النص المفهرس
صفحات 121-140
الباب السادس عشر فى زهده فى الدنيا صلى الله عليه وسلم ، وورعه ، واختياره ، الفقر ، وسؤاله ربه تبارك وتعالى أن یکون مسکینا قال الله سبحانه / وتعالى: ([و] لا تمُكَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى مَا مَنَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُم، ٢٨ ١ زهْرَةَ الحَيَاةِ الدُّنيا لِنَفْتِنْهُمْ فيه، وَرِزْقُ رَبِّك خيْرٌ وَأَبْقَى﴾(١). وروى ابن عساكر عن عائشة رضى الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا عائشة لو شئت لسارت معى جبال الذهب . وروى أبو يَعْلى، وابن عساكر ، والشيخان، والبَيْهَقِى عن أبى هريرة رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اللهم اجعل رزق آل محمد قُوتاً . وروى ابن سعد ، والتِّرْمِذِى ، وأبو الشيخ عن أبى هريرة رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عرض عَلَىّ ربى بَطْحاءَ(٢) مكة ذهبا ، فقلت : لا يارب، ولكنى أجوع يوماً ، وأَشبع يوماً ، فإذا شبعت حمدتك ، وشكرتك ، وإذا جعت تضرعت إليك ، ودعوتك . وروى الإمام أحمد عن ابن عباس رضى الله عنهما [ قال ](٣): التفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أُحُد ، فقال: والذى نفسى بيده [ ما يسرنى ](٤) أَن أُحُداً يُحَوّل لآل محمد ذهبا ، أَنفقه فى سبيل الله، أَموت يوم أَموت ما أَدَعُ منه دينارين ، إلا دينارين أُعِدُّهُما لِدَيْنٍ إن كان. (١) سورة طه ٢٠ /١٣١. (٢) عن بطحاء مكة انظر ص ١١٣ . (٣) زيادة يقتضيها السياق. (٤) هذه الزيادة من الحديث ص ١٣٨ . - ١٢١ - وروى البَيْهقى ، وابن عساكر عن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لو عندى مثل أُحُدٍ ذهبا ما سرنى أَن يأُتّى على ثلاثُ ليال(١)، وعندى منه شىء إلا شيئاً أَرْصُده لدين . وروى البخارى ، وغيره عن أبى سعيد رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس على المنبر فقال: إن عبدا خيّره الله تعالى أَن يُؤْتِيَه من زَهْرة الدنيا وما عنده، فاختار ما عنده ، فبكى أبو بكر ، وقال : فديناك بآبائنا وأمهاتنا ، قال : فعجبنا له فقال الناس : انظروا إلى هذا الشيخ يُخْبِرُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عَبْد خُيِّرَ، وكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المُخَيَّر ، وكان أبو بكر أَعلمنا به(٢). وروى أبو ذَر الْمَرَوِى عن أُم سَلمة رضى الله عنها قالت: نام رسول الله صلى الله عليه وسلم على وسادة حشوها ليف ، فقام وقد أثر بجلده ، فبكيت فقال: يا أُمَّ سَلَمة ما يبكيك ؟ قلت : ما أرى من أثر هذه ، فقال : لا تبكى ، لو أردتُ أن تسير معى هذه الجبال لسارت . وروى عن عطاء بن يَسَار رحمه الله تعالى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أَتَتْنِى الدنيا خَضِرَة حُلْوَة ، وَرَفَعت إلى رَأْسها، وتزيَّنَت لى ، فقلت لها: إنى لا أُريدُك ، لا حاجة لى فيك ، فقالت : إنك إِن نلت منى لم يَنْفَلِتْ منى غيرك . وروى الإمام أحمد ، وابن حِبّان عن أبى هريرة ، ويعقوب بن سُفْيان وابن مَرْدَوَيْه عن ابن عباس أن جبريل جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهما ، فنظر إلى ٢٨ ب السماء، فإذا مَلك ينزل ، فقال جبريل: إن هذا مَلَك / ما نزل منذ خُلِقٍ قبل الساعة ، فلما نزل قال : يا محمد إن الله تعالى يُخَيِّرُك بين أن تكون نبياً عبدا أو تكون نبيا ملِكا ، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جبريل كالمستشير له ، فأشار جبريل (١) هذه الزيادة من ص ١٣٨. (٢) أى أعلمنا بالنبى أو بالمراد من الكلام المذكور: انظر فيه فتح البارى شرح البخارى ١٢/٨ ط ١٩٥٩ فالكلام فى حاجة إلى شىء من البسط . - ١٢٢ - إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تواضع لربك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بل أكون نبيا عَبْدا ، قال ابن عباس: فما أُكل بعد تلك طعاماً متكئاً حتى لقى ربه(١) . وروى الطَّبَرانى عن ابن عمر رضى الله عنهما قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لقد هبط علىَّ مَلَك من السماء ما هبط على نبى قبلى ، ولا يهبط على أحد بعدى ، وهو إسرافيل ، فقال : أَنا رسول ربك إليك أمرنى أن أُخَيَِّك : إن شئت نبياً عَبْدا وإن شئت نبياً مَلِكًا ، فنظرت إلى جبريل فأُوماً إلىَّ أَنْ تواضع ، فلو أَنى قلت : نبيا مَلِكا لسارت الجبال معی ذهبا . وروى البرقانى وابن أبى شَيْبة، وابن جرير ، عن خيثمة قال : قيل للنبى صلى الله عليه وسلم إن شئت أعطيناك خزائن الأرض ، ومفاتيحها ،ما لم يعط شىء قبلك ، ولا نعطيها أحداً بعدك ، ولا ينقصك ذلك مما عند الله شيئا ، وإن شئت جمعتها لك فى