إذا نام ولم يصلَّ بالَ الشيطان في أُذنه، ومسلم
رقم (٧٧٤) في صلاة المسافرين، باب ما روي فيمَن نام الليل حتى أصبَحَ، والنسائي في
قيام الليل (٢٠٤/٣)، وابن ماجه، رقم (١٣٣٠) في الإقامة، وأحمد في ((المسند)) =
٢١٧

فقال: ما عَمِشَتْ عيني إلا من بول الشَّيْطَان.
وكتب إليه هِشَامُ بن عَبْدِ المَلك، أن اكتب لي فضائل عُثْمَان، ومَساوىء
عليٍّ، فأخذ كتابه ولَقَّمَهُ شاةً عنده، وقال لرسوله: هذا جوابك، فألحَ عليه
الرَّسول في جواب، وتحمّل عليه بإخوانه، وقال: إن لم آتٍ بالجواب
قتلني، فکتب:
بسم الله الرَّحمن الرَّحيم
أما بعد: فلو كان لِعُثْمَان مناقب أَهْل الأرض ما نفعتك، ولو كانت
لَعَليَّ مساوىء أهل الأرض ما ضرّتك، فعليك بخويصة نفسك، والسلام.
وقال في ((المغني))(١): الأَعْمَشُ ثقةٌ، جبلٌ، ولكنه يُدَلِّس.
قال وَهَبُ بن زَمْعَة: سمعت ابن المُبَارك يقول: إنما أفسد حديث أهل
الكُوْفَةِ الأعمشُ، وأبو إسحاق. انتهى.
قلت: والتَّدْليس ليس كله قادحاً، ولنذكر تعريفه وما يقدح منه وما لا
يقدح، لأن ذلك لا يخلو من(٢) فائدة. فأقول: التدليس له معنيان، لغويُّ،
واصطلاحيٌّ، فاللغويُّ كتمان العَيْبِ في مبيعٍ أو غيره، ويقال: دالسَهُ:
خادعه، كأنه من الدلس وهو الظلمة، لأنه إذا غطى عليه الأمر أظلمه عليه،
وأما في الاصطلاح، أي اصطلاح المُحدِّثين والأصوليين، فهو قسمان، قسمٌ
مضرَّ يمنع القبول، وهو تدليس المتن عمداً، وهو محرّمٌ، وفاعله مجروحٌ،
ويسمى المُدْرَجُ أيضاً، مثاله أن يُدخل الرَّاوي للحديث شيئاً من كلامه فيه،
= (٣٧٥/١ و٤٢٧) من حديث عبد الله بن مسعود رضي اللَّه عنه. ورواه أيضاً أحمد في
((المسند)» (٢٦٠/٢ و٤٢٧) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(١) (٢٨٣/١).
(٢) في المطبوع: ((عن)).
٢١٨

أولاً، أو آخراً، أو وسطاً، على وجه يوهم أنه من جملة الحديث الذي رواه،
ويسمى تدليس المتون، وفاعله عمداً مرتكب محرَّماً، مجروحٌ عند العلماء
لما فيه من الغش.
أما لو اتفق ذلك من غير قصد من صحابي أو غيره، فلا يكون ذلك
محرَّماً، ومن ذلك كثير أفرده الخَطِيْبُ البغدادي بالتصنيف.
ومن أمثلته حديث ابن مَسْعُود في التشهد، قال في آخره: وإِذَا قُلْتَ:
هَذَا فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَقُومَ. فَقُم، وإِنْ شِئْتَ أنْ تَقْعُدَ فَاقْعد(١)، [وهو](٢) من
كلامه لا من الحديث المرفوع، لما قاله البَيْهَقِيُّ، والخَطِيْبُ، والنَوويُّ،
وغيرهم.
والقسم الثاني غير مضرِّ لكنه مكروة مطلقاً عند الحنابلة، وله
صورٌ. إحداها: أنْ يُسمّي شيخه في روايته باسم له غير مشهورٍ، من كنية، أو
لقب، أو اسم، أو نحوه، كقول أبي بَكْر بن مُجاهد المقرىء الإِمام: حدّثنا
عَبْدُ اللَّه بن أبي أوفى، يريد به عَبْدَ اللَّه بن أبي داود السِّجِسْتَاني، وهو كثيرٌ
جداً، ويسمى هذا تدليس الشيوخ.
وأما تدليس الإِسناد، وهو أن يروي عمّن لقيه أو عاصره ما لم يسمعه
منه، موهماً سماعه منه، قائلاً: قال فلان ونحوه، وربما لم يسقط شيخه
ويسقط غيره، ومَثَّله بعضهم بما في ((الترمذي)) عن ابن شِهَاب، عن أبي
سَلَمَةٍ، عن عائشة - رضي اللَّه عنها - مرفوعاً ((لَاَ نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ، وَكَفَّارَتُهُ
كَفَّارَةُ يَمْيْن))(٣) ثم قال: هذا حديث لا يصحّ، لأن الزُّهري لم يسمعه من أبي
(١) انظر ((جلاء الأفهام)) لابن القيم ص (٣٣٦ - ٣٣٧) طبع مكتبة دار العروبة في الكويت.
(٢) لفظة ((وهو)) سقطت من الأصل، وأثبتها من المطبوع. وانظر ((فتح المغيث)) للسخاوي
(٢٤٤/١) في بحث المدرج.
(٣) رواه أحمد في ((المسند)) (٢٤٧/٦) وأبو داود رقم (٣٢٩٠) و(٣٢٩٢) في الأيمان والنذور،
باب رقم (٢٣)، والترمذي رقم (١٥٢٤) و(١٥٢٥) في النذور: باب لا نذر في معصية، =
٢١٩

