النص المفهرس

صفحات 61-80

وهو ((مشكاة المصابيح)) كمل فيه ((مصابيح السُّنة)) للبغوي، وذيّل أبوابه، فذكر
الصحابي الذي روى الحديث عنه، وذكر الكتاب الذي أخرجه منه، وزاد على
كل باب من صِحاحه وحِسانه - إلا نادراً - فصلاً ثالثاً، فصار كتاباً كاملاً فرغ من
جمعه آخر يوم الجمعة من رمضان سنة سبع وثلاثين وسبعمائة، وقد طبع هذا
الكتاب في الهند وفي روسيا، ثم طبع في المكتب الإِسلامي بدمشق في ثلاثة
مجلدات، وقد تولى الكلام على أحاديثه الأستاذ الشيخ محمد ناصر الدِّين
الألباني، وله عدة شروح أحسنها ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) لملا
علي القاري رحمه الله.
وطبع الكتاب الثاني على هامش الطبعة الهندية من ((المشكاة))، ثم أفرد
في آخر الطبعة المطبوعة من ((مشكاة المصابيح)) في المكتب الإِسلامي بدمشق.
٣٠ - الذَّهَبي
هو محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز التركماني الذهبي، أبو عبد الله،
الإِمام المؤرّخ، المحدِّث، المحقّق، المتقن الكبير، صاحب ((تاريخ الإِسلام))،
و((سير أعلام النبلاء))، و((الأمصار ذوات الآثار))(١)، وغير ذلك من المصنفات
النافعة المفيدة.
ولد بدمشق سنة ثلاث وسبعين وستمائة.
وحينما بلغ الثامنة عشرة من عمره توجهت عنايته إلى طلب العلم بصورة
جدية نحو حقلين رئيسين هما: القراءات، والحديث النبوي الشريف، فتميز في
دراسة القراءات وبرع فيها، وعني بالحديث عناية فائقة، وانطلق فيه حتى طغى
على كل تفكيره واستغرق كل حياته بعد ذلك، فسمع ما لا يُحصى كثرة من
الكتب والأجزاء، ولقي العديد من الشيوخ والشيخات، وأُصيب بالشَّرَه في
سماعه وقراءته .
(١) الذي أكرمني الله عزّ وجلّ بتحقيقه والتعليق عليه بإشراف والدي حفظه الله، وقد صدر حديثاً
عن دار ابن كثير.
٦١

٠٠٠٠
ورحل في طلب العلم داخل البلاد الشامية منذ سنة ثلاث وتسعين
وستمائة، فسمع ببعلبك، وحلب، وحمص، وحماة، وطرابلس، والكرك،
والمعرّة، وبُصرى، ونابلس، والرملة، والقدس، وتبوك ..
ورحل إلى البلاد المصرية سنة خمس وتسعين وستمائة فوصلها في
رجب، وعاد منها في ذي القعدة.
وتوجه إلى البيت الحرام لأداء فريضة الحج، وذلك سنة ثمان وتسعين
وستمائة، وسمع هنالك من مجموعة من الشيوخ.
توفي يوم الإثنين الثالث من ذي القعدة سنة ثمان وأربعين وسبعمائة
بدمشق، وأُضَرَّ قبل موته بیسیر.
قال تاج الدين السبكي: اشتمل عصرنا على أربعة من الحفّاظ وبينهم
عموم وخصوص، المِزّي، والبرزالي، والذهبي، والشيخ الوالد(١) لا خامس
لهم في عصرهم، فأما أستاذنا أبو عبد الله(٢)، فبصر لا نظير له، وكنز هو الملجأ
إذا نزلت المعضلة، إمام الوجود حفظاً، وذهب العصر معنىً ولفظاً، وشيخ
الجرح والتعديل، ورجل الرجال في كل سبيل، كأنما جُمعت الأمة في صعيد
واحد، فنظرها ثم أخذ يخبر عنها إخبار مَنْ حضرها، وكان محطّ رحال المعنت،
ومنتهى رغبات مَنْ تعنَّت، تعمل المطي إلى جواره، وتضرب البزل المهارى
أكبادها فلا تبرح أو تبيد نحو داره، وهو الذي خرَّجنا في هذه الصناعة، وأدخلنا
في عداد الجماعة، جزاه الله عنّا أفضل الجزاء، وجعل حَظَّهُ من عرصات الجنان
موفر الأجزاء، وسعده بدراً طالعاً في سماء العلوم، يذعن له الكبير والصغير من
الكتب، والعالي والنازل من الأجزاء.
قلت: وقد قامت شُهرة الذهبي على كتابيه ((تاريخ الإِسلام)) و((العبر في خبر
(١) يعني تقي الدين السُّبكي، شيخ الإِسلام في عصره، المتوفى سنة (٧٥٦) هـ انظر ((الأعلام))
للزركلي (٣٠٢/٤).
(٢) يعني الإِمام الذهبي.
٦٢

من عبر)»، والأول منهما عقده لتدوين حوادث الزمان وذكر الأعيان من الرجال،
منذ العصر النبوي، وإلى أيامه، وقد نشرت بعض الأجزاء من هذا الكتاب
العظيم في مصر، وأفضلها هو الجزء الذي قام بتحقيقه الأستاذ الدكتور بشّار
عواد معروف(١).
ويقوم الآن الدكتور عمر عبد السلام التدمري في لبنان بتحقيق عدد من
الأجزاء من هذا الكتاب القّم، ولا أدري عن أيٍّ من دُور النشر ستصدر(٢).
وأما الثاني - وهو العبر - فقد خصصه للكلام عن حوادث الدَّهر
وتراجم الأعيان ولكن باختصار.
ومن كتب الذهبي المهمة أيضاً ((سير أعلام النبلاء))، و ((تذكرة الحفاظ)).
٣١ - ابنُ شَاكِرِ الكُتْبِي
هو محمد بن شاکر بن أحمد بن عبد الرحمن بن شاكر بن هارون بن شاكر
الكتبي الداراني ثم الدمشقي، العالِم المؤرّخ الكبير، صاحب ((عيون التواريخ))،
و«فوات الوفيات)).
ولد في داريًّا، وسمع من المِزِّي، وابن الشحنة، وغيرهما من علماء
الشام، وتوسعت مداركه وبعد نظره لما اشتغل في صنعة الوراقة والمتاجرة
بالكتب، وهي الصنعة التي كانت مزدهرة في عصره.
توفي في رمضان من سنة أربع وستين وسبعمائة.
قال ابن كثير: كان يحفظ ويُذاکر ویفید رحمه الله وسامحه.
قلت: وقد قامت: شهرة ابن شاكر على كتابيه المشار إليهما، والأول
منهما مخطوط في عشرة أجزاء طبع منها ثلاثة، قال صاحب ((كشف الظنون))
(١) وقد أفدت من مقدمته لهذا الجزء في إعداد هذه الترجمة للإِمام الذهبي رحمه الله تعالى.
(٢) انظر العدد الثامن عشر من ((نشرة أخبار التراث العربي)) ص (٢٥) التي يصدرها معهد
المخطوطات العربية في الكويت.
٦٣
می