الآخرة ، فقال : اجمعوها لى فى الآخرة(٢). وروى ابن المبارك عن أبى أمامة رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : عرض على ربى ليجعل لى بَطْحاء مكة ذهبا ، فقلت : يارب ، ولكن أَشبع يوماً ، وأجوع يوما ، أَو قال : ثلاثة ، أو نحو هذا ، فإذا جعت تضرعت إليك ، وإذا شبعت حمدتك ، وشكرتك . وروى ابن المبارك والتِّرِذِى عن أبى سعيد رضى الله عنه قال : أَحِبّوا المساكين ، فإنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: اللهم أَخْنِنى مِسْكينا، وأَمِتْنى مسكينا ، واحشرنى فى زمرة المساكين . وروى ابن عَدِىّ عنه أيضاً قال : يا أيها الناس ، لا يحملنكم العسر على طلب الرزق. من غير ◌ِلّه ، فإنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : اللهم توَّنِى فقيرا ، (١) انظر ص ٦٤، ٦٥. (٢) انظرص ١٣٠. - ١٢٣ - ولا توفنى غنيا ، واحشرنى فى زمرة المساكين ، فإن أَشفى الأشقياء من اجتمع عليه فقر الدنيا ، وعذاب الآخرة . وروى الإِمام أحمد، وأَبو يَعْلى، وتَمَّام الرازى، وابن عساكر وأبو داود الطَّيالسى، والتِّرمِذى - وصححه - عن ابن مسعود - رضى الله عنه قال : اضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم على حصير فَأَثر فى جنبه ، فلما استيقظ جعلت أمسح عنه ، فقلت : يارسول الله أَلا آذَنْتَنَا فبسطت شيئاً يقيك منه ، تنام عليه ، فقال : ما لى وللدنيا ، ما أَنا والدنيا إلا كراكب سار فى يوم صائف ، فقال تحت شجرة ، ثم تركها . وروى الشيخان وأبو الحسن بن الضحاك عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال : دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو متكىء على رُمَال حصير(١) قد أَثر فى جنبه ، فرفعت رأسى فى البيت، فوالله ما رأيت فيه شيئا يرد البصر، إلا أُهُبُ (٢) ٢٩ أ ثلاثة معلقة، وصُبرَةً(٣) من شعير، فهملت عينا عمر فقال : مالك ؟ فقلت يا رسول / الله أَنت صَفْوة الله من خلقه، وكسرى وقيصر فيما هما فيه ؟ فجلس مُحْمَرًّا وجهه ، فقال : أَفى شك أنت يا ابن الخطاب ؟ ثم قال : أُولّئُك قوم عجلت لهم طيباتهم فى حياتهم الدنيا ، أَما تَرْضى أن تكون لهم الدنيا ، ولنا الآخرة ؟ قلت : بلى ، يارسول الله ، فأَحمد الله عزّ وجل ، زاد أبو الحسن بن الضحاك : يا عمر لو شاءَ أَن يُسَيِّرَ الجبال الراسيات معى ذهبا لسارت . وروى ابن أَبِى شَيْبة عن رجل من بنى سالم أو فيهم(٤) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أُتِى بِهَدية ، فنظر ، فلم يجد شيئاً يجعلها فيه ، فقال : ضعه فى الحضِيض ، فإنما (١) رملت الحصير وأرملته فهو مرمول ومرمل إذا نسجته والرمال مارمل أى نسج، وفى الحديث أن الرسول كان يضطجع على رمال سرير قد أثر فى جنبه وكان يجلس على رمال حصير ، ولم يكن على السرير وطاء سوى الحصير : لسان العرب ٣١٤/١٣. (٢) وفى الحديث: كان فى بيت النبى أهب عطنة أى جلود فى دباغها والعطنة المنتنة التى فى دباغها: لسان العرب ٢١٧/١، وانظر تاج العروس ١٥١/١. (٣) يقول صاحب القاموس إنها بالضم، ويقول المؤلف ص ١٥٩ إنها بالفتح. (٤) يقصد أنه إما منهم أوله ولاء فيهم . - ١٢٤ - هو عبد يأكل كما يأكل العبد ، ويشرب كما يشرب العبد ، لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سفى الكافر منها شربة ماء . وروى البخارى وغيره عن ابن عباس قال : خرج أبو بكر فى الهاجرة(١) إلى المسجد فسمع بذلك عمر فخرج ، فقال: يا أَبا بكر ما أخرجك فى هذه الساعة؟ قال : لا ، والله ما أخرجنى إلا الجوع ، فقال : أَنا والذى نفسى بيده ، ما أُخرجنى غيره ، فبينما هما كذلك إذ خرج عليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم [ فقال ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة ] ؟(٢) فقالا: الجوع فقال: أنا والذى نفسى بيده ما أُخرجنى غيره ، فقاموا ، فانطلقوا حتى أتوا باب أبى أيوب الأنصارى ، فذكر الحديث فى إتيان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأَبى بكر ، وعمر بيت أبى أيوب وذبحه لهم شاة ، وطبخه لها ، قال : فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشاة ، ووضعه على رغيف ، وقال : يا أبا أيوب أبلغ هذا فاطمة ، فإنها لم تصب مثل هذا منذ أيام . وروى مسلم عن أنس رضى الله عنه قال : رأى أبو طلحة رسول الله صلى الله عليه وسلم مضطجعاً فى المسجد يتقلب على ظهر لبطن وأظنه جائعاً وذكر الحديث(٣). وروى أبو الحسن بن الضحاك عن عائشة رضى الله عنها قالت : ما أُعْجِب رسول الله صلى الله عليه وسلم بشىء من الدنيا ، ولا أعجبه شىء من أمر الدنيا إلا أن يكون ذا تقى(٤) . وروى الإمام أحمد ، وأبو يَعلى، والبَيْهَتى بسند جيد عن أنس رضى الله عنه قال : دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على