النص المفهرس

صفحات 41-60

١٨ - السَّمْعَاني
هو عبد الكريم بن محمد بن منصور بن محمد بن عبد الجباربن
الفضل بن الربيع بن مسلم بن عبد الله السَّمعاني، أبو سعد، تاج الإِسلام،
الإِمام المؤرّخ الكبير، صاحب كتاب ((الأنساب)) وصاحب التصانيف الكثيرة،
والفوائد الغزيرة، والرحلة الواسعة.
ولد بمرو يوم الإثنين الحادي والعشرين من شعبان سنة ست وخمسمئة.
رحل في طلب العلم إلى عدد كبير من الأمصار، منها بلاد خراسان،
وأصبهان، وما وراء النهر، والعراق، والحجاز، والشام، وطبرستان، وزار بيت
المقدس وهو بأيدي النصارى، وحجّ مرتین.
وعمل معجم شيوخه في عشر مجلدات کبار.
قال ابن النجار: سمعت مَنْ يذكر أن عدد شيوخه سبعة آلاف شيخ، وهذا
شيء لم يبلغه أحد ... وسرد تصانيفه(١).
وذكر المعلمي بعض شيوخه، منهم:
أبو بكر عبد الغفار بن محمد بن الحسين الشيروي النيسابوري المتوفى
سنة (٥١٠) هـ.
وأبو العلاء عبيد بن محمد بن عبيد القشيري التاجر النيسابوري المتوفى
سنة (٥١٢) هـ.
وأبو القاسم سهل بن إبراهيم السبعي المسجدي النيسابوري المتوفى سنة
(٥٢٢) هـ.
وأبو عبد الله محمد بن الفضل الفراوي المتوفى سنة (٥٣٠) هـ.
(١) وانظر أسماء مصنفاته في مقدمة العلامة المحقّق الشيخ عبد الرحمن المعلمي اليماني لكتاب
((الأنساب)) (٢٣/١ -٢٧).
٤١

وأبو القاسم تميم بن أبي سعيد الجرجاني مسند هراة المتوفى سنة
(٥٣١) هـ.
وأبو الفرج بن أبي الرجاء الأصبهاني المتوفى سن (٥٣٢) هـ.
وأبو المظفر عبد المنعم بن عبد الكريم القشيري النيسابوري المتوفى سنة
(٥٣٢) هـ.
وأبو نصر أحمد بن محمد بن عمر الغازي الأصبهاني المتوفى سنة
(٥٣٢) هـ.
وأبو الحسن محمد بن عبد الملك بن محمد بن عمر الكرجي الفقيه
المتوفى سنة (٥٣٢) هـ.
ثم عاد إلى مرو وألقى عصا الترحال بعدما شقّ الأرض شقّاً، وأقبل على
التصنيف، والإِملاء، والوعظ، والتدريس، ونشر العلم.
توفي في شهر ربيع الأول من سنة اثنتين وستين وخمسمئة .
وقد أثنى عليه عدد كبير من أهل العلم والفضل.
قال صديقه وزميله الحافظ ابن عساكر الدمشقي: كان متصوناً، عفيفاً،
حسن الأخلاق ... وهو الآن شيخ خراسان غير مُدافع عن صدق ومعرفة وكثرة
سماع لأجزاء وكتب مصنفة.
وقال ابن النجار: كان مليح التصانيف، كثير النشوار والأناشيد، لطيف
المزاح، ظريفاً، حافظاً، واسع الرحلة، ثقةً، صدوقاً، ديّناً، سمع منه مشايخه
وأقرانه .
وقال الذهبي: كان ذكياً، فهماً، سريع الكتابة، مليحها، درَّس وأفتى،
ووعظ وأملى، وكتب عمّن دبّ ودرج. وكان ثقة، حافظاً، حجةً، واسع
الرحلة، عدلاً، ديّناً، جميل السيرة، حَسَن الصحبة، كثير المحفوظ.
قلت: وقد قامت شهرة السمعاني على كتابه ((الأنساب)) الذي هو بحق
٤٢

الكتاب الوحيد الجامع في هذا الفن، وقد نشر هذا الكتاب في العصر الحاضر
على أيدي عدد من العلماء والأساتذة، فقد قام الشيخ عبد الرحمن المعلمي
اليماني بتحقيق الأجزاء الستة الأولى منه، ونشرت في الهند، ثم قام الأستاذ محمد
عوامة بتحقيق الجزء السابع، وقد أشرف على القسم الأول منه - وهو
الذي يضم تراجم حرف السين بكاملها - والدي الشيخ عبد القادر الأرناؤوط، ثم
صدر الجزء الثامن بتحقيق الأستاذ محمد عوامة أيضاً، والجزء التاسع بتحقيق
الأستاذين محمد عوامة، ورياض عبد الحميد مراد، والجزء العاشر بتحقيق
الدكتور عبد الفتاح الحلو، والجزء الحادي عشر بتحقيق الأستاذين رياض عبد
الحميد مراد، ومحمد مطيع الحافظ، والجزء الثاني عشر - وهو الأخير - بتحقيق
صديقنا الفاضل الأستاذ أكرم البوشي، وقد صدرت الأجزاء الستة الأخيرة منه عن
منشورات أمين دمج في بيروت خلال السنوات العشر الأخيرة(١).
١٩ - ابن عساكر الدمشقي
هو علي بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله، الملقب بثقة الدين،
والمعروف بابن عساكر، الإِمام الحافظ المؤرّخ الكبير، صاحب ((تاريخ مدينة
دمشق)) وغير ذلك من المصنفات الكثيرة.
ولد في دمشق سنة (٤٩٩) هـ، ومن هنا عُرف بالدمشقي نسبة إلى هذه
المدينة العظيمة التي يُجمع المؤرخون على أنها من أقدم مدن العالم، إن لم
تكن أقدمها على الإِطلاق.
وبيت ابن عساكر من البيوت الدمشقية المشهورة بالعلم والفضل، وقد
اشتهر أبناؤه بالتقوى والتصدّي لنفع الناس في دينهم.
وقد أخذ ابن عساكر شيئاً من العلم عن أهله، وانتفع بصحبة جده أبي
(١) وقد توسعت في الكلام عن هذا الكتاب العظيم في كتابي ((عناقيد ثقافية)) ص (٨٥ - ٩١)
طبع دار المأمون للتراث بدمشق فليرجع إليه مَن شاء.
٤٣

