النص المفهرس

صفحات 401-420

الباب الرابع
فيما كان يقوله صلى الله عليه وسلم إذا أصبح ، وإذا أمسى
روى مُسَدِّد(١) والإِمام أحمد والنَّسَائى(٢) فى اليوم والليلة(٣) برجال ثقات عن عبد الرحمن
ابن أَبْزَى(٤) رضى الله تعالى عنه قال: كان رسول الله/ صلى الله عليه وسلم إذا أصبح قال: ١٩٨
أصبحنا على فطرة الإِسلام ، وكلمة الإِخلاص ، ودين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ،
وملة أبينا إبراهيم عليه السلام ، حنيفاً مسلما ، وما أنا من المشركين .
وروى عَبْد بن حُمَيد عن عبد الله بن أَبِى أَوْفَى رضى الله تعالى عنه قال : رأيت رسول "
الله صلى الله عليه وسلم إذا أصبح قال : أَصبحنا وأصبح الملك لله ، الكبرياء والعظمة
والخلق والليل والنهار ، وما سكن فيها لله تعالى ، وحده لا شريك له ، اللهم اجعل هذا
النهار أوله فلاحا، وأوسطه صلاحا ، وآخره نجاحا، وأسألك خير الدنيا وخير الآخرة.
وروى مُسَدَّد برجال ثقات عن عبد الله بن سعيد قال : سمعت أبى يقول : إِن رسول الله
صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا أصبح : اللهم بك أصبحنا ، وبك أَمسينا ، وبك نحيا ،
وبك نموت ، وإليك النُّشُور ، وإذا أمسى قال : اللهم بك أمسينا ، وبك أصبحنا ، وبك نحيا ،
وبك نموت ، وإليك النشور .
وروى أبو يَعْلى عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
كان يدعو بهذه الدعوات إذا أَصبح، وإذا أمسى : اللهم إنى أعوذ(٥) بك من فُجَاءَة
الخير ، وأعوذ بك من فُجَاءَة الشَّر .
(١) عن مسدد انظر ص ٣٣٨.
(٢) عن النسائى انظر ص ٣٥٢.
(٣) يقول الذهبى فى تذكرة الحفاظ إن هذا الكتاب لابن السنى لا للنسائى انظر ٩٣٩/٣، وعن ابن السنى انظر ص ٢٤٣.
(٤) هو عبد الرحمن بن أبزى الخزاعى مولاهم: انظر الإصابة ٣٨٨/٢ وص ٤٠٢.
(٥) فى م، ت: اللهم إنى أسألك من فجاءة الخير: والتصحيح من ص ٤٠٢.
- ٤٠١ -
(٢٦ - سبل الهدى والرشاد ج ٧ )

وروى الإمام أحمد برجال الصحيح عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول
إذا أصبح : اللهم بك أصبحنا ، وبك أمسينا ، وبك نحيا ، وبك نموت ، وإليك المصير .
وروى البَزَّار بسند حسن عن عائشة رضى الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم كان يقول إذا أصبح: أَصبحنا والملك والحمد لله، لا شريك له، لا إِلّه إلا هو ،
وإليه المصير .
وروى الطبرانى عن عائشة رضى الله تعالى عنها قالت : كنت أَسمع رسول الله صلى الله
عليه وسلم إذا أدركه المساءُ فى بيتى يقول: أَمْسَيْنا وأمسى الملكُ الله، والحمد والحَوْلُ
والقوة والسلطان فى السموات والأرض ، وكل شئ لله رب العالمين ، اللهم بك أصبحنا ،
وبك أمسينا ، وبك نحيا ، وبك نموت ، وإليك النشور .
وروى أيضاً عن البراء بن عَازِب رضى الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله صلى الله
عليه وسلم يقول إذا أصبح وأمسى : أَصبحنا وأصبح الملك لله لا إله إلا هو وحده لا شريك
له ، اللهم إنا نسألك خير هذا اليوم ، وخير ما بعده ، ونعوذ بك من شر هذا اليوم ،
٩٨ ب وشر ما بعده ، اللهم إنى أعوذ بك من شر الكِبْر / وأعوذ بك من عذاب النار .
وروی أیضاً عبد الله بن أپی أَوْفَی رضی الله تعالى عنه قال : كان رسول الله صلی الله
عليه وسلم يقول إذا أصبح : أَصبحت وأصبح الملك لله تعالى ، والكبرياء والعظمة والخلق
والنهار والليل وما سكن فيهما لله وحده ، لا شريك له ، اللهم اجعل أول هذا النهار
فلاحا ، وأوسطه صلاحا ، وآخره نجاحا ، أسألك خير الدنيا والآخرة ، يا أرحم الراحمين .
وروى أبو يَعْلى (١) عن أنس رضى الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان
يدعو بهذه الدعوات إذا أصبح وإذا أمسى: اللهم إنى أعوذُ بك من فُجَاءَة الخير ،
وأعوذ بك من فجاءة الشر .
وروى الإمام أحمد والطَّبَرانى برجال الصحيح عن عبد الرحمن بن أَبْزَى(٢) أن رسول
(١) عن أبي يعلى انظر ص ١٤٨.
(٢) انظر عن عبد الرحمن بن أبزى ص ٤٠١ .
- ٤٠٢ -