سرير مَرْمُول(٥) بالشّريط ، وتحت رأسه (١) الهاجرة نصف النهار عند زوال الشمس مع الظهر أو من عند زوالها إلى العصر لأن الناس يستكنون فى بيوتهم كأنهم قد تهاجروا : القاموس . (٢) هذه الزيادة من ص ١٦٣. (٣) انظر ص ١٦٤ . (٤) هذه العبارة غامضة بالنسخ المخطوطة، والتصحيح من مسند الإمام أحمد ٦٩/٦. (٥) مرمول أى منسوج بهذا الشريط وليس عليه وطاه . - ١٢٥ - وسادة من أَدَمٍ ، حشوها ليف ، فدخل عمر بن الخطاب فى نفر معه ، فانحرف رسول الله صلى الله عليه وسلم انخرافة، فلم ير عمر بين جَنْبَيْه وبين الشريط ثوباً ، وقد أثر الشريط بجنب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فبكى عمر ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما يبكيك يا عمر ؟ فقال : والله ما أَبكى إلا لكونى أَعلم أنك رسول الله ، أكرم على الله من كسرى وقيصر ، وهما يعيشان فى الدنيا فيما يعيشان فيه ، وأنت رسول الله بالمكان الذى أرى ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عمر أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ، ولنا الآخرة ، قال : بلى ، قال : فإنه كذلك . وروى الإمام أحمد عن ابن عباس رضى الله عنهما قال : دخل عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو متكئء على حصير قد أَثر فى جنبه ، فقال : يا رسول الله لو اتخذت ٢٩ ب فِراشاً أَحْثَرَ من هذا، فقال: مالى/ وللدنيا، ما مثلى ومثل الدنيا إلا كراكب استظل فى يوم صائف ، فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار ، ثم راح وتركها . وروى البَزَّر عن زيد بن أَرْقَم رضى الله عنه قال : كنا مع أبى بكر رضى الله عنه إذ استسقى ، فأَّى بماء وعسل ، فلما وضعه على يديه بكى وانتحب ، حتى ظننا أن به شيئا ، ولا نسأله عن شىءٍ ، فلما فرغ قلنا : يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ما حملك على هذا البكاء ؟ قال : بينما أَنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيته يدفع عن نفسه شيئا ولا أرى شيئا ، فقلت : يا رسول [ الله ] ما الذى أراك تدفع عن نفسك ، ولا أرى شيئا ؟ قال : الدنيا تطلعت(١) لى، فقلت: إليك عنى ، فقالت لى : أَما إِنك لست بمُذْرِكى ، قال أبو بكر: فشق عَلَىَ، وخشيت أَن أكون قد خالفت أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولحقتنی الدنيا . وروى الحسن بن عَرَفة فى جُزْئه(٢) المشهور ، وابن عساكر عن عائشة رضى الله عنها قالت : دخلت عَلَىّ امرأةٌ من الأنصار فرأت على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم (١) فى بعض النسخ تطولت، وتطاول بمعنى استشرف: انظر الصحاح ١٧٥٥/٥، والفائق ٣٧٠/٢. (٢) هو الحسن بن عرفة بن يزيد العبدى محدث له جزءت ٢٥٧ هـ انظر تهذيب التهذيب ٢٩٢/٢. - ١٢٦ - عباءة خشنة ، فانطلقت ، فبعثت إلى بفراش حَشْوُه الصوف ، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالَ : ما هذا يا عائشة ؟ فقلت: يا رسول الله فلانة الأنصارية دخلت ، فرأت فِراشك ، فذهبت ، فبعثت إلىّ بهذا الفِراش ، فقال : رُدِّيه ، قالت : فلم أَرُدّه ، وقد أعجبنى أن يكون فى بيتى ، حتى قال ذلك مرات، فقال: رُدِّيه يا عائشة ، فوالله لو شئت لأجرى الله معى الجبال ذهباً وفضة (١). وروى الإمام أحمد فى الزهد عن إسماعيل بن أُمَيّة قال : صنعت عائشة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فِراشين ، فأبى أن يضطجع على واحد . وروى ابن مرْدَوَيْه عن ابن مسعود، وابن مَرْدَوَيْهِ واللَّمامِينِى(٢) عن أبى الدَّرْدَاءِ، وأَبَّى ذر ، وسعيد بن منصور ، وابن المنذر عن أبى مسلم الخَولانى ، أن رسول الله صلى . الله عليه وسلم قال : ما أُوحى الله إلىَّ أَن أَجْمَعَ المال ، وأَكونَ من التاجرين ، ولكن أُوحى إِلَىَّ أَن ﴿ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ من السَّجِلِينَ، واعْبُدْ رَبِّكَ حَتَّى يَأْتِيَك اليقين﴾(٣). وروى الإمام أحمد ، وابن عساكر عن عمرو بن العاص رضى الله عنه قال - وهو يعظ : لقد أصبحتم ، وأمسيتم ترغبون فيما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزهد فيه ، والله ما أنت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة من زهده إلا كان الذى عليه أكثر من الذى له . وروى ابن حِبَّان عن عائشة رضى الله عنها قالت : اتخذت لرسول الله صلى الله عليه وسلم فِراشين حشوهما ليف وإِذْخِر فقال(٤): ياعائشة مالى وللدنيا ، إنما أنا والدنيا بمنزلة رجل نزل تحت شجرة فى ظلها ، حتى إذا فاءَ الْقَىْء ارتحل ، فلم يرجع إليها أبدا . وروى الإمام أحمد عنها قالت : ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتَّعى إلى فَرْش (١) فى بعض النسخ جبال الذهب والفضة. (٢) الدمامينى هو محمد بن أبى بكر بن عمر القرشى ت ٨٢٧ هـ: الضوء اللامع ١٨٤/٧. (٣) سورة الحجر : ٩٨، ٩٩. (٤) عن معنى اذخر انظر ص ١٣٣. - ١٢٧ - قط، إلا أنى أذكر أن يوم مَطَر أَلقينا تحته بتا (١) فكَنى أَنظر إلى خَرْق فيه ينبع منه الماء . ٣٠ ١. وروى / سعيد بن منصور عنها قالت: كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم فِراشٌ رثّ غليظ ، فأردت أن أجعل له فِراشاً آخر ليكون أَوْطاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجعلته فقال: [ ما هذا ] ياعائشة؟ فقلت: رأيت فراشك رَنَّا غليظا، فأردت أن يكون هذا أَوْطَأَ لك، فقال: أَخِّريه، اثنتين(٢)، والله لا أَقعد عليه حتى ترفعيه قال: فرفعت الأعلى الذى صنعت . ـة وروى الإمام أحمد عن ابن عباس رضى الله عنهما قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبيت الليالى المتتابعة طاوياً وأهله لا يجدون عَشاء ، وكان عامة خبزهم الشعير. وروى التِّرمِذى عن ابن مسعود رضى الله عنه قال : دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على حصير ، قد أثر الشريط فى جنبه ، فقلت : لو نمت يا رسول الله على ما هو ألين من هذا ، فقال : مالى وللدنيا ، إنما مثلى ومثل الدنيا كمثل راكب مر بأَرض فَلَاة ، فرأى شجرة ، فاستظل تحتها ، ثم راح وتركها . وروى أبو عبد الرحمن السُّلَمى عن ابن عباس رضى الله عنهما أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على حصير ، قد أثر فى جنهه ، فقال : يارسول الله لو اتخذت فراشاً ألين من هذا ، فقال : مالى وللدنيا ، إنما مثلى ومثل الدنیا کراکب سار فى يوم صائف ، حتى أتى شجرة ، ثم راح . وروى الإِمام أحمد ، والبَيْهتى فى الشُّعَب عن ثَوْبَان (٣) رضى الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر آخر عهده بإنسان من أهله ، وأول من يدخل عليه إذا (١) البت كساء غليظ مهلهل، مربع أخضر، وقيل هو من وبر وصوف، والبت ضرب من الطيالسة يسمى الساج مربع غليظ أخضر: لسان العرب والفائق ٢٢٧/١ وانظر مسند أحمد ٥٨/٦. (٢) أى قال أخريه مرتين . (٣) هو ثوبان بن مجدد ويقال ابن جحدر الهاشمى مولى الرسول: تهذيب التهذيب ٣١/٢. - ١٢٨ - قلم فاطمة ، فقدم من غزاة له ، فأُتّاها، فإذا هو بمسحُ(١) على بابها، ورأى على الحسن والحسين قُلُبَين من فِضة، فرجع ، ولم يدخل لها ، فلما رأت ذلك فاطمة ظنت أنه لم يدخل عليها من أجل ما رأى ، فهتكت الستر ، ونزعت القلبَين من الصبيين، فقطعتهما ، فبكى الصبيّان ، فقسمته بينهما ، فانطلقا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهما يبكيان ، فأُخذه صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا ثوْبَان ، اذهب بهذا إلى بنى فلان أهل بيت بالمدينة - واشتر لفاطمة قلادةً من عصب وسِوَاراً من عاج قال : هؤلاء أهل بيتى ، ولا أحب أن يأكلوا طيباتهم فى حياتهم الدنيا . وروى الإمام أحمد ، والبَيْهى فى الشُّعب ، وابن أبى حاتم والدَّيلمى عن عائشة رضى الله عنها قالت : ظل رسول الله صلى الله عليه وسلم صائماً ، ثم طوَى ، ثم ظل صائماً ، قال : يا عائشة إن الدنيا لا تنبغى لمحمد ، ولا لآل محمد، يا عائشة إن الله تعالى لم يرض من أُولى العزم من الرسل إلا بالصبر (٢) على مكروهها ، والصبر على محبوبها ، ثم لم يرض منى إلا أن يكلفنى ما كلفهم، فقال: ﴿ فاصْبِرْ كَمَا صَبرَ أُولُو الْعزم من الرسل﴾(٣) والله لأَصبرن جهدى ، ولا قوة إلا بالله . وروى الإمام أحمد، والشيخان عن أنس رضى الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليُصِيب الثَّمرة فيقول: لولا أخشى أنها من الصدقة لأَكلتها . وروى الإمام أحمد برجال ثقات عن ابن عمر / رضى الله عنهما أن رسول الله صلى ٣٠ب الله عليه وسلم وجد تمرة تحت جنبه من الليل فأكلها ، فلم ينم تلك الليلة ، فقالت بعض(٤) نسائه : يارسول الله أرِقت البارحة، قال: إنى وجدت تمرة فأكلتها ، وكان عندى تمر من تمر الصدقة ، فخشيت أن تكون منه . (١) عن معنى مسح انظر ص ١٣٣. (٢) عن أولى العزم من الرسل انظر ص ٦٨ . (٣) سورة الأحقاف: ٤٦ / ٣٥. (٤) هنا كلمة [رجاله] زائدة فى بعض النسخ. - ١٢٩ - ( ٩ - سبل الهدى والرشاد ج ٧ ) وروى الطبرانى عن ابن حازم الأنصارى رضى الله عنه قال : أُتِى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر(١) بنطع فقيل استظل به يا رسول الله فقال : أَتحبون أن استظل بينكم بظل من نار يوم القيامة . وروى الحُمَيْدى عن حبيب بن أبى ثابت عن خَيْئمة قال : قيل يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن شئت أعطيناك خزائن الدنيا ، ومفاتيحها لم نعطها أحداً قبلك ، ولا نعطيها أحداً بعدك، لا ينقصك ذلك عند