الفضل في النحو، كما تفقّه في حداثة سنّه على الفقيه العالِم أبي الحسن
السُّلمي.
ثم رحل، وطَوَّف، وجابَ البلاد، ولقي المشايخ، وكان رفيق الحافظ أبي
سعد عبد الكريم السَّمْعَاني في الرحلة.
سمع في بغداد سنة عشرين وخمسمئة من أصحاب البَرْمَكي، والتنوخي،
والجوهري. ثم رجع إلى دمشق.
ثم رحل إلى خُراسان، ودخل نيسابور، وهراة، وأصبهان، والجبال.
وأخذ عن شيوخ مَكَّة، والمدينة، ومِنى، والكوفة، وسَرخس، والجزيرة،
وغير ذلك من البلاد.
وذكر بعض المؤرخين بأن عدّة الشيوخ الذين سمع منهم ألف وثلاثمئة
شيخ، وثمانون امرأة.
ولم يخرج ابن عساكر عن إطار الحديث، والفقه، والتاريخ، والأخبار،
والأدب، وهي الموضوعات التي خاض عبابها، وما كان اعتماده على النقل
فقط، بل كان يستعمل العقل أيضاً، يدلّ على ذلك مذهبه في المصنفات التي
خلّفها، فهو معنيٌّ بحل المشاكل، يناقش ويجادل بعيداً عن التعصب لمذهبه
الشافعي، وكان إلى الاجتهاد أقرب منه إلى التقليد والجمود والوقوف عند أقوال
مَن كان قبله، ولا غَرْوَ فالتاريخ يوسّع العقل، ويُورث صاحبه نوراً لا يستضيء
بمثله عقل مَنْ لم يرزق حظاً من النظر فيه.
توفي في الحادي عشر من شهر رجب سنة إحدى وسبعين وخمسمئة، وله
من العمر ثنتان وسبعون سنة، وحضر السلطان صلاح الدين جنازته، وصلى عليه
الشيخ قطب الدين النيسابوري، ودفن في مقابر الباب الصغير.
قال السَّمْعَاني: كان كثير العلم غزير الفضل، حافظاً، متقناً، ديناً، خيّراً،
حَسَنِ السَّمْت، جمع بين المتون والأسانيد، متثبتاً، محتاطاً.
وقال ابن خلكان: كان محدِّث الشام في وقته، ومن أعيان فقهاء
٤٤

الشافعية، غلب عليه الحديث فاشتهر به، وبالغ في طلبه إلى أن جمع منه ما لم
يتفق لغيره.
وقال ابن كثير: أحد أكابر حفّاظ الحديث، وممّن عُني به سمّاعاً،
وجمعاً، وتصنيفاً، واطلاعاً، وحفظاً لأسانيده ومتونه، وإتقاناً لأساليبه وفنونه،
صنّف ((تاريخ الشام)) في ثمانين مجلدة، فهي باقية بعده مخلّدة، وقد ندر مَنْ
تقدمه من المؤرخين، وأتعب مَن يأتي بعده من المتأخرين، فحاز فيه قصب
السبق، ومن نظر فيه وتأمله رأی ما وصفه فيه وأصله، وحكم بأنه فريد دهره في
التواريخ، وأنه الذروة العليا من الشماريخ.
وقال ابن النجار: هو إمام المحدِّثين في وقته، انتهت إليه الرياسة في
الحفظ والإتقان، والثقة، والمعرفة التامة، وبه ختم هذا الشأن.
قلت: وقد قامت شهرة ابن عساكر على كتابه العظيم ((تاريخ مدينة دمشق))
الذي قال فيه العلامة الأستاذ محمد كرد علي الرئيس الأول لمجمع اللغة العربية
بدمشق: يقع في ثمانين مجلدة، لم يترك شيئاً عن دمشق إلا وذكره فيه، ولا
نعرف مدينة من مدن الدنيا حظيت بمثله، ففي المجلدتين الأولى والثانية تكلّم
عن تخطيط دمشق وسورها وأبوابها وخططها، وأنهارها، وتخطيطها، وقد ترجم
ابن عساكر في بقية المجلدات لكل مَنْ يصحّ أن يترجم له من أهل دمشق،
وخلفائها، وأمرائها، وحكامها، وقضاتها، وعلمائها، وأدبائها، منذ الفتح
الإِسلامي وإلى زمانه.
قلت: يقوم مجمع اللغة العربية العامر بدمشق منذ أكثر من ثلاثين عاماً
بطبع هذا الكتاب العظيم، وقد صدرت منه عشر مجلدات بتحقيق عدد
كبير من العلماء والباحثين منذ ذلك الوقت وحتى الآن.
وقد اختصر الإِمام ابن منظور هذا الكتاب العظيم، و((مختصره)) يطبع الآن
بتحقيق عدد من الأساتذة الأفاضل، وقد صدرت منه حتى الآن ثمانية أجزاء،
ويتوالى صدور الأجزاء الأخرى تباعاً خلال هذا العام والذي يليه، وهو من
منشورات دار الفكر بدمشق .
٤٥