ما معناه: إن ابن شاكر تتبع في كتابه ((عيون التواريخ)» كتاب («البداية والنهاية)) لابن
كثير، لا سيما في الحوادث، وكثيراً ما ينقل عنه صفحة فأكثر بحروفها.
وطبع الثاني منهما وهو ((فوات الوفيات)) طبعة متقنة في دار صادر ببيروت
بتحقيق الأستاذ الدكتور إحسان عبَّاس، ويقع في خمسة مجلدات.
٣٢ - الصَّفَدي
هو خليل بن أيبك بن عبد الله الصفدي، أبو الصفا، الإِمام المؤرّخ الكبير،
صاحب ((الوافي بالوفيات)) وغير ذلك من المصنفات النافعة.
ولد في صفد بفلسطين سنة ست أو سبع وتسعين وستمائة .
أخذ العلم عن جمهرة من العلماء الأعلام في عصره، كالقاضي بدر
الدين بن جماعة، وأبي الفتح بن سيد الناس، وتقي الدين السبكي، والحافظين
أبي الحجاج المزّي، وأبي عبد الله الذهبي. وأخذ طرفاً من الفقه، وأخذ النحو
عن أبي حيّان، والأدب عن ابن نُباتة، والشهاب محمود، ولازمه، ومهر في فن
الأدب، وكتب الخط المليح، وقال النظم الرائق، وألّف المؤلفات الفائقة،
وباشر كتابة الإِنشاء بمصر ودمشق، ثم ولي كتابة السر بحلب، ثم وكالة بيت
المال بالشام، وتصدى للإِفادة بالجامع الأموي، وحدَّث بدمشق وحلب
وغيرهما .
توفي في شهر شوّال من سنة أربع وستين وسبعمائة.
وقد ذكره شيخه الإِمام الذهبي في ((المعجم المختصّ)) فقال: الإِمام
العالِم الأديب البليغ الأكمل، طلب العلم وشارك في الفضائل، وساد في علم
الرسائل، وقرأ الحديث، وكتب المنسوب، وجمع وصنّف، والله يمدّه بتوفيقه،
سمع منّي، وسمعت منه، وله تآليف، وكتب، وبلاغة.
قلت: وقد اشتهر الصفدي بكتابه العظيم ((الوافي بالوفيات)) المنوّه عنه في
صدر الترجمة، وقد جمع فيه تراجم الأعيان ونُجباء الزمان ممّن وقع عليه
٦٤

اختياره، فلا يغادر أحداً من أعيان الصحابة والتابعين، والملوك والأمراء،
والقضاة والعمال، والقرّاء والمحدّثين، والفقهاء والمشايخ، والصُلحاء والأولياء
والنحاة، والأدباء والشعراء، والأطباء والحكماء، وأصحاب النُّحَل والبِدَع
والآراء، وأعيان كل فن ممّن اشتهر أو أتقن إلا وذكره.
وقد قامت جمعية المستشرقين الألمان في بيروت بتكليف عدد من
الباحثين المختصّين من عرب ومستشرقين بتحقيقه، وقد صدرت منه مجموعة كبيرة
من الأجزاء، ولا تزال أجزاء أخرى منه قيد التحقيق، أو تحت الطبع.
٣٣ - اليَانِعِي
هو عبد الله بن أسعد بن علي بن سليمان بن فلاح اليافعي اليمني ثم
المكّي، أبو محمد، العالِم المؤرخ المتصوف، صاحب ((مرآة الجنان وعبرة
اليقظان في معرفة حوادث الزمان)) وغير ذلك من المصنفات المختلفة.
ولد في اليمن سنة (٦٩٨)، وكان من صغره تاركاً لما يشتغل به الأطفال
من اللعب، فلما رأى والده آثار الفلاح عليه ظاهرة، بعث به إلى عَدَن فاشتغل
بالعلم، وأخذ عن العلامة أبي عبد الله البصَّال وغيره، وعاد إلى بلاده، وصحب
الشيخ علي الطواشي، وهو الذي سلّكه الطريق، ثم لازم العلم وحفظ ((الحاوي
الصغير))، و((الجمل)) للزجاجي، ثم جاور بمكّة وتزوج بها.
وكان ينظم الشعر الحسن، ومن شعره:
وَقَائِلَةٌ مَا لِي أَرَاكَ مُجَانِبَاً
أُمُوْرَاً وَفِيْها لِلْتِّجَارَةِ مَرْبَحُ
فَقُلْتُ لَهَا مَا لِي بِرِبْحِكِ حَاجَةٌ
فَنَحْنُ أُنَاسٌ بِالسِلَّامَةِ نَفْرَحُ
مات في مكة في جمادى الآخرة من سنة ثمان وستين وسبعمائة، ودفن
بمقبرة باب المعلى بجوار الفضيل بن عياض.
٦٥