الله شيئا ، فقال: اجمعوها لى فى الآخرة(٢)، فَأَزْلِ الله ﴿ تَبَارَكَ الَّذِىِ إِنْ شَاءَ جَعَل لَكَ خَيْراً مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِها الأَنْهَارُ وَيَجْعَل لكَ قُصُوراً﴾(٣). وروى ابن أَبى شَيْبة فى المصنّف عن عطاء بن يسار قال : تعرضت الدنيا للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : إنى لست أُريدك ، قالت : إن لم تردنى فسيريدنى غيرك . وروى أبو القاسم البَغَوِى عن عائشة رضى الله عنها أن امرأة أهدت لرسول الله صلى الله عليه وسلم فرْشا فأَبى أَن يقبله، وقال(٤): لو [ شئت] أن تسير معى جبال الذهب والفضة لسارت . وروى الإمام أحمد فى الزهد، وابن أبى حاتم ، والحاكم، وابن مَرْدَوَيْه ، عن أُم عبدالله بنت شَدّاد(٥) بن أوس رضى الله عنها أنها بعثت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدح لبن عند فِطْره، وهو صائم فرد إليها رسولها، أَنَّى لك هذا اللبن ؟ قالت : من شاة لى ، فرد إليها رسولها ، أَنى لك الشاة ؟ فقالت : اشتريتها من مالى ، فشرب منه ، فلما كان من الغد أنته أم عبد الله ، فقالت : يارسول الله بعثت إليك بلبن ، فرددت إلى الرسولَ فيه ، فقال لها : بذلك أمرت الرسل لا تأكل إلا طيبا ، ولا تعمل إلا صالحا ، (١) كانت غزوة بدر فى السابع عشر من رمضان من السنة الثانية من الهجرة: انظر تاريخ الأمم الإسلامية ١٠٢/١. (٢) هذا الحديث مكرر ص ١٢٣. (٣) سورة الفرقان ٢٥/ ١٠. (٤) زيادة يقتضيها السياق . (٥) اسمها أم عبد الله بنت أوس الأنصارية أخت شداد بن أوس (لابنته) الإصابة ٤٧١/٤. - ١٢٠ - ونسأل الله التوفيق ويرحم الله ((البوصيرى))(١) حيث قال : وَرَاوَدَتْه الحِبَالُ الشُّمُّ مِنْ ذهَبٍ عَنْ نَفْسِهِ فَأَرَاهَا أَيَّمَا شِمَمٍ (٢) إِنَّ الضَّرُورَةَ لَا تعْدُو عَلَى الْعُهُمِ وَأَكَّدَتْ زُهْدَه فِيهَا ضَرُورَتُهُ لوْلَاه لم تَخْرِجِ الدُّنْيَا مِنَ الْعَدَمِ وكَيْفَ تدْعُو إِلى اللُّنْيَا ضَرُورَةُ مِن تنبيه : فى بيان غريب ما سبق : الزهد : بزاى مضمومة ، فهاء ساكنة ، فدال : زهد فى الشىء تركه مع الرغبة فيه . الورع : بفتح الواو والراء: التحرِّج ليخرج من الإثم والكف عما هو قاصده(٣). الفقر : بناء مفتوحة ، فقاف ساكنة ، فراء : ضد الغنى ، والفقير : من لم يجد كفاية عياله ، أو لم يجد القوت ، والمسكين : من أذله الفقر أو غيره من الأحوال ، أو الصغير السن الذى لا حِرْفة له [ أوله حرفة ] لا تقع بحاجته موقعه، والمسكين: السائل، وله حرفة تقع موقعا ولا تغنيه، أَو الفقير: من له بُلْغَةُ (٤) والمسكين: لا شىء له ، أو هو أحسن حالا من الفقير ، أو هما سواء . القوت : بقاف مضمومة ، فواو ساكنة ، فمثناة فوقية : المُسْكَة من الرزق . زهرة الدنيا ، بزاى مفتوحة ، فهاء ساكنة ، فراء ، فتاء تأنيث : حسنها ، وبهجتها أو من / خيرها . الوسادة : بواو مكسورة ، فسين ، فدال مهملتين(٥) فمثناة فوقية: المُنَّكَأُ والمِخدَة ، وجمعها وُسُد ، ووسائد . (١) فى بعض النسخ الأبوصيرى: وهو محمد بن سعيد بن حماد بن عبد الله الصنهاجى ت ٦٩٦ ( اشتهر بقصيدته البردة - ومنها هذه الأبيات - وينتسب إلى بوصير من أعمال بنى سويف بصعيد مصر: انظر الوافى بالوفيات ١٥٠/٣،. وآداب اللغة ١٢٠/٣. (٢) الشمم: الأنفة والترفع : تاج العروس. (٣) الورع: التقوى: انظر اللسان، وتاج العروس. (٤) البلغة بضم الياء ما يتبلغ به من العيش : القاموس. (٥) هنا: الكلمتان ( فواو ساكنة ) زائدتان فى م . - ١٣١ - اللَّيف : بلام مكسورة ، فمثناة تحتية ، ففاء : ورق النخل . خُضرة (١) : بخاء مضمومة ، فضاد ساكنة معجمتين ، فراء مهملة ، فتاء : معروفة. واحدة الخُضر . حلوة : بحاء مهملة مضمومة ، فلام ساكنة ، فواو مفتوحة ، فتاء تأنيث : خزائن الأَرض ومفاتيحها . أَرْمَال حصير: الرَّمَل: نسج الحصير ، أو السرير بالسعف ، وكلاهما يؤثر فى جنب النائم من غير وِطَاء . أُهْبة : بهمزة مضمومة ، فهاء ساكنة ، فموحدة مفتوحة ، فتاء تأنيث : العدة (٢) الصُّبْرَة : بصاد مهملة مضمومة فموحدة ساكنة ، فراء مهملة ، فمثناة فوقية : ما جمع من الطعام بغير (٣) كيل . الحَضِيض : بحاء مهملة مفتوحة ، فضادين معجمتين ، أولاهما مكسورة ، وبينهما تحتية : قرار الأَرض ، وأسفل الجبل . الرَّقْم : براء مفتوحة(٤) فقاف ساكنة فميم : النقش . الاضطجاع : بهمزة مكسورة ، فضاد معجمة ساكنة ، فطاء مهملة ، فجيم ، فأَلف فعين مهملة : النوم(٥) . الشريط أَدْثَر : بهمزة مفتوحة ، فدال مهملة ساكنة ، فمثلثة فراء : أى أقدم . (١) الكلمة: خضرة - بفتح الخاء وكسر الضاد بمعنى خضراء انظر لسان العرب وتاج العروس. (٢) سهو من المؤلف لأنه روى فى الحديث: كان فى بيت النبى أَهْبُّ عطنة أى جلود فى