سَلَمَة، ثم ذكر أن بينهما سُلَيْمَان بن أرْقَم، عن يحيى بن أبي كثير، وأن هذا
وجه الحدیث.
قال ابن الصلاح: هذا القسم مكروه جداً، ذمّه أكثر العلماء، وكان
شعبة من أشدّهم ذمّاً له.
وقال مَرَّةً: التَّدليس أخو الكذب. ومَرَّةً: لَأَنْ أَزْنِيَ أَحَبُّ إليَّ مِنْ أنْ
أُدَلِّسَ، وهذا إفراط منه، محمولٌ على المبالغة في الزجر عنه.
الصورة الثانية: أن يُسميَ شيخه باسم شيخ آخر لا يمكن أن يكون رواه
عنه، كما يقول تلامذة الحافظ أبي عَبْدِ اللَّه الذّهبي: حدّثنا أَبُو عَبْدِ اللَّه
الحافظ تشبيهاً بقول البَيْهَقيِّ فيما يرويه عن شيخه أبي عَبْدِ الله الحاكم: حدّثنا أَبُو
عَبْدِ اللَّه الحافظ، وهذا لا يقدح لظهور المقصود.
والصورة الثالثة: أنْ يأتي في التحديث بلفظ يوهم أمراً لا قدح في
إيهامه ذلك، كقوله: حُدّثنا وراء النَّهْرِ، موهماً نهر جِيْجون، وهو نَهرُ عِيْسی
بَبَغْدَاد، والحِيْرَة ونحوها، كمِصْرَ، فلا حرج في ذلك، قاله الآمدي، لأن
ذلك من باب الإِغراب، وإن كان فيه إِيهام الرّحلة إلا أنه صدق في نفسه.
ومَن فعله بصورة الثلاثة متأوَّلاً قُبِلَ عند أَحْمَد وأصحابه والأكثر من الفقهاء
والمُحدِّثين، ولم يفسق، لأنه صدر من الأعيان المقتدى بهم؛ حتّى قيل: لم
يسلم منه إلا شُعْبَة، والقَطَّان، ولكن مَن ◌ُرِف به عن الضعفاء لم تُقبل روايته
حَتَّى يبِيِّن سماعه عند المُحدِّثين وغيرهم.
والإِسناد المعنعن بلا تدليس بأيّ لفظ كان(١) متصل عند أَحْمَد،
= والنسائي (٢٦/٧ و٢٧)، وابن ماجه رقم (٢١٢٥) من حديث عائشة رضي اللَّه عنها. ورواه
أحمد (٤٤٣/٤) والنسائي (٢٧/٧ و٢٨) من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه، وهو
حديث صحيح لطرقه وشواهده.
(١) جاء في هامش المطبوع: أي ((بعن)) أو ((قال)) أو نحوهما، كما هو فوق الكلمة بخط دقيق في
الأصل، يعني في الأصل الذي اعتمد عليه القدسي - رحمه الله - في طبعته.
٢٢٠