النص المفهرس

صفحات 581-600

مختلقات من عند أنفسكم ، ﴿وادْعُوا مَن استَطعْتُم من دونِ الله ﴾ أى اسْتِعِينوا بغير الله بمن
تمكن استعانُتكم به على الإتيان بذلك لأنه تعالى القادر عليه وحده ﴿ إن كنتُم صادقين﴾ فى
أنه افتراه ؛ فعجزوا عن ذلك ، فتحداهم عز وجل بسورة واحدة تسهيلا للأمر عليهم فقال
تعالى ﴿وإن كنتُم فى ريْبٍ مما نَزَّلْنَا عَلى عَبْدنا فأتُوا بسورة من مثله (١)﴾ أى مماثلة القرآن
فى البلاغة وحسن النظم ﴿ وادعُوا شهداءکم من دُونِ الله (١)﴾ أى استظهروا لمعارضته بمن
حضركم أو رجَوْتُم معونته غير الله . فإنه هو القادر عليه ﴿ إن كنتُم صادقين (١)﴾ فى أننا لم
نُنْزلْه عليه .
فلما عجزوا عن معارضته والإتيان بسورة تشبهه نادى عليهم بإظهار العجز ، وإعجاز
القرآن ، وكانوا أحرص شىء على إطفاء نوره ، وإخفاء أمره ، فلو كان فى مقدرتهم
معارضتُه (٢) لعدلُوا إليها قطعًا للحجة، فلا يزال وَل ◌ِ يُقْرِّعهم ويُوَبخهم غاية التوبيخ ،
ويُسَفِّه أحلامَهم . ويَحُطُّ أعلامهم. ويشتت نظامهم، ويَذُمُّ آلهتهم ، ويستبيح أرضَهُم
وديارهم وأموالهم ، وهم فى كل هذا ناكصون عن معارضته ، ومحجمون عن مماثلته ،
يخادعون أنفسهم بالتشغيب (٣) وبالتكذيب ، وبالافتراء كقولهم إن هذا إلا سحر يُؤثَر،
وسِحر مُسْتَمِر ، وإفكُ افتراهُ . وأساطيرُ الأولين اكْتَبَها، والمباهتة والرضا (٤) بالدنية
كقولهم: قلوبُنا غُلْفٌ، فى أَكِنَّةٍ مما تدعُونَا إليه ، وفى آذانِنَا وَقْرٌ ، ومنْ بيننا وبينِك
حجابٌ ، ولا تسمعُوا لهذا القرآن والغَوْا فيه . بخرافات وسواقط الكلم ، رافعى أصواتكم بها
، تشويشا على قارئه ، لعلكم تغلبون من قرأه على قراءته ، أو الادعاء مع العجز بقولهم : لو
نَشَاءُ لقلنَا مِثل هذا؛ وقاحة وفرطَ عناد ، وإلا فما منعهم لو ساعدتهم الاستطاعة إن شاءوا
ذلك. إذ تحدَّاهم وقَرَّعَهُم بالعجز ليفوزوا بالغلبة مع فرط أنفتهم واستنكافهم أن يُغلبوا ،
لاسيما فى باب البيان ، وقد قال تعالى ( وَلَنْ تفعلوا) فما فعلوا ولا قدروا على أن يأتوا بمقدار
سورة تُوازيه أو تدانيه ، مع فرطهم فى مُضَادَّته ومضارته (٥) .
(١) سورة البقرة الآية ٢٣ .
(٢) فى نسخة الأصل وز: [ معارضتهم ] وما أثبتناه من : م .
(٣) فى م : بالتشبث بالتكذيب .
(٤) سقطت كلمة (( الرضا)) من: م.
(٥) سقطت من : م .
٥٨١

فصل
لمأَ ثبت كون القرآن معجزة لنبينا ◌َّي وجب الاهتمام بمعرفة وجه الإعجاز . وقد خاض
الناس فى ذلك كثيرا . فبَيْنَ محسن ومسىء .
فمن الثانى : ما زعمه قوم أن التحدّى وقع بالكلام القديم الذى هو صفة الذات ، وأن
العرب كُلِّفَتْ فى ذلك مالايطاق . وبه وقع عجزها ، وهو مردود؛ لأن مالا يمكن الوقوف
عليه لا يتصور التحدى به .
والصواب ما قاله الجمهور أنه وقع بالدالِّ على القديم وهو الألفاظ .
ثم زعم النظَّام من المعتزلة : أن إعجازه بالصَّرْفة . أى أن الله تعالى صرف العرب عن
معارضته وسلب عقولهم . وكان مقدورًا لهم . لكن عاقهم أمر خارجى ، فصار كسائر
المعجزات .
قال العلماء : وهذا قول فاسد بدليل ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمعَتِ الإنسُ والجِنّ﴾ الآية . فإنه يدل
على عجزهم مع بقاء قدرتهم ولو سُلبوا القدرة لم تبق لهم فائدة لاجتماعهم لمنزلته منزلة
اجتماع الموتى ، وليس عجز الموتى مما يُحْتَفَل بذكره . هذا مع أن الإجماع منعقد على
إضافة الإعجاز إلى القرآن . فكيف يكون معجزا وليس فيه صفة الإعجاز ، بل المعجزُ هو الله
تعالى حيث سلبهم القدرة على الإتيان بمثله". وأيضا فليزم من القول بالصَّرْفَة زوال الإعجاز
بزوال زمان التحدى وخلوِّ القرآن من الإعجاز ، وفى ذلك خرقٌ لإجماع الأمة بأنه معجزة رسول
الله ◌َّ العظمى باقية، ولا معجزة له باقية سوى القرآن .
قال قاضى أهل الحق أبو بكر الباقلانى : وما يبطل القول بِالصَّرْفة أنه لو كانت المعارضة
ممكنة وإنما منع [ منها ] بالصَّرْفة لم يكن الكلام معجزا ، وإنما يكون بالمنع معجزا . فلا
يتضمن الكلام فضيلة على غيره فى نفسه ، قال : وليس هذا بأعجب من قول فريق منهم إن
الكل قادرون على الإتيان بمثله . وإنما تأخروا عنه لعدم العلم بوجه ترتيب لو
٥٨٢
٠