قال الإِسنوي: كان إماماً يسترشد بعلومه ويقتدى، وعَلَماً يُستضاء بأنواره
ويهتدى، صنّف تصانيف كثيرة في أنواع العلوم، إلّ أن معظمها صغير الحجم
معقودٌ لمسائل مفردة.
قلت: وقد قامت شهرة اليافعي على كتابه المشار إليه في صدر الترجمة،
وهو من الكتب التي نقل عنها ابن العماد مباشرة، وقد طبع في الهند طبعة
تجارية صدرت في أربعة مجلدات، ويطبع الآن في مؤسسة الرسالة في بيروت
بتحقيق الدكتور عبد الله الجبوري، وقد اطّلعت على المجلد الأول من هذه
الطبعة أثناء تصحيح تجارب الطبع الثانية من المجلد الأول من هذا الكتاب
فاستفدت منه في بعض المواطن، ولكن لفت نظري التسرّع الذي اتصف به
عمل المحقّق الأمر الذي أوقعه في أخطاء كثيرة، ناهيك عن افتقاره إلى
الضبط، وتفصيل النصوص وفق مناهج التحقيق الحديثة، وخلوه من تخريج
الأحاديث الواردة في الكتاب تخريجاً علمياً، ولا سيما في القسم الذي
تحدّث فيه المؤلف عن سيرة النبيِّ وَله .
٣٤ - تاجُ الدِّين السُّبْكي
هو عبد الوهّاب بن علي بن عبد الكافي بن علي بن تمَّام بن يوسف بن
موسى بن تمام السُّبكي الشافعي، أبو نصر، الإِمام الباحث المؤرّخ، صاحب
((طبقات الشافعية الكبرى)).
ولد في القاهرة سنة سبع وعشرين وسبعمائة، وسمع بمصر من جماعة،
ثم قَدِم مع والده إلى دمشق في جمادى الآخرة سنة تسع وثلاثين وسبعمائة،
وسمع بها من جماعة، وقرأ على الحافظ المزّي، ولازم الذهبي وتخرّج به،
وطلب بنفسه، ودأب، وأجازه شمس الدين بن النقيب بالإِفتاء والتدريس، ولما
مات ابن النقيب كان عمره ثماني عشرة سنة، وأفتى ودرس، وصنّف، واشتغل
بالقضاء، وولي الخطابة بعد وفاة ابن جُمْلَة، ثم عزل، وحصل له فتنة شديدة،
وسجن بالقلعة نحو ثمانين يوماً، ثم عاد إلى القضاء.
٦٦

وقد درَّس بمصر والشام بمدارس العزيزة، والعادلية الكبرى، والغزالية،
والعذراوية، والشاميتين، والناصرية، والأمينية، ومشيخة دار الحديث الأشرفية،
وغير ذلك من المدارس.
مات شهيداً بالطاعون في شهر ذي الحجة سنة إحدى وسبعين وسبعمائة،
ودفن بتربتهم في سفح جبل قاسيون قرب دمشق في ذلك العصر.
وقد ذكره الحافظ الذهبي في ((المعجم المختصّ)) وأثنى عليه.
وقال ابن كثير: جرى عليه من المحن والشدائد ما لم يجرِ على قاضٍ
قبله، وحصل له من المناصب ما لم يحصل لأحدٍ قبله.
وقال شهاب الدين بن حجّي: حصّل فنوناً من العلم، والأصول - وكان
ماهراً فيه - والحديث، والأدب، وبرع وشارك في العربية، وكان له يد في النظم
والنثر، جيد البديهة، ذا بلاغة وطلاقة لسان، وجراءة جنان، وذكاء مفرط، وذهن
وقّاد، صنّف تصانيف عدّة في فنون مختلفة على صغر سنّه وكثرة اشتغاله، قُرئت
علیه، وانتشرت في حياته وبعد موته.
قلت: وقد اشتهر تاج الدين السبكي بكتابه ((طبقات الشافعية الكبرى))
المنوّه عنه في صدر الترجمة، وقد استوعب فيه تراجم عدد كبير جداً من علماء
المذهب، وقد طبع في مصر بتحقيق الدكتور محمود محمد الطناحي، والدكتور
عبد الفتاح الحلو، وهي طبعة متقنة.
٣٥ - ابنُ كَثِير
هو إسماعيل بن عمر بن كثير بن ضوّ بن كثير القرشي البُصْرَوي الدمشقي،
الإِمام الحافظ المفسّر المؤرّخ الكبير، صاحب ((البداية والنهاية))، و((التفسير))،
وغير ذلك من المصنفات النافعة الماتعة.
ولد في قرية صغيرة من قرى مدينة بُصرى من أرض حوران في بلاد
الشام، اسمها ((مَجْدل)) وذلك سنة سبعمائة من الهجرة، لما كان أبوه خطيباً
بها .
٦٧

٤
ولما بلغ السابعة من عمره توفي والده، فتحولت أسرته إلى دمشق،
ونزلت في الدار المجاورة للمدرسة النورية.
وفي دمشق شرع ابن كثير بطلب العلم على عدد من العلماء الأعلام من
أمثال شيخ الإسلام ابن تيمية، والحافظ المزّي، والبرهان الفزاري الشهير بابن
الفركاح، وابن قاضي شهبة.
وكان كثير الاستحضار قليل النسيان جيد الفهم، حفظ ((التنبيه)» وعرضه
سنة ثمان عشرة، وحفظ ((مختصر ابن الحاجب)).
ثم أقبل على الحديث، فاشتغل بمطالعة متونه ورجاله، فسمع ((الموطأ))
للإِمام مالك، و((الجامع الصحيح)) للإِمام البخاري، و((الجامع الصحيح)) للإِمام
مسلم، و((سُنن الدارقطني))، وشيئاً من ((السنن الكبرى)) للبيهقي، وسمع ((مسند
الشافعي))، وغير ذلك من المصنفات الحديثية وهو لا يزال في مقتبل العمر.
توفي في شهر شعبان من سنة أربع وسبعين وسبعمائة، ودفن عند شيخه
ابن تيمية في مقبرة الصوفية خارج باب النصر من دمشق.
قلت: وقد قامت شُهرة ابن كثير على كتابيه ((البداية والنهاية)) و((التفسير))
المشار إليهما في صدر الترجمة، وقد طبع الأول منهما في مصر أول الأمر طبعة
غير محققة وكثيرة التحريف والتصحيف والسَّقْط، ثم صوِّرت هذه الطبعة في
بيروت عدة مرات، أو صُفَّت حروفها من جديد من غير تحقيق يليق بهذا الكتاب
العظيم، وقد تصدّت لنشره نشرة علمية متقنة دار ابن كثير بدمشق وبيروت،
وقامت بتكليف مجموعة كبيرة من المحققين المتمرِّسين بتحقيقه بالاعتماد على
ثلاث من نُسخه الخطية، وكلفت والدي الأستاذ الشيخ عبد القادر الأرناؤوط
بمراجعة الكتاب والحكم على الأحاديث التي أوردها المؤلف من خارج
((الصحيحين)) من جهة الصحة والحُسن والضعف، وسوف تصدر هذه الطبعة في
عشرين مجلداً من الحجم الكبير تضم فهارس تفصيلية إن شاء الله.
وطبع الثاني منهما - وهو ((التفسير)) - في مصر أيضاً في أربع مجلدات من
غير تحقيق ولا تدقيق، وقد صوِّرت هذه الطبعة عدة مرات في بيروت كما هي.
٦٨