الله صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا أصبح وإذا أمسى : أَصبحنا على فطرة الإِسلام ،
وأمسينا على فطرة الإِسلام ، وعلى كلمة الإخلاص ، وعلى دين نبينا محمد صلى الله عليه
وسلم ، وعلى ملة أبينا إبراهيم عليه السلام . حنيفا مسلما ، وما كان من المشركين .
وروى الطبرانى عن أبى أُمَامَة الباهلى رضى الله تعالى عنه قال : كان رسول الله صلى
الله عليه وسلم إذا أصبح وأمسى دعا بهذا الدعاء: اللهم إنك أَحَقُّ من ذُكِر، وأَحَقٌ
من ◌ُبِد، وأَنْصَر من ابْتُفِى، وأَرأَف من مَلَك، وأَجودُ من سُئِل، وأَوسعُ من أَغْطَى،
أَنت الملكُ لا شريكَ لك ، والفردُ لا يَهْلِك، كل شئ هالك إلا وجهك، لن تطاع إلا
بإذنك ، ولن تُعْصى إلا بعلمك، تطاع فَتَشْكُر، وتُعْصَى فَتَغْفِرِ ، أَقْربُ شَهِيد ، وأدنى
حفيظ ، حُلْتَ دون التَّصَوُّر، وأخذت بالنَّوَاصِى، وكتبت الآثار ، ونسخت الآجال ،
القلوب لك مُفْضِيَة، والسِّرُّ عندك علانية، الحلال ما أَحْلَلْت، والحرام ما أَخْرَمْت ،
والدين ما أَشرعت، والأمر ما قَضَيْت، والخلق خَلْقُك ، والعبد عبدك، وأَنت الله رءُوف
رحيم ، أسألك بنور وجهك الذى أَشرقت به السموات والأرض ، بكل حق هُوَ لَك ،
وبحق السائلين عليك ، أن تقبلنى بهذه القراءة ، أَو فى هذه العِيشة ، وأن تجيرنى من
النار بقدرتك .
وروى أيضاً عن على رضى الله تعالى عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
إذا أمسى قال : أَمسينا وأمسى الملك لله الواحد القهار ، الحمد لله الذى ذهب بالنهار ،
وجاءً بالليل ونحن فى عافية ، اللهم هذا خلقك قد جاءَ ، فما عملت فيه من سيئة
فتجاوز عنها ، وما / عملت فيه من حسنة فتقبلها ، وضَعِّفْها أضعافاً مضاعفة ، اللهم ٩٩ ١
إنك بجميع حاجتى عالم ، وإنك على نجحها قادر ، اللهم أنجح الليلة كل حاجة لى ،
ولا تزدنى فى دنياى ، ولا تنقصنى فى آخرتى ، وإذا أَصبح قال : مثل ذلك والله أعلم .
- ٤٠٣ -

جُمَّاع أبواب سيرته
صَلى الله عليه وسَلم
فى الرؤيا، وذكر بعض منامَاته

الباب الأول
فى تقسيمه صلى الله عليه وسلم الرؤيا ، وأن الرؤيا الصالحة من أجزاء النبوة ، وأنها
من المُبَشِّرات ، وما يتعلق بالرؤيا من الآداب .
وفيه أنواع :
النوع الأول: فى تقسيمه [ الرؤيا] صلى الله عليه وسلم .
روى الإِمام إسحاق(١) عن أبى قَتَادَة (٢) رضى الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم يقول : الرؤيا على ثلاثة منازل ، منها ما يحدث المرء نفسه وليس
بشىءٍ ، ومنها ما يكون من الشيطان ، فإذا رأى شيئاً يكرهه فليستعذ بالله من الشيطان ،
وليبصق عن يساره ، فإنها لن تضره من بعد ذلك ، ومنها بشرى من الله تعالى ، ورؤيا المسلم
جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة ، فليعرضها على ذى رأى ناصح ، فليقل خيرا ،
وليتأُولِه خيرا، فقال عوف بن مالك : إذا كانت حصاة واحدة من عدد الحصى لكانت
كثيرا ، ورواه الشيخان من طريق باختصار ، وفى هذا السياق زيادة ليست عندهم ، ولا عندهم
قول عوف .
وروى الإمام أحمد والشيخان وأَبو داود والنِّرْمِذى وابن مَاجَة عن أبى هريرة رضى الله
تعالى عنه ، والإِمامان مالك وأحمد ، والشيخان وابن ماجة عن أنس رضى الله تعالى عنه ،
والإِمام أحمد والشيخان عن عُيَادة بن الصَّامِت رضى الله تعالى عنه، والإمامان مالك وأحمد
والبخارى وابن ماجة عن أبى سعيد رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
رؤيا الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة .
(١) هو الإمام: إسحاق بن ابراهيم بن حبيب شيخ البزار .
(٢) أبو قتادة هو الحارث أو عمرو أو النعمان بن ربعى الأنصارى فارس الرسول: انظر عنه الإصابة ١٥٨/٤.
- ٤٠٧ -