علموه (١) لوصلوا إليه ، ولا بأعجب من قول آخرين (٢): إن العجز وقع منهم، وأما مَنْ
بعدهم ففى قدرتهم الإتيان بمثله . وكل هذا لا يعْتَدُّ به .
((٣) ومن الأول: قول القاضى أبى بكر: وجه إعجازه ما فيه من النظم والتأليف (٣)) وأنه.
خارج عن جميع وجوه النظم المعتاد فى كلام العرب ، مُبَايِنٌ لأساليب خطاباتهم ، قال :
ولهذا لا تمكنهم معارضته ، ولا سبيل إلى معرفة إعجاز القرآن من أصناف البديع التى
أودعوها فى الشعر ؛ لأنه ليس- مما يخرق العادة بل يمكن استدراكه بالعلم والتدريب ،
والتصنع به كقول الشعر ، ورَصْفِ الخطب ، وصناعة الرسالة ، والحذق فى البلاغة ، وله
طريق تُسلَك. فأما شَأو نظم القرآن فليس له مثال يُحتْذَى عليه ، ولا إمامٌ يُقْتَدى به ،
ولايصحُّ وقوع مثله اتفاقا .
قال : ونحن نعتقد أن الإعجاز فى بعض القرآن أظهرُ وفى بعضه أدقُّ وأغمض .
وقال الإمام الرازى : وجه الإعجاز الفصاحة ، وغرابة الأسلوب والسلامة من جميع العيوب
وقال الزملكانى (٤): وجه الاعجاز راجع إلى التأليف ( الخاص (٥) به لا مطلق
التأليف (٥)) بأن اعتدلَتْ مفرداته تركيبًا وَزِنةً . وعلت مُرَكَّبَاته معنى بأن يوقع كل فن فى
مرتبته العليا فى اللفظ والمعنى .
وقال حازم فى المنهاج : وجه الإعجاز فى القرآن من حيث استمرت الفصاحة والبلاغة من
جميع ( أنحائها فى جميعه (٦)) استمرارا لا يوجد له فترة ، ولا يقدر عليه أحد من البشر ،
وكلامُ العرب ومن تكلم بلغتهم لا تستمر الفصاحة والبلاغة فى جميع أنحائها فى العالى منه
إلا فى الشيء اليسير المعدود ثم تعرض الفترات (٧) الإنسانية فينقطع طَيِّبُ الكلام ورونَقُه .
(١) هكذا فى م .. وفى غيرها: لو تعلموا .
(٢) فى م : [ قول فريق منهم ] .
(٣) ما بين الرقمين سقط من: م ، وثابت فى الأصل وز .
(٤) الزملكانى : هو عبد الله بن عبد الكريم الأنصارى ، ولى قضاء سرخد ، وتوفى عام ٦٥١ هـ .
(٥-٥) ما بين الرقمين سقط من: م وثبت فى غيرها .
(٦) ما بين القوسين سقط من : م .
(٧) صحفت فى م وجاءت : الاقتراءات أو ما يقاربها .
٥٨٣

فلاتستمر لذلك الفصاحة فى جميعه بل توجّد فى تَفَاريق وأجزاء منه .
وقال ابن عطية : الصحيح والذى دلَّ عليه الجمهور والحُذَّاق فى وجه إعجازه أنه بنَظْمه ،
وصحة معانيه ، وتوالِى فصاحة ألفاظه ؛ وذلك أن الله أحاط بكل شىء علما ، وأحاط
بالكلام كله علما ، فإذا ترتبت اللفظة من القرآن علم بإحاطته أىَّ لفظة تصلح أن تلى الأولى
تبين المعنى بعد المعنى . ثم كذلك من أول القرآن إلى آخره ، والبشر معهم الجهل والنسيان
والذهول . ومعلوم ضرورةً أن أحدا من البشر لا يحيط بذلك ، فبهذا جاء نظم القرآن فى
الغاية القصوى من الفصاحة، وبهذا (١) يبطل قول من قال : إن العرب كان فى قدرتها الإتيان
بمثله ، فَصُرِفوا عن ذلك .
والصحيح أنه لم يكنْ فى قدرة أحد قط ولهذا نرى البليغَ يُنَفِّح القصيدة ، والخطبة حَوْلا .
ثم ينظر فيها فَيُغيِّرِ فيها ، وهَلُمَّ جرًّا، وكتاب الله لو نُزِعَتْ منه لفظة ثم أدير لسان العرب على
لفظة أحسنَ منها لم يُوجَدْ . ونحن تتبين لنا البراعةُ فى أكثره . ويخفى علينا وجهها فى
مواضع ؛ لقصورنا عن مرتبة العرب يومئذ فى سلامة الذوق . وجودة القريحة . وقامتْ
الحجة على العالم بالعرب، إذ كانوا أرباب الفصاحة، وَمَظَنَّة المعارضة . كما قامت
الحجة فى معجزة موسى بالسحرة ، وفى معجزة عيسى بالأطباء ، فإن الله عزَّ وجل إنما جعل
معجزات الأنبياء بالوجه الشهير أبرع (٢) ما يكون فى زمن النبى و ل# الذى أراد إظهاره فكان
السحر قد انتهى فى مدة موسى إلى غايته ، وكذلك الطب فى زمن عيسى ، والفصاحة فى
زمن محمد القليل .
وقال الخطابى : ذهب الأكثرون من علماء النظر إلى أن وَجْه الإعجاز فيه من جهة البلاغة
لكن صَعُبَ عليهم تفصيلها. وصَغَوْا فيه إلى حكم الذوق . قال : والتحقيقُ أن أجناس
الكلام مختلِفَة ، ومراتبُها فى درجات البيان (٣) متفاوتة ؛ فمنها البليغ الرصين الجَزْل ،
(١) زادت كلمة [ لا] بعد كلمة (بهذا) وهو سهو من الناسخ.
(٢) فى م : أبدع : الدال .
(٣) فى م : القرآن.
و
٥٨٤
۔

