النص المفهرس

صفحات 81-100

فرس بَحْر : إذا كان واسع الجرى .
وفرس قَطُوف إذا ضايق بين خطوه فى المشى ، قال الأصمعى : فرص بحْر إذا كان
جواداً وقال أبو عبيدة(١): البحر: الفرس الذى كلما بعد جرى حتى آخر النجدة ،
وتثنيتها يبذلها عند طلب التثبيت والسكون إلى الفوت حيث يحمد فعلها . بلا خلاف(٢).
الكتيبة : بمثناة فوقية : جماعة عظيمة من الجيش .
. الوَطِيس: بواو مفتوحة ، وطاء مكسورة ومثناة تحتية ساكنة ، وسين مهملة ، شىء
يشبه التّثُور وقيد ذلك .
النجدة : بنون ، فجيم : الشجاعة ، وقوة البطش .
(١) أبو عبيد: هو القاسم بن سلام الهروى الأزدى ت ٢٢٤ هـ، ومن كتبه المصنف فى غريب الحديث : تذكرة
الحفاظ ٥/٢، وابن خلكان ٤١٨/١ وتاريخ بغداد ٤٠٣/٢.
(٢) الأسلرب هنا غير واضح أنظر لسان العرب ٤٢/٤ وتاج العروس ٢٧/٣.
- ٨١ -
( ٦ - سبل الهدى والرشاد ج ٧ )

الباب العاشر
١٨ ب
فی کرمه وجوده صلی الله عليه وسلم /
وروى عن الشيخين والإمام أحمد وابنه عبد الله رضى الله عنهما قال : ما سئل
رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لا، ولله در الفَرَزْدَق(١) حيث قال:
مَا قَالَ لَا قَطُّ إِلَّا فِى تَشَهْدِهِ لَوْلَا النَّشَهُّدُ كَانَتِ لَاوُّهُ نعِمُ
وروى(٢) الخرائطى، والطَّبَرانى(٣) عن على رضى الله عنه قال: كان رسول الله صلى
الله عليه وسلم إذا سئل عن شىءٍ فأراد أن يفعله قال : نعم ، وإن أراد ألا يفعله سكت ،
و کان لا يقول لشىء لا .
وروى أَبو ذَر عَبْد الله بن أحمد الهروى(٤) فى دلائله عن محمد بن السَّرِى العَسْقَلانى(٥).
[ قال]: كنت أَنا ورجل من أَهل عَشْقلان(٢) نطلب المشايخ نقرأ عليهم القرآن فرأيت(٧)
كَأَنّى وصاحبى اختلفنا فى آية ((والْعَنْهُم لعنا كبيرا)) وقال صاحبى: كثيراً ، فلقيت
آدم بن أبى إياس فقلنا : نسألك ، فقال : وهذا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم
وأبو بكر وعمر وعثمان ، فقلت : يا رسول الله ادع لى ، فسكت ، فقلت : يا رسول الله ،
ما لك لا تدعو لى؟ فوالله لقد حدثنى سُفْيان بن عُيَيْنَة عن محمد بن المُنْذر عن جابر
(١) الفرزدق هو همام بن غالب بن صعصعة التميمى ت ١١٠ ه: انظر عنه ابن خلكان ١٩٦/٢ وخزانة الأدب
١٠٥/١ ٠
(٢) عن الخر ائعلى انظر ص ١٧ .
(٣) عن الطبرانى انظر ص ٣٠٩.
(٤) عن أبي ذر المروى انظر ص ٦٤.
(٥) زيادة يقتضيها السياق .
(٦) مدينة فلسطينية على ساحل البحر بين غزة وجبرين معجم البلدان ١٧٤/٦.
(٧) يبدو أن هذا كان حلم) .
- ٨٢ -