٣٦ - لِسَانُ الدِّيْن ابن الخَطِيب
هو محمد بن عبد الله بن سعيد السلماني اللوشي الأصل، الغرناطي
الأندلسي، أبو عبد الله، الشهير بلسان الدين ابن الخطيب، الوزير العلّامة
المؤرّخ النبيل، صاحب ((الإِحاطة في تاريخ غرناطة)) وغير ذلك من المصنفات
المفيدة النافعة.
ولد بمدينة لوشة في الخامس والعشرين من رجب سنة (٧١٣) هـ، وتربى
في أحضان أسرته التي عُرِفت بالأصالة علماً وجاهاً، ونشأ في العاصمة ((غرناطة))
حيث تلقى بها دراسته على أيدي جهابذة العلماء والأدباء في عصره، فقد كانت
غرناطة في ذلك العصر أعظم مركز للدراسات العلمية والأدبية في مغرب العالم
الإسلامي .
ء
وكان من الطبيعي أن يتأثر لسان الدين بالجو المحيط بوالده الذي كان
يشغل وقتئذ منصب الوزارة في بلاط ملوك بني نصر، حيث وزر للسلطان
يوسف بن إسماعيل بن الأحمر، فلما توفي والده دُعي لسان الدين ليشغل
منصب أبيه وهو في ريعان الشباب كأمين سر أولاً لأستاذه رئيس ديوان الإنشاء
أبي الحسن علي بن الجباب، ثم تقلّد ديوان الإِنشاء بعد وفاة شاغِله، وأظهر من
البراعة والكفاءة في هذه المناصب ما جعله أهلاً لثقة السلطان المذكور، فقلّده
السلطان منصب أمانة السر في ديوانه ولمّا يستكمل مرحلة الشباب، وأرسله
سفيراً إلى عدد من الملوك، ثم استنابه بدار المُلك، وسلّمه خاتمه، وائتمنه
على بيت المال، وسجوف حرمه، ومعقل امتناعه، فكانت هذه الفترة هي الفترة
الذهبية في حياة هذا العالم الكبير.
ولما توفي السلطان يوسف خَلَفه ابنه السلطان الغني بالله، فأبقى هذا ابن
الخطيب وزيراً له، وهكذا احتل ابن الخطيب مكانة مرموقة في بلاط
الغني بالله، حيث جمع في عهده فيما بعد بين وزارة القلم، ووزارة السيف،
فلقُّب بـ ((ذي الوزارتين))، ثم ما لبث السلطان الغني بالله أن انقلب على ابن
٦٩

الخطيب إثر بعض التقلبات السياسية التي حصلت في فترة لاحقة، الأمر الذي
جعل ابن الخطيب يفرّ من وجهه، ثم ما لبث إلا قليلاً حتى وقع في أيدي
الغني بالله فاتهمه بالزندقة والإلحاد، فأفتى الفقهاء للسلطان بإعدامه، فخنق ثم
أحرق، وذلك في أواخر سنة ست وسبعين وسبعمائة من الهجرة.
قال المقري في كتابه ((تعريف ابن الخطيب)): كان رحمه الله مبتلىَّ بداء
الأرق، لا ينام من الليل إلّ اليسير جداً، وقد قال في كتابه ((الوصول لحفظ
الصحة في الفصول)): العجب منّي مع تأليفي لهذا الكتاب الذي لم يؤلّف مثله
في الطب، ومع ذلك لا أقدر على داء الأرق الذي بي، ولذا يقال له: ذو
العمرين، لأن الناس ينامون وهو ساهر، ومؤلفاته ما كان يؤلفها غالباً إلا بالليل،
وقد سمعت بعض الرؤساء بالمغرب يقول: لسان الدين، ذو الوزارتين، وذو
العمرين، وذو الميتتين، وذو القبرين. ثم قال المقري: واعلم أن لسان الدِّين
لما كانت الأيام له مسالمة لم يقدر أحد أن يواجهه بما يدنّس معاليه، أو يطمس
معالمه، فلما قلبت الأيام له ظهر مجنّها وعاملته بمنعها بعد منحها، ومنها أكثر
أعداؤه في شأنه الكلام، ونسبوه إلى الزندقة والانحلال من ربقة الإِسلام،
بتنقص النبيِّ عليه أفضل الصلاة والسلام، والقول بالحلول والاتحاد، والانخراط
في سلك أهل الإلحاد، وسلوك مذاهب الفلاسفة في الاعتقاد، وغير ذلك مما
أثاره الحقد والعداوة والانتقاد من مقالات نسبوها إليه خارجة عن السنن السويّ،
وكلمات كدروا بها منهل علمه الرويّ، لا يدين بها ويفوه إلا الضالّ والغويّ،
والظن أن مقامه رحمه الله تعالى من لبسها بريّ، وجنابه سامحه الله عن لبسها
عريّ، وكان الذي تولى كبر محنته وقتله تلميذه ابن زمرك.
قلت: وقد اشتهر ابن الخطيب عقب موته بكتابه العظيم ((الإِحاطة في
أخبار غرناطة)) وقد بقي هذا الكتاب مخطوطاً إلى أن امتدّت إليه يد العالم
المؤرّخ الأستاذ محمد عبد الله عنان، فأزاحت الغبار عنه، وأخرجته إلى عالم
المطبوعات محقّقاً تحقيقاً جيداً، وقد صدر في مصر عام ١٣٧٦ هـ، فقدّم بذلك
خدمة عظيمة للمكتبة العربية في العصر الحديث.
٧٠