دباغها، والعطنة المنتنة التى فى دباغها - لسان العرب ٢١٧/١ وانظر تاج العروس ١٥١/١ (٣) الصبرة - بضم الصاد - ما جمع من الطعام بلا كيل أو وزن: وجاء فى الأصل أنها بصاد مفتوحة وهو مهو من المؤلف : القاموس . (٤) الرقم - بفتح القاف - الوثى: الفائق ٧٧/٢. وفى القاموس: الرقم - بسكون القاف - ضرب مخطط من الوثى أو الخز أو البرود . (٥) اضطجع: وضع جنبه بالأرض : القاموس. - ١٣٢ - الإِذْخِرِ : بهمزة مكسورة ، فذال ساكنة ، فخاء مكسورة معجمتين ، فراء : حشيشة طيبة الرائحة يسقف بها البيوت فوق الخشب وهمزتها زائدة . الفَيْىء : بناء مفتوحة ، فتحتية ساكنة ، فهمزة مضمومة : الظل بعد الزوال ، لأنه يرجع من جانب المغرب إلى جانب المشرق . البتُّ : قال مالك بن مِغْوَل(١) أَحد رواته البت(٢) النطع. الرَّثّ: براءٍ فمثلثة: الخَلِقَ البالى . المِسْح : بكسر الميم وسكون المهملة لباس من شعر . قُلُبين : بقاف فلام مضمومتين ، فمفتوحة موحدة تثنية قُلُب بضمتين : وهو سِوار المرأة . القِلادة : بقاف مكسورة فلام فألف فدال مهملة فتاء تأنيث . العَصْب : بعين مهملة مفتوحة ، فصاد ساكنة مهملتين ، فموحدة قال الخَطابى (٣) إن لم يكن البَنَات(٤) اليمانية، فلا أَدرى ما هى، وما أُدرى أَن القِلادة تكون منها ، وقال أبو موسى : يحتمل عندى أن الرواية إنما هى العَصّب بفتح الصاد : وهى أُطْناب الحيوانات ، وهى شىء مُعدّ يحتمل أنهم كانوا يأُخذون عصّب بعض الحيوانات الظاهرة ، فيقطعونه ، ويجعلونه شبه الخرز ، فإذا يبست يتخذون منه القَلَائد ، قال فى النهاية : ثم ذكرنى بعض أهل اليمن أَن العَصب من دابة بحرية تسمى فرس فِرعون ، يتخذ (١) هو مالك بن مغول ( بكسر الميم وسكون الغين وفتح الواو) بن عاصم بن غزية بن حارثة بن خديج البجل ت ١٥٩ هـ: تهذيب التهذيب ٢٢/١٠. (٢) البت: كساء غليظ مهلهل، مربع أخضر وقيل هو من وبر وصوف، والبت ضرب من الطيالسة يسمى الساج مربع غليظ أخضر لسان العرب والفائق ٢٢٧/١ وانظر مسند أحمد ٥٨/٦ (٣) عن الخطاب انظر ص ٢٨١. (٤) البنات التماثيل التى يلعب بها الصبايا: الفائق ١٣١/١. - ١٣٣ - منها الخرز ، ونِصَاب سكين(١) وغيره وقيل الشىء يتخذ من ظهر السلحفاة البحرية ويكون أبيض ، فأَما العاج بعين مهملة ، فألف فجيم الذى هو عظم الفيل فنجس عند الشافعى ، وطاهر عند أبى حنيفة . ٠ (١) نصاب السكين مقبضه: فى هذه العبارة اختصار واضطراب ونص عبارة النهاية لى نقل عنها المؤلف: قال لشوبان اشتر لفاطمة قلادة من عصب وسواراً من عاج قال الخطاب فى المعالم: إن القلائد تکون منها . وقال أبو موسى : يحتمل عندى أن الرواية هی العصب پفتح الصاد وهی أطناب مفاصل الحيوانات وهو شىء مدور يحتمل أنهم كانوا يأخذون عصب بعض الحيوانات ويقطعونه ويجعلونه شبه الخرز فإذا ييس يتخلون منه القلائد وإذا جاز وأمكن أن يتخذ من عظام السلحفاة وغيرها الأسورة جاز وأمكن أن يتخذ من عظم أشباهها خرزا تنظم منه القلائد . قال: وذكر لى أهل اليمن أن العصب من دابة بحرية تسمى فرس فرعون يتخذ منها فرز وغير الخرز من نصاب سكين وغيره ويكون أبيض، ص ٣/١٠٠ النهاية. - ١٣٤ - الباب السابع عشر (١) فى قناعته باليسير وسؤاله ربه تبارك وتعالى أن يجعل رزقه ◌ُوتاً ، ورغبته أُن یکون مسکینا وروى الشيخان عن أبى هريرة رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم اجعل رزق آلِ محمد قوتا . وروى بقِى بن مَخْلَد فى مسنده عن يونس بن أبى يعقوب عن أبيه عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه دخل عليه وهو على مائدته ، فأَوسع له عن صدر المجلس فقال: باسم الله، / ثم ضرب بيده، ولَقَم لُقْمة ثم ثنى بأُخرى، ثم قال: ٣١ بـ إنى لأجد طعم دسم ، ما هو بدسم اللحم ، فقال عبد الله ، يا أمير المؤمنين إنى خرجت إلى السوق أَطلب السمين لأَشتريه فوجدته غالياً ، فاشتريت من المَهْزول بدرهم ، وإنى عملت عليه بدرهم سمنا ، فقال عمر : ما اجتمعا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قط إلا أكل أحدهما ، وتصدق بالآخر ، فقال عبد الله يا أمير المؤمنين : فلن يجتمعا عندى إلا فعلت ذلك ، قال : ما كنتَ بالذى تفعل . وروى ابن الجَوْزى(٢) عن عائشة رضى الله عنها قالت : ما رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم عَشاء لغَذاء ، ولا غَداء العَشاء ، ولا يتخذ من شىء زوجين ، لا قميصين ، ولا رداءين ، ولا إزارين ، ولا من النعال، ولا رئى فارغا قط فى بيته ، إمّا يخصف نعلا لرجل مسكين ، أَو يَخِيطِ ثَوْباً لأَّرملة (٣) (١) فى بعض النسخ الرابع عشر وهو خطأ. (٢) ابن الجوزى هو أبو الفرج عبد الرحمن بن على بن محمد البغدادى ت ٥٩٧ : انظر عنه وفيات الأعيان ٢٧٩/١، والبداية والنهاية ٢٨/١٣. (٣) انظر كتاب الوفا بأحوال المصطفى لابن الجوزى ٤٧٦/٢. - ١٣٥ - وروى ابن المُبارك فى الزهد عن الأَوْزَاعى(١) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أبالى ما رُدِدْتُ به عن الجوع . وروى عن ابن عباس رضى الله عنهما قال : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة على أم هانئ بنت أبى طالب ، وكان جائعاً فذكر الحديث ، وفيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هل عندك طعام آكل [ فقالت ] (٢) إن عندى لكسرة يابسة، وإنى أَستحى أَن أقدمها ، قال : هلُمِّيها فكسرها فى ماء ، وجاءته بملح ، فقال : ما من أُذم ؟