أَنك ما سئلت عن شىءٍ قط فقلت : لا ، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ودعا لى ،
فقلت: يا رسول الله: ﴿رَبَّنَا آتهم ضِعْفَيْن مِنَ الْعَذَاب والْعَنْهُم لعنا كبيرا )(١) فقال رسول
الله صلى الله عليه وسلم : كبيرا كبيرا كبيرا .
وروى الإمام أحمد ، ومسلم عن أنس رضى الله عنه قال : ما سئل رسول الله صلى
الله عليه وسلم شيئاً إلا أعطاه ولقد جاءه رجل فأعطاه غنماً بين جبلين ، فرجع إلى أهله
فقال : يا قوم أسلموا ، فإن محمداً صلى الله عليه وسلم يعطى عطاء من لا يخشى الفاقة ؛
وإن كان الرجل ليجىء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يريد بذلك إلا الدنيا ،
فما يمسى حتى يكون دينه أحب إليه من الدنيا وما بينها ، ويرحم الله تعالى أبا عبد الله
محمد المعروف بابن(٢) جابر حيث قال :
يُعْطِى ولو كثُرَ الأَنامُ وَدَامُوا
هذَا الَّذِى لا يخْش(٣) فقْراً إِذا
فَتَحَيَّرَت لِعَطَائِهِ الأَفْهَامُ
هذَا مِنَ الأَنْعَامِ أَعْطى أَمَلاً
وأعطاه صلى الله عليه وسلم ذلك ، لأنه عليه الصلاة والسلام علم أن داءه لا يزول
إلا بهذا الدواء ، وهو الإِحسان ، فعالجه به حتى برأ من داءٍ الكفر ، وهذا من كمال
شفقته ، ورحمته ورأفته صلى الله عليه وسلم ، أى عامله بكمال الإحسان ، وأبعده من
حر النيران ، إلى برد لطيف الجنان .
وروى الدَّارمى(٤) عن سهل بن سعد رضى الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه
وسلم حَيًّا لا يُسْأَل شيئاً إلا أَعطى، ولقد أَحسن ابن جابر حيث قال :
يُرْوى حَدِيثُ النَّدَى والبِشْرُ عَنْ يَدَه وَوَجْهُهُ(٥) بين مُنْهَلُ ومُنْسَجم
(١) سورة: الأحزاب ٦٨.
(٢) هو: محمد بن جابر محمد بن قاسم القيسى شمس الدين أبو عبد الله الوادى آشى شاعر أندلسى رحالة انظر نفح
السليب ٤١٨/٣ ط محمى الدين .
(٣) حذف لام الفعل لضرورة الشعر .
(٤) عن الدارى انظر ص ٢٩٥ .
(٥) البيت الثانى ساقط من م، ت وهو وارد فى نسخة دار الكتب ((تاريخ ٤٥١١)) ورقة ٨٠ .
- ٨٣ -

١١٩
مِنْ وجهِ أَحمَد لى نَدَى ومن يَدِهِ بِخْرٌ ومن فمه دُرَّ لمنتظم.
والمُزْن من كل مامِ الوِرْد خيْرُهّمِی
/يمِّم نبياً يُبَارِى الرِّيحَ نافلة
لم تَلْقِ أَعْظَمَ بَخْراً منه أَنْ تَعُم.
لو عَامَتِ الْفُلكُ فيما فَاضَ مِنْ بسدِهِ
يُحيط كَفَّاه بالبحر المُحيط فلُذْ
به ودعْ كُلَّ طاِ المَوجِ مُلْتَطْمِ
لَوْ لَمْ تُحِطْ كُفُّهُ بِالْبَحْرِ ما اشْتَمَلتْ كُلَّ الأَنامِ ورَوَّتْ قَلبَ كُلِّ ظِمِى
وروى التِّرمِذى عن الربيع بن عفْراء [ قال](١) أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم
بقِنَاع من رُطب، وجرْوِ زَغَب، فأَعطانى ملْ كفى حُلِيًا، أَو ذهبا ، ويرحم الله
ابن جابر حيث قال :
فليس له فيما سِواه مَجَالُ
لقَدْ كَانَ فِعْلُ الخيرِ قِرة عَيْنِهِ
أَجابَهُم هذا السؤالُ مُحالُ
فَلَوْ سأَلُوا مِنْ كَفِّهِ رَدَّ سَائِلٍ
كفاهُ، وأَغنى أن يكون سُؤَّالُ
ولو عَرَفَ المُحتاجُ قَبْلَ سُؤَالِهِ
وَلَوْ بَات مَسُّ الجوعِ منه يَنَالُ
يبادِرُ للحُسْنى ويبذُلُ زادَه
- وروى البخارى ، وابن ماجه، وابن سعد ، والطبرانى، والإسماعيلى (٢) والنَّسائى
عن سهل بن سعد رضى الله عنه أن امرأة جاءت النبى صلى الله عليه وسلم ببُرْدَة منْسُوجَة
فيها حاشيتها ، قال سهل: أَتدرون ما البُرْدة؟ قالوا ؛ الشَّمْلة ، قال : نعم ، قالت نسجتها
بيدى لأكسوكها فخذها ، فأخذها النبى صلى الله عليه وسلم محتاجا إليها فخرج إلينا
وإنها لإِزارهُ [ فقال أَعرابى: يا رسول الله بأَّبِى أَنت وأمى هَبها لى](٣) وفى لفظ، فقال:
نعم ، فجلس ما شاء الله فى المجلس ، ثم رجع فطواها فأرسل بها إليه ، ثم سأله ، وعلم
أنه لا يرد سائلا ، وفى لفظ: لا يسأَل شيئا فيمنعه قال: والله إنى ما سألته لأَلبسها ،
(١) زيادة يقتضيها السياق.
(٢) هو شيخ الإسلام أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن العباس الإسماعيل الجرجانى ت ٣٧١ هـ تذكرة
الحفاظ ٩٤٧/٣ :
(٣) انظر مسند أحمد ٣٣٣/٥ وفتح البارى ٣ /٦٧: ط ١٩٥٩.
- ٨٤ -