وقام بتهذيبه العلامة المحدِّث المؤرخ الشيخ عبد القادر بدران الدوماني
الدمشقي المتوفى سنة (١٣٤٦) هـ، وقد نشرت المكتبة العربية بدمشق سبعة
أجزاء منه، خمسة منها نُشرت في حياته، واثنان نُشِرا بعد وفاته بعناية الأستاذ
أحمد عبيد.
٢٠ - السُّهَيْلي
هو عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد الخَتْعَمي الأندلسي المالقي
السُّهيلي، أبو القاسم، وأبو زيد، الإِمام الحافظ النحوي المؤرّخ، صاحب
((الروض الأنف))، و((التعريف والإعلام بما أبهم في القرآن من الأسماء
والأعلام))، وغير ذلك من المصنفات المفيدة.
ولد بوادي سُهَيْل من إقليم مَالَقَه بالأندلس سنة (٥٠٨) هـ، وسمع من ابن
العربي ، وطائفة، وأخذ النحو والأدب عن ابن الطّراوة، والقراءات عن أبي داود
الصغیر سلیمان بن یحیی.
وعمِي وعمره سبعة عشرة سنة .
ولما نبغ، اتصل خبره بصاحب مراكش فطلبه إليها وأكرمه، فأقام
يصنف كتبه إلى أن توفي بها سنة إحدى وثمانين وخمسمائة.
وكان إماماً في لسان العرب، واسع المعرفة، غزير العلم، نحوياً متقدماً
لغوياً، عالماً بالتفسير، وصناعة الحديث، عارفاً بالرِّجال وبالتاريخ، ذكياً نبيهاً،
صاحب استنباطات.
وهو صاحب الأبيات:
يا مَنْ يَرَىْ مَا في الضَّمِيْر وَيَسْمَعُ
أَنْتَ المُعَدُّ لِكُلِّ مَا يُتَوَقَّعُ
يَا مَنْ يُرَجَّى للشَّدَائِدِ كُلِّهَا
يَا مَنْ إِلَيْهِ المُشْتَكَىْ وَالمَفْزَعُ
يَا مَنْ خَزَائِنُ رِزْقِهِ فِي قَوْلِ كُنْ
أُمْنُنْ فَإِنَّ الخَيْرَ عِنْدَكَ أَجْمَعُ
٤٦

مَا لِي سِوىْ فَقْرِي إِلَيْكَ وَسِيْلَةٌ
وَبِالأَفْتِقَارِ إِلَيْكَ فَقْرِي أَدْفَعُ
مَا لِي سِوىْ قَرْعي لِبَابِكَ حِيْلَةٌ
فَلَئِنْ رُدِدْتُ فَأَيّ بَابٍ أَقْرَعُ
مَنْ ذَا الّذِي أَدْعُو وَأَهْتِفُ بِاسْمِهِ
إِنْ كَانَ فَضْلُكَ عَنْ فَقِيْرِكَ يُمْنَعُ
حاشا لِجُودِكَ أن تُقَنِّط عاصياً
أَلْفَضْلُ أَجْزَلُ والمواهب أَوْسَعُ
ثُمَّ الصَّلَةُ عَلى النَّبِيِّ وَآلِهِ
خَيْرِ الْأَنَامِ وَمَنْ بِهِ يُتْشَفَّعُ
قلت: وقد قامت شهرة السُّهيلي على كتابه الفذ ((الروض الأنف)) الذي
شرح فيه ((السيرة النبوية)) التي صنفها ابن إسحاق، وهذبها ابن هشام، وقد طبع
كتابه المذكور عدة مرات، أفضلها الطبعة التي حقّقها الأستاذ عبد الرحمن
الوكيل، المنشورة في مصر.
وأما كتابه الآخر ((التنبيه والإِعلام)) فإني أقوم بتحقيقه بالاشتراك مع
والدي وأستاذي الشيخ عبد القادر الأرناؤوط، وسيصدر عن دار ابن كثير قريباً
إن شاء الله تعالى.
٢١ - ابنُ الجَوْزي
هو عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي، أبو الفرج الإِمام الحافظ
المؤرخ الواعظ الكبير، صاحب ((المنتظم في تاريخ الأمم))، و((زاد المسير في علم
التفسير))، و((أخبار الأذكياء))، وغير ذلك من المصنفات المختلفة ذات النفع العظيم.
ولد في بغداد سنة (٥١١) هـ، وشرع في طلب العلم وهو صغير، فأخذ
العلم عن جمهرة من أفاضل العلماء في عصره، منهم: أبو بكر الدِّنيوري،
والقاضي أبو يعلى، والقاضي أبو بكر الأنصاري، وأبو القاسم الحريري، وأبو
السعادات المتوكلي، وأبو عبد الله البارع، وأبو الحسن علي بن أحمد الموحد،
٤٧

وأبو غالب الماوَرْدي، وأبو القاسم السَّمَرْقْدي، وأبو القاسم علي الهروي، وأبو
منصور القَزَّاز، وعلي بن عبد الله الزَّاغوني، ومحمد بن ناصر السَّلامي، وابن
الباقلاني، وسواهم.
وحَلَّقَ في مختلف فروع العلم، وبلغ في صناعة الوعظ شهرة عمّت
الآفاق، والقصص التي تروى عن براعته في هذا الفن تدخل تحت باب
الإعجاز، فمجلسه في الوعظ كان يحضره الخلفاء، والوزراء، والأعيان،
والعلماء، وأقل ما كان يحضر مجلسه عشرة آلاف، وربما حضره مئة ألف، وقد
شهد مجلسه الرحالة الشهير ابن جُبَيْر، وأطنب في الكلام عنه في ((رحلته)).
وكان رحمه الله من أحسن الناس كلاماً وأتمّهم نظاماً، وأعذبهم لساناً،
وأجودهم بياناً، وكان مكثراً من التصنيف في شتى فروع العلم، فقد تجاوزت
مؤلفاته أربعمئة مؤلف، بعضها يقع في عدة مجلدات، والآخر في مجلد
أو رسالة.
توفي سنة سبع وتسعين وخمسمائة، فاجتمعت جموع غفيرة جداً من
أهل بغداد في تشييعه، وغُلقت الأسواق، وحملت جنازته على رؤوس الناس
إلى مقبرة باب حرب، فدفن فيها إلى جوار قبر الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله.
قلت: وقد قامت شهرة ابن الجوزي على جملة من مؤلفاته، ومن
أهمها كتبه الثلاثة المنوّه عنها في صدر الترجمة، وقد طبع القسم الموجود منه
في الهند، وهو من الكتب التي تحتاج إلى الطبع طبعات محققة متقنة نظراً
لما فيه من الفوائد النفيسة.
والثاني منها وهو ((زاد المسير في علم التفسير)) قام بتحقيقه والدي الأستاذ
الشيخ عبد القادر الأرناؤوط بالاشتراك مع زميله الأستاذ الشيخ شعيب الأرناؤوط،
وصدر عن المكتب الإسلامي بدمشق في تسع مجلدات، وهي الطبعة الوحيدة
منه، وقد صدرت بين عامي (١٣٨٤ - ١٣٨٨) هـ(١).
(١) وقد تكلمت عن هذا الكتاب النفيس في كتابي («عناقید ثقافیة» ص (١٠١ - ١٠٥) طبع دار
المأمون للتراث بدمشق، فليرجع إليه من شاء.
٤٨