٣٧ - ابنُ خَلْدُون
هو عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن خلدون الحضرمي الإِشبيلي، أبو
زيد، فيلسوف التاريخ الإسلامي، والعالِم المحقّق الكبير، وأحد نوادر الدهر
علماً وثقافة وتحصيلاً وذكاءً، صاحب ((التاريخ)) الذي اشتهرت منه ((المقدمة))
شُهرة لم تكتب إلا للقلّة من المصنفات الإِسلامية في جميع العصور، حتى
دُعي بصاحب ((المقدمة)) أو دُعيت هي بـ ((مقدمة ابن خلدون)) وكأنه لم يصنّف
غيرها.
ولد في تونس وذلك يوم الأربعاء أول شهر رمضان سنة اثنتين وثلاثين
وسبعمائة .
وفي تونس نشأ ابن خلدون، وأخذ العلم عن جمهرة من علمائها، فقد
سمع من العالِم الفاضل شمس الدين أبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن
جابر، المعروف بـ الوادي آشي صاحب ((البرنامج)) المتوفى سنة (٧٤٦) هـ.
وقرأ القرآن على عبد الله بن سعد بن نزال إفراداً وجمعاً، وأخذ العربية عن أبيه،
وأبي عبد الله السايري، وغيرهما، وأخذ الفقه عن قاضي الجماعة ابن عبد
السلام، وغيره، وأخذ عن عبد المهيمن الحضرمي، ومحمد بن إبراهيم الإِربلي
شيخ المعقول بالمغرب، وبرع في العلوم، وتقدم في الفنون، ومهر في الأدب
والكتابة، وولي كتابة السر بمدينة فاس لأبي عنان، ولأخيه أبي سالم، ثم تنقل
في البلاد متقلداً مناصب مختلفة، ثم رجع إلى تونس فأكرمه سلطانها، ثم حاول
نفر من الناس الإِساءة إليه عن طريق تأليب السلطان عليه، فعلم بالأمر، فما كان
منه إلا أن رحل إلى المشرق، فحطّت به رحاله في القاهرة، فأكرمه سلطان مصر
في ذلك العصر السلطان برقوق، وولي قضاء المالكية فيها، ثم عزل، وولي
مشيخة المدرسة البيبرسية، ثم عزل عنها أيضاً، ثم ولي القضاء مراراً، آخرها
في رمضان من سنة ثمان وثمانمائة، فباشره ثمانية أيام، فأدركه أجَلُه، ولم يتزيّ
بزيّ القضاة في مصر، محتفِظاً بزيٌّ بلاده.
وكان فصيحاً، جميل الصورة، عاقلاً، صادق اللهجة، عزوفاً عن الضيم،
٧١

طامحاً للمراتب العليا، ولما رحل إلى الأندلس اهتزّ له سُلطانُها، وأركب خاصّته
لتلقّيه، وأجلسه في مجلسه.
قال لسان الدين ابن الخطيب عنه في ((الإِحاطة)): رجل فاضل، جمّ
الفضائل، رفيع القدر، أسيل المجد، وقور المجلس، عالي الهِمَّة، قويُّ
الجأش، متقدّم في فنون عقلية ونقلية، كثير الحفظ، صحيح التصوّر، بارع
الخط، حَسَن العِشرة، فخر من مفاخر العرب.
قلت: وقد قامت شُهرة ابن خلدون على تاريخه المعروف بـ ((العبر وديوان
المبتدأ والخبر))، وهو مطبوع في مصر في سبعة مجلدات بما في ذلك
((المقدمة)) التي تعدّ - كما يقول الزركلي - من أصول علم الاجتماع، وقد نقلت
هي وأجزاء من الكتاب إلى اللغة الفرنسية، وغيرها، واشتهرت شهرة كبيرة بين
المتعلمين من المسلمين منذ عصر ابن خلدون وحتى أيامنا، حتى إنه تكاد
لا تخلو منها مكتبة أيّ باحث أو مثقف في ربوع أقطار أمتنا العظيمة، وفي
مواطن الاستشراق أيضاً.
٣٨ - ابنُ نَاصِرِ الدِّيْن
هو محمد بن عبد الله بن محمد بن أحمد بن مجاهد بن يوسف بن
محمد بن أحمد بن علي القيسي الدمشقي، الشهير بابن ناصر الدين، الإِمام
الحافظ المؤرّخ الأديب، صاحب ((توضيح المشتبه)) و ((الردّ الوافر)»، و «بواعث
الفكرة في حوادث الهجرة))، وغير ذلك من المصنفات النافعة المفيدة.
ولد بدمشق في أواسط المحرم من سنة سبع وسبعين وسبعمائة، وبها نشأ
وحفظ القرآن العزيز، وعدة متون، وسمع الحديث في صغره من الحافظ أبي
بكر بن المحب، وسمع من خلق منهم بدر الدِّين بن قوَّام، ومحمد بن عوض،
والعزّ الأبناسي، وابن غشم المرداوي، وغيرهم.
ومَهَر في الحديث، وكتب وخرَّج، وعرف العالي والنازل، وخرّج لنفسه
ولغيره، وصار حافظ الشام في عصره بلا منازع.
٧٢