ومنها الفصيح الجزل ، ومنها الجائز الطلق الرَّسْل . وهذه أقسام الكلام الفاضل المحمود ،
فالأول أعلاها ، والثانى أوسطها ، والثالث أدناها وأقربها ، فحازت بلاغات القرآن من كل
قسم من هذه الأقسام حِصَّة ، وأخذت من كل نوع شعبة ، فانتظم لها بانتظام هذه الأوصاف
نمط من الكلام يجمع صِفَتَى الفخامة والعذوبة ، وهمتا على الانفراد فى نعوتهما
كالمتضادَّيْنِ لأن العذوبة نتاج السهولة (١) والجزالة والمتانة يعالجان نوعا من الوُعُورَة. فكان
اجتماع الأمريْن فى نظمه - مع نُبوكلٌ واحد منهما عن الآخر - فضيلةً خُصَّ بها القرآن ؛ ليكون
آية بيِّنّةٌ لِنبيه ◌َّهِ، وإنما تَعَذَّر على البشر الإتيانُ بمثله لأمور:
منها أن علمه لا يحيط بجميع أسماء اللغة العربية ، وأوضاعها التى هى ظروف المعانى
ولا تُذْرِكُ أفهامُهم جميع معانى الأشياء المحمولة على تلك الألفاظ ، ولا تكمل معرفتهم
باستيعاب جميع وجوه المنظوم التى بها يكون ائتلافُها ، وارتباط بعضها ببعض ، فيتوصلون
باختيار الأفضل منه الأحسن من وجوهها . إلى أن يأتوا بكلام مثله ، وإنما يقوم الكلام بهذه
الأشياء الثلاثة : لفظ حاصل ، ومعنى به قائم ، ورباط لهما ناظم .
وإذا تأملت القرآن وجدت هذه الأمور فيه فى غاية الشرف والفضيلة ، حتى لا ترى شيئا
من الألفاظ أفصح ولا أجزل ولا أعذب من ألفاظه ، ولا ترى نظما أحسن تأليفا وأشد تلاؤما
وتشاكُلا من نظمه ؛ وأما معانيه فكل ذى لُبّ يشهد له بالتقدُّم فى أبوابه . والترقّى إلى أعلى
درجاته . وقد توجَد هذه الفضائل الثلاث على التفرُّق فى أنواع الكلام ، فأما أن توجّد
مجموعة فی نوع واحد منه فلم تُوجَد إلا فی کلام العلیم القدیر .
فخرج من هذا أن القرآن إنما صار مُعجزا ؛ لأنه جاء بأفصّح الألفاظ فى أحسن نظوم
التأليف مُضَمَّنا أصحّ المعانى من توحيد الله تعالى وتنزيهه له فى صفاتِه ، ودعاءٍ إلى طاعته.
وبيان لطريق عبادته من تحليل وتحريم ، وحَظْرٍ وإباحة ، ومن وعظٍ وتقويم ، وأمر بمعروف
ونهى عن منكر ، وإرشاد إلى محاسن الأخلاق . وزجرٍ عن مساوئها . واضعًا كل شىء منها
(١) فى م : لأن الصعوبة تنافى السهولة.
٥٨٥

موضعَه الذى لا يُرى شىء أولى منه ((١) ولا يُتَوَهَّمُ فى صورة العقل أمرٌ أليقُ به منه (١))
مودعا أخبار القرون الماضية ، وما نزل من مثلاتٍ الله عز وجل بمن مضى وعاند منهم . منبئا
عن الكواثن المستقبلة فى الأعصار التالية فى الزمان ، جامعا فى ذلك من الحجة والمحتجّ
له ، والدليل والمدلول عليه ليكون ذلك أؤكّدَ للزوم ما دعا إليه ، وإنباءً عن وجوب ما أمر به ، .
ونهى عنه ، ومعلوم أن الإتيان بمثل هذه الأمور ، والجمع بين أشْتَاتِها حتى تنتظم وتَتَّسق أمرٌ
تعجزُ عنه قُوَى البشر . ولا تبلغُه قدرتُهم ، فانقطع الخلقُ دونَه ، وعجزوا عن معارضته
بمثله، أو بمناقضته فى شكله ، ثم صار المعاندون له يقولون مرة: إنه شعرٌ لمّا رأوه
منظوما، ومرة إنه سِخْر لمَّا راوه مُغْجزا عنه ، غیر مقدور عليه ، وقد کانوا یجدون له وقعا فى
القلوب . وقرعًا فى النفوس يُرِيبُهم . ويُخَيِّرُهُم . فلم يتمالكوا أن يعترفوا به نوعا من
الاعتراف، ولذلك قالوا : إن له لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإن كانوا مرة - بجهلهم -
يقولون: أساطيرُ الأولين اكْتَتَبها فهى تُملَى عليه بكرة وأصيلا، مع علمهم أن صاحبَهم أُمِّىٌّ .
وليس بحضرته مَنْ يُملى أو يكتُب فى نحو ذلك من الأمور التى أوجبها العناد . والجهل
والعجز .
ثم قال : وقد قلت فى إعجاز القرآن وجّها ذهب عنه الناس وهو صنيعُه فى القلوب ،
وتأثيره فى النفوس. فإنك لا تسمع كلاما غير القرآن منظوما ولا منثورا إذا قُرِعُ به السمع
خَلُص به إلى القلب من اللذّة والحلاوة فى حال ، ومن الروعة (٢) والمهابة فى حال آخر ما
يَخْلِصُ منه إليه. قال الله تعالى: ﴿ لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا القَرَآَنَ على جَبَلٍ لَرَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصدِّعًا مِنْ
خَشْيَةِ الله (٣)﴾. وقال الله تعالى ﴿اللّهُ نَزَّل أَحْسَن الحديث كِتَابًا مُتَشَابِها مَثانِى تَقْشَعِرُّ مِنه
جلودُ الَّذِین يَخْشَوْنَ رَبَّهُم﴾ (٤).
وقال ابن سراقة : اختلف أهل العلم فى وجه إعجاز القرآن فذكروا فى ذلك وجوها كثيرة
(١) ما بين الرقمين سقط من م .
(٢) فى م : الرعدة .
(٣) سورة الحشر: الآية : ٠٢١.
(٤) سورة الزمر : الآية : ٢١ .
٥٨٦

كلها حكمة وصواب ، وما بلغوا فى وجوه إعجازه جزءا واحدا من عشر معشاره ، فقال قوم :
هو الإيجاز مع البلاغة. وقال آخرون : هو البيان والفصاحة . وقال آخرون : هو الرَّصف
والنظم. وقال آخرون : هو كونُه خارجا عن جِنس كلام العرب من النظم والنثر والخطب
والشعر ، مع كونٍ حروفه من كلامهم ، ومعانيه فى خطابهم ، وألفاظه من جنس كلماتهم ،
وهو بذاته قبيلٌ غير قبيل كلامهم ، وجنسٌ آخر متميز عن أجناس خطابهم ؛ حتى إنّ من
اقتصر على معانيه وغيِّر حروفه أذهب رونقه ، ومن اقتصر على حروفه وغيَّر معانيه أبطل فائدته
فكان فى ذلك أبلغُ دلالةٍ على معجزة إعجازه .
وقال آخرون : هو كون قارئه لا يكل . وسامِعه لا يمَلُّ . وإن تكررت عليه تلاوته ، وقال
آخرون : هو ما (١) فيه من الإخبار عن الأمور الماضية . وقال آخرون: هو ما (٢) فيه من علم
الغيب ، والحكم على الأمور بالقطع . وقال آخرون: هو كونه جامعا لعلوم يطول شرحُها
ويشقّ حصرها .
وقال الزركشى فى البرهان : أهل التحقيق على أن الإعجاز وقع بجميع ما سبق من
الأقوال، وبكل واحد على انفراده ، فإن جُمعَ ذلك كله ، فلا معنى لنسبته إلى واحد منها
بمفرده مع اشتماله على الجميع ، بل وغير ذلك مما لم (٣) يسبق فمنها : الروعة التى له فى
قلوب السامعين وأسماعهم . سواء المقرُّ والجاحدُ . ومنها : أنه لم يزل ولا يزال (غضا (٤)
طريا) فى أسماع السامعين ((٥) وعلى ألسنة القارئين (٥)) ومنها : جمعه بين صفتى الجزالة
والعذوبة . وهما كالمتضادين لا يجتمعان غالبا فى كلام البشر . ومنها : جعلُه آخر الكتب
غنيا عن غيره . وجعل غيره من الكتب المتقدمة قد يحتاج إلى بيان يرجع فيه إليه كما قال
سبحانه ﴿إِنَّ هَذا الْقُرآن يَقُصُّ على بنى إسرائيلَ أكثَرِ الَّذِى هُمْ فِيه يَخْتَلِفُون (٦)﴾.
(١) زيادة من م .
(٢) هكذا فى م. وفى الأصل وزففيه: [ مما ].
(٣) فى م : لا .
(٤) ((غضا طريا)) لم يرد اللفظان فى م .
(٥) ما بين الرقمين والقوسين ليس فى م .
(٦) سورة النمل : الآية: ٧٥ .
٥٨٧