وأما الثالث منها فقد طبع طبعات كثيرة متعددة في مصر والشام ولبنان،
وخير طبعة صدرت منه هي التي قام بتحقيقها الدكتور محمد مرسي الخولي
رحمه الله، وقد صدرت في مصر عام ١٣٩٠ هـ.
٢٢ - المَقْدِسي
هو عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سروربن رافع بن حسن بن
جعفر الجَمَّاعيلي(١) المقدسي ثم الدمشقي، أبو محمد، الإِمام المحدِّث،
المحقّق، المؤرّخ، حافظ عصره، صاحب ((الكمال في أسماء الرجال))، و((عمدة
الأحكام))(٢)، و((النصيحة في الأدعية الصحيحة))(٣)، وغير ذلك من
المصنفات النافعة .
ولد بجَمَّاعيل سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، وقدم مع أسرته من بيت
المقدس إلى الشام، فسكنوا في مسجد أبي صالح خارج الباب الشرقي لمدينة
دمشق أول الأمر، ثم انتقلوا إلى سفح جبل قاسيون، فبنوا داراً كبيرة احتوت
على عدد كبير من الحجرات دُعِيت فيما بعد بدار الحنابلة، ثم شرعوا في بناء
أول مدرسة في جبل قاسيون، وهي المعروفة بـ ((المدرسة العمرية))(٤)، وقد
عرفت تلك الضاحية التي سكنوها بالصالحيَّة فيما بعد نسبة إليهم، لأنهم كانوا
من أهل العلم والصلاح.
وقد تتلمذ الحافظ عبد الغني في صغره على عميد أسرته العلامة الفاضل
(١) نسبة إلى جَمَّاعيل، وهي قرية في جبل نابلس من أرض فلسطين. انظر ((معجم البلدان))
لياقوت (١٥٩/١).
(٢) الذي أكرمني الله عزّ وجلّ بدراسته وتحقيقه، وقام والدي حفظه الله بمراجعته وتقديمه، وقد
صدر عن دار المأمون للتراث بدمشق.
(٣) الذي أكرمني الله عزّ وجلّ بتحقيقه وتخريج أحاديثه والتعليق عليه بإشراف والدي حفظه الله،
وقد صدر في طبعتين عن دار مؤسسة الرسالة في بيروت.
(٤) هذه المدرسة كانت من خيرة مدارس المسلمين، خرَّجت عدداً كبيراً من مشاهير العلماء،
وكانت فيها مكتبة عظيمة عزّ نظيرها. انظر ((القلائد الجوهرية في تاريخ الصالحية)) لابن
طولون (٢٤٨/١) بتحقيق الشيخ محمد أحمد دهمان، طبع مجمع اللغة العربية بدمشق.
٤٩

الشيخ أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي، ثم تتلمذ على شيوخ دمشق
وعلمائها، فأخذ عنهم الفقه وغيره من العلوم، ثم قصد بغداد سنة (٥٦٠) هـ
ونزل عند الإِمام الشيخ عبد القادر الجيلاني، فقرأ عليه شيئاً من الفقه
والحديث، وأقام عنده نحو أربعين يوماً، بعدها مات الشيخ الجيلاني، فأخذ عن
الشيخ أبي الفتح بن المني الفقه والخلاف، ثم رحل إلى أصبهان فمكث فيها
وقتاً طويلاً يدرس ويدرِّس إلى أن عاد إلى بغداد مرة ثانية سنة (٥٧٨) هـ،
فحدَّث بها، وانتقل من ثَمَّ إلى دمشق، فأخذ يقرأ الحديث في رواق الحنابلة
من مسجد دمشق الأموي، فاجتمع الناس عليه، وكان رقيق القلب سريع
الدمعة، فحصل له قبول من الناس عظيم. ثم ضيّق عليه البعض، فرحل إلى
بَعْلَبَك، ومنها إلى مصر، فنزل عند الطحانين، وصار يقرأ الحديث، فنفق بها
سوقه، وصار له حشد وأصحاب، فثار عليه الفقهاء بمصر أيضاً، وكتبوا إلى
الوزير صفي الدين بن شُكْر فأقرّ نفيه إلى المَغْرِب، غير أن الحافظ عبد الغني
مات قبل وصول كتاب النفي إليه، وذلك سنة ست مئة من هجرة رسولنا
محمد دلة .
وقد وصفه جمع من مشاهير العلماء بأوصاف كثيرة تنبىء عن تمكنه من
علم الحديث، وتحليقه في إطار علم الرِّجال، وصفاء سريرته، وقوة اعتقاده،
وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، وغضبه لانتهاك حدود الله عزّ وجلّ.
قال ضياء الدين المقدسي: كان لا يسأل عن حديث إلا ذكره وبيّنه، وذکر
صحته أو سقمه، وكان يقال: هو أمير المؤمنين في الحديث، جاء إليه رجل
فقال: رجل حلف بالطلاق أنك تحفظ مئة ألف حديث، فقال: لو قال أكثر من
هذا العدد لصدق.
وقال تاج الدِّين الكندي: لم يرَ الحافظ عبد الغني مثل نفسه، ولم يكن
بعد الدارقطني مثله.
وقال ابن النجار: حدَّث بالكثير، وصنّف في الحديث تصانيف حسنة،
وكان غزير الحفظ من أهل الإِتقان والتجويد، قيّماً بجميع فنون الحديث.
٥