وروى الإمام أحمد عن ابن عباس ، والإِمام أحمد ، ومسلم ، وابن ماجة عن ابن عمر
رضى الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : الرؤيا الصالحة جزء من سبعين
جزءاً من النبوة .
النوع الثانى : فى أَن الرؤيا الصالحة من المبشرات .
٩٩ ب
روى الإمام أحمد عن أبى الطُّفَيْل(١) والإِمام/ مالك والبخارى وأبو داود عن أبى
هريرة ، والإِمام أحمد والتُّرْمِذى عن أنس، وابن ماجة عن ابن عباس ، والإِمام أحمد
عن عائشة ، والإِمام أحمد عن ابن عمر والبَزار رضى الله تعالى عنهم أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال : الرسالة والنبوة قد انقطعت فلا رسول بعدى ولا نبى ، لكن المُبَشِّرات
قالوا : يا رسول الله وما المُبَشِّرَات ؟ قال : الرؤيا الحسنة الصالحة يراها الصالح أو
نُری له .
النوع الثالث : فى تحذيره صلى الله عليه وسلم من الكذب فى الرؤيا .
روى ابن أبى شَيْبة، والإِمام أحمد عن وَاثِلَة بن الأُسْفَع رضى الله تعالى عنه قال :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن من أعظم الفيراء من يقول علىّ ما لم أقل ، ومن
أرى عينيه فى النوم ما لم تريا ، ومن ادعى إلى غير أبيه .
النوع الرابع : فى أمره صلى الله عليه وسلم من رأى رؤيا يكرهها ما يقوله ويفعله .
روى ابن ماجة عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم : إذا رأى أحدكم رؤيا يكرهها فليتحول عن يساره ، وليسأَّل الله تعالى خيرها ،
وليتعوذ بالله تعالى من شرها .
وروى ابن أَبِى شَيْبة والإِمام أحمد عن أنس رضى الله تعالى عنه أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال : إن للرؤيا كُنّى ، ولها أسماء ، فكنوها بكناها ، واعتبروها بأسمائها ،
والرؤيا لأول عابر .
(١) هو عامر بن واثلة بن عبد الله بن عمرو بن جحش الكنافى ت ١٠٠ هـ الإصابة ١١٣/٤.
- ٤٠٨ -

النوع الخامس: فى أمره صلى الله عليه وسلم بقص الرؤيا على عالم أو ناصح أو لبيب ،
وأنها على رِجْلٍ طائر .
روى ابن ماجة عن أبى رَزِين(١) العُقَيْلى رضى الله تعالى عنه عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال : الرؤيا معلقة برجل طائر ما لم يحدث بها صاحبها ، فإذا حدث بها
وقعت ، فلا تُحدث بها إلا عالماً، أو ناصحاً أَو لبيباً ، وفى لفظ أو ذا رأى .
( ١) انظر ص ٢١٩ .
- ٤٠٩ -

الباب الثانى
فيما عبر صلى الله عليه وسلم من الرؤیا ، أو عبر بين يديه وأقره
روى ابن أبى شَيْبة والإِمام أحمد وأحمد بن مَنِيع وعَبْدُ بن حُمَيد والحارث والنَّسائى
فى الكبرى ، وابن حِبّان عن خُزيمة بن ثابت الذى جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم
شهادته بشهادة رجلين رضى الله تعالى عنه أنه رأى فى النوم كأنه يسجد على جبين ،
- وفى لفظ - جبهة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
إن الروح [ لا تلقى الروح ] (١) فأقنع(٢) رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه، وفى لفظ فاضطجع
٢١٠٠ له رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره فسجد / من خلفه ، وقال : صدق رؤياك فسجد على
جبهة النبى صلى الله عليه وسلم .
وروى الإمام أحمد والشيخان عن ابن عمر رضى الله تعالى عنهما قال : كان رجل
فى حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأى رؤيا قصها على النبى صلى الله عليه وسلم ،
و کنت غلاماً شاباً عَزَبا أُنام فى المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وروى أبو يَعْلى والإِمام أحمد من طريق ابن لَيعة(٣) عن عبد الله بن عمرو رضى الله
تعالى عنهما ، أنه رأى فى المنام كأن فى إحدى أصبعيه عسلا، وفى الأُخرى سمنا ، فكان
يلعقهما بإصبع ، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم قال : إن عشت تقرأ الكتابين
التوراة والفرقان ، فكان يقرؤهما .
(١) هذه الزيادة من مسند الإمام أحمد ٢١٤/٥ - ٢١٥ وهى مكتوبة هكذا فى المسند المذكور ولعل الصواب أن تكتب
هكذا : لتلّى .
(٢) أقنع رأسه : رفعه وأقبل بطرفه إلى ما بين يديه: اللسان، وانظر تاج العروس.
(٣) عن ابن لهيعة: انظر ص ٢٦٥.
- ٤١٠ -

وروى ابن السّكّن الحَرْانى والطبرانى من طريق سليمان بن عطاء القريشى الحَرّانى
عن سَلَمة بن عبد الله الجُهَنِى ، قال الحافظ فى الإصابة : فى إسناده ضعف ، عن ابن زمْل
واسمه عبد الله، وقيل عبد الرحمن وقيل الضحاك(١) الجُهَنى رضى الله تعالى عنه قال:
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى قال - وهو ثان رجله .. : سبحان الله وبحمده،
وأستغفر الله ، إن الله كان توابا ، سبعين مرة ، ثم يقول : سبعين بسبعمائة ، لا خير
فيمن كانت ذنوبه فى يوم واحد أكثر من سبعمائة ، ثم يستقبل الناس بوجهه ، وكان
يعجبه الرؤيا ، ثم يقول : هل رأى أحد منكم شيئا ؟ فقال ابن زِمْل فقلت : أنا يا نبى
الله، قال : خير تَلْقَاه، وشر تُوقَاه، وخَيْرٌ لنا، وشَرُّ لأعدائنا، والحمد لله رب العالمين،
اقصص رؤياك فقلت: رأيت جميع الناس على طريق رَحْبٍ (٢) سَهْلٍ لاحب (٢)، والناس
على الْجَادَّة منطلقين ، فبينما هم كذلك إذا أَنا بذلك الطريق على مَرْج لم تر عينى مثله ،
يَرِفَّ(٣) رَفِيفاً، يقطر ماؤه، فيه من أنواع الكلأ، فكأَّنى بالرَّعْلَة الأولى حين أَشنفوا (٤)
على المَرْجِ كَبّروا ، ثم أَكَبّوُا رواحِلَهم فى الطريق، فمنهم المَرْتع ، ومنهم الآخذ
الضُّغْت ، ومضوا على ذلك ، ثم قدم عظم الناس ، فلما أَشفوا على المَرْج كبروا ، وقالوا :
هذا خير المنزل ، وكأنى أنظر إليهم يميلون يمينا وشمالا ، فلما رأيت ذلك لزمت الطريق
حتى آتَى أَقْصَى المَرْج، فإذا بك يا رسول اللّه على منبر فيه سبع درجات ، وأنت فى
أعلاها درجة، وإذا عن يمينك رجل آدَمُ مُسَبِّل أَقْنَى، إذا هو يتكلم يفرع الرجال طولا
وإذا عن يسارك رجل ربعة نار أحمر كثير خِيْلَان الوجه، كأَما عمّم شعره بالماء ، إذا
هو تكلم أصغيتم له إكراماً له ، وإذا أمامكم رجل شيخ أشبه الناس بك خَلْقاً ووجهاً ،
كلكم تؤمونه تريدونه ، وإذا أمامه نَاقَةٌ عَجْفَاءِ(٥) شَارِف، فإذا بك أنت يارسول الله ،
كأَنك / تبعثها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما ما رأيت من الطريق السهل ١٠٠
(١) يقول صاحب الإصابة: إن إطلاق اسم الضحاك عليه خطأ، لأن الضحاك بن زمل رجل آخر من أتباع التابعين:
٠٣١١/٢
(٢) رحب: واسع، لاحب: متصل: انظر لسان العرب .
(٣) يرف رفيفاً: كثير النعيم .
.
(٤) أشفوا : أثرفوا .
(٥) الشارف: الناقة العالية السن: الفائق ٢٣٥/٢.
- ٤١١ -