وقال القاضى وغيره من العلماء : اختلف الناس فى الوجه الذى وقع به إعجاز القرآن على
أقوال : وحاصلها أنه وقع بعدة وجوه :
منها : حسن تأليفه والتئام (١) كلِمِه ، وفصاحتُه ووجوه إيجازه ؛ من قصر وحذف جزء
جملة أو مضاف أو موصوف أو صفة فى نحو ﴿وَاسْأل القَرْيَة (٢) ﴾ أى أهلها،
﴿وَيُنَادَوْن﴾(٣) أى برجال. ﴿ويأْخُذُ كُلَّ سَفِينةٍ غَصْبًا (٤) ﴾ أى سفينة صالحة وغير ذلك
مما استدل عليه من وجوه الإعجاز وبلاغته الخارقة عادات العرب فى عجائب تراكيبهم ،
وغرائب أساليبهم ، وبدائع تشبيهاتهم ، وروائع إشاراتهم ؛ الذين هم فرسان الكلام ،
وأرباب هذا الشأن .
ومنها صورة نظمه العجيب ، والأسلوب الغريب المخالف لأساليب كلام العرب ،
ومنهاج نظمها ونثرها الذى جاء به القرآن ، ووقفت عليه مقاطع آياته ، أى أواخر وقوفها كالتام
والکافی وانتهت إليه فواصل كلماته ، ولم يوجد قبله ولا بعده نظير له .
ومنها ما انطوى عليه من الإخبار ( بالمُغَيِّبات (٥) ، وما لم يكن موجودا فوجد كما ورد .
ومنها إنباؤه عن أخبار (٥)) القرون الماضية ، والشرائع السالفة مما كان لا يعلم منه القصة
الواحدة إلا الفذُّ من أحبار أهل الكتاب، الذى قطع عمرَه فى تعلُّم ذلك، فَيُّورِدُهُ سيدنا
محمد رٍَّ على وجهه، ويَأتى به على نَصِّه، وهو أُمِّيّ لاَ يقرأ ولا يكتب .
ومنها : ما تَضَمَّنه عن الإخبار بالضمائر كقوله تعالى ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَان مِنْكُمْ (٦)﴾ وقوله
﴿يَقُولُون فِى أَنْفُسِهِم لَوْلاَ يُعَذِّبُنا الله بِمَا نَقُول﴾ (٧) .
(١) كلمة (التئام) ليست فى م .
(٢) سورة يوسف : من الآية : ٨٢.
(٣) سورة غافر من الآية: ١٨.
(٤) سورة الكهف : من الآية : ٧٩ .
(٥) ما بين القوسين و الرقمين سقط من م .
(٦) سورة آل عمران من الآية : ١٢.
(٧) سورة المجادلة من الآية : ٨
٥٨٨

ومنها : آى وردت بتعجيز قوم فى قضايا ، وإعلامهم أنهم لا يفعلونها ، فما فعلوا ولا
قدروا؛ كقوله فى اليهود ﴿ وَلَنْ يَتَمَنَّوْه أبدا﴾(١) .
ومنها : ترك المعارضة مع توفّر الدواعى وشدّة الحاجة .
ومنها : الرّوْعة التى تكون فى قلوب سامعيه عند سماعه . والهيبة التى تعتريهم عند
تلاوته كما وقع لجُبَيْر بن مُطعم أنه سمع النبى وَلّ يقرأ فى المغرب فى سورة الطور ، فلما
بلغ هذه الآية ﴿ أم خُلِّقُوا مِنْ غَيْرِ شىء أمْ هُم الخَالِقُون (٢)﴾ إلى قوله ﴿المُصِيْطِرُون (٢)﴾ :
كلهاَ قلبى يَطير . قال: ذلك أول ما وقر من الإسلام فى قلبى . وقد سمع غيرُ واحد آيات منه
، فبهات لوقته، وألَّف بعضهم كتابا فيمن قتله (٣) القرآن .
ومنها : أن قارئه لا يمله ، وسامعه لا يمجَّه . بل الإكباب على تلاوته يزيده حلاوة ،
وترديده يوجب له محبة ، وغيرُه من الكلام يُعَادَى إذا أُعيد ، ويُمَل مع الترديد ؛ ولهذا وصف
رسول الله وَّهِ القرآن بأنه لا يخلَقُ على كثرة الرَّدِّ .
ومنها : كونه آيةً باقيةً لا يعْدم ما بقيت الدنيا ، مع تكَفَّل الله عز وجل بحفظه .
ومنها جمعه لعلوم ومعارف لم يجمعها كتاب من الكتب ، ولا أحاط بعلمها أحد (٤) فى
كلمات قليلة وأحرف معدودة .
-
- ومنها جمعُه بين صفتَى الجزالة والعذوبة ، وهما كالمتضادّين لا يجتمعان فى كلام البشر
ومنها : جعله آخر الكتب غنيا عن غيره . وجعل غيره من الكتب المتقدِّمة قد يحتاج إليه
كما قال تعالى ﴿إِنَّ هَذا القرآن يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرَائِيل أكْثَرِ الْذَى هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُون (٥)﴾ .
(١) سورة البقرة: من الآية : ٩٥ .
(٢) سورة الطور: الآيات: ٣٥ -٣٧. وحديث جبير رضى الله عنه فى البخارى كما ورد فى تفسير ابن كثير ٤ / ٢٦١.
(٣) فى م : قال وهى تصحيف .
(٤) فى م: ((ولا يعلمها أحد)».
(٥) سورة النمل: الآية : ٧٥ .
٥٨٩