وقال موفق الدين بن قدامة المقدسي: كان رفيقي، وما كنا نستبق إلى خير
إلا سبقني إليه إلا القليل، وكمل الله فضيلته بابتلائه بأذى أهل البدع وقيامهم
عليه، وقد رزق العلم وتحصيل الكتب الكثيرة، إلاّ أنه لم يُعمَّر حتى يبلغ
غرضه في روايتها ونشرها.
قلت: وقد قامت شهرة الحافظ عبد الغني المقدسي على عدد من كتبه
وأهمها ((الكمال في أسماء الرجال)) الذي ترجم فيه لرجال الكتب الستة
المشهورة في علم الحديث، التي عليها المعوَّل عند المُحدِّثين المتقدمين
والمُحْدَثين، وهو من الكتب الرائدة في هذا الباب، وقد استفاد العلماء
المسلمون من هذا الكتاب العظيم لسنوات طويلة امتدت لقرابة قرن ونصف،
إلى أن قام الإِمام الحافظ جمال الدين أبو الحجاج يوسف المِزّي المتوفى سنة
(٧٤٢) هـ بتهذيب هذا الكتاب، وسمّى كتابه «تهذيب الكمال في أسماء
الرِّجال)» الأمر الذي جعل العلماء فيما بعد يميلون إلى اعتماد ((تهذيب)» المزي
لما تضمنه من الزيادة والترتيب والضبط عن ((الكمال)) نتيجةً لتقدم العلم
وأساليب البحث والتصنيف عند علماء المسلمين في الفترة الفاصلة بين وفاة
الحافظ عبد الغني، وعصر الإِمام المزي .
ولكن تجدر الإشارة إلى أن عمل المزي في ((تهذيب الكمال)) لا يلغي
بالضرورة ما للحافظ عبد الغني من فضل في جمع مادة الكتاب أصلاً، لأن من
المُسَلَّمِ به أنَّ الأفضلية من جهة الدراية في العلوم هي للسابق لا للاحق، وهو
الأمر الذي بدت مقدمة محقّق ((تهذيب الكمال)» الأستاذ الدكتور بشار عواد
معروف وكأنها تصرّ على تجاوزه ! .
ولا أقول هذا لأقلّل من قيمة ((تهذيب بالكمال)) الذي صنّفْه المزّي، فإني
من أسعد الناس بظهوره بهذا الإِتقان الذي اتّسمت به المجلدات الخمس الأولى
الصادرة منه حتى الآن، ولكن الإنصاف هو الذي دعاني إلى التشديد على فضل
الحافظ عبد الغني المقدسي في وجود أصل الكتاب(١).
(١) والتوسّع في دراسة حياة الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى راجع كتابي ((عناقيد =
٥١

٢٣ - ابنُ الأُثِيْر
هو علي بن محمد بن محمد(١) بن عبد الكريم بن الواحد الشَّيْبَاني
الجَزَري، أبو الحسن، المعروف بابن الأثير، الإِمام المؤرّخ الأديب، صاحب
((الكامل))، و((أسد الغابة))، و((اللباب في تهذيب الأنساب))، وغير ذلك من
المصنفات النافعة.
ولد بجزيرة ابن عمر سنة خمس وخمسين وخمسمائة، ونشأ بها، ثم سار
إلى الموصل مع والده وأخويه مجد الدين أبي السعاداتِ المبارك بن محمد بن
الأثير صاحب ((جامع الأصول))(٢) المتوفى سنة (٦٠٦) هـ، وضياء الدين أبي
الفتح نَصْر الله بن محمد بن الأثير صاحب ((المثل السائر))، المتوفى سنة
(٦٣٧) هـ، وسمع بها من أبي الفضل عبد الله بن أحمد الخطيب الطوسي،
ومن طبقته، وقدم بغداد مراراً، وسمع بها من الشيخين أبي القاسم يعيش بن
صدقة الفقيه الشافعي، وأبي أحمد عبد الوهاب بن علي الصوفي، وغيرهما، ثم
رحل إلى الشام، والقدس، وسمع هناك من جماعة، ثم عاد إلى الموصل ولزم
بيته منقطعاً إلى العلم والتصنيف، وكان بيته مجمع الفضل لأهل الموصل
والواردين عليها.
وكان إماماً في حفظ الحديث ومعرفته، وحافظاً للتاريخ، وخبيراً بأنساب
العرب، وأخبارهم، وأيامهم، ووقائعهم. وقد روى عنه ابن الدبيثي، وخلق.
توفي في الخامس والعشرين من شعبان من سنة ثلاثين وستمائة.
قال ابن خلِّكان: كان بيته بالموصل مجمع الفضلاء. اجتمعت به في
حلب فوجدته مكمّل الفضائل، والتواضع، وكرم الأخلاق، فترددت إليه.
= ثقافية)) ص (١٣٧ - ١٤٥)، ومقدمتي لكتاب ((عمدة الأحكام)) ص (١٧ - ٢٤) وكلاهما من
منشورات دار المأمون للتراث بدمشئق.
(١) (ابن محمد) الثانية سقطت من ((الأعلام)) للزركلي.
(٢) الذي قام بتحقيقه والدي حفظه الله وصدر بدمشق في أحد عشر مجلداً.
٥٢