الرحب اللاحب فذاك ما حملتكم عليه من الهَدْى الذى أنتم عليه ، من الهدى(١) الذى أنتم
عليه ، وأَما المَرْج الذى رأَيت فالدنيا وغَضَارةُ عيشتها ، مضيت أَنا وأصحابى لم نتعلق
منها بشىءٍ ولم تتعلق منا ولم نُرِدْها ولم تُرِدْنا، ثم جاءت الرَّعْلة الثانية من بعدنا ، وهم
أكثر أضعافاً، فمنهم المُرْتِعُ، ومنهم الآخذ الضُّغْث، ونجوا على ذلك ، ثم جاءَ عظم
الناس فمالوا على المَرْج يميناً وشمالا، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، وأَما أَنت فمضيت على
طريقة صالحة، فلم تزل عليها حتى تلقانى، وأما المنبر الذى رأيت فيه سبع درجات وأنا
فى أعلاها درجة، فالدنيا سبعة آلاف سنة، وأَنا فى آخرها. أَلفا، وأما الرجل الذى رأيت
عن يمينى الآدَمَ المُسَبِّل(٢) فذاك موسى بن عِمْران عليه السلام، إذا تكلم يعلو الرجال
بفضل. كلام الله تعالى إياه، والرجل الذى رأيت عن يسارى التار(٣) والرَّبْعَة (٤) الكثير خِيْلاَن(٥)
الوجه فذاك عيسى بن مريم عليهما السلام ، نكرمه لإكرام الله تعالى إياها ، وإِن الشيخ
الذى رأيته أشبه الناس [ بى ] خَلْقاً ووجهاً، فذاك أبى إبراهيم عليه السلام ، كلنا
نَوُّمِه ونقتدى به، وأَما الناقة التى رأيتَها ورأيتَنى أَبعثها فهى الساعة علينا تقوم ،
لا نبى بعدى ولا أُمة بعد أُمتى (٦).
تنبيه : فى بيان غريب ما سبق :
رحب : براء مفتوحة فحاء مهملة ساكنة فموحدة : الواسع .
السَّهل : بسين مهملة مفتوحة فهاء ساكنة فلام هنا : ضد الحَزْن .
اللاحب : بلام فألف ساكنة فمهملة فموحدة : الواضح .
الجَادَّة: بجيم فأَلف، فدال مهملة مفتوحة مشددة ، فتاء تأنيث: السَّوَاء والوسط .
(١) لعل التكرار هنا من الناسخ .
(٢) المسيل : الطويل الحمية.
(٣) التار: الممتلىء الخالى الجوف والمعدة .
(٤) الربعة : المربوع الخلق لا بالطويل ولا بالقصير .
(٥) الخيلان: جمع خال وهو الشامة فى الجسد:
(٦) الحديث بتمامه فى صحيح الترمذى: ١٦٥/٩.
- ٤١٢ -

المَرْج: بميم مفتوحة فراء ساكنة [ فجيم ] : الموضع ترعى فيه الدواب .
يرف : بتحتية مفتوحة ، فراء مكسورة ، ففاء : كثر ماؤه .
الكلأُّ: بكاف ، فلام مفتوحتين ، فهمزة مضمومة : العُشْب ، والنبات رطبه ويابسه .
الرَّعْلَة : براء مفتوحة ، فعين مهملة ساكنة ، فلام ، فتاء تأنيث : القطعة من
الفرسان ، ويقال لجماعة الخيل رَعِيل .
أَشْفوا : بهمزة مفتوحة ، فشين معجمة ساكنة ، ففاء ، فواو : أى أشرفوا .
المُرتِع : : بميم مضمومة ، فراء ساكنة ، ففوقية مكسورة ، فعين مهملة : الذى يخلىِّ
: ركابه ترتع .
الضُّغْتُ : بضاد معجمة مكسورة ، [ فغين ] معجمة ساكنة ، فمثلثة : قبضة من
حشيش مختلط، والضَّغْث الخلط ، وأضغاث أحلام : أَى أَخلاط .
الآدم والمُسَبِّل والأَقْنَى والرِّبْعة والنار والخَيْلاَنُ: تقدم تفسيرها فى أبواب المعراج(١).
العَجْفاء : بعين مهملة مفتوحة ، فجيم ساكنة ، ففاء ، فهمزة ، بالمد : المهزولة
من الغنم وغيرها .
الشَّارِف: بشين معجمة ، فأَلف ، فراء ففاء: / الناقة المُسِنَّة .
١١٠١
الغَضَارة: بغين ، فضاد معجمتين ، فأَلف، فراء ، فتاء تأنيث : الطَّيِّب واللذة
والخصب والخير انتهى .
(١) الأقى: القنافى الأنف: طوله ودقة أرنبته مع حدب فى وسطه.
- ٤١٣ -