!
قال القاضى : وإذا عرفتَ ما ذكر من وجوه إعجاز القرآن عرفت أنه لا يحصى عدَدُ
معجزاته بألف ولا بألفين ولا أكثر؛ لأنه ◌َّ ل و قد تحدى بسورة منه فعجزوا عنها.
قال أهل العلم : وأقصر السور ﴿ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الكَوْثَرِ﴾ . فكل آية أو آيات منها بعددها
منه معجزة ، ثم فيها نفسها معجزات على ما سبق .
قال الشيخ رحمه الله تعالى ورضى عنه : وإذا عدَدْتَ كلمات سورة الكوثر وجدتها بضعَ
/
عشرة كلمة وقد عد قوم القرآن سبعة وسبعين ألف كلمة وأربعة وثلاثين ألف كلمة . فالقدر
· المعجز منه مكون فى العدد نحو سبعة آلاف تقريبا ، نضربها فى ثمانية أوجه . الأولان
والسابع والثالث والتاسع والعاشر والحادى عشر والثانى عشر تبلغ ستة وخمسين ألف معجزة
ثم تضم إلى ذلك باقى بعضه من الوجه الثالث والرابع والخامس جملة وافرة ؛ فتصل
معجزات القرآن بذلك إلى ستين ألف معجزة وأكثر انتهى.
وقال القاضى أيضا : معجزات الرسل [ كانت بقَدْرِ هِمِم أَهْلِ زَمَانهم وبحسب الفن
الذى سمًا فيه قرئُه، ومعجزاتُ نبينا ◌َ ﴿ أُظهرُ من سائر معجزات الرسل بوجهين :
أحدهما : كثرتُها ، وأنَه لم يُؤْتَ نَبِى إلا وعند نبينا مثلُها أو ما هو أبلغُ منها . وقد نَبِّه
الناس على ذلك ، فإن أردتَه فتأمل فصول هذا الباب ، ومعجزات من تقدم ، تقف على ذلك
إن شاء الله .
. والثانى: وضوح معجزاته بَّ؛ فإن معجزات الرسل كانت بقدرِ همم أهل زمانهم ،
وبحسب الفن الذى سما فيه قرنُه](١).
ورحم الله سیدی محمد وفا (٢) حيث قال :
....--
(١) ما بين الحاصرتين زيادة فى م، الشفا للقاضى عياض جـ ١ / ٢٤٤ - ٢٤٥ لأن فى كلام المؤلف نقصا يكمله ما
ذكرناه .
(٢) محمد وفا الشاذلى المصرى ت ٧٦٠ هـ وله مدحة أخرى فى المجموعة النبهانية.
٥٩٠

له مُعْجِز القرآن فى عَيْن جُمْعه (١)
جوامعُ آيات بها اتَّضح الرُّشْدُ
حديثُ نزيهٍ عن حدوثٍ مُنّزه
قدیم صفات الذات ليس له ضِدُّ
بلاغٌ بليغٌ للبلاغة مُعجز
له معجزاتٌ لا يُحدُّ لھا حدٌّ
تجلَّت بروحِ الوَحْى خُلَّهُ نَسْجِه
عقودُ اعتقادٍ لا يُحَلُّ لها عَقدُ
وغاية أرباب البلاغة عجزُهم
لَدَيْه - وإن كانُوا هم الأنُفُ اللُّهُّ.
والشقراطبى (٢) حيث يقول :
أعجَزْتَ بالوحى أربابَ البلاغة فِی
عَصْر البيان فضلَّت أوْجُه الحِيَل
سألْتَهُم سورةً فى مثل حِكمته
فَتَلَّهم عنه ◌ُبْن العَجز حیْنْ تُلِی
ورامَ رِجْسٌ كذوبٌ أنْ يُعارِضَه "
بِعَىِّ غَىّ فلم يُحْسن ولمْ يَطُل
(١) جمعه ( بفتح الجيم وضمها): يريد بالفتح أن جمع القرآن مشتمل على آثار تهدى إلى الرشد وبالضم أى جملة
القرآن مشتملة على الآيات التى تهدى إلى الرشد .
(٢) الشقراطبى: هو الإمام أبو محمد عبد الله بن أبى زكريا الشهير بالشقراطبى المغربى ت ٤٩٦ هـ.
٥٩١

مثبخ بركيك الإفك مُلْتَبِسٌ
مَلَجْلَجْ بِزَرِىِّ الزُّورِو الخَطَل
يَمُ أولَّ حرفٍ سَمْعُ سَامِعه
ويَعْتَرِيهِ كَلالُ العَجز والمَلَل
كأنه منطق الورهاء شذَّبه
لبْس من الخَبْل أو مَسِّ من الخبّلِ
أمرَّت البئر واغورَت بِمَجَّته
[ فيها (١)] وأعمى بَصيرَ العين بالتَّقَلِ (٢)
وأيْبَس الضِّرعَ منه شُؤمُ راحته
من بعد إرسال رَسْل منه مُنْهَمل
بَرِئتُ مِن دين قومٍ لا قوامَ لهم
عقولهُم من وثاق (٣) الغىّ فى عُقِّل
یَسْتَخبرون خَفِئ [ الغيب ] (٤) من حجر
صَلْد ويَرْجون غوث النصر من هُبَل (٥)
.-- .
(١) « منها )) سقطت من الأصل ومن ز وثابتة فی م.
(٢) يشير إلى مسيلمة الكذاب إذ غار ماء البئر حين مجَّ فيها من ريقه وعمى الرجل حين تفل فى عينه .
(٣) فى م : عقال .
(٤) هكذا فى م . وجاءت [ الغيث ] فى غيرها .
(٥) هذه الأبيات من مدحته التى مطلعها :
الحمد لله منها باعث الرسل
هدى بأحمد منا أحمد السُّبُل
فى المجموعة النبهانية جـ ٣ / ١٩٨.
٥٩٢

فوائد
الأولى : اختلف فى قدر المعجز من القرآن
فذهب بعض المعتزلة إلى أنه يتعلق بجميع القرآن ، والآيتان السابقتان تردُّه ..
وقال القاضى أبو بكر : يتعلق الإعجاز بسورة طويلةً كانت أو قصيرة ، تشبثا بظاهر قوله :
( بسورة ) .
وقال فى موضع آخر ١ يتعلق بسورة أو قدرها من الكلام بحيث يتبين فيه تفاضل قوى
البلاغة .
قال : فإذا كانت آية بقدر حروف سورة - وإن كانت كسورة الكوثر - فذلك معجز قال :
ولم يقم دليل على عجزهم عن المعارضة بأقل من هذا القدر .
وقال قوم : لا يحصل الإعجاز بآية بل يشترط الآيات الكثيرة وقال الآخرون: يتعلق بقليل
القرآن وكثيره لقوله عز وجل ( فَلْيأتوا بِحديثٍ مِثْلِهِ ) .
وقال القاضى أبو بكر : ولا دلالة فى الآية لأن الحديث التامّ لا تتحصل حكايته فى أقل
من كلمات سورة قصيرة (١).
الثانية : اختلف فى أنه هل يُعلم إعجاز القرآن ضرورة ؟
. قال القاضى : فذهب الشيخ أبو الحسن الأشعرى إلى أن ظهور ذلك على النبى وَّ يعلم
ضرورة ، وكونه معجزًا يُعْلَم بالاستدلال . قال : والذى نقوله : إن الأعجمى لا يمكنه أن
يَعْلم بإعجازه [ إلا (٢) ] استدلالا وكذلك من ليس ببليغ، فأما البليغ الذى قد أحاط
بمذاهب العرب وغرائب الصنعة فإنه يعلم من نفسه ضرورة عجزه وعجز غيره عن الإتيان بمثله
(١) اعتمد المؤلف فى هذا الفصل عامة وفى الفوائد التى يذكرها على ما نقله من الاتقان جـ ٢ فى الفصل الذى عقده
السيوطى لإعجاز القرآن كما نقل السيوطى كثيرا عن القاضى أبى بكر الباقلانى فى كتابه ( إعجاز القرآن ) بالإضافة إلى
كتاب الشفا للقاضى عياض .
(٢) سقطت كلمة (إِلاّ) من: (م) وثابتة فى غيرها .
.
٥٩٣
( ٣٨ - سبل الهدى والرشاد جـ ٩)