وقال الذهبي: كان صدراً معظّماً كثير الفضائل، وبيته مجمع الفضلاء.
وقال ابن العماد: كان إماماً، نسّابة، مؤرّخاً، أخبارياً، أديباً، نبيلاً،
محتشماً.
قلت: وقد قامت شهرته على كتبه الثلاثة المشار إليها في صدر الترجمة،
وجميعها، تندرج في إطار علم التأريخ، فكتابه ((الكامل)) صنّفه مرتباً على
السنين، وهو من خيرة التواريخ، ابتدأ فيه من أول الزمان، وانتهى به إلى سنة
تسع وعشرين وستمائة، وهو مطبوع ومنتشر، ولكنه يفتقر إلى التحقيق والضبط،
والتخريج. وكتابه «أسد الغابة)) قال عنه ابن العماد: جمع فيه بین کتاب ابن مندة،
وكتاب أبي نُعيم، وكتاب ابن عبد البر، وكتاب أبي موسى، وزاد وأفاد، وهو
مطبوع في مصر طبعة متقنة في سبعة مجلدات بدار الشعب.
وكتابه ((اللباب في تهذيب الأنساب)) قال عنه ابن العماد: اختصر [فيه]
((الأنساب)) لأبي سعد السَّمْعَاني، وهذّبه، وأضاف فيه أشياء وهو في مقدار نصف
أصله. وهو مطبوع في ثلاثة مجلدات، ولكنه يحتاج إلى تحقيق متقن.
٢٤ - المُنْذِرِيُّ
هو عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله بن سلامة بن سعد المنذري،
أبو محمد، الإِمام الحافظ المؤرّخ الكبير، صاحب ((التكملة لوفيات النقلة))
و((الترغيب والترهيب))، و((مختصر صحيح مسلم)) وغير ذلك من المصنفات
النافعة .
ولد في شهر رمضان سنة إحدى وثمانين وخمسمائة في مصر.
سمع من الأرباحي، وأبي الجود، وابن طبرزد، وخلق، وتخرّج بأبي
الحسن علي بن الفضل ولزمه مدة. وتفقّه على الإِمام أبي القاسم عبد
الرحمن بن محمد القرشي الوراق، وسمع من عبد المجيب بن زهير،
ومحمد بن سعيد المأموني، والمطهر بن أبي بكر البيهقي، والحافظ الكبير
علي بن الفضل المقدسي، وبه تخرّج.
٥٣

ورحل في طلب العلم إلى مكة، وسمع الحديث من أبي عبد الله بن البنّا
وطبقته، ثم قصد دمشق وسمع فيها من عمر بن طبرزد، ومحمد بن وهب بن
الشريف، والخضر بن كامل، وأبي اليُمن الكندي، وخلق، ثم سمع بحرَّان،
والرُّها، والإِسكندرية، وغيرها.
مات سنة ست وخمسين وستمائة في الرابع من شهر ذي القعدة.
قال ابن ناصر الدِّين: كان حافظاً كبيراً، حجةً، ثقة، عمدة.
وقال: ابن قاضي شهبة: برع في العربية، والفقه، وسمع الحديث بمكة،
ودمشق، وحرّان، والرُّها، والإِسكندرية، وروى عنه الدمياطي، وابن دقيق
العيد، والشريف عز الدين، وأبو الحسين اليونيني، وخلق، وتخرّج به العلماء
في فنون من العلم، وبه تخرّج الدمياطي، وابن دقيق العيد، والشريف عزّ الدين
وطائفة في علوم الحديث.
وقال الشريف عزّ الدين: كان عديم النظير في معرفة علم الحديث على
اختلاف فنونه، عالماً بصحيحه، وسقيمه، ومعلوله، وطرقه، متبحراً في معرفة
أحكامه ومعانيه ومشكله، قيّماً بمعرفة غريبه وإعرابه، واختلاف ألفاظه، ماهراً
في معرفة رواته وجرحهم، وتعديلهم، ووفياتهم، ومواليدهم، وأخبارهم، إماماً،
حجّة، ثَّبْتاً، ورعاً، متحرياً فيما يقوله، متثبتاً فيما يرويه.
قلت: وقد قامت شهرة المنذري على كتبه الثلاثة المنوّه عنها في صدر
الترجمة. وقد طبع الأول منها في أربع مجلدات كبيرة بتحقيق الأستاذ الدكتور
بشّار عوّاد معروف، وصدر في طبعته الثانية المتقنة عن مؤسسة الرسالة، ولهذا
الكتاب ((صلة)) من تصنيف العلامة أحمد بن محمد الحسيني تلميذ المنذري
المتوفى سنة (٦٩٥) هـ. وطبع الثاني منها في أربع مجلدات في مصر بتحقيق
الأستاذ مصطفى محمد عمارة، وهي طبعة جيدة، وقد صدرت عن شركة مكتبة
ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، ويقوم الأستاذ الشيخ محمد ناصر
الدين الألباني بفصل الصحيح من أحاديث هذا الكتاب عن الضعيف، وقد صدر
جزء من الصحيح من طبعته، وجزء من الضعيف أيضاً.
٥٤

وكان العلامة الشيخ يوسف النبهاني رحمه الله قد أفرد من هذا الكتاب
الأحاديث التي وردت في ((الصحيحين)) فقط في جزء صغير، وقد طبع منذ
سنوات طويلة في مصر(١).
وطبع الثالث منها في مجلد كبير في الكويت بتحقيق الأستاذ الشيخ محمد
ناصر الدين الألباني، وهي طبعة جيدة نافعة، وقد صدرت فيما بعد عن المكتب
الإِسلامي ببيروت .
٢٥ - النَّوَوِي
هو يحيى بن شرف بن مري بن حسن بن حسين بن محمد بن جمعة بن
حزام النووي الدمشقي، أبو زكريا، الإِمام الحافظ المؤرّخ الفقيه، صاحب
((روضة الطالبين))، و((تهذيب الأسماء واللغات))، و((الأذكار))، و((الأربعين))، وغير
ذلك من المصنفات المفيدة النافعة.
ولد في نوى من أرض حوران في الجنوب الغربي من سورية، وذلك في
العشر الأوسط من شهر الله المحرم سنة إحدى وثلاثين وستمائة، ونشأ نشأة
صالحة، وشرع بحفظ القرآن الكريم وهو صغير، ولما بلغ التاسعة عشرة من
عمره قدم به والده إلى دمشق لطلب العلم، فسكن المدرسة الرواحية، وأخذ
العلم عن جمهرة غفيرة من العلماء الكبار في الشام آنذاك، منهم الرضي بن
البرهان، وشيخ الشيوخ عبد العزيز بن محمد الأنصاري، وزين الدين عبد
الدائم، وعماد الدين بن عبد الكريم الحرستاني، وزين الدين أبي البقاء
خالد بن يوسف المقدسي النابلسي، والشيخ المحقّق إبراهيم بن عيسى المرادي
الأندلسي، والقاضي التفليسي، وقرأ على ابن مالك كتاباً من تصنيفه، ولازم
الاشتغال والتصنيف ونشر العلم والعبادة والذكر، والصبر على العيش الخشن في
المأكل، والملبس بما لا مزيد عليه. وتخرّج به جماعة من العلماء، منهم
-
(١) ويقوم بتحقيقه الآن صديقنا الفاضل الأستاذ مأمون الصاغرجي، وسوف يصدر عن دار ابن
کثیر بدمشق وبيروت قریباً.
٥٥