واشتهر اسمه، وبَعُدَ صيته، وألّف التأليف الجليلة.
وولي مشيخة دار الحديث الأشرفية سنة (٨٣٧) هـ.
مات في ليلة الجمعة سادس عشر ربيع الآخر من سنة اثنتين وأربعين
وثمانمائة، ودفن بمقبرة باب الفراديس بدمشق.
قلت: وقد قامت شهرة ابن ناصر الدين على كتابه ((توضيح المشتبه)) يعني
((مشتبه النسبة)) للإِمام الذهبي، وجرد منه كتابه ((الإِعلام بما وقع في مشتبه
الذهبي من الأوهام))، ويقوم الأستاذ الفاضل محمد نعيم العرقسوسي الدمشقي
بتحقيق ((التوضيح)) وقد أنجز منه الجزء الأول كما ذكر لي حفظه الله، وسوف
يصدر قريباً عن دار مؤسسة الرسالة في بيروت.
وأما كتابه ((الردُّ الوافر)) فقد طبع طبعة تجارية في ((مطبعة كردستان العلمية))
في مصر، ثم طبع طبعة أخرى أفضل منها في ((المكتب الإِسلامي)) في بيروت، وهو
بحاجة إلى التحقيق العلمي المتقن، ولعلّي أقوم بذلك مستقبلاً إن شاء الله تعالى.
وأما قصيدته ((بواعث الفكرة في حوادث الهجرة)) فهي مخطوطة لم تنشر
بعد، وتحتفظ مكتبة الحرم المكي بنسخة منها.
٣٩ - ابنُ قاضي شُهْبَة
هو أبو بكر بن أحمد بن محمد بن عمر الأسدي الشهبي الدمشقي، فقيه
الشام، ومؤرخها، وعالمها في عصره، صاحب المصنفات الكثيرة الشهيرة، التي
أهمّها كتابه ((الإِعلام بتاريخ الإِسلام»، وقد اشتهر ابن قاضي شهبة بهذا الاسم،
لأن أبا جدّه عمر أقام قاضياً بشهبة إحدى قرى حوران أربعين سنة.
ولد سنة (٧٧٩) هـ، وتفقّه بوالده وغيره، وسمع من أكابر أهل عصره
وأفتی ودرس، وجمع وصنّف.
توفي في دمشق فجأة، وهو جالس يصنّف ويكلّم ولده، وذلك يوم
الخميس حادي عشر ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمائة.
٧٣

قلت: وقد قامت شُهرته في المقام الأول على كتابه المنوّه عنه في صدر
الترجمة، و(تاريخ)) يشتمل على ذكر الحوادث والوفيات من سنة (٧٤١) هـ وما
بعدها، وقد نشر مجلد واحد منه في المعهد الفرنسي للدراسات العربية بدمشق
معنوناً بـ ((تاريخ ابن قاضي شهبة)) وقام بتحقیقه الأستاذ الدكتور عدنان درویش، وقد
علمت من محققه الكريم بأنه أنهى تحقيق تتمة الكتاب، وسوف يطبع قريباً.
٤٠ - ابنُ حَجَرِ العَسْقَلَاني
هو أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن علي بن أحمد الكناني
العسقلاني، أبو الفضل، الإِمام الحافظ المؤرّخ الحافظ المؤرّخ الكبير، صاحب
((فتح الباري بشرح صحيح البخاري))، و((الإصابة في تمييز الصحابة))، و((الدرر
الكامنة في أعيان المئة الثامنة))، وغير ذلك من المصنفات النافعة المفيدة
القيّمة.
ولد في الثاني عشر من شعبان سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة في مصر،
ومات والده وهو حدث السن، فكفله زكي الدين الخروبي، وهو من كبار
التجار، وما إن بلغ التاسعة حتى كان قد حفظ القرآن، وسرعان ما أجاد بسائط
الفقه والنحو، ودرس مدة طويلة من الزمن على أعظم علماء عصره، من أمثال
البلقيني، وابن الملقن، والعراقي، وعزّ الدين بن جماعة، والتنوخي، ومحبّ
الدين بن هشام، والفيروزابادي، والبرهان الأبناسي، ونور الدين الهيثمي
والأبشيطي، والخليلي، والأيكي، وابن سالم، والقلقشندي، وبدر الدين ابن
مكي، وغيرهم.
وقد رحل إلى عدد من البلاد في سبيل تحصيل العلم والسماع من العلماء
المذكورين وسواهم من مشايخه .
وأقبل على الاشتغال والإِشغال والتصنيف، وبرع في الفقه والعربية،
وصار حافظ الإِسلام في عصره، وانتهت إليه معرفة الرجال واستحضارهم،
ومعرفة العالي والنازل، وعلل الحديث، وغير ذلك، وصار هو المعوّل عليه في
٧٤

هذا الشأن في سائر الأقطار، وقدوة الأمة، وعلامة العلماء، وحجّة الأعلام،
ومحبي السُّنّة، وانتفع به الطلبة، وحضر دروسه وقرأ عليه غالب علماء مصر،
ورحل الناس إليه من الأقطار، وولي القضاء، ودرَّس في عدد من المدارس
الشهيرة في مصر، وصنّف تصانيف كثيرة نافعة في بابها.
مات في أواخر ذي الحجة من سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة(١).
قلت: وقد قامت شُهرة ابن حجر على عدد كبير من كتبه، وأهمها كتبه
الثلاثة ((فتح الباري بشرح صحيح البخاري))، و((الإصابة في تمييز الصحابة))،
و((الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة))، وقد طبع الأول منها طبعة مرقمة جيدة
في المكتبة السلفية بمصر بإشراف العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله،
وصدر في أربعة عشر مجلداً بما فيها ((المقدمة))، وهي أفضل طبعة من هذا الكتاب.
وطبع الثاني منها طبعة مضبوطة متقنة مرقمة في مكتبة الكليات الأزهرية
بمصر بتحقيق الأستاذ الدكتور طه محمد الزيني، وصدر في ثلاثة عشرة جزءاً،
وهي أفضل طبعة من هذا الكتاب.
والثالث منها مطبوع في مصر أيضاً، وطبعته منتشرة غير أنها تفتقر إلى
التحقيق والتصحيح والتدقيق.
٤١ - ابنُ تَغْرِي بَرْدي
هو يوسف بن الأمير سيف الدين تغري بردي(٢) بن عبد الله الظاهري
الحنفي، أبو المحاسن، الإِمام الفقيه المؤرّخ البحّاثة، صاحب ((المنهل الصافي
(١) للتوسع في دراسة حياة الحافظ ابن حجر يمكن الرجوع إلى كتاب ((الضوء اللامع)) لتلميذه
الحافظ السخاوي، و((دائرة المعارف الإسلامية)) الطبعة العربية المنشورة في مصر، و((الأعلام))
للزركلي، وللحافظ السخاوي كتاب في ترجمته سمّاه «الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام
ابن حجر)» في مجلد.
(٢) قال الزركلي في حاشية كتابه ((الأعلام)) (٢٢٢/٨): تغري بردي: تترية بمعنى ((عطاء الله)) أو
((الله أعطى)) كان يكتبها الأتراك ((تكري ويردي)) ويلفظون الكاف نوناً، والواو أقرب إلى أل ٧
بحركة بين الفتح والكسر.
٧٥