الثالثة : اختلف فى تفاوت القرآن فى مراتب الفصاحة بعد اتفاقهم على أنه فى أعلى
مراتب البلاغة . بحيث لا يوجد فى التركيب ما هو أشد تناسبا ولا اعتدالا فى إفادة ذلك
المعنى منه .
فاختار القاضى المنع . وأن كل كلمة فيه موصوفة بالذروة العليا ، وإن كان بعض الناس
أحسن إحساسا له من بعض .
واختار أبو نصر القشيرى وغيره التفاوت , فقال: لا نَدَّعى أن كل ما فى القرآن على أرفع
الدرجات فى الفصاحة ،. وكذا قال غيره : فى القرآن الأفصح والفصيح وإلى هذا نحا
الشيخ عز الدين بن عبد السلام. ثم أورد سؤالا : وهو أنه : لِمَ لَمْ يأت القرآن جميعه
بالأفصح؟ وأجاب عنه الصدر موهوب الجزرى بما حاصله : أنه لو جاء القرآن على ذلك
لكان على غير النمط المعتاد فى كلام العرب : من الجمع بين الأفصح والفصيح فلا تتم
الحجة فى الإعجاز فجاء على نمط كلامهم المعتاد . وليتم ظهور العجز عن معارضته ولا
يقولون مثلا : أتيتَ بمالا قدرة لنا على جنسه ، كما لا يصح من البصير أن يقول للأعمى :
قد غلبتك ببصرى . لأنه يقول له : إنما تتم لك الغلبة لو كنت قادرا على النظر ، وكان نظرك
أقوى من نظرى ، فأما إذا فقد أصل النظر فكيف تصح منى المعارضة .
الرابعة : قيل الحكمة فى تنزيه القرآن عن الشعر الموزون مع أن الموزون من الكلام رتبته
فوق رتبة غيره أن القرآن منبع الحق ومجمع الصدق ، وقُصَارى أمر الشاعر التخييل بتصوير
الباطل فى صورة الحق ، والإفراط فى الإطراء والمبالغة فى الذم ، والإيذاء ، دون إظهار.
الحق، وإثبات الصدق ، ولهذا نزَّ الله سبحانه وتعالى نبيه عنه. ولأجل شهرة الشعر
بالكذب سمى أصحاب البرهان القياسات المؤدية فى أكثر الأمر إلى البطلان شعرية .
وقال بعض الحكماء : لم يرد مُتَدَيِّن صادق اللهجة مُغلق فى شعره فأما ما وجد فى القرآن
مما صورته صورة الموزون فالجواب عنه أن ذلك لا يسمى شعرا ، لأن (شرط (١)) الشعر
(١) سقطت من: م.
٥٩٤

القصد ولو كان (١) شعرا لكان كل (٢) من اتفق له فى كلامه شىء موزون شاعرًا فكان (٣)
الناس كلهم شعراء ؛ لأنه قلَّ أن يخلو كلام أحد عن ذلك ، وقد ورد ذلك على ألسنة
الفصحاء - فلو اعتقدوه شعرا لبادروا إلى معارضته ، والطعن عليه ؛ لأنهم كانوا أحرص شىء
على ذلك، وإنما يقع ذلك لبلوغ الكلام الغاية القصوى فى الانسجام .
وقيل : البيت الواحد وما كان على وزنه لا يسمى شعرا ، وأقل الشعر بيتان فصاعدا .
وقيل : الرَّجز لا يسمى شعرًا أصلا ، وقيل وأقل ما يكون من الرجز شعرا أربعة أبيات
وليس ذلك فى القرآن بحال .
الخامسة: التحدِّى إنما وقع للإنس دون الجِن، لأنهم ليسوا من أهل اللسان العربى الذى
جاء به القرآن على أساليبه، وإنما ذكروا فى قوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِن اجتمعتْ الإنسُ والجِنُ﴾
تعظيماً لإعجازه؛ لأن للهيئة الاجتماعية من القوة ما ليس للأفراد، فإذا فُرض اجتماع الثَّقلين،
وظَاهَرَ بَعضُهم بعضا، وعجزوا عن المعارضة كان الفريق الواحد أعجز، وقال غيره: بل وقع
للجن أيضا [والملائكة (٤) منويون فى الآية لأنهم لا يقدرون على](٤). الإتيان بمثل القرآن.
وقال الكِرْمَانى فى غرائب التفسير: إنما اقتصر فى الآية على ذكر الإنس (والجن) (٥)؛ لأنه
وَال كان مبعوثاً إلى الثقلين دون الملائكة. وسيأتى بسط الكلام(٦) فى ذلك فى الخصائص.
السادسة: قال القاضى أبو بكر: فإن قيل: هل يقولون فى غير القرآن من كلام الله تعالى
معجزٌ كالتوراة والإنجيل؟
قلنا : ليس شىء من ذلك بمعجز فى النظم والتأليف، وإن كان معجزا كالقرآن فيما
(١) ما بين الرقمين من م .
(٢) لفظة (كل) سقطت من الأصل وز وثبتت فى : م.
(٣) سقطت من م والسياق يقتضى [ ولكان ] .
(٤-٤) ما بين الرقمين زيادة من: م، وجاءت العبارة فى الأصل وز [وقع للجن أيضا العجز عن] وما أثبتناه أوفق للمعنى
ومناسب لما نقله عن الكرمانى بعد ذلك. وهذه العبارة فى الإتفاق جـ١٢٤/٢ .
(٥) سقطت كلمة (والجن) من م.
(٦) فى: م: (على).
٥٩٥