الباب الثالث
فى بعض مناماته صلى الله عليه وسلم
وروى أحمد بن مَنِيع (١) عن أبى أُمَامة(٢) رضى الله تعالى عنه قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : رأيتُنى أُدْخِلْتُ الجنة فسمعت خَشَفَةٍ(٣) بين يدىّ، فقلت:
ما هذا ؟ فقيل : هذا بلال ، فنظرت ، فإذا أَعالى أهل الجنة فقراء المُهَاجرين، وذّرَارى
المسلمين ، ولم أَر أَقلَّ فيها من الأغنياءِ والنساء ، فقلت: ما لى لا أرى فيها أقل من
الأغنياءِ والنساءِ ؟ فقيل لى: أَما النّساءِ فَأَلْهَاهُنَّ الأحمران: الذهب والحرير، وأَما
الأغنياء فهم هاهنا بالباب يحاسبون ، ويُمَحِّصُون ، فخرجت من أَحد أبواب الجنة
الثمانية، فجىء بكفة فوضعت فيها ، وجى بجميع أُمّى فوضِعَتْ فى كفة فرجحتُها ،
ثم جى بأبى بكر رضى الله عنه فوضع فى كفة ، وجميع أُمتى فى كفة ، فرجحها أبو بكر،
ثم جىْ بعمر رضى الله تعالى عنه فوضع فيها فرجحها ، فجعلَتْ أُمّى تمر علىَّ أَفواجا ،
حتى استبطأُت عبد الرحمن بن عوف ، فمر بى بعد الناس ؛ فقال : بأبى وأمى ، ما كدت
أَخلص إليك إلا من بعد المشاق، فقلت : لِمَ ذاك؟ قال : من كثير مالى ، ما زلت أُحاسب
بعدك وأُمَخَّص .
وروى عَبْدُ بن حُمَيد عن ابن عمر رضى الله تعالى عنهما قال : خرج رسول الله صلى
الله عليه وسلم ذات غُدوَة فقال : رأيت قبل صلاة الصبح كأنى أُعطيت المَقَاليد والموازين
فأَمَا المَقَاليد : فهذه المفاتيح ، وأما الموازين: فهى التى يوزن بها ، فوضعت فى إحدى
الكفتين ، ووضعت أُمتى فى الأُخرى ، فوزنتهم ورجحتهم ، ثم جئ بأبى بكر ، فوزن ،
(١) ابن منيع هو الحافظ أبو جعفر الأصم صاحب المسندت ٢٤٤ ه: تذكرة الحفاظ للذهبى ٤٨١/٢.
(٢) عن أبى أمامة انظر ص ١٩ .
(٣) الخشفة: الحس والحركة .
- ٤١٤ -

فوزنهم ، ثم جی بعمر ، فوزن ، فوزنهم ، ثم جى بعثمان فوزن ، فوزنهم ، ثم استيقظت
فرفعت .
وروى أبو يعْلى والبَزَّر عن أبى الطُّفَيْل (١) رضى الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال : بينا أنا أَنْزِع الليلة إذْ وردت على غنم سُودُ وعُفْر ، فجاء أبو بكر فنزع
ذَنُوباً، أَو ذَنُوبَين فيهما ضعف ، والله تعالى يغفر له ، ثم عمر فاستحالت غرباً(٢)
تملأُّ الحياض ، وأَرْوَى الوارِدَة، فلم أَر عَبْقَرِيا من الناس أحسن نزعاً منه، فأَوَّلْتُ الغنم
السود : بالعرب والعُفْر : بالعجم .
وروى ابن أبى شَيْبة برجال ثقات عن جابر بن عبد الله رضى الله تعالى عنه أَن رسول
الله صلى الله عليه وسلم قال: رأيت كأنى فى درع حَصِينة، ورأيت / بقراً تنحر ، فأولت ١٠١ ب
الدرع : بالمدينة والبقر بقر (٣) والله خير الحديث .
وروى ابن أبى شَيْبة والإِمام أحمد(٤) عن أنس رضى الله تعالى عنه أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال : رأيت فيما يرى النائم كأَنِى مُرْذِفٌ كَبْشاً، وكأَن مقبض(٥) سيفى.
انكسر ، فأَولت أَنى أَقتل صاحب الكَتِيبة ، وأَوّلت ... قال عفان كان بعد هذا شىءٌ
لا یدری ما هو (٦) .
وروى أبو يَعْلى برجال ثقات عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم رأى فى المنام أن بنى الحكم يَنْزُون على منبره فأصبح كالمتغيظ ، وقال :
(١) عن أبى الطفيل انظر ص ٤٠٨ .
(٢) الغرب : الراوية أو الدلو العظيمة .
(٣) زيادة يقتضيها السياق .
(٤) يرويه الإمام أحمد عن ابن عباس انظر مسند أحمد ٢٧١/١.
(٥) فى مسند الإمام أحمد: ((قال رأيت فى سيفى فلا فأولته فلا يكون فيكم))٠ ٢٧١/١. والفل: الثلم فى أى شىء كان
لسان العرب .
(٦) رواه الإمام أحمد فى مسنده ٢٧١/١ هكذا: تنفل رسول اللّه سيفه ذا الفقار يوم بدر، وهو الذى رأى فيه.
الرؤيا يوم أحد فقال : رأيت فى سيفى ذى الفقار فلا، فأولته فلا يكون فيكم، ورأيت أنى مردف كبشاً فأولته كبش الكتيبة
ورأيت أنى فى درع حصينة، فأولتها المدينة، ورأيت بقرا تذبح، فبقروا لله خير، فبقروا الله خير، فكان الذى قال)).
- ٤١٥ -