والمستوفي بعد الوافي))، و((النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة))، وغير ذلك
من المصنفات المفيدة النافعة.
ولد في القاهرة سنة اثنتي عشرة وثمانمائة، ونشأ يتيماً في حَجْر قاضي
القضاة جلال الدين البلقيني المتوفى سنة (٨٢٤) هـ، وتأدب وتفقّه وقرأ الحديث
على جمهرة من علماء عصره، وأولع بالتاريخ، فلازم مؤرخي عصره مثل
العيني، والمقريزي، واجتهد إلى الغاية، وساعدته جودة ذهنه وحُسن تصوّره،
وصحة فهمه، ومَهَر وكتب، وحصّل، وصنّف، وانتهت إليه رئاسة فن التاريخ في
عصره .
سمع شيئاً كثيراً من كتب الحديث، وأجازه جماعات لا تحصى مثل
الحافظ ابن حجر، والمقريزي، والعيني.
وتوفي في ذي الحجة من سنة أربع وسبعين وثمانمائة في القاهرة.
قلت: وقد قامت شهرة ابن تغري بردي على كتابيه المشار إليهما في
صدر الترجمة، وقد طبع من الأول المجلد الأول فقط كما ذكر الزركلي في
((الأعلام))، وهو من الكتب الجديرة بالنشر والتحقيق العلمي نظراً لما فيه من
الفوائد الكثيرة العديدة.
والثاني منهما مطبوع طبعة جيدة بدار الكتب المصرية بالقاهرة.
٤٢ - السَّخَاوي
هو محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكربن عثمان بن محمد
السَّخَاوي، أبو الخير، الإِمام الحافظ المؤرّخ الكبير، صاحب ((الضوء اللامع في
أعيان القرن التاسع))، و((الإِعلان بالتوبيخ لمن ذمّ أهل التأريخ))، و((المقاصد
الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة))، وغير ذلك من
المصنفات المفيدة النافعة .
ولد في القاهرة في شهر ربيع الأول من سنة إحدى وثلاثين وثمانمائة،
٧٦

وحفظ القرآن الكريم وهو صغير، وجوّده، ثم حفظ ((المنهاج)) و((ألفية ابن
مالك))، و((ألفية العراقي))، وغالب ((الشاطبية)) و((النخبة)) لابن حجر، ومقدمة
((الشاوي)) في العروض، وبرع في العربية، والفقه، والقراءات، والحديث،
والتاريخ، وشارك في الفرائض، والحساب، والتفسير، وأصول الفقه،
والمیقات، وغيرها.
وأما مقروآته ومسموعاته، فكثيرة جداً لا تكاد تنحصر، وأخذ عن جماعة
لا يحصون، يزيدون على أربعمائة شيخ، وأذن له غير واحد بالإِفتاء،
والتدريس، والإِملاء، وسمع الكثير على شيخه الحافظ ابن حجر، وأقبل عليه
بكليته إقبالاً يزيد على الوصف، حتى حمل عنه علماً جمّاً، واختصّ به كثيراً
بحيث كان أكثر الآخذين عنه، وأعانه على ذلك قُربُ منزله من منزله، وكان
لا يفوته مما يُقرأ عليه إلّ النادر، وقرأ عليه ((الإصلاح)) بتمامه، وسمع عليه جُلّ
كتبه، كالألفية وشرحها مراراً، وعلوم الحديث إلا اليسير، وأكثر تصانيفه في
الرجال وغيرها، وغير ذلك من المصنفات الأخرى.
وقد رحل إلى عدد كبير من الأمصار في سبيل طلب العلم، منها دمشق،
وحلب، وبيت المقدس، والخليل، ونابلس، والرملة، وحماة، وبعلبك،
وحمص.
مات في المدينة المنورة يوم الأحد الثامن والعشرين من شعبان سنة اثنتين
وتسعمائة، وصلي عليه بعد صلاة صبح يوم الإِثنين، ودفن بالبقيع بقرب الإِمام
مالك رحمه الله تعالى .
قلت: وقد قامت شُهرة السَّخاوي على عدد من الكتب التي صنّفها،
وأهمها كتبه الثلاثة المنوّه عنها في صدر الترجمة .
والأول منها مطبوع طبعة تجارية غير محققة.
والثاني مطبوع مرتين الأولى على يد الأستاذ حسام الدين القدسي
رحمه الله في مصر، وهي طبعة غير محققة وفيها الكثير من التحريف والتصحيف،
والثانية ضمن كتاب المستشرق الدكتور فرانز روزنثال ((علم التاريخ عند
٧٧