يتضمن من الإخبار بالغيوب ، وإنما لم یکن معجزا ؛ لأن الله تعالی لم يصفه بما وصف به
القرآن ؛ ولأنا قد علمنا أنه لم يقع التحدى إليه ، كما وقع فى القرآن ؛ ولأن ذلك اللسان لا
تأتى فيه من وجوه الفصاحة ما يقع (به (١) التفاضل الذى ينتهى إلى حد الإعجاز، وقد ذكر
ابن جنى فى الخاطريات) (١) فى قوله تعالى ﴿قالُوا ياموسى إمَّا أن تُلْقِىَ وإمَّا أنْ نَكُون أوَّلَ
مَنْ ألقَى﴾ (٢): إن العدول عن قوله: إما أنْ تُلْقِى لغرضين: أحدهما لفظى وهو المُزاوجة
لرءوس الآى. والآخر معنوى وهو أنه سبحانه وتعالى أراد أن يخبر عن قوة (أنفس)(٣)
السحرة واستطالتهم على موسى فجاء عنهم بلفظ أتمَّ وأوفى منه فى إسنادهم الفعل إليه، ثم
أورد سؤالا : وهو أنا نعلم أن السحرة لم يكونوا أهل لسان فيذهب بهم المذهب من صنعة
الكلام (٤)، وأجاب : بأن جميع ما ورد فى القرآن حكاية عن غير أهل اللسان من القرون
الخالية إنما هو مُعْرِبٌ عن معانيهم - وليس بحقيقة ألفاظهم . ولهذا لا يشك فى أن قوله
تعالى ﴿إِنْ هَذانٍ لساحران يُرِيدَانِ أنْ يُخرجاكُم مِن أرْضِكُمْ بِسِخْرهمَا وَيَذْهَبًا بِطَريقتكم
المُثْلَى﴾ (٥) إن هذه الفصاحة لم تجر على لغة العجم (٦).
فى بيان غريب ما سبق
السابعة :
الخُطَباء : بالمد جمع خطيب وهو الحسن الخطبة وهو الكلام المنثور المسجع .
القرّن: [ بفتح القاف والراء ] : الحبل.
المرصعة : العذبة القريض .
الأسجاع : (من السجع)(٧).
اليمّ: [ البحر الذى لا يدرك قعره ولا شطاه، وكذا لجة البحر] (٨) كما قال الليث
ويطلق على مجتمع الماء عامة .
(١) ما بين الرقمين ثابت فى م. وسقط من غيرها، وهو موافق لما نقله المؤلف عن السيوطى فى الإتقان جـ ٢ / ١٢٤.
(٢) سورة طه الآية ٦٥ .
(٣) هكذا فى م. وجاءت فى الأصل وز [ نفس ] .
(٤) سقطت من م وثابتة فى غيرها .
(٥) سورة طه : الآية : ٦٣ .
(٦) انظر فى مجموع هذه الفوائد تجدها فى الإتقان للسيوطى جـ ٢ / ١٢٤ - ١٢٥.
(٧) لم يفسرها المؤلف وتفسيرها من اللسان .
(٨) ما بين القوسين تفسير الكلمة من لسان العرب ولم يفسرها المؤلف.
٥٩٦

ذَرابة اللسان : من ذَرِب ککتف : حدته .
الألباب : جمع لب بضم اللام والموحدة : العقل .
تلهج : [ تثنى عليه ](١) .
تنهج : [ تسلك به طريقا واضحا ](٢).
الصناعة : أفانين الكلام .
الغريزة: [ الفطرة التى خلق عليها الإنسان ](٣).
المآرب : كمفاعل : جمع مأرب : الحاجة .
الشحم : [ما ابيض وخف من لحم الحيوان، ويقال هو الدهن ](٤).
سمط اللآلىء : [ الخيط ما دام اللؤلؤ منتظما فيه ] (٥).
أصون : [أحمى وأحفظ ] (٦).
الإحَن : [الأحقاد من الإحنة ] (٧).
الجَعْد البنان: [يطلق على قصير الأصابع: ذم ومدح ](٨).
الحَيْن : ( بفتح الحاء المهملة والتحتية [ الساكنة ] : الهلاك .
الرِّجس : ( براء مكسورة فجيم ساكنة ) : النجس
العِيُّ: ( بعين مهملة مكسورة ) : العجز .
(١) ما بين القوسين تفسير للكلمة من لسان العرب ولم يفسرها المؤلف.
(٢) ما بين القوسين تفسير للكلمة من لسان العرب ولم يفسرها المؤلف.
(٣) ما بين القوسين تفسير للكلمة من لسان العرب ولم يفسرها المؤلف.
(٤) ما بين القوسين تفسير للكلمة من لسان العرب ولم يفسرها المؤلف.
(٥) ما بين القوسين تفسير للكلمة من لسان العرب ولم يفسرها المؤلف.
(٦) ما بين القوسين تفسير للكلمة من لسان العرب ولم يفسرها المؤلف.
(٧) ما بين القوسين تفسير للكلمة من لسان العرب ولم يفسرها المؤلف.
(٨) ما بين القوسين تفسير للكلمة من لسان العرب ولم يفسرها المؤلف.
٥٩٧

الغَيّ : ( بغين معجمة مفتوحة فمثناة تحتية مشددة ) ضد الرشد .
الزَّرِي : ( بزاى فراء ) : الحقير .
الخطل : [ سوء الرأى ](١).
الكلال : [ التعب والضعف بعد قوة](٢).
العِي : التعب .
الوَرهاء : ( بواو مفتوحة فراء ساكنة فهاء ممدودة) الحمقاء .
شذَّ به : ( بشين وذال معجمتين فموحدة ) : سوَّه .
لَبْس : (بلام مفتوحة فموحدة فمهملة ) اختلاط .
الخَبْلَ : ( بخاء معجمة وموحدة ساكنة) الفساد وبفتحها ( الجنون) .
أمرَّتْ: ( بهمزة وميم مفتوحتين وراء مشددة) صار ماؤها مُرًّا .
وأعمى بصير العين بالتفل : يعنى أن مسيلمة تفل فى عين فَعَمِيتْ ، والتفل ( بمثناة
مفتوحة وفاء محركة ) البصاق .
(١) ما بين المعقوفين تفسير للكلمة من لسان العرب ولم يفسرها المؤلف.
(٢) ما بين المعقوفين تفسير للكلمة من لسان العرب ولم يفسرها المؤلف.
٥٩٨