(٣ )فقالت: ما عندى يا رسول الله إلا شىء من خل، فقال: هَلُمّه، فلما جاءت صَبّه على طعامه، وأكل ، ثم حمد الله تعالى، ثم قال: نعم الأُدْم الخل ياأم هانى لا يفتقر(٤) بيت فيه خل . وروى أبو بكر بن أبى خيثمة عن السائب بن يزيد عن خالته قالت : دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبين يديه طبق خوص ، فيه خبز وقَدِيد ، قالت : فلما فرغ انحرف إلى فَخَّارة فتوضأً منها ، فابْتَدَرْنا وَضوءه، فمنا من مضمض ، ومن سكب على وجهه . وروى أبو الحسن بن الضحاك عن عُثْبَة بن غَزْوَان رضى الله عنه قال : لقد رأيتُنى سابع سبعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما لنا طعام إلا أوراق الشجر ، حتى تَقرَّحت أشداقنا . وروى الإِمام أحمد عن أَسماءً بنت عُمَيْس(٥)، وكانت صاحبة عائشة التى خَبَّأتها، فأَدخلتها على رسول الله صلى الله عليه وسلم فى نسوة ، فما وجدنا(٦) عنده إلا قوتا ، إلا قدحا (١) هو عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد الأوزاعى إمام أهل الشام ت ١٥٧ ٥: الوفيات ٢٧٥/١، وحلية الأولياء ٠١٣٥/٦ (٢) زيادة يقتضيها السياق. (٣) الأدم مايؤ كل بالخبز أى شىء كان: لسان العرب. (٤) ويروى أيضاً: ما أقفر (ق ف) بيت أدم فيه بخل انظر اللسان، وتاج العروس. وعن أم هانىء انظر ص٣١١. (٥) أسماء بنت عميس بن معد ( أو معد) الخثعمية هاجرت مع زوجها جعفر بن أبى طالب إلى الحبشة وبعد أن استشهد فى غزوة مؤتة تزوجت أبا بكر الصديق ثم تزوجت على بن أبى طالب : انظر الإصابة ٢٣١/٤. (٦) تقول أسماء: أدخلنا عائشة على الرسول فما وجدنا عنده إلا فوناً ... الخ. - ١٣٦ - من لبن ، فتناول فشرب منه ، ثم ناوله عائشة فاستحيت منه ، فقلت : لا تردى يد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخذته فشربته ، ثم قال : ناولى صواحبك ، فقلت : لا نشتهيه ، فقال : لا تجْمعنْ كذبا وجوعا ، فقلت : إن قالت إحدانا لشىءٍ تشتهيه لا أشتهى ، أَبعد ذلك كذبا ؟ فقال : إن الكذب يكتب كذبا ، حتى الكُذَيْبَة تكتب كُذيبة . تنبيه : فى بيان غريب ما سبق : الرَّغْبة : براء مفتوحة، فغين معجمة ساكنة ، فموحدة مفتوحة ، فتاء تأنيث : الحرص على الشىء ، والطمع فيه ، والرغبة والسؤال / والطلب . ١٣٢ الرُّزق: براء مكسورة ، فزاى ساكنة ، فقاف : ما ينتفع به . المائدة : سيأتى الكلام عليها مبسوطاً (١). الرِّداء : براء مكسورة ، فدال مهملة ، فأُلف، فهمزة وهو ممدود : الثوب يجعله الإنسان على عاتقيه ، وبين كتفيه فوق ثيابه . ٠ الإِزار : بهمزة مكسورة فزاى فألف فراء : الملحفة ، الأَرملة : بهمزة مفتوحة فراء ساكنة فميم فلام مفتوحتين فتاء تأنيث : التى مات زوجها غنية كانت أَو فقيرة . الفَخَّارة : بناء مفتوحة ، فخاء معجمة ، فراء : الجرّة . ابْتَدرْنا: بهمزة وصل (٢) فموحدة ، فمثناة فوقية ، فدال مهملة : عاجلنا . تقرحت أشداقنا : مثناة فوقية ، فقاف ، فراء ، فحاء مهملتين : تخرقت . القدح : بقاف فدال مفتوحتين ، فحاء مهملة : آنية تُرْوِى الرجلين ، أو اسم جمع يجمع الصغار والكبار . (١) ص ١٦٧ . (٢) فى بعض النسخ بهمزة قطع . - ١٣٧ - الباب الثامن عشر فى أنه كان لا يدخر شيئا لغد ، وما جاء أنه ادخر قوت سنة لعياله صلى الله عليه وسلم روى البخارى عن أنس رضى الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا یدخر شیئاً لغد . وروى الإمام أحمد وأبو يَعْلى بسند جيد عن ابن عباس رضى الله عنهما قال : نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أُحُد فقال: ما يسرنى أنه ذهب لآل محمد ، أَنفقه فى سبيل الله ، أَموت يوم أَموت وعندى منه ديناران ، إلا دينارين أَعدهما للدَّيْن إن كان. وروى ابن أبى(١) شيبة فى المُصنَّف عن أنس رضى الله عنه قال : كنت أَخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يوماً : ما عندك شىء تطعمنا ؟ قلت : نعم يا رسول الله ، فضل من الطعام الذى كان أمس ، قال : أَلَم أَنهك أَن تدَع طعام يوم لغد ؟ وروى أبو سعد المَالِينىِ (٢)، والخطيب(٣) عنه أيضاً قال: أُهْدِى لرسول الله صلى الله عليه وسلم طائران ، وفى لفظ : طَيْران فقال : ما هذا ؟ فقال بلال : خبأته لك يا رسول الله، فقال : يا بلال لا تخف من ذى العرش إقلالا . إن الله تعالى سيأتى برزق كل غد ، ألم أنهك أن تدخر شيئاً لغد ؟ وروى ابن حبان والبَيْهفى عن أُم سَلَمة رضى الله عنها قالت : دخل على رسول الله (١) ابن أبى شيبة هو عبد الهه بن محمد بن أبى شيبة العبسى ت ٢٣٥ ٨ ومن كتبه المسند، والمصنف فى الحديث: تاريخ بغداد ٦٦/١٠، وتذكرة الحفاظ ١٨/٢. (٢) المالينى هو أبو سعد أحمد بن محمد بن أحمد الأنصارى الحروى ت ٤١٢ هـ: انظر الباب ٣/ ٢٨٩ وشذرات الذهب ١٥٥/٣ . (٣) عن الخطيب انظر ص ٢١ - ١٣٨ - صلى الله عليه وسلم وهو ساهم الوجه [ قالت حسبت ذلك من وجع ، قلت : مالى أراك صلى الله عليك ساهم الوجه ؟(١) ] قال: من أجل الدنانير السبعة التى أَتتنا بالأمس، ولم نقسمها . وروى البيهقى، والبَزَّار ، والطّبرانى، وأبو يعلى عن أبى هريرة رضى الله عنه قال : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على بلال فوجد عنده صُبْرة من تمر(٢) ، فقال: ما هذا يا بلال ؟ فقال: تمر أدخره، فقال: ويحك يا بلال، أو ما تخاف أن يكون له بخارٌ (٣) فى النار ؟ انفق يا بلال ، ولا تخش من ذى العرش إِقلالاً . وروى ابن سعد والبيهقى أن عائشة رضى الله عنها قالت: لأَبى أُمَامة [بن](٤) سهل ابن حُنَيف ، وعُرْوة بن الزبير: لو رأيتما رسول الله صلى الله عليه وسلم فى مرض له ، وكانت عندى ستة دراهم أو سبعة ، قالت : فأَمرنى نبي الله صلى الله عليه وسلم أَن أفرقها ، قالت / فشغلنى وجع النبى صلى الله عليه وسلم حتى عافاه الله، ثم سألنى عنها ، فقال : ٣٢ب ما فعلتِ ، أَكنت فرقت الستة(٥) الدنانير أو السبعة؟ فقلت: لا ، والله ، لقد كان شغلنى وجعك ، قالت : فدعا بها ، فوضعها فى كفه ، فقال : ما ظن نبى الله لو لتى الله وهذه عنده ؟ وتقدمت أحاديث(٦) فى باب فقراء مكة . وروى البَزَّار عن أبى سعيد، والبزَّار، والطَّبرانى عن سَمُرة بن جُنْدُب، والطبرانى ، والبزَّار بسند حسن - والإِمام أحمد، وأبو يَغْلى - برجال ثقات - والبزَّار والإِمام أحمد - بسند حسن - عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه ذات يوم ، وفى يده قطعة من ذهب ، فقال لعبد الله بن عمر : ما كان قال لربه إذا مات وهذه عنده ؟ فقسمها قبل أن يموت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والتفت إلى أُحد ، فقال : (١) ما بين القوسين ساقط من م انظر ص ١٧٠ . (٢) الصبرة: ما جمع من الطعام بلا كيل ولا وزن بعضه فوق بعض: لسان العرب. (٣) البخار كل رائحة سطعت من نتن أو غيره: لسان العرب. (٤) هذه الزيادة من الإصابة ٨٥/٢، وتهذيب التهذيب ٢٥١/٤. (٥) فى بعض النسخ: الستة دنانير وهو خطأ والصحيح ماهو بالنص، أو : ستة الدنانير. (٦) فى غير هذا الجزء. - ١٣٩ - والذى نفسى بيده ما يسرنى أن يحول هذا ذهباً وفضة لآل محمد ، أنفقه فى سبيل الله، أَبقى [ بعد ](١) صبح ثلاثة، وعندى منه شىء، إلا شيئا أُعده لِدَيْن، وفى لفظ : أموت يوم أموت أدع منه دينارين، إلا دينارين أُعِدهما لِلَيْن إن كان ، قال ابن عباس: فمات رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما ترك ديناراً ، ولا درهما ، ولا عبدا ، ولا وليدة ، وترك دِرْعَه مرْهُونة عند رجل من اليهود(٢) رهناً بثلاثين صاعاً من شعير ، كان يأكل منها ويطعم عياله . وروى الطبرانى والبَزَّار عن بلال رضى الله عنه قال : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعندى شىء من تمر ، فقال: ما هذا ؟ فقلت : ادخرنا لشتائنا ، فقال : أَما تخاف أن ترى له بُخاراً فى جهنم ؟ . روى البزَّار ، والطبرانى - بسند حسن - عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على بلال ، وعنده صُبْرَة من تمر ، فقال : ما هذا يا بلال ، قال : أعددت ذلك لأضيافنا، قال : أَما تخشى أن يكون له بُخَارٌ فی نار جهنم ؟ أُنفق بلال ، ولا تخش من ذى العرش إقلالا . وروى أبو ذَرّ الَرَوِى فى دلائله عن عائشة رضى الله عنها قالت : قال رسول الله صلى عليه وسلم: يا بلال أَطْعمنا ، قال : ما عندى إِلا صُبْرَةٌ من خبز ، خبأته لك ، قال : أما إن الله [ يجعل](٣) له [ بخارا ] فى نار جهنم [ أنفق ] ولا تخش من ذى العرش إقلالا . وروى البخارى عن أبى ذرّ رضى الله عنه قال : كنت أمشى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى صُرَّة(٤) المدينة فاستقبلنا أُحُداً(٥)، فقال: يا أبا ذر، قلت : (١) زيادة يقتضيها السياق . (٢) اسمه أبو الشحم اليهودى . (٣) هذه الزيادة من ص ١٣٨، ١٣٩ (٤) الصرة : الوسط : انظر تاج العروس . (٥) يقع جبل أحد فى شمال المدينة المنورة، وإليه تنسب معركة أحد فى منتصف شعبان من السنة الثالثة الهجرية. - ١٤٠ -