ما لى رأيت بنى الحكم ينزون على منبرى نَزْو الغُدَرَة قال: فما رئى رسول الله صلى الله ".
عليه وسلم ضاحكاً بعد ذلك حتى مات .
وروى الطبرانى فى الكبير(١) برجال الصحيح، والبَيْهفى فى كتاب عذاب القبر ،
والأَصبهانى(٢) فى الترغيب عن أبى أُمَامة رضى الله تعالى عنه قال: خرج علينا رسول الله
صلى الله عليه وسلم بعد صلاة الصبح فقال: إنى رأيت [ رؤيا ](٣) هى حق تعقلونها ،
أَثانى جبريل عليه السلام ، فأخذ بيدى ، فاستتبعنى حتى أَتى بى جبلا طويلا وَعْراً،
فقال لى : ارْقَ ، فقلت: نَ أَستطيع، فقال: سأُسهِّله لك ، فجعلت كلما رَقَتْ قدمى
وضعتها على دَرَجَة ، حتى استوينا ، على سَواء الجبل ، فانطلقنا ، فإذا نحن برجال ونساء
مشققة أشداقهم ، فقلت : من هؤلاء ، قال : هؤلاء الذين يقولون ما لا يعلمون ، ثم
انطلقنا ، فإِذا نحن برجال ونساء ممدودة أعينهم وآذانهم ، قلت : ما هؤلاء ؟ [ قال ] (٣):
الذين يرون أعينهم ما لا يرون ، ويسمعون آذانهم ما لا يسمعون ، ثم انطلقنا .
فإِذا نحن بنساء معلقات بعراقيبهن، مُصَوبة رءُوسُهُن ، تنهش أَثداءُ هن الحياتِ ،
فقلت : ما هؤلاء ؟ (([ قال ](٣): الذين يمنعن أولادهن من ألبانهن، ثم انطلقنا، فإذا نحن
برجال ونساء معلقات بعراقيبهن، مُصَوّبات رءُوسُهُن، يلحسن من ماء قليل وحَمْأَةُ(٤)
قلت : ما هؤلاء ؟ [ قال : ] الذين يصومون ويفطرون قبل تحلة صومهم، ثم انطلقنا
فإذا نحن برجال(٥) ونساء أَقبح شيء منظرا وأقبحه لبوسا ، وأنتنه ريحاً كأُّما ريحهم
المراحيض(٦)، قلت: ما هؤلاء ؟ [ قال : ] هؤلاء الزانون والزناة، ثم انطلقنا، فإذا نحن
بموتى أَشد شئ انتفاخاً وأنتنه ريحاً ، قلت : ما هؤلاء ؟ قال : هؤلاء موتى الكفار ، ثم
(١) عن الطبر انى انظر ص ٣٠٩.
(٢) أبو الفرج الأصبهافى هو على بن الحسين بن محمد بن الهيثم الأموى ت ٣٥٦ ه: وفيات ٣٣٤/١، وتاريخ
بغداد ٣٩٨/١١ وانظر عن مؤلفاته: هدية العارفين ٦٨١/١.
(٣) زيادة يقتضيها السياق .
(٤) الحمأة والحمأ الطين الأسود المنتن: تاج العروس.
(٥) ما بين القوسين من نسخة دار الكتب تاريخ ٤٥١١ = ٣.
(٦) بهذا الحديث أجزاء ساقطة من جميع النسخ المخطوطة ماعداً نسخة دار الكتب = ٣ تاريخ ٤٥١١، وانظر مسند
أحمد ٩/٥، ١٥.
- ٤١٦ -