الباب الثالث
فى سؤال قريش رسول الله وَ﴿ أَنْ يريهم
آية فأراهم انشقاق القمر
قال الله سبحانه وتعالى ﴿اقْتَرَبَت السَّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾(١). والمراد وقع انشقاقُه،
ويؤيده قوله تعالى ﴿وإنْ يَرَوْا آيَةٌ يُعْرِضُوا ويَقُولُوا: سِحْر مستمر﴾ (٢) فإن ذلك ظاهر فى أن
المراد وقوعُ انشقاقِه؛ لأن الكفار لا يقولون ذلك فى يوم القيامة. وإذا تبين أن قولَهم ذلك إنما
هو فى الدنيا تبيَّنَ وقوع الانشقاق، وأنه المراد بالآية التى أدَّعَوْا أنها سحر.
وفى صحيح البخارى أن عبد الله بن مسعود كان يقول: خمس قد مضین: الروم،
[واللزام](٣)، والبطشة (٤)، والدخان، والقمر.
وقد وردت قصة انشقاق القمر من حديث ابن مسعود - ورواه الإمام أحمد، والشيخان،
وابن جرير، وأبو نعيم من طرق متقاربة أدخلت بعضها فى بعض: إن بعضَ أهل مكة: قال
ابن عباس - كما عند أبى نعيم - منهم الوليد بن المغيرة، وأبو جهل بن هشام، والعاصى بن
وائل، والأسود بن عبد المطلب، والنضر بن الحارث، ونظراؤهم، فَسألوا رسولَ الله وَ﴿ أن
يُرِيَهم آيةً فقالوا: إن كنتَ صادقا فاشْقُق لنا القمرَ فِرْقتين: نِصفا على أبى قُبَيْس ونصفا على
قُعَيْقعان - [(٥)فقال لهم النبي ◌َّ إن فعلت تؤمنوا ؟ قالوا: نعم - وكانت ليلة بدر - فدعا
رسول الله ◌َ ليهِ رَبَّه أن يعطيه ما سألوا. فأمسى القمر قد مَثَلَ نصفًا على أبي قبيس ونصف على
قعيقعان _ ورسول الله ﴿ لا ينادى: اشهدوا](٥)، اشهدوا. فنظر الكفار، ثم قاموا
(١-٢) سورة القمر: (١-٢).
(٣) حرفت فى جميع النسخ فجاءت: الروم والروم فى م وغير واضحة مختلطة الحروف فى الأصل و(ز) والتصويب من
صحيح البخاری جـ٢٢٦/٢ حديث ٩١٠.
(٤) قال النووى فى شرحه على صحيح مسلم: اللزام المراد به قوله: فسوف يكون لزاما أى يكون عذابهم لازما، قالوا:
وهو ما جرى عليهم يوم بدر من القتل والأسر، وهى البطشة الكبرى - والمراد بآية الروم مدلولها وموعودها من نصر أهل
الكتاب (الروم) على المجوس (الفرس) وهو ما ذكر فى أوائل سورة الروم، ويفسر الدخان ما ورد فى صحيح البخارى
جـ٢ / ٢٥٥ حين رأى النبى من الناس إدبارا فقال: اللهم سبع كسبع يوسف، فأخذتهم سنة حصَّت كل شىء حتى
أكلوا الجلود والميتة والجيف، وينظر أحدهم إلى السماء فيرى الدخان من الجوع، حتى جاء أبو سفيان وناشد النبى
الرحم، وطلب منه الدعاء، فنزل قوله تعالى ﴿فارتقب يوم تأتى السماء بدخان مبين﴾ إلى قوله: ﴿عائدون﴾ (سورة
الدخان: الآیات ١٠-١٥).
(٥ - ٥) ما بين الرقمين من الدر المنثور في التفسير المأثور للسيوطى ٦ : ١٧٧ .
٥٩٩
۔
- -

بأبصارهم فَمَسَحُوها ، ثم أعادوا النظر فنظروا ، ثم مسحوا أعينهم ، ثم نظروا؛ فقالوا: سَحَر
محمدٌ أعْيَُّنَا، فقال بعضهم لبعض: لئن كان محمدٌ سَحَرَّنا ما يستطيع أن يَسْحَر الناسَ
كلهم؛ فانظروا إلى السُّفَّار فإن أَخْبَروكم أَنَّهم رَأَوْا مِثْلَ ما رأيتُم فقد صَدقَ؛ فقد كانوا يَتَلَقَّوْنَ
الركبان فيخبرونهم أنهم قد رأَوْه فيكذِّبُونهم، فأنزل الله عزّ وجلّ ﴿اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وانْشَقَّ
القَمَرُ﴾ (١).
* * *
تنبيهات
الأول: لم ينشق القمر لأحد غير نبينا أمَّ .
الثانى: وقع فى بعض الروايات عن أنس: فأراهم انشقاق القمر مرتين - رواه الإمام أحمد .
ومسلم(٢)، قال الحافظ ابن كثير: وفى ذلك نظر. والظاهر أنه أراد فرقتين .
وتكلم ابن القيم على هذه الرواية فقال: المرتان يراد بهما الأفعال تارة والأعيان أخرى.
والأول أكثر من الثانى. انشق القمر مرتين: أى شقتين وفرقتين، وقد خفى على بعض الناس
فادعى أن انشقاق القمر مرتين، وهذا مما(٣) يعلم أهل الحديث والسير أنه غلط.
قال البيهقى: قد حفظ ثلاثة من أصحاب قتادة أى: [وهم] (٤) سعيد وعمير بن راشد
والحافظ، لكن اختلف كل منهم فى هذه اللفظة. ولم يختلف على شعبة وهو أحفظهم. لم
يقع فى شىء من طرق حديث ابن مسعود بلفظ مرتين إنما فيه فِرْقَتَيْنِ أو فَلْقَبِتَيْنِ بالراء واللام.
كذا فى حديث ابن عمر: فلقتين، وفى حديث جبير(٥) بن مطعم: فرقتين، وفى لفظ عنه -
(١) أخرجه البخارى فى صحيحه جـ٦٨/٦ -٦٩ - فى كتاب المناقب باب سؤال المشركين أن يريهم النبى ◌َيّ آية فأراهم
انشقاق القمر. حديث ٣٢٥١، ومثله عن أنس برقم ٣٢٥٢، وعن ابن عباس حديث ٣٢٥٣، وتكرر بهذه الأسانيد
فى باب انشقاق القمر برقم ٣٤٢٨ عن ابن مسعود.
وأخرجه مسلم فى كتاب صفة القيامة والجنة والنار - باب انشقاق القمر جـ١٧ ص١٤٣ - ١٤٤-١٤٥، ونقله ابن سيد
الناس فى عيون الأثر جـ ١ /١٤٩ عن أصحاب السنن والصحاح كالبخارى والترمذى.
(٢) صحيح مسلم بشرح النووي جـ ١٧ / ١٤٣ ..
(٣) زادت [لا] قبل كلمة [يعلم] فى جميع النسخ، وزيادتها تفسد المعنى المراد.
(٤) فى جميع النسخ: هو، وهو تصحيف واضح.
(٥) فى م: جابر وهو خطأ واضح سهو من الناسخ.
۔
٦٠٠
٠ -
١