إنما سألته لتكون كفنى ، رجوت بركتها حين لبسها رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
قال سهل : فكانت كفنه ، زاد الطبرانى: وأمر النبى صلى الله عليه وسلم أن يصنع
له غيرها ، فمات قبل أن تُنْزع(١).
وروى الطبرانى عن أُم سُنْبُلة (٢) قالت : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بهدية ،
فأبى أزواجه أَن يقبلنها ، فأَمرهن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخذنها ، ثم
أقطعها واديا .
وروى الدَّارِمى (٣) عن هارون بن أَبان قال: قدم للنبي صلى الله عليه وسلم سبعون
ألف درهم ، وهو أكثر مال أُتِى به قط ، فوضع على حصير من المسجد ، ثم قام بنفسه ،
فما رد سائلا ، حتى فرغ منه ، قالوا : ويحتمل أن يكون المراد بهذه الكثرة الدراهم ، فإن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم بين رجلين(٤) من النَّعم والشاء ما هو أكثر من هذا
المال المذكور فى هذا الحديث ، وذكر ابن فارس فى كتابه أسماء النبى صلى الله عليه
وسلم : أنه فى يوم حُنَين جاءت امرأة ، فأَنشدت شعراً تذكره أيام رَضاعه فى هوازن ،
فرد عليهم ما أُخذ ، وأعطاهم عطاء كثيرا ، حتى قُوُّم ما أعطاهم فكان خمسمائة ألف ،
وروى ابن دِحْيَة(٥): وهذا نهاية الجود الذى لم يسمع بمثله فى الجود ..
وروى البخارى عن أنس رضى الله / عنه، قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ١٩ ب
يمال من البَحْرين فقال: انظروا يعنى صُبُّوه فى المسجد ، وكان أكثر مال أَتى به صلى
الله عليه وسلم ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المسجد ، ولم يلتفت إليه ، فلما
قضى الصلاة جاءَ فجلس إليه ، فما كان يرى أحداً إلا أعطى إلى أن جاء العباس
فقال : يا رسول الله أعطنى ، فإنى فاديت (٦) نفسى ، وفاديت عَقِيلا ، فقال : خذ
(١) لعل المراد قبل أن تنتزع من الخياط، أو قبل أن يفرغ منها صانعها.
(٢) أم سنبلة الأسلمية أعرابية تعد من أهل المدينة: الاستيعاب ١٩٤١/٤.
(٣) عن الدارى انظر ص ٢٩٥.
(٤) النعم واحد الأنعام وهى المال الراعية وقيل الإبل والشاء يذكر ويؤنث: لسان العرب.
(٥) هو عمر بن الحسن بن على بن محمد أبو الخطاب الكلبى ت ٨٦٣٣، ومن كتبه التنوير فى مولد السراج المنير :
وفيات ٣٨١/١، نفح الطيب ٣٦٨/١ وحسن المحاضرة ٢٠١/١ .
(٦) فدى العباس نفسه بعد أن وقع أسيراً فى يد المسلمين مع ابن أخيه عقيل بن أبى طالب فى معركة بدر سنة ٢ ه،
وكان من وفاء الرسول له أنه لم يذق النوم مدة أسره، ولما سئل عن سبب ذلك قال: إنه كان يسمع أنين العباس.
- ٨٥ -