انطلقنا، فإذا نحن نرى دخانا، ونسمع ◌ُوَاء ، قلت : ما هذا ؟ قال : هذه جهنم ،
فدعها ، ثم انطلقنا ، فإِذا نحن برجال نيام تحت ظلال الشجرة ، قلت : ما هؤلاء ؟
قال : هؤلاء موتى المسلمين، ثم انطلقنا، فإذا نحن بِجَوَارٍ وغلمان أحسن شئ وجها /، ٢١٠٢.
وأحسنه لبوسا، وأَطيبه ريحا ، كأن وجوههم القَرَاطِيس(١)، قلت ما هؤلاء ؟ قال :
هؤلاء الصديقون والشهداء والصالحون ، ثم انطلقنا ، فإذا نحن بثلاثة نفر يشربون
خمرا ، ويلعبون، فقلت : ما هؤلاء ؟ فقال : ذاك زيد بن حَارِثة، وجعفر(٢) ، وابن
رَوَاحَة، فملت قبلهم ، فقالوا : قُدْنَا لك ، قُدْنَا لك ، ثم رفعت رأسى ، فإِذا ثلاثة
نفر تحت العرش قلت : ما هؤلاء ؟ قال : ذاك أَبوك إِبراهيم ، وموسى ، وعيسى عليهم
السلام ، وهم ينتظرونك صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين .
وروى ابن عدى عن بكر بن سعيد بن قيس عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم : لن يدخل النار من يرانى فى المنام .
وروى الحارث مرسلا برجال ثقات عن أبى مِجْلَز (٣) رحمه الله تعالى قال: جاءَ رجل
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إنى رأيت فى المنام أن رأسى قطع ، وأنى جعلت
أنظر إليه ، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قال : بأى عين كنت تنظر إلى
رأسك إذا قطع ؟ فلم يلبث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك إلا قليلا حتى توفى ،
قال : فأَولوا قطع رأسه بموت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونظره باتباع سنته .
وروى الطَّيَالسى(٤) وأبو داود السِّجِسْتَانى والِّرمِذى عن أبى بَكْرة(٥) رضى الله تعالى
عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه الرؤيا الصالحة ، ويسأل عنها
فقال رجل : يا رسول الله، رأيت رؤيا رأيت كأَن ميزانا ثُلَّ من السماءِ ، فوزنت أَنت
(١) يشبه البياض إذا كان خالصاً بالقراطيس (الصحف) فإذا ضرب إلى الصفرة فهو نرجسى : أنظر لسان العرب.
(٢) هؤلاء شهداء غزوة مؤتة فى جمادى الأولى من السنة الثامنة من الهجرة وهم : زيد بن حارثة - متبنى الرسول،
وجعفر بن أبى طالب - ابن عم الرسول - ، والشاعر عبد الله بن رواحة .
(٣) هو أبو مجلز السدوسى لاحق بن حميد البصرى تابعى مشهور: تاج العروس ١٦/٤، وتهذيب التهذيب ٢٢٢/١٢.
(٤) عن الطيالسى انظر ص ١٧٣ ، ٣٠٧
(٥) هو أبو بكرة نفيع بن الحارث بن كلدة الثقفى ت ٥٣ ٨ : تهذيب التهذيب ٤٦٩/١٠.
- ٤١٧ -
( ٢٧ - سبل الهدى والرشاد ج ٧ )

بأبى بكر ، فرجحت ، ثم وزن أبو بكر بعمر ، فوزن أبو بكر عمر ، ثم وزن عمر بعثمان ،
فرجح عثمان ، ثم رفع الميزان فاستاءَ لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قال : خلافة
نَبَويّة ، ثم يُؤْتِى الله تعالى الملك من يشاء .
وروى البخارى عن سَمُرة بن جُنْدُب رضى الله تعالى عنه قال : قال لنا رسول الله
صلى الله عليه وسلم ذات غَدَاةٍ: إنه أَتانى الليلة آتيان، وإنهما ابْتَعَثَانى، وإِنهما قالا لى :
انطلق ، وإنى انطلقت معهما ، وإنا أتينا على رجل مضطجع ، وإذا آخر قائم عليه
بصخرة ، وإِذا هو يَهْوِى الصخرة لرأسه (١) فَيَثْلَغُ رَأْسه فيَتَدَهْده(٢) هاهنا، فيتبع الحجر ،
فيأخذه ، فما يرجع إليه حتى يصبح رأسه كما كان ، ثم يعود عليه ليفعل به مثل
ما فعل المرة الأولى قال : قلت لهما : سبحان الله ، ما هذا ؟ قالا لى : انطلق ، فانطلقنا ،
فأَتينا على رجل مستلق لقَفاه ، وإذا آخر قائم على رأسه بكُلُّوب(٣) من حديد ، وإِذا
هو يأتى أَحد شقى وجهه فيُشَرْشِر(٤) شدقه إلى قفاه، ومِنْخره إلى قفاه، وعينيه إِلى
قفاه ، ثم يتحول إلى الجانب الآخر فيفعل به مثل ما فعل بالجانب الأول ، فما يفرغ
من ذلك الجانب حتى يصبح ذلك الجانب كما كان ، ثم يعود عليه فيفعل مثل ما فعل
١٠٢ ب به فى المرة الأولى قال: قلت / سبحان الله! ما هذا ؟ قالا لى : انطلق ، انطلق ، فانطلقنا ،
فَأَتْينا على مثل التَّنُّور فإِذا فيه لَغَطِ وأَصوات ، قال : فاطَّلَعْنا فيه ، فإذا فيه رجال
ونساء عُراة ، وإِذا هم يأتيهم لَهَب من أسفل منهم، فإذا أتاهم ذلك اللهب ضَوْضَئوا
قال : قلت : ما هؤلاء ؟ قال : انطلق ، انطلق ، فانطلقنا، فأتينا على نهر أحمر مثل الدم ،
وإِذا فى النهررجل سابح يسبح ما سبح ، ثم يأتى الذى قدجمع عنده الحجارة (٥)فَيَفْغَر
له فاه ، فيُلْقِمه حجرا ، فينطلق يسبح ، ثم يرجع إليه ، كلما رجع فغر له فاه ..
فأَلقمه حجرا ، قلت : ما هذان ؟ قالا لى : انطلق ، انطلق " فانطلقنا، فأتينا على رجل
(١) يبلغ رأسه بمعنى يشدخه : لسان العرب .
(٢) يعد هذه: يدفع من أعلى إلى أسفل.
(٣) كلوب: خشبة فى رأسها عقافة منها أو من حديد الفائق ١٧٢/١.
(٤) يشرشر يعنى بقطع ويشقق لسان العرب .
(٥) فى م، ت فيسفر تحريف وفى جامع الأصول لابن الأثير ((فيغفرفاه)) ٨٦/٣، ولقد شرح المؤلف الكلمة
ص ٤٢١ على أنها فغر وهو الصحيح .
- ٤١٨ -

كريه الْمَرْآة كأكره ما أنت راء، وإذا هو عنده نارله يَحُشُّها(١) ، ويسعى حولها ، قلت
لهما : ما هذا؟ قالا لى: انطلق، فانطلقنا" فأَتينا على رَوْضَة مُعْتمة(٢) ، فيها من كل نَوْر
الربيع ، وإِذا بين ظهرى الروضة رجل طويل ، لا أكاد أَرى رأسه طولا فى السماءِ،
وإِذا حَوْل الرجل من أكثر ولدان رأيتهم قط ، قالا لى : انطلق ، فانطلقنا ، فانتهينا
إلى روضة عظيمة ، لم أر روضة قط أعظم منها ، ولا أحسن ؛ قالا لى : ارْقَ فيها ، فارتقينا
فيها ، فانتهينا إلى مدينة بلَيِنٍ من ذهب، ولَبِنٍ من فضة ، فأتينا باب المدينة ،
فاستفتحنا ، ففتح لنا ، فتلقانا فيها رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أَنت رَاءِ ،
وشطر كأقبح ما أنت راءٍ، قالا لهم: اذهبوا فقعوا فى ذلك النهر، فإِذا نهر مُعْتَرِضُ
يجرى، كأَن ماءَه المَحْضُ فى البياض ، فذهبوا فوقعوا فيه ، ثم رجعوا إلينا ، قد ذهب
السوء عنهم ، فصاروا فى أحسن صورة ، قالا لى : هذه جنة عدن ، وهذاك منزلك ، فسما
بصرى صُعُداً ، فإِذا قصر مثل الرَّبَابة البيضاء ، قالا لى : هذاك منزلك ، قلت لهما :
بارك الله تعالى فيكما ، دَعًا (٣) فى فأَدخله، قالا: أما الآن فلا، وأنت داخله ، قلت
لهما : فإنى قد رأيت منذ الليلة عجبا ، فما هذا الذى رأيت ؟ قالا لى: أما الرجل الأول
الذى أتيت عليه يَثْلَغ رأسه بالحجر ، فإنه الرجل الذى يأخذ القرآن فيرفضه ، وينام
عن الصلاة المكتوبة ، يُفَعل به إلى يوم القيامة، وأما الرجل الذى أَنيت عليه يُشَرْشِر
شِدْقه إلى قفاه " ومِنْخَره إلى قفاه ، فإنه الرجل يغدو من بيته فيكذب الكذبة تبلغ
الآفاق ، فيصنع به إلى يوم القيامة، وأَما الرجال والنساء العُراة الذين فى مثل النَّنُّور
فإنهم الزناة والزوانى ، وأما الرجل الذى أتيت عليه يسبح فى النهر ، ويأكل الحجارة ،
فإِنه آكل الربا ، وأما الرجل الكريه الْمَرْآة الذى عنده النار يَحُثُّها فإِنه مالك خازن النار ،
وأما الرجل الطويل الذى فى الروضة فإِنه إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، وأما الولدان
الذين حَوْله فكل مولود مات على الفطرة(٤) ، وأما القوم الذين كانوا شطر منهم قبيح ،
(١) يحشها : يحركها ويوقدها : لسان العرب .
(٢) معتمة وافية النبات طويلته : لسان العرب .
(٣) فى م، ت: زارانى والتصحيح من الوفا بأحوال المصطفى لابن الجوزى ٦٣٠/٢.
(٤) الفطرة : الدين أى الإسلام: انظر تاج العروس.
- ٤١٩ -

فإنهم قوم خَلَطُوا عملا صالحاً ، وآخر سَيِّئاً ، فجاوز الله عنهم، وأَنا جبريل وأُنا ميكائيل(١)
عليهما السلام .
السابع : فى بيان غريب ما سبق :
الخَشَفَة : بخاء فشين معجمتين [ففاء] / مفتوحات ، فتاء تأنيث: الحركة ، وبسكون
١١٠٣
الشين : الحس والحركة ، وقيل : هو الصوت ، وبالتحريك : الحركة ، وقيل هما.
معنى .
يُمَخَّصُون: بميم فحاء مفتوحتين ، فصاد مهملة، فواو ، فنون: أَى يُخلَصُون(٢).
العُفْرِ (٣): بضم [ العين ] المهملة ، وسكون الفاء ، وبالراء : ليست بالشديدة البياض .
النَّنُوب بذال معجمة مفتوحة ، فنون ، فواو ، فموحدة: الدلو وفيها ماءُ أَو دون
المَلْأَّى .
الغَرْب : بغين معجمة مفتوحة ، فراء ساكنة ، فموحدة الراوية ، أو الدلو العظيمة .
العبقرى : مهملة فموحدة ، فقاف ، فراء : طنافس ثمان ، قال أبو عبيدة(٤) رحمه
الله تعالى : تقول العرب لكل شئ من البسط عَبْقرى ، ويقال عَبْقَر: أَرضِ يُعْمَل فيها
الوشى ، فنسب إليها كل شئ جيد ، ويقال العبقرى : الممدوح الموصوف من الرجال
والفَرْشِ .
ينزون : بتحتية مفتوحة ، فنون ساكنة ، فزاى ، فواو ، فنون : يثبون .
الغَدْرُ : عدم الوفاء والغدر ثابت فى الدين ، زاد مسلم هو فى الحديث ، أو قاله ابن
سيرين .
(١) ذكر هذا الحديث بتمامه فى صحيح الترمذى مع اختلافات يسيرة ١٦٣/٩ - ١٦٥ ط الصاوى.
(٢) أى ينقون ويطهرون مما يشوبهم : انظر تاج العروس.
(٣) العفر: البيس بياضاً ليس بالبياض الناصع، العفرة لون الأرض، والعفرة غبرة فى حمرة انظر المعاجم
. اللغوية .
(٤) عن أبى عبيدة انظر ص ٢٤٤ .
- ٤٢٠ -