المسلمين)) الذي ترجمه الأستاذ الدكتور صالح العلي ونشر في العراق، وهي
نشرة جيدة، غير أن المؤلف روزنتال كان قد أخرج من الكتاب رسالة الذهبي
((الأمصار ذوات الآثار)) التي ساقها السخاوي في الكتاب، فقام المترجم بإعادة
هذه الرسالة من ((الإِعلان)) المنشور على يد القدسي بكل ما فيها من السقط،
والتحريف، والتصحيف، والخطأ، وهذا ما تأكد لنا لدى تحقيقنا لكتاب ((الأمصار
ذوات الآثار)) للذهبي الصادر عن دار ابن كثير حديثاً.
والكتاب الثالث وهو ((المقاصد الحسنة)) مطبوع في دار الكتب العلمية
ببيروت بعناية الشيخ عبد الله الصِّدِّيق، وتقديم الشيخ عبد الوهّاب عبد اللطيف،
ولكنها طبعة تفتقر إلى التحقيق والضبط والتخريج.
٤٣ - ابنُ طُولُون
هو محمد بن علي بن أحمد بن حمّارويه بن طولون الدمشقي الصالحي،
الإِمام المؤرّخ، المحدِّث، الفقيه، صاحب ((مفاكهة الخلّن في حوادث
الزمان))، و((القلائد الجوهرية في تاريخ الصالحية))، و((إعلام السائلين عن كتب
سيد المرسلين))، وغير ذلك من الكتب النافعة المفيدة.
ولد في شهر ربيع الأول من سنة ثمانين وثمانمائة في صالحية دمشق،
ونشأ فاقد الأم، فقد ماتت والدته شهيدة بالطاعون وهو رضيع.
وقد تعلم ابن طولون الخط بمكتب المدرسة الحاجبية بالقرب من منزله،
ثم حفظ القرآن بمكتب مسجد الكوافي المشهور في عصره بمسجد العساكرة.
وسمع وقرأ على جماعة من العلماء منهم: القاضي ناصر الدين أبو البقاء بن
رزين، والخطيب سراج الدين الصيرفي، والجمال يوسف بن الهادي المعروف
بابن المبرّد، والشيخ أبو الفتح السكندري المِزّي، وابن النعيمي في آخرين،
وتفقّه بعمّه الجمال بن طولون وغيره، وأخذ عن السيوطي إجازة مكاتبة في
جماعة من المصريين وآخرين من أهل الحجاز، وقرأ عدداً كبيراً من كتب الفقه،
والحديث، وغير ذلك من العلوم.
٧٨

وكانت أوقاته معمورة بالتدريس والإِفادة، والتأليف والعبادة، وقد اشتغل
في أثناء حياته بعدد كبير من العلوم وصنّف فيها، وكانت له وظائف عديدة
أيضاً، وكان متفرغاً للعلم والعبادة، فلم تكن له زوجة ولا ولد.
مات يوم الأحد الحادي عشر من جمادى الأولى من سنة ثلاث وخمسين
وتسعمائة، ودفن بتربة أسرته في صالحية دمشق.
قلت: وقد قامت شُهرة ابن طولون على عدد من كتبه أهمها كتبه الثلاثة
المُشار إليها في صدر هذه الترجمة، وقد طبع الأول منها في مصر بتحقيق
الأستاذ محمد مصطفى، وهي طبعة غير متقنة.
والثاني منها طبع في دمشق مرتين بتحقيق الأستاذ المحقّق الشيخ محمد
أحمد دهمان، الأولى نشرها بنفسه، والثانية صدرت عن مجمع اللغة العربية منذ
ثلاث سنوات .
وأما الثالث وهو ((إعلام السائلين)) فقد أكرمني الله عزّ وجلّ بتحقيقه،
والتقديم له، والتعليق عليه، وقام والدي حفظه الله بقراءته والنظر في تحقيقه قبل
دفعه للطبع، وقد صدر عن دار مؤسسة الرسالة في بيروت قبل سنوات(١).
٤٤ - العَيْدَرُوس
هو عبد القادر بن شيخ بن عبد الله بن شيخ بن عبد الله العيدروس، العلامة
المؤرّخ، صاحب ((النور السافر عن أخبار القرن العاشر)) الذي ينقل عنه ابن
العماد كثيراً في تأريخه لحوادث القرن العاشر في كتابه.
والمُترجَم من أهل اليمن، سكن حضرموت، وانتقل إلى مدينة أحمد أباد
بالهند فسكن فيها إلى أن توفي سنة (١٠٣٧) هـ كما جاء في حاشية الصفحة
(٣٣٤) من ((النور السافر)).
(١) وسوف تصدر طبعته الثانية عن مؤسسة الرسالة قريباً متضمنة زيادات كثيرة أضفتها للكتاب،
ومزودة بفهارس علمية .
٧٩

وقال الزركلي في ((الأعلام)): وفي ((المشرع الروي)) (١٤٧/٢) وفاته سنة
(١٠٤٨) هـ، ومثله في ((تاريخ شعراء الحضرميين)) (١٢٣/١)، ومراجع ((تاريخ
الیمن» ص (١٧٢).
قلت: وقد اشتهر المترجم بكتابه المنوّه عنه في صدر الترجمة، وهو
مطبوع طبعة تجارية سقيمة في مصر دون ذكر اسم الدار الناشرة له، وهو بأمسّ
الحاجة إلى التحقيق العلمي المتقن. وله مؤلفات أخرى كثيرة متنوعة ذكرها
الزركلي في ((الأعلام)) (٣٩/٤).
٤٥ - الحَلَبي
هو علي بن إبراهيم به أحمد الحلبي القاهري، أبو الفرج، العلّامة
المؤرخ الفقيه، صاحب (إنسان العيون في سيرة الأمين والمأمون)) المعروف
بـ ((السيرة الحلبية)) و((غاية الإِحسان فيمن لقيته من أبناء الزمان)) وغير ذلك من
المصنفات النافعة.
ولد في مصر سنة (٩٧٥)هـ، وأخذ العلم عن عدد من العلماء فيها،
ثم انصرف إلى التدريس والتصنيف.
توفي في آخر يوم من شهر شعبان سنة (١٠٤٤) هـ بالقاهرة ودفن فيها.
قلت: وقد قامت شهرة المترجم على كتابه ((السيرة)) وهو من بين الكتب
التي نقل ابن العماد عنها مباشرة، وقد طبع قديماً في مصر طبعة تجارية تفتقر
إلى التحقيق والفهرسة، ثم صورت عدة مرات في بيروت دون أن تضاف إليها
أية خدمة تذكر.
قلت: وهؤلاء المؤرخون المتقدِّم ذكرهم هم من أبرز العلماء الذين تقدموا
ابن العماد في فروع التأريخ الإِسلامي الأربعة ((السيرة النبوية)) و((علم
الأنساب)) و((تدوين حوادث الدهر)) و((سير الرجال)).
٨٠