فحَئًا فى ثوبه ، ثم ذهب (١) يُقِلُّه فلم يستطع ، فقال : يا رسول الله مُرْ بعضهم يرفعه
إلىّ قال : لا ، قال: فارفعه أَنت ، قال: لا [ أَستطيع ](٢) ، ثم نثر منه ، ثم ذهب
يُقِلَّه فلم يستطع ، فقال : يا رسول الله : مُرْ بعضهم يرفعه علىّ ، قال : لا ، قال : فارفعه
أنت ، قال : لا ثم نثر منه فاحتمله، فأَلقاه على كاهِلِه(٣)، فانطلق فما زال رسول
الله صلى الله عليه وسلم يتبعه بصره حتى خفى علينا ، عجَبًا منه ، فما قام رسول الله
صلى الله عليه وسلم، وثمَّ منها درهم، ورواهُ ابن أبى شيبة من طريق حُمَيد بن هِلال
مرسلا(٤) أنه كان أَرسل به العلاء [ بن] الحَضْرَى من خراج البَحْرين(٥) قال: وهو
أُول مال حُمِل إلیه .
وروى الشيخان عن جابر رضى الله عنه أنه كان يسير على جمل له قد أَعْيَا فمر
النبى صلى الله عليه وسلم فضربه ، ودعا له ، فسار سيراً لم يسر مثله ، ثم قال : بِعْنِيه
بُوُقِيَّة ، قلت : لا ، ثم قال: بِعْنِيه بوُقيّة، فبعته واستثنيت حُمْلانَه إلى أَهلى ، فلما
قدمنا المدينة أتيته بالجمل ، ونقدلى ثمنه ، ثم انصرفت ، فأرسل إلى فقال : ما كنت
لآخذ جملك، هو لك)» وفى لفظ البخارى قال صلى الله عليه وسلم لجابر فى سفر : بعنى
جمَلك ، فقال : هو لك يا رسول الله ، بأبى وأمى، فقال : بِعْنيه فباعه إياه ، وأَمر
بلالا أن ينقده ثمنه ، فأنقده ، ثم قال صلى الله عليه وسلم : اذهب بالثمن والجمل بارك
الله لك فيهما ، انتهى ، فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم مكافأة لقوله: بل هو
لك ، فأعطاه الثمن ، ورد عليه الجمل ، وزاد الدعاء بالبركة .
وروى الشيخان عن ابن عباس رضى الله عنهما قال : كان رسول الله صلى الله عليه
وسلم أجودَ الناس ، وكان أجود ما يكون فى رمضان ، حين يلقى جبريل ، وكان يلقاه
(١) يقله : يحمله : القاموس .
(٢) الكاهل: مقدم أعلى الظهر مما يلى العنق ، أو ما بين الكتفين أو موصل العنق فى الصلب : القاموس.
(٣) عن معنى مرسل انظر ص ٣٨.
(٤) زيادة يقتضيها السياق وهو العلاء بن عبد الله الحضرى ولاه الرسول البحرين سنة ٨ ( وتوفى سنة ٢١: صفة
الصفوة ٢٩٠/١.
(٥) يقول ياقوت فى معجمه: إن العرب أطلقوا اسم البحرين على بلاد واسعة تمتد على ريف البحر الفارسى من
البصرة إلى عمان وكانت قصبتها مدينة هجر: ١٢٣/٢.
- ٨٦ -

كل ليلة من رمضان ، فيدارسه فى القرآن ، فرسول الله صلى الله عليه وسلم أجودُ بالخير
من الريح المرسلة(١).
وروى التِّرمِذى والخَرَائطى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال : جاء رجل إلى
النبى صلى الله عليه وسلم فقال : ما عندى شىء أُعطيك ، ولكن استقرض ، حتى يأتينا
شىء فنعطيك ، فقال عمر : ما كلفك الله هذا ، أعطيت ما عندك ، فإذا لم يكن عندك
فلا تكلف ، قال : فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم قول عمر ، حتى عرف فى وجهه ،
فقال الرجل: يا رسول الله، بأبى وأمى أنت، فأَعط، ولا تخش من ذى / العرش إِقلالا، ١٢٠
فتبسم وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : بهذا أمرت .
وروى ابن سعد عن أنس والتُّرمِذى عن على قالا : كان رسول الله صلى الله عليه
وسلم أجودَ الناس .
وروى بَقِى بن مَخْلَد وأبو يَعْلى عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
ألا أخبركم عن الأَجود؟ الله الأَجود، وأنا أجودُ ولد آدم ، وأجودهم من بعدى رجل
تعلم علماً فنشر علمه ، يبعث يوم القيامة أُمةً وحده ، ورجل جاهد فى سبيل الله حتى يقتل .
وروى ابن أبى خيْثَمة عن على رضى الله عنه أنه كان إذا نعت رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال كان أجود الناس كفا .
وروى ابن أبى شيبة عن أنس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس .
وروى بَزَّار عن ابن عباس رضى الله عنهما قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
إذا دخل شهر رمضان أطلق كل أسير وأعطى كل سائل .
وروى ابن أبى الدُّنْيا وغيره عن أبى سعيد رضى الله عنه قال : دخل رجلان على
رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألانه عن ثمن بعير فأعانهما بدينارين ، فخرجا من عنده ،
(١) انظر ص ٩١ .
- ٨٧ -

فلقيا عمر بن الخطاب ، فأُثنيا(١) خيرا ، وقالا ، معروفا ، وشكرا ما صنع رسول الله صلى
الله عليه وسلم بهما ، فدخل عمر على النبى صلى الله عليه وسلم فأُخبره ، بما قالا ، فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم : لكن فُلَانا أَعطيته ما بين العشرة والمائة فلم يقل ذلك ،
إن أحدهم يسألنى فينطلق بمسألته(٢) يَتَأَبَطُهَا، وما هى إلا نار، فقال عمر يا رسول الله ،
فلِم تعطهم ما هو نار؟ فقال : يأبون إلا أَن يسألونى ويأبى الله لى البُخْل .
وروى الإمام(٣) والخمسة عن