الخطيب صدر الدين سليمان الجعفري، وشهاب الدين الأربدي، وشهاب
الدين بن جعوان، وغيرهم.
وتولى مشيخة دار الحديث الأشرفية بدمشق حسبة لوجه الله .
وقد أُسعف النووي رحمه الله بالتأييد، وساعدته المقادير فقرَّبت منه كل
بعيد، فكان يجد مع الأهلية ثلاثة أشياء:
أولها: فراغ البال، واتساع الزمان.
وثانيها: جمع الكتب التي يستعان بها على النظر والاطلاع على كلام العلماء.
وثالثها: حسن النّة وكثرة الورع والزهد والأعمال الصالحة التي أشرقت
أنوارها.
وكان رحمه الله قد اكتالَ من ذلك بالمكيال الأوفى، فكان ذلك الإِنتاج
العظيم في عمره القصير الذي لم يتجاوز (٤٥) عاماً، ولكنه كان مليئاً بالخير
والبركة .
وسافر آخر عمره إلى بلدته نوى، وزار بيت المقدس، والخليل، ثم رجع
إلى نوى، فمرض عند أبويه، وتوفي ليلة الأربعاء لست بقين من شهر رجب سنة
ست وسبعين وستمائة، ودفن ببلده وقبره مشهور بها.
قلت: وقد قامت شهرة النووي على جملة من كتبه القيّمة، منها كتبه
الأربعة التي أشرت إليها في صدر الترجمة، وقد طبع الأول منها في المكتب
الإِسلامي بدمشق بتحقيق والدي الأستاذ الشيخ عبد القادر الأرناؤوط،
بالاشتراك مع زميله الأستاذ الشيخ شعيب الأرناؤوط، وصدر في (١٢) جزءاً.
وطبع الثاني في إدارة الطباعة المنيرية في مصر، وصوِّرت طبعته من
قبل عدد من دُور النشر في لبنان، وهو أحد الكتب التي نقل عنها ابن العماد،
وهو بأمسّ الحاجة إلى طبعة محققة متقنة.
وأما الثالث منها فقد طبع عدة مرات من غير تحقيق، ثم طبع في دار
٥٦

الملاح بدمشق بتحقيق والدي الأستاذ الشيخ عبد القادر الأرناؤوط، وهي
أفضل وأشهر طبعة ظهرت منه .
وأما الرابع منها وهو ((الأربعين)) فقد أكرمني الله عزّ وجلّ بشرحه
وتخريج أحاديثه، وقام والدي حفظه الله بمراجعته والحكم على أحاديثه، وقد
طبع حديثاً في دار ابن كثير بدمشق ،وبيروت.
٢٦ - ابنُ خَلِّكان
هو أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن خلِّكان البرمكي الإِرْبِلِي،
أبو العباس، الإِمام المؤرّخ الأديب الحجّة، صاحب ((وَفَيات الأعيان وأنباء أبناء
الزمان)) وهو من أشهر كتب التراجم ومن أحسنها ضبطاً وإحكاماً كما يقول
الزركلي صاحب ((الأعلام)).
ولد في إِرْبِل بالقرب من الموصل، وذلك في سنة ثمان وستمائة.
وسمع من ابن مكرم، وأجاز له المؤيد الطوسي وجماعة، وتفقّه بالموصل
على كمال الدين بن يونس، وبالشام على ابن شداد، ولقي كبار العلماء، وبرع
في الفضائل، والآداب.
ودخل الديار المصرية وسكنها، وناب في القضاء عن القاضي بدر الدين
السخاوي مدة طويلة، وأدّى عنده شهادةً شيخ المالكية أبو عمر ابن الحاجب،
وسأله عن مسألة دخول الشرط على الشرط، ثم قدم الشام على القضاء في ذي
الحجة سنة تسع وخمسين منفرداً بالأمر، فأضيف إليه مع القضاء نظر الأوقاف،
والجامع الأموي، والمارستان، وتدريس سبع مدارس: العادلية، والناصرية،
والعذراوية، والفلكية، والركنية، والإِقبالية، والبهنسية، وقُرىء تقليده يوم عرفة،
ويوم جمعة بعد الصلاة بالشباك الكمالي من جامع دمشق، ثم عزل بعز الدين
الصائغ في أول سنة تسع وستين، فسافر إلى مصر، فأقام سنين معزولاً بمصر،
ثم أعيد، وصرف ابن الصائغ في أول سنة سبع وسبعين، ثم عزل في آخر
٥٧

المحرم سنة وثمانين، وأعيد عز الدين الصائغ، وبقي ابن خلِّكان معزولاً وبيده
الأمينية والنجيبية.
مات يوم السبت في السادس عشر من شهر رجب سنة إحدى وثمانين
وستمائة ودفن بصالحية دمشق.
وقال تاج الدين الفزاري في ((تاريخه)): كان [ابن خلُّكان] قد جمع حُسن
الصورة، وفصاحة النطق، وغزارة الفضل، وثبات الجأش، ونزاهة النفس.
وقال الذهبي: كان إماماً فاضلاً، بارعاً، متقناً، عارفاً بالمذهب، حسن
الفتاوى، جيد القريحة، بصيراً بالعربية، علامة في الأدب والشعر وأيام الناس،
كريماً جواداً، ممدوحاً، من سروات الناس ... ومن محاسنه أنه كان لا يجسر
أحد أن يذكر أحداً عنده بغيبة .
قلت: وقد قامت شهرة ابن خلِّكان على كتابه ((وفيات الأعيان)) المنوّه عنه
في صدر الترجمة، وقد طبع منذ سنوات قليلة في ثمانية مجلدات في بيروت
بتحقيق الأستاذ الدكتور إحسان عباس، وهي طبعة جيدة مفهرسة غير أن الضبط
فيها قليل لا يتناسب مع قيمة الكتاب العلمية.
٢٧ - محِبُّ الدِّيْنِ الطَّبَري
هو أحمد بن عبد الله بن محمد الطبري، أبو العباس، الإِمام الحافظ
الفقيه، صاحب ((الرياض النضرة في مناقب العشرة))، و((الثمط الثمين في مناقب
أمهات المؤمنين)) وغير ذلك من المصنفات النافعة.
ولد بمكة في جمادى الآخرة سنة خمس عشرة وستمائة، وسمع من
جماعة، وأفتى، ودرّس وتفقّه، وصنف كتاباً كبيراً إلى الغاية في ((الأحكام)) في
ست مجلدات، وتعب علیه مدة، ورحل إلى اليمن وأسمعه للسلطان صاحب اليمن.
وروى عنه الدمياطي، وابن العطار، وابن الخباز، والبرزالي، وجماعة.
وكان شيخ الحرم بمكة.
توفي في جمادى الآخرة من سنة أربع وتسعين وستمائة بمكة المكرمة.
٥٨

قلت: وقد قامت شُهرة المُترجَم على كتابيه المشار إليهما في صدر
الترجمة، وقد طبع الأول منهما طبعتين غير متقنتين في مصر، وهو بأمسّ
الحاجة إلى طبعه طبعة علمية متقنة، وهو من بين الكتب التي نقل عنها ابن
العماد مباشرة في كثير من المواطن في كتابه.
وطبع الثاني منهما أكثر من مرة، منها الطبعة الصادرة عن مكتبة الكليات
الأزهرية بمصر، وهو الآخر غير محقّق إلى الآن، وينتظر مَن يمدّ إليه يد الرعاية
العلمية .
٢٨ - أَبُو الفِدَاء
هو إسماعيل بن علي بن محمود بن محمد بن عمر بن شاهنشاه بن أيوب،
الملك المؤيد، صاحب حَمَاة، أحد فضلاء زمانه، وعالِم كبير من علمائه في
التاريخ والأدب، والجغرافية، وعلم الأصول، صنّف مصنفات مختلفة أشهرها
((المختصر في تاريخ البشر)) ويعرف بـ ((تاريخ أبي الفداء))، و((تقويم البلدان))،
وغير ذلك من المصنفات المفيدة النافعة.
ولد في شهر جمادى الأولى سنة سبعين وستمائة، وكان أميراً بدمشق،
وخدم الملك الناصر لمّا كان بالكرك، وبالغ في ذلك، فوعده بحماة ووفى له
بذلك، فأعطاه حماة وجعله سلطاناً يفعل فيها ما يشاء من إقطاع وغيره، ليس
لأحد من الدولة بمصر من نائب ووزير معه حكم، وأركبه في القاهرة بشعار
الملك وأبَّهة السلطنة .
قال ابن قاضي شهبة: اشتغل أبو الفداء في العلوم وتفنن فيها، وصنّف
التصانيف المشهورة ... وكان جواداً ممدحاً امتدحه غير واحد.
وقال ابن كثير: كان يحبّ العلماء ويشاركهم في فنون كثيرة، وكان من
فضلاء بني أيوب.
وقال ابن شاكر: كان الملك المؤيد فيه مكارم وفضيلة تامة من فقهٍ،
وطبٍّ، وحكمةٍ، وغير ذلك، وأجود ما كان يعرفه علم الهيئة لأنه أتقنه، وإن
٥٩

كان قد شارك في سائر العلوم مشاركة جيدة، وكان محبّاً لأهل العلم مقرّباً لهم.
وقال الإِسنوي: كان جامعاً لأشتات العلوم، أعجوبة من أعاجيب الدُّنيا،
ماهراً في الفقه، والتفسير، والأصلين، والنحو، وعلم الميقات، والفلسفة،
والمنطق، والطب، والعَروض، والتاريخ، وغير ذلك من العلوم، شاعراً،
ماهراً، كريماً إلى الغاية، صنّف في كل علم تصنيفاً أو تصانيف.
توفي في المحرم من سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة عن ستين سنة إلا ثلاثة
أشهر وأياماً.
قلت: وقد قامت شهرة أبي الفداء على كتابيه المتقدم ذكرهما،
وقد طبع الأول منهما طبعة تجارية ويقع في مجلدين، وهو بأمس الحاجة إلى
طبعة علمية متقنة، وذكر الزركلي في ((الأعلام)) بأنه ترجم إلى الفرنسية،
واللاتينية، وقسم منه إلى الإنكليزية، وهو من جملة الكتب التي نقل عنها ابن
العماد مباشرة. والثاني منهما مطبوع طبعة تجارية أيضاً، ويقع في مجلدين،
وترجمه إلى الفرنسية المستشرق رينو كما ذكر الزركلي في ((الأعلام)).
٢٩ - التِّبْرِيْزي
هو محمد بن عبد الله الخطيب العُمَري التبريزي(١) أبو عبد الله، الإِمام
الحافظ المؤرّخ، صاحب («مشكاة المصابيح))، و((الإِكمال في أسماء الرِّجال))،
وغير ذلك من المصنفات النافعة.
لم أقف على ترجمة وافية له فيما بين يدي من المصادر والمراجع، وذكر
الزركلي في ((الأعلام)) أنه مات سنة إحدى وأربعين وسبعمائة.
قلت: وقد قامت شهرة التبريزي على كتابيه المشار إليهما، والأول منهما
(١) قال السمعاني في ((الأنساب)) (٢١/٣): التبريزي: بكسر التاء المنقوطة باثنتين من فوقها،
وسكون الباء الموحدة، وكسر الراء، وبعدها ياء منقوطة باثنتين من تحتها وفي آخرها الزاي،
هذه النسبة إلى تبريز، وهي من بلاد أذربيجان، أشهر بلدة بها، والمنتسب إليها جماعة
كثيرة .
٦٠