النص المفهرس

صفحات 141-160

فَدَعَتْها، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ((اذهبي فَجِيئِي بزوجِكِ)) فذهبتْ
فجاءَتْ به وأدخلته على النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فإذا هو ضرير البصر،
فقير، سيِّىُ الخُلُق، فقال له: ((أَتَجِدُ رَقَبَةً؟))، قال: لا، وفي لفظ قال:
ما لي بهذا من قدرة، قال: ((أَتَسْتَطِيعَ أَنْ تَصُوم شَهرين مُتْتَابِعَين؟))، قال: والذي
بعثك بالحق إني إذا لم آكل المرة والمرتين والثلاثة يُغشى(١) عليّ، وفي لفظ
إني إذا لم آكُل في اليوم مرتين كَلَّ بصري، أي لو كان موجوداً قال:
((فَتَسْتَطِيعِ أن تُطْعِمَ سِتِينَ مِسْكِيْناً؟))، قال: لا، إلا أن تعينني بها، فأعانه
رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فكفّر عنه.
وفي روايةٍ: أنه أعطاه مكتلا يأخذ خمسة عشر صاعاً فقال: ((أُطعِمهُ ستين
مِسْکیناً».
قال بعضهم: وكانوا يرون أن عند أوس مثلها حتی یکون لِكُلِّ مِسکینٍ
نصفُ صاعٍ، وفيه أنه خلاف الروايات من أنه لا يملك شيئاً، فقال: على
أفقرَ مني، فوالله الذي بعثك بالحق ما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه مني،
فضحك رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وقال: ((اذهبْ به إلى أَهْلِكَ)).
وهذا أول ظهارٍ وَقَع في الإِسلام(٢).
(١) في المطبوع: ((يغثى)) وهو تحريف.
(٢) وقد أورد قصة خولة بنت ثعلبة مع زوجها الحافظ ابن حجر في ((الإصابة)) (١٢/ ٢٣١، ٢٣٢)
و((فتح الباري)) (٤٣٣/٩، ٤٣٤) وناقشها فيه، فارجع إلى كلامه في المصدرين المشار
إليهما. وانظر أيضاً ((سنن أبي داود)) الحديث (٢٢١٤) في الطلاق: باب في الظهار، و((سنن
النسائي)) (١٦٧/٦، ١٦٨)، و((سنن ابن ماجه)) الحديث رقم (٢٠٦٣)، و((أسد الغابة)) لابن
الأثير (٩١/٧، ٩٢) في ترجمة خولة، و((تفسير ابن كثير)) (٣١٩/٤ - ٣٢١)، و«زاد المسير))
لابن الجوزي (١٨٠/٨ - ١٨٦)، و((التنبيه والإعلام)) للسهيلي ((مخطوط)) الورقة (٦٠).
١٤١

ومَرَّ عمر رضي الله عنه بخَوْلةَ هذه في أيامِ خِلافتهِ، فقالت: قِفْ
يا عُمَر، فوقف لها، ودنا منها، وأصغى إليها، وأطالت الوقوف، وأَغلظتْ
القول، أي قالت له: هيها يا عمر، عهدتك وأنت تُسمَّى عُمَيْراً، وأنت في
سوق عكاظ ترعى القيان(١) بعصاك، فلم تذهب الأيام حتى سُمِّيتَ عُمَر، ثُمَّ
لم تذهب الأيام حتى سُمِّيتَ أميرَ المؤمنين، فاتق الله في الرعية، واعلم أنه
مِن خَافَ الوَعِيدَ قَرُبَ عَلَيْهِ الْبَعِيدُ، وَمَنْ خَافَ المَوْتَ خَشِيَ الفَوْت، فقال
لها الجارود(٢): قد أَكْثَرتِ أَيَّتُها المرأة على أمير المؤمنين، فقال عُمَرُ: دعها.
وفي روايةٍ فقال له قائلٌ: حَبَسْتَ النَّاسَ لأجل هذه العجوز، قال:
وَيْحَكَ وَتَدْرِي مَنْ هذه؟ قال: لا، قال: هذه امرأةٌ سَمِعَ اللّهُ شَكْوَاهَا مِنْ فَوَقٍ
سَبْعِ سَمَاوَاتٍ، هذه خَوْلةُ بنتُ ثَعْلَبة، واللّهِ لو لم تَنْصَرِفْ عَني إلى الليل
ما انصرفتُ حتی تَقْضِي حَاجتها. انتهى .
قلت: ومما يناسب المقام ذكر ابنِ صَّادٍ، فإن أخباره وقعت ولا بد بعد
الهجرة، ولكني لم أقف على تاريخها، وسأثبته إن عثرت عليه، فلنورد ما ورد
(١) أي الإِماء والعبيد. قال ابن منظور: قال أبو بكر: قولهم: فلانة قينة معناه في كلام العرب
الصانعة، والقين: الصانع. قال خباب بن الأرت: كنت قيناً في الجاهلية، أي صانعاً، والقينة
هي الأمة، صانعة كانت أو غير صانعة، قال أبو عمرو: كل عبد عند العرب قين، والأمة قينة،
قال: وبعض الناس يظن القينة المغنية خاصة، قال: وليس هو كذلك. ((لسان العرب)) ((قين))
(٣٧٩٩/٥).
(٢) هو الجارود بن المُعَلَّى، ويقال: ابن عمرو بن المعلى، وقيل: الجارود بن العلاء، وقيل: غير
ذلك، ولقب الجارود لأنه غزا بكر بن وائل فاستأصلهم، قال الشاعر:
فدُسناهمُ بالخيل من كل جانب كما جَرَد الجارودُ بكر بن وائلٍ
وكان سيد عبد القيس، وقدم سنة عشر في وفد عبد القيس الأخير وسر النبيُّ صلى الله عليه
وسلم بإسلامه وقربه وأدناه. انظر ((الإصابة)) لابن حجر (٥٠/٢، ٥٢)، و((أسد الغابة)) لابن
الأثير (٣١١/١، ٣١٢).
١٤٢

فيه مختصراً وليكن لفظ ((مشكاة المصابيح)) فإنه من أجمع ما رأيتُ فيه، قال
فيه: باب ابن الصياد.
الفصل الأول
عن عبد الله بن عمر، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه انطلق مع
رسول الله صلى الله عليه وسلم في رهطٍ من أصحابه قبلَ ابنِ صياد حتى
وجدوه يلعب مع الصبيان في أُطُمِ (١) بني مغَالة (٢)، وقد قارب ابن صيَّاد
يومئذٍ الحُلُمَ، فلم يشعرْ حتى ضرب رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ظهره
بيده، ثم قال: ((أتشهد أني رسول الله؟)) فنظر إليه فقال: أشهدُ أنكَ رسولُ
الأَمْيِّين، ثم قال ابنُ صياد: أتشهدُ أني رسولُ الله؟ فرصَّه(٣) النبيُّ صلى الله
عليه وسلم ثم قال: ((آمنتُ بالله ويِرُسُله)) ثم قال لابن صيَّد: ((ما ترى؟))(٤)،
قال: يأتيني صادقٌ وكاذبٌ، قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((خُلِّط
عَلَيْكَ الأمرُ)) [ثم](٥) قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((إني خبّاتُ لك
خَبِيئاً)) وخبًّا له: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠]، فقال هو
(١) الأطم: حصن مبني بحجارة، وقيل: هو كل بيت مربع مسطح، وهو البناء المرتفع أيضاً.
انظر ((لسان العرب)) لابن منظور ((أطم)) (٩٣/١).
(٢) بنو مغالة: اسم قبيلة تنسب لمالك بن النجار. انظر ((جمهرة أنساب العرب)) لابن حزم
ص (٣٤٧).
(٣) أي ضغطه حتى ضم بعضه إلى بعض، وفي بعض نسخ البخاري ومسلم: فرفضه، وبالصاد
أُصوب. (ع).
(٤) في المطبوع: ((ماذا ترى))، والذي في الأصل الذي بين أيدينا موافق لما في ((مشكاة
المصابيح)) بتحقيق الشيخ محمد ناصر الدين الألباني. (٤١/٣).
(٥) لفظة: ((ثم)) ليست في الأصل، و((المشكاة)) وقد أثبتناها من المطبوع.
١٤٣

الدُّخُّ(١)، فقال [صلى الله عليه وسلم]: ((اخسأ فلن تَعْدُوَ قَدْرَكَ))(٢) قال عمر:
يا رسول الله أتأذنُ لي فيه أضرب عنقه؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((إن يكن هو لا تُسلَّط عليه، وإنْ لم يكنْ هو فلا خير لك في قتله)).
قال ابن عمر: انطلق بعد ذلك رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وأبيُّ بن
كعب الأنصاريُّ يؤْمَّانِ النخلَ التي فيها ابن صيَّارٍ، وطفق رسولُ الله صلى الله
عليه وسلم يتّقي بجذوع النخلِ وهو يختِلُ(٣) أن يسمع (٤) من ابن صيَّارٍ شيئاً
قبل أنْ يراهُ، وابنُ صيَّاد مضطجع على فراشه في قَطِيفَةٍ (٥)، له فيها زمزمةٌ (٦)،
فرأت أمُّ ابن صيَّد النبيِّ صلى الله عليه وسلم وهو يتّقي بجذوع النخل،
فقالت: أي صافُ - وهو اسمه - هذا محمدٌ، فتناهى(٧) ابن صيَّادٍ، قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: (لو تركته بَيِّنَ)).
قال عبد الله بن عمر: قام رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في النَّاسِ
فأثنى على الله بما هو أهلهُ، ثُمَّ ذكر الدَّجالَ فقال: ((إني أُنْذِر كُمُوهُ وما مِنْ
نبيٍ إلَّ وقد أنذرَ قومَهُ، لقد أنذرَ نوحٌ قومه، ولكني سأقول لكم فيه قولاً لم
يقله نبيٌّ لقومه: تعلمون أنَّه أعوَر وإن الله ليس بأعور)) متفق عليه (٨).
(١) الدُّخُّ: الدُّخَان. انظر ((لسان العرب)) لابن منظور ((دخخ)) (١٣٣٩/٢).
(٢) انظر ((التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة)) للقرطبي (٨٠٩/٢).
(٣) من الختل، وهو طلب الشيء بجيلة، أي يخدع ابن صيَّاد.
(٤) أي ليسمع.
(٥) قال ابن منظور: القطيفة: دثار مخملٌ، وقيل: كساء له خمل، والجمع القطائف وقطف، مثل
صحيفة وصحف، كأنها جمع قطيف وصحيف. ((لسان العرب)) (٣٦٨١/٥)، وانظر
((القاموس المحيط)) للفيروزأبادي (١٩٢/٣).
(٦) الزمزمة: صوت خفي لا يكاد يفهم.
(٧) أي انتهى عما كان فيه من الزمزمة وسكت.
(٨) رواه البخاري رقم (٣٣٣٧) في الأنبياء، باب قول الله عز وجل: ﴿ولقد أرسلنا نوحاً إلى =
١٤٤

وعن أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ(١) قال: لقيه رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم،
وأبو بكرٍ وعمر - يعني ابن صيَّد - في بعض طرق المدينة، فقال له رَسُولُ الله
صلى الله عليه وسلم: ((أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ الله؟))، فقال هُوَ: أتشهد أنِّي رسول
الله؟ فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((آمنتُ باللّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ
ماذا ترى؟)) قال: أرى عرْشاً على الماءِ، فقال رسولُ الله صلى الله عليه
وسلم: ((ترى عَرْشَ إِبليسَ على الْبَحْرِ، وما ترى؟))، قال: أرى صادِقَيْنِ
وكاذباً، أو كاذِبَيْن وصادقاً، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((لُبِسَ(٢)
عَلَيْهِ فَدَعُوه)) رواه مسلم(٣).
وعنه (٤) أن ابن صيَّدٍ سألَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن تُربة الجنةِ
فقال: ((دَرْمَكةٌ بيضاءُ مِسْكٌ خَالِصٌ)) رواه مسلم (٥) .
وعن نافع (٦) قال: لقي ابنُ عُمَرَ ابنَ صِيَّدٍ في بعض طرق المدينة،
فقال له قولاً أغضبه، فانتفخ حَتَّى ملأ السِّكَّةَ (٧)، فدخل ابنُ عُمَرَ على
= قومه﴾ [هود: ٢٥] و(٧١٢٧) في الفتن: باب ذكر الدجال، ومسلم رقم (٢٩٣٠) في الفتن:
باب ذكر ابن صيَّاد، و(٢٩٣٣) باب ذكر الدجال وصفته وما معه، وأبو داود رقم (٤٣١٦) في
الملاحم: باب خروج الدجال، والترمذي رقم (٢٢٣٥) في الفتن: باب ما جاء في علامة
الدجال، وأحمد في ((المسند)) (١٣٥/٢ و١٤٩) و(١٠٣/٣ و١٧٣ و٢٧٦ و٢٩٠).
(١) هو سعد بن مالك بن سنان الخدري الأنصاري رضي الله عنه.
(٢) في المطبوع: ((ليس عليه)) وهو تصحيف.
(٣) رواه مسلم رقم (٢٩٢٥) في الفتن: باب ذكر ابن صيّاد.
(٤) أي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(٥) رواه مسلم رقم (٢٩٢٨) (٩٣) في الفتن: باب ذكر ابن صيّاد.
(٦) هو نافع مولى ابن عمر، الإِمام المفتي الثُّبَتُ، عالم المدينة. انظر ترجمته ومصادرها في
((سير أعلام النبلاء)) للذهبي (٩٥/٥ - ١٠١)، و((الأعلام)) للزركلي (٥/٨، ٦).
(٧) السكة: الطريق.
١٤٥
3

حَفْصَةَ وقد بَلَغَهَا، فقالتُ لَهُ: رَحِمَكَ! اللّهُ ما أَرَدْتَ من ابن صِيَّادٍ؟ أمَا عَلِمْتَ
أن رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم قال: ((إنما يخرجُ من غضبةٍ يغضبها؟))،
رواه مسلم (١) .
وعن أبي سعيد الخدري قال: صَحِبْتُ ابنَ صِيَّدٍ إلى مَكَّةَ، فقال لي:
أَمَا قَدْ لَقِيْتُ (٢) مِنَ النَّاسِ يَزْعَمُونَ أَنِّي الدَّجَّالُ، أَسْتَ سَمِعْتَ رَسُولَ الله
صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: ((إنَّهُ لا يُولَدُ لَهُ))، وقد ولد لي، أليس قد قال:
((هُوَ كَافِرٌ)) وأنا مسلم، أو ليس قد قال: ((لا يدخل المدينة ولا مكة؟)) وقد
أقبلتُ من المدينةِ وأنا أريدُ مكة، ثم قال لي في آخرِ قوله: أما والله إني
لأعلم مولده ومكانه وأين هو [الآنَ](٣)، وأعرف أَباهُ وَأُمَّهُ، قَالَ: فَلَبَسَني،
قال(٤): قُلْتُ إِلَهُ](٥): تباً لك سَائرَ الْيَوْمَ، قال: وَقِيلَ لَهُ: أَيَسُرُكَ أَنَّكَ ذَاكَ
الرَّجُل؟(٦)، قال: فَقَالَ: لو عُرِضَ عليَّ ما كَرِهْتُ. رواه مسلم(٧).
وعن ابن عمر قال: لقيته وقد نَفَرَتْ (٨) عَيْنُهُ فقلت: متى فعلتْ عينك
(١) رواه مسلم رقم (٢٩٣٢) في الفتن: باب ذكر ابن صيَّاد.
(٢) في الأصل، والمطبوع، و((مشكاة المصابيح)) للتبريزي (٤٣/٣): ((ما لقيت))، وما أثبتناه من
(«صحیح مسلم)).
(٣) لفظة ((الآن)) التي بين حاصرتين سقطت من الأصل، والمطبوع، و((مشكاة المصابيح))، وأثبتناها
من ((صحيح مسلم)).
(٤) القائل: أبو سعيد الخدري رضي الله عنه.
(٥) لفظة ((له)) سقطت من الأصل، والمطبوع، وأثبتناها من ((مشكاة المصابيح)) الذي نقل عنه
المؤلف، ومن ((صحيح مسلم)) أيضاً.
(٦) أي الدجال.
(٧) زواه مسلم رقم (٢٩٢٧) (٨٩) و(٩٠) و(٩١) في الفتن: باب ذكر ابن صياد، والترمذي رقم
(٢٢٤٦) في الفتن: باب ما جاء في ذكر ابن صيّاد.
(٨) في المطبوع: ((نقرت)) وهو تصحيف.
١٤٦

ما أرى؟ قال: لا أدري، قلت: لا تدري وَهِيَ فِي رَأْسِكَ؟ قال: إن شاء الله
خلقها في عصاك [هذه](١)، قال: فَنَخَرَ (٢) كأشَدِّ نَخِيرِ حِمَارٍ سَمِعْتُ. رواه
مسلم(٣).
وعن مُحَمَّدِ بْنُ الْمُنْكَدِرِ (٤) قال: رأيتُ جابر بن عبد الله يحلِفُ بالله
أنَّ ابن الصَّادِ الدَّجالُ، قلت: تحلف بالله؟ قال: إني سَمِعْتُ عُمَرَ يَحْلِفُ
على ذلك عند النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فلم يُنْكِرْهُ النبيُّ صلى الله عليه
وسلم، متفق عليه(٥).
الفصل الثاني
عن نافعٍ قال: كان ابن عُمَرَ يقول: والله ما أَشكُّ أنَّ المسيح الدَّجال(٦)
ابنُ صيَّاد. رواه أبو داود، والبيهقي في كتاب ((البعث والنشور))(٧).
وعن جابرٍ قال: فَقَدْنا ابنَ صِيَّادٍ يَوْمَ الحَرَّةِ(٨) رواه أبو داود(٩).
(١) لفظة ((هذه)) سقطت من الأصل، والمطبوع، و((مشكاة المصابيح))، وأثبتناها من ((صحيح
مسلم)).
(٢) النخير: صوت الأنف.
(٣) رواه مسلم رقم (٢٩٣٢) (٩٩) في الفتن: باب ذكر ابن صياد.
(٤) في المطبوع: ((محمد بن المكندر)) وهو تحريف.
(٥) رواه البخاري رقم (٧٣٥٥) في الاعتصام: باب من رأى ترك النكير من النبيُّ صلى الله
عليه وسلم حجة، ومسلم رقم (٢٩٢٩) في الفتن: باب ذكر ابن صيَّاد، ورواه أيضاً أبو داود
رقم (٤٣٣١) في الملاحم: باب في خبر ابن صائد.
(٦) سمي الدجال مسيحاً لأن عينه ممسوحة كأنها عنبة طافية.
(٧) رواه أبو داود رقم (٤٣٣٠) في الملاحم، باب في خبر ابن صائد.
(٨) انظر كلام المؤلف عن هذه الوقعة الأليمة في حوادث سنة (٦٣) من كتابنا هذا.
(٩) رواه أبو داود رقم (٤٣٣٢) في الملاحم: باب في خبر ابن صائد، وإسناده صحيح.
١٤٧

وعن أبي بكرة (١) قال: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((يمكثُ
أَبَوا الدَّجَالِ ثلاثين عَاماً لا يولد لهما ولد، ثم يولد [لهما](٢) غلامٌ أعور
أضرس (٣) وأقلَّهُ منفعة، تنام عيناه ولا ينام قلبه، ثم نعت لنا رَسُولُ الله صلى
الله عليه وسلم أبويهِ فقال: ((أبوه طَوَّالٌ، ضرب اللحم، كان أنفه مِنْقَارٌ، وأُمُّهُ
امرأة فِرضاخيَّة (٤) طويلة اليدين))، فقال أبو بكرة: فسمعنا بمولدٍ في اليهود
بالمدينة(٥) ، فذهبت أنا والزُّبير بن العوام، حتى دخلنا على أبويهِ فإذا نعتُ
رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهما، فقلنا: هل لكما ولدً؟ فقالا: مكثنا
ثلاثين عاماً، لا يولد لنا ولد، ثُمَّ ولِدَ لنا غلامُ أعورُ أضرس، وأقلُّه منفعةً،
تنامُ عيناه ولا ينام قلبُه، قال: فخرجنا من عندهما، فإذا هو مُنْجَدلٌ(٦) في
الشَّمس في قَطِيفةٍ وله هَمْهَمَةً، فكشف عن رأسه، فقال: ما قلتما؟ قلنا:
وهل سمعتَ ما قُلْنَا؟ قال: نعم، تنامُ عينايَ ولا ينام قلبي. رواه
الترمذي (٧) .
وعن جابرٍ، أن امرأة من اليهود بالمدينة وَلَدت غُلاماً ممسوحة عينه،
(١) هو نُفَيْع بن الحارث بن كُلَدَة، وقيل: إن اسمه نفيع بن مَسْرُوح، تدلى في حصار الطائف
بكرة، وفر إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وأسلم على يده، وأعلمه أنه عبد، فأعتقه،
رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
(٢) لفظة: ((لهما)) سقطت من الأصل، والمطبوع، وقد أثبتناها من ((مشكاة المصابيح))
(٤٤/٣).
(٣) أي عظيم الضرس.
(٤) أي ضخمة عظيمة.
(٥) لفظة: ((المدينة)) سقطت من ((مشكاة المصابيح)) للتبريزي، فتستدرك فيه.
(٦) أي ملقى على وجه الأرض.
(٧) رواه الترمذي رقم (٢٢٤٨) في الفتن: باب ما جاء في ذكر ابن صائد، وفي سنده علي بن
زيد بن جُدْعان وهو ضعيف كما قال الحافظ في ((التقريب)).
١٤٨

طالعة نابه، فأشفق رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أن يكون الدَّجَّال، فوجده
تحت قَطِيْفَةٍ يُهَمْهِمُ (١)، فَآذنته أُمُّه فقالت: يا عبد الله هذا أبو القاسم،
فَخَرَجَ من القَطِيْفَةِ، فقال رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: (مَا لَهَا قَاتلها
اللّهُ؟ لَوْ تَرَكَتْهُ لبَيَّن)). فذكر مثل معنى حديث ابن عمر، فقال عمر ابن
الخطاب: ائذنْ لي يا رسول الله فَأَقْتُلَه، فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: ((إن يكن هو فَلَسْتَ صاحبه، إنما صاحبه عِيْسَى بنُ مريم، وإلاّ يكن هو
فليس لك أن تَقْتُلَ رَجُلاً من أهل العهد))، فلم يَزَلْ رَسُولُ الله صلى الله عليه
وسلم مُشْفِقَاً أنه(٢) هو الدَّجالُ، رواه في ((شرح السنة))(٣).
انتهى ما ذكره في ((مشكاة المصابيح)» بلفظه.
وقال أبو عبد الله الذهبي في كتابه ((تجريد الصحابة)) ما لفظه: عَبْدُ اللّهِ
ابنُ صيَّدٍ، أورده ابن شاهين وقال: هو ابن صائد، وكان أبوه يهودياً فولد له
عبد الله أعور مختونً، وهو الذي قيل إنه الدَّجَّال، ثُمَّ أُسْلَمَ، فهو تابعيِّ له
رؤية(٤).
قال أبو سعيد الخدري: صحبني ابن صيَّد إلى مَكَّةَ فقال: لقد هَمَمْتُ
(١) في المطبوع: ((يهمم)) وهو خطأ.
(٢) في المطبوع: ((أن يكون))، وما في الأصل الذي بين أيدينا موافق لما في «مشكاة المصابيح)).
(٣) ((مشكاة المصابيح)) للتبريزي (٤٥/٣)، وكتاب ((شرح السنة)) الذي أحال عليه صاحب
((المشكاة)) هو للإِمام البغوي، وقد حققه زميلي الأستاذ الشيخ شعيب الأرناؤوط، وطبعه
المكتب الإسلامي بدمشق، ولكن الجزء الذي فيه الحديث ليس بين أيدينا.
وقد روى الحديث أيضاً البخاري ومسلم، وأبو داود، والترمذي، وانظر: ((جامع الأصول)»
لابن الأثير (٣٦٤/١٠ - ٣٦٨) بتحقيقي.
(٤) في المطبوع: ((له رواية))، وفي الأصل: ((له رؤيا)) بالألف، وكلاهما محرف، وما أثبتناه من
((تجريد أسماء الصحابة)) للذهبي (٣١٩/١).
١٤٩

أن آخُذَ حَبْلًا فأوثقه (١) إلى شجرة ثم أختنق مما يقول النَّاسُ فيَّ، وذكر
الحديث، وهو في مسلم(٢).
انتهى ما قاله الذهبي(٣)(*).
(١) في ((صحيح مسلم)): ((فَأُعَلِّقَهُ)).
(٢) رواه مسلم رقم (٢٩٢٧) (٩١) في الفتن: باب ذكر ابن صيّاد. وانظر لفظ الحديث فيه.
(٣) ((تجريد الصحابة)) للذهبي (٣١٩/١).
(*) قال ابن الأثير في ((جامع الأصول)) (٣٦٢/١٠ - ٣٦٤) بتحقيق والدي الشيخ عبد القادر
الأرناؤوط: قال الخطابي: قد اختلف الناس في أمر ابن صيَّاد اختلافاً شديداً، وأشكل أمره،
حتى قيل فيه كل قول، فيقال: كيف بقَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً يدَّعي النبوة
كاذباً، وتركه بالمدينة في داره يجاوره؟ وما معنى ذلك؟ وما وجه امتحانه إياه بما خبأ له من آية
الدخان؟ وقوله بعد ذلك: ((اخسأ، فلن تعدو قدرك؟)) قال: والذي عندي، أن هذه القصة إنما
جرت معه أيام مهادنته صلى الله عليه وسلم اليهود وحلفاءهم، وذلك: أنه بعد مقدمه المدينة
كتب بينه وبين اليهود كتاباً صالحهم فيه على أن لا يهاجروا، وأن يُتركوا على أمرهم، وكان
ابن صياد منهم - أو دخيلاً في جملتهم - وكان يبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خبره، وما
يدَّعيه من الكهانة ويتعاطاه من الغيب، فامتحنه النبيُّ صلى الله عليه وسلم ليبرز أمره ويختبر
شأنه، فلما كلمه علم أنه مبطل، وأنه من جملة السحرة أو الكهنة، أو ممن يأتيه رِئيُ الجن،
أو يتعاهده الشيطان، فيلقي على لسانه بعض ما يتكلم به، فلما سمع قوله: ((الدخ)» زجره،
فقال: ((اخسأ فلن تعدو قدرك)) يريد أن ذلك شيء اطلع عليه الشيطان، فألقاه إليه وأجراه
على لسانه، وليس ذلك من قبيل الوحي السماوي إذا لم يكن له قدر الأنبياء الذين يوحى
إليهم علم الغيب، ولا درجة الأولياء الذين يلهمون الغيب فيصيبون بنور قلوبهم، وإنما كانت
له تارات يصيب في بعضها، ويخطىء في البعض، وذلك معنى قوله: يأتيني صادق وكاذب،
فقال له صلّى الله عليه وسلم عند ذلك: ((قد خلط عليك)) والجملة من أمره: أنه كان فتنة
امتحن الله به عباده المؤمنين: ﴿ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حيِّ عن بينة ﴾
[الأنفال: ٤٢] كما امتحن الله قوم موسى بالعجل، فافتتن به قوم وهلكوا، ونجا من هداه الله
وعصمه، وقد اختلفت الروايات في کفره، وفیما کان من شأنه بعد کبره، فروي أنه تاب عن
ذلك القول، ثم إنه مات بالمدينة، وأنهم لما أرادوا الصلاة عليه، كشفوا عن وجهه حتى رآه
الناس، وقيل لهم: اشهدوا، وروي غير ذلك، وأنه فقد يوم الحرة فلم يجدوه، والله أعلم.
وانظر ((فتح الباري)) لابن حجر (١٣/ ٣٢٥ - ٣٢٩).
١٥٠

السنة الثانية عشرة(١)
فيها غزوة اليمامة، وقَتْلُ مُسَيْلَمَةَ الكَذَّاب، وفُتِحَتْ اليمامة صُلحاً على
يد خَالِد بنِ الوَلِيْدِ بعد أن استشهد من الصحابة رضي الله عنهم نحو أربعمائة
وخمسين، وقيل: ستمائة، وجملة القتلى من المسلمين ألف رجل ومائتا
رجل، وكان رأي أهل الردة على منع الزكاة دون غيرها، فأجمع رأي أبي بكرٍ
على قتالهم، وأبى سائر الصحابة، واحتجُوا عليه بقوله صلى الله عليه وسلم:
((أَمِرْتُ أن أُقَاتِلَ النَّاسَ حتى يَقُوْلُوْا: لا إله إلا الله، فإذا قالوا: لا إله إلا الله
عَصَّمْوْا مِنِي دِمَاءَهُم وأَمْوَالَهُم إلا بِحقُّهَا وَحِسَابُهم عَلَى اللّه تعالى))، فقال أبو
بكر: الزَّكاةُ حَقُّ المَالِ ، وقال: واللّهِ لَّاقاتِلَنَّ مِنْ فَرَّقَ بين الصلاةِ وَالزَّكاةِ(٢).
(١) في الأصل: ((السنة الثانية عشر)).
(٢) رواه البخاري رقم (٧٢٨٤) و(٧٢٨٥) في الاعتصام: باب الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله
عليه وسلم، و(٦٩٢٤) في استتابة المرتدين: باب قتل من أبى قبول الفرائض وما نسبوا إلى
الردة، و(١٤٠٠) في الزكاة: باب وجوب الزكاة، ومسلم رقم (٢٠) في الإِيمان: باب الأمر
بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة،
ويؤمنوا بجميع ما جاء به النبيُّ صلى الله عليه وسلم، وأن من فعل ذلك عصم نفسه وماله إلا
بحقها، ووكلت سريرته إلى الله تعالى، وقتال من منع الزكاة أو غيرها من حقوق الإِسلام،
واهتمام الإِمام بشعائر الإِسلام، وأبو داود رقم (١٥٥٦) في الزكاة: في فاتحته، والترمذي
رقم (٢٦٠٦) في الإِيمان: باب ما جاء أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله،
والنسائي (١٤/٥، ١٥) في الزكاة: باب مانع الزكاة.
١٥١

قال الشيخ أبو إسحاق الشِّيرازي(١): فانظر كيف مَنَّعَ مِنْ التعلَّقِ بعمومٍ
الخَبْرِ مِنْ وَجهین:
أحدهما: أنه بَيَّن أن الزكاةَ حَقُّ المالِ فلم يُدْخِل مانِعها في الخَبْرِ.
والثاني: أنهُ خَصَّ الخبر في الزكاة، كما خصَّ في الصَّلاة، فخصَّ مرةً
بالخبر، وأخرى بالنَّظر، وهذا غاية ما ينتهي إليه المجتهدُ المحقّقُ، والعَالمُ
المُدقِّقُ.
وفي ذي الحجة منها توفي صهر النبيِّ صلى الله عليه وسلم - زوج
ابنته زَيْنَب - أبو العَاصِ بنُ الربيع العبشمي (٢) ابن أختِ خَدِيجَةَ، هَالَة بنتُ
خُوَيْلد، وكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يثني عليه، ولما أسلم لم يجدِّد له
النبيُّ صلى الله عليه وسلم النكاح على بنته، بل أبقاهما على نكاحهما.
(١) هو إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروزأبادي الشيرازي، أبو إسحاق، الإِمام المحقق المدقق
ذو الفنون من العلوم المتكاثرات، والتصانيف النافعة المستجدات، الزاهد، العابد، الورع
المعرض عن الدنيا، المقبل بقلبه على الآخرة، صاحب ((المهذب)) في الفقه، المتوفى سنة
(٤٧٢) هـ. انظر ((تهذيب الأسماء واللغات)) للنووي (١٧٢/٢ - ١٧٤).
(٢) هو لقيط بن الربيع، وقيل اسم أبيه ربيعة، أسلم قبل الحديبية بخمسة أشهر، قال المِسْوَر
ابن مخرمة: أثنى النبيُّ صلى الله عليه وسلم على أبي العاص في مصاهرته خيراً وقال:
((حدثني فصدتني، ووعدني، فوفى لي)) وكان قد وعد النبيَّ صلى الله عليه وسلم أن يرجع
إلى مكة بعد وقعة بدر، فيبعث إليه بزينب ابنته، فوفى بوعده، وفارقها مع شدة حبه لها،
وكان من تجار قريش وأبنائهم. ((سير أعلام النبلاء)) للذهبي (٣٣٠/١ - ٣٣٤).
١٥٢

السنة الثالثة عشرة
فيها وقعة أَجْنَادِيْن(١) بقرب الرَّمْلَة، واستشهد فيها جماعة من الصحابة
رضي الله عنهم أجمعين، ثم كان النصر والحمد لله.
وفيها بعث أبو بكر رضي الله عنه أمراءه إلى الشام، منهم أبو عبيدة،
وعمرو بن العاص، ويزيد بن أبي سفيان، وشُرَحْبِيل بن حسنة، وبعث خالداً
إلى العراق، فافتتح الأبُلَّةَ(٢)، وأغار على السواد(٣)، وحاصر عين التمر(٤)،
(١) انظر خبر هذه الوقعة في ((تاريخ خليفة بن خياط)) ص (١١٩، ١٢٠)، والمصادر التي أحال
عليها محققه الدكتور أكرم ضياء العمري .
(٢) الأبُلَّة: بلدة على شاطىء دجلة البصرة العظمى في زاوية الخليج الذي يدخل إلى مدينة
البصرة، وهي أقدم من البصرة، لأن البصرة مُصِّرت في أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه،
وقد نسب إلى الأبَّلة جماعة من رواة العلم، منهم شيبان بن فُرُّوخ الأبُلِّي. انظر ((معجم
البلدان)» لياقوت (٧٧/١، ٧٨)، و((الروض المعطار)) للحميري ص (٨ و٩).
(٣) السَّوَادُ: يراد به رستاق العراق وضياعها التي افتتحها المسلمون على عهد عمر بن الخطاب
رضي الله عنه، سمي بذلك لسواده بالزروع والنخيل والأشجار، لأنه حيث تاخم جزيرة
العرب التي لا زرع فيها ولا شجر. انظر ((معجم البلدان)) لياقوت (٢٧٢/٣ - ٢٧٥).
٠
(٤) عين التمر: بلدة قريبة من الأنبار غربي الكوفة بقربها موضع يقال له: شَفائًا، منها يُجْلَبُ
القَسْب (التمر اليابس) والتمر إلى سائر البلاد، وهو بها كثير جداً، وهي على طرف البرية،
وهي قديمة افتتحها المسلمون في أيام أبي بكر رضي الله عنه على يد خالد بن الوليد رضي
الله عنه. انظر ((معجم البلدان)) لياقوت (١٧٦/٤ و١٧٧)، و((الروض المعطار)) للحميري
ص (٤٢٣).
١٥٣

وأرى الفرس ذُلاً وهواناً، ثم سار من العِرَاقِ إلى الشَّامِ في بَرِيَّةٍ ورِمَالٍ
لا يهتدى طريقها، ولحق بأمراء الشام، فكان له الأثر العظيم.
وفي جمادى الآخرة منها توفي الخليفة أبو بكرٍ الصِّدِّيق عَبْدُ اللّهِ بن
عُثْمَان رضي الله عنه عن ثلاث وستين سنة، ومناقبه كثيرة لا تنكر(١) مشهورة،
وفيه يقول أبو محجنٍ الثقفيُّ (٢):
سِواكَ يُسمَّى باسمه غير مُنكَرٍ
وَسُمِّيْتَ صِدِّيقاً وَكُلُّ مُهَاجِرٍ
وَكُنْتَ رَفِيقاً للنبيِّ المُطَّهَّرِ
وَبالغَارِ إذْ سُمِّيْتَ بالغَارِ صاحِباً
وَكُنْتَ جَليساً بالعريشِ المشهَّرِ
سَبَقتَ إلى الإِسلام والله شَاهِدٌ
ومناقبه وسوابقه في الإِسلام لا تنحصر، وكان رئيساً في الجاهلية،
وكان إليه الدِّياتُ، ومعرفة الأنساب، وتأويل الرؤيا، وأسلم على يده جماعة،
وأعتق أعبداً افتداهم من أيدي المشركين يعذُّبونهم، منهم بلالٌ، وعامر بن
فُهَيرةَ، ونص صلى الله عليه وسلم أن سبقه لغيره بواقٍ وقر في صدره(٣)،
وجاء أنه كان إذا تنفّس يُشم منه رائحة كبد مشوية، وبينه وبين مرة بن كعب
(١) لفظة: ((لا تنكر)) سقطت من المطبوع.
(٢) اختلف في اسمه، فقيل عبد الله بن حبيب، وقيل: عمرو بن حبيب، وقيل: مالك بن
حبيب، وقيل: اسمه كنيته، وهو من الشعراء المخضرمين الذين أدركوا الجاهلية والإسلام،
وهو شاعر فارس شجاع معدود في أولي البأس والنجدة مات سنة (٣٠) هـ. انظر «أسد
الغابة)) لابن الأثير (٢٧٦/٦ - ٢٧٨)، و((الأغاني)) لأبي فرج الأصفهاني (١٩ / ١ - ٤١)،
و((الإصابة)) لابن حجر (١٢ / ٧ -١٢)، و((الشعر والشعراء)) لابن قتيبة ص (٢٥١ - ٢٥٣)،
و((شرح أبيات مغني اللبيب)) للبغدادي (١٤٣/١، ١٤٤)، و((الأعلام)) للزركلي (٧٦/٥).
(٣) في الأصل: ((بواقد وقد في صدره))، وهو تحريف. وقوله: نص ◌ّر أن سبقه لغيره بواقر وقر
في صدره، قال فيه الحافظ العراقي: لم أجده مرفوعاً، وهو من كلام بكر بن عبد الله
المزني .
١٥٤

ستة آباء كالنبيِّ صلى الله عليه وسلم، وأمه سَلْمى أم الخير (١) بنت صخر بن
عامر، تيمية أيضاً، ولد بعد عام الفيل بسنتين وأربعة أشهر إلا أياماً، وعاش
بعد النبيِّ صلى الله عليه وسلم بعدد ما سبقه النبيُّ صلى الله عليه وسلم
بالولادة، واستخلف عُمَرَ فلم يختلف عليه اثنان، والإِجماع منعقد على صحة
خلافته، ودلائلها أشهر من أن تذكر، لعن الله باغضيه.
قال محب الدين أبو جعفر محمد الطبري في كتابه ((الرياض النضرة في
فضائل العشرة رضي الله عنهم))(٢): وعن أبي ذرٍ (٣) رضي الله عنه قال: دخل رسول
الله صلى الله عليه وسلم منزل عائشة فقال: ((يا عَائِشَة ألا أُبَشِّرُكِ؟)) قالت: بلی یا
رسول الله، قال: ((أَبُوكِ فِي الْجَنَّةِ، وَرَفِيْقُهُ إِبْرَاهِيمُ الخَلِيْلُ عَلَيْهِ السَّلامِ، وَعُمَرُ في
الْجِنَّةِ وَرَفِيْقُهُ نُوْحٌ عَلَيْهِ السَّلامِ، وَعُثمانُ في الْجَنَّةِ وَرَفِيْقُهُ أنا، وَعَلِيٍّ فِي الْجَنَّةِ
وَرَفِيْقُهُ يَحْيِى بِنُ زَكَرِيًّا [عَليْهِ السَّلامِ]، وَطَلِحَةُ فِي الْجَنَّةِ وَرَفِيْقُهُ دَاوُدُ عَلَيْهِ
السَّلامُ، والزُّبَيْرُ فِي الْجَنَّةِ وَرَفِيْقُهُ إِسْمَاعِيْلُ عَلَيْهِ السَّلامِ، وَسَعْدُ بنُ أبي
وَقَّاصٍ فِي الْجَنَّةِ وَرَفِيْقُهُ سُلَيْمَانُ بنُ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلامِ، وَسَعِيْدٌ فِي الْجَنَّةِ
وَرَفِيْقُهُ مُوسى بنُ عِمْرَانَ عَلَيْهِ السَّلامِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنُ بنُ عَوْفٍ فِي الْجَنَّةِ
وَرَفِيْقُهُ عِيْسِى عَلَيْهِ السَّلامِ، وَأبو عُبَيْدَةً بنُ الجَرَّحِ فِي الْجَنَّةِ وَرَفِيْقُهُ إِدْرِيْسُ
عَلَيْهِ السَّلامِ)).
ثم قال: ((يا عَائِشَة أَنا سَيِّدُ المُرْسَلِينَ وَأَبُوكِ أفْضَلُ الصِّدِّيقين، وأَنْتِ أُمُّ
المُؤْمِنْيْنَ)). أخرجه الملاء في ((سيرته)) (٤)، انتهى.
(١) في المطبوع: ((أم الخيرا)) وهو تحريف.
(٢) ((الرياض النضرة في مناقب العشرة)) (٤١/١).
(٣) هو جندب بن جنادة الغفاري رضي الله عنه.
(٤) ((الرياض النضرة)) (٤١/١).
١٥٥

وقال اللَّقاني(١) في ((شرح الجوهرة)): أَفْضَلُ الصَّحابة أهلُ الحُدَبِيَةِ،
وأفضل أهلِ الحُدَيَِّةِ أهلُ أُحُدٌ، وأفضَلُ أهلِ أُحُدٍ أهْلُ بَدْرٍ، وَأَفْضَلُ أهلِ
بَدَرٍ العَشَرَةُ، وَأَفْضَلُ العَشَرَةِ الخُلَفَاءُ الأربَعَةُ، وَأَفْضَلُ الأربَعَة أبو بَكرٍ الصِّدِّيقُ
رَضِيَ اللّهُ عَنْهُم أَجْمَعِيْن. انتهى.
وقال المحب الطبري في ((الرياض)) أيضاً عن أنس رضي الله عنه قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ أَحْسَنَ القَوْلَ في أَصْحَابِي فَقَدْ
بَرِىءَ مِنَ النَّفَاقِ، وَمَنْ أَسَاءَ القَوْلَ في أَصْحَابي كَانَ مُخَالِفاً لِسُّنَتِي وَمَأْوَاهُ النارُ
وَبِئْسَ المَصِيْرِ)) أخرجه أبو سَعْد في ((شَرَفِ النُّبُّوة))(٢).
وعن عبد الرحيم بن زيد العَمّي قال: أخبرني أبي قال: أدركت أربعين
شيخاً من التابعين كلهم حدَّثونا عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه
وسلم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((مَنْ أَحَبَّ جَمِيْعَ أصحابي
وَتَوَلَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لهُم جَعَلَهُ اللّهُ تَعَالَىْ يَوْمَ القِيَامَةِ مَعَهُمْ فِي الْجَنَّةِ»، خرجه
ابن عرفة العبدي(٣).
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: ((مَنْ أَحَبَّ أَصْحَابِي وَأَزْوَاجِي وَأَهْلَ بيتِيَّ وَلِم يَطْعَنْ فِي أَحدٍ مِنْهُم،
وَخَرَجَ مِنَ الدُّنيا على مَحَبَّتِهِم كَانَ مَعي فِي دَرَجَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ))، أخرجه
الملاء في ((سيرته)) (٤).
(١) هو عبد السلام بن إبراهيم بن إبراهيم اللقاني المصري، شيخ المالكية في وقته بالقاهرة
المتوفى سنة (١٠٧٨) هـ. وكتابه الذي نقل عنه المؤلف ابن العماد هو «شرح جوهرة
التوحيد)). انظر ((الأعلام)) للزركلي (٣٥٥/٣).
(٢) ((الرياض النضرة)) (٢٦/١، ٢٧).
(٣) ((الرياض النضرة)) (٢٧/١).
(٤) ((الرياض النضرة)) (٢٧/١).
١٥٦

وعن الأعمش قال: خرجت في ليلة مقمرة أريد المسجد فإذا أنا بشيءٍ
عارضني، فاقشعرَّ منه جسدي، فقلت(١): أمن الجن أم من الإِنس؟ فقال:
من الجن، فقلت: مؤمن أم كافر؟ فقال: بل مؤمن، فقلت: هل فيكم من
هذه الأهواء والبدع شيءٌ؟ قال: نعم، ثم قال: وقع بيني وبين عفريت من
الجنّ اختلاف في أبي بكرٍ وعُمَر، فقال العفريت: إنهما ظلما علياً واعتديا
عليه، فقلت: بمن ترتضي حكماً؟ فقال: بإبليس، فأتيناه فقصصنا عليه
القصة، فضحك ثم قال: هؤلاء من شيعتي وأنصاري وأهل مودَّتي، ثم قال:
ألا أحدَّثكم بحديثٍ؟ قلنا: بلى، قال: أعلمكم أني عَبَدْتُ الله تعالى في
السماء(٢) الدُّنيا ألفَ عَامٍ فَسُمِّيْتُ فيها العَابد، وعبدت الله في الثانية ألف
عام فسميت فيها الزَّاهِد، وعبدت الله في الثالثة ألف عام فسميت فيها
الرَّاغِبَ، ثم رفعت إلى الرابعة فرأيت فيها سبعين ألف صف من الملائكة
يستغفرون لمحبي أبي بكرٍ وَعُمَرَ، ثم رفعت إلى الخامسة فرأيت فيها سبعين
ألف مَلَكٍ يلعنون مُبغِضي أبي بكرٍ وَعُمَرَ. انتهى.
وفي ((الصحيحين)) أنه ذهب بثلاثة أضياف معه إلى بيته، وجعل
لا يأكل لقمة إلّ ربا من أسفلها أكثر منها فشبعوا، وصارت أكثر ما هي قبل
ذلك، فنظر إليها أبو بكر وامرأته فإذا هي أكثر مما كانت، فرفعها إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم وجاء إليه أقوام كثيرون فأكلوا منها(٣).
(١) في المطبوع: ((وقلت)).
(٢) في الأصل: ((في سماء الدنيا))، وأثبتنا ما في المطبوع.
(٣) رواه البخاري رقم (٦٠٢) في مواقيت الصلاة: باب السمر مع الضيق والأهل، و(٣٥٨١) في
المناقب: باب علامات النبوة في الإِسلام، و(٦١٤٠) في الأدب: باب ما يكره من الغضب
والجزع عند الضيق، و(٦١٤١) باب قول الضيف لصاحبه والله لا آكل حتى تأكل، ومسلم
رقم (٢٠٥٧) في الأشربة: باب إكرام الضيف وفضل إيثاره، وقد أورده المؤلف مختصراً.
١٥٧

٠
ومات يوم وفاة أبي بكرٍ أمِيْرُهُ عَلى مَكّةَ عَتَّبُ بنُ أَسِيدٍ الأموي، وكان
من مُسْلِمَةِ الْفَتْحِ ، وَأَمِّرَهُ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم عَلى مَكّةَ حِيْنَ خَرَجَ إلى
حُنَيْنٍ وَالطَّائِفِ، ولم يزل عَلَيْها حَتَّى توفِّي النبيُّ صلى الله عليه وسلم، وَلما
أن جَاءَ الخَبِرُ بِمَوْتِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم اختَفىْ وَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ،
فَقَامَ سُهَيْلُ بنُ عَمْرٍو وَخَطَبَ خُطْبَةً بَلِيْغَةً ثَبْتَ اللّهُ بِهَا قُلُوبَ النَّاسِ، فَصَحَّ
فِي سُهَيْلٍ قَوْلُ رَسُولِ اللّهِ صَلى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: ((عسى أن يقوم مقاماً
يحمد فیه))(١).
(١) قلت: وفي ((أسد الغابة)) لابن الأثير (٤٨٠/٢): ((فعسى أن يقوم مقاماً تحمده عليه)).
١٥٨

سنة أربعة عشرة
فيها فُتِحت دِمَشْقُ صلحًاً من أبي عُبَيْدَة، وَعُنْوَةً مِنْ خَالِدٍ، ثم أُمْضِيتْ
صُلْحَاً بعد مراجعةٍ عُمَرَ، وعزل عُمَرُ خَالِداً بأبِي عُبَيْدَةً، فقال خَالِدُ: واللهِ لو
ولِي عُمَرُ عَلى امرأةٍ لسمعت وأطاعت(١)، وكان قد رأى تلك الأيام أن قلنسوته
سقطت، ففسرت بعزله.
وكان عمر قد أنفذه(٢) إلى العراق لشجاعته وإقدامه، ثم عزله لتعزيره
بالمسلمين، مع أن عمر أشار على أبي بكرٍ أن ينفذه لقتال أهل الردّة، وكان
في صلح أبي عُبَيْدَة لأهل دمشق أنَّ لهم ما حملت إبلهم، وأن لا يتبعوا إلى
انقضاء ثلاثة أيام، فتبعهم خالد بعد الثلاث، فأدركهم بمرْج الديباج(٣)،
فوضع فيهم السيف، وقتل أميرهم، وسبى بنت ملكهم(٤)، فُرُوجِعَ عُمَرُ
(١) في المطبوع: ((وأطعت)) وهو خطأ.
(٢) في المطبوع: ((أنفذه)) وهو تصحيف.
(٣) قال ياقوت: مرج الديباج، واد عجيب المنظر نزه بين الجبال، بينه وبين المصِّيْصَة عشرة
أميال. ((معجم البلدان)) (١٠١/٥).
قلت: والمصيصة، مدينة على شاطىء جيحان من ثغور الشام بين أنطاكية وبلاد الروم تقارب
طرسوس. وانظر: ((معجم البلدان)) (١٤٥/٥).
(٤) في المطبوع: ((مليكهم)).
١٥٩
١٠

فيها، وقد أرسل أبوها بمالٍ عظيمٍ في فدائها، فأمر عُمَرُ بإطلاقها بغير مالٍ
ليُريهم أنه لا رغبة ولا رهبة له فيهم.
وفيها وقعة جِسْرٍ أَبِي عُبَيْد(١) على مرحلتين من الكُوفة، واستشهد من
المسلمين بها نحو ثمانمائة، منهم أبو عبيدة بن مسعود (٢)، والد المختار
الكذاب، وكان من أجلة الصحابة(٣) رضي الله عنهم.
وفيها مَصَّرَ عُتْبَةُ بنُ غَزْوَانَ الْبَصرَةَ، وأمر ببناء مسجدها الأعظم.
وفتحت بَعْلَبَكُّ، وحِمْصُ صلحاً، وهرب مِرَقْلُ عظيم الروم من أنطاكية
إلى القسطنطينية .
وفيها توفِّي أبو قُحَافَةً والد أبي بكرِ الصِّدِّيق، واسمه عُثْمَان، وكان
أسلم يوم الفتح، ومات عن أربع وتسعين سنة رضي الله عنه وعن ولده
وذرِّيَّته .
(١) في المطبوع: ((جسر أبي عبيدة)) وهو خطأ. وإنما نسب الجسر إلى أبي عبيد بن مسعود
الثقفي رضي الله عنه لأنه أمر بنصب الجسر على الفرات ليعبر جيش المسلمين لقتال الفرس،
فقطعوا الجسر خلفه، وقتل، وقتل أصحابه. ((الإصابة)) لابن حجر (٢٤٩/١١)، و((تاريخ خليفة
بن خياط)) ص (١٢٤، ١٢٥)، و((أسد الغابة)) (٢٠٥/٦)، و((تاريخ الطبري)) (٤٤١/٣،
٤٤٢)، و((معجم البلدان)) (١٤٠/٢)، و((الروض المعطار)) ص (١٧٨ - ١٨٠).
قال ابن الأثير في ((أسد الغابة)): وتعرف وقعة أبي عُبَيد أيضاً، بيوم قُسِّ الناطف، ويوم
المَرْوَحة .
(٢) وهو الذي تكلمنا عنه في التعليق السابق.
(٣) في المطبوع: ((من جلة الصحابة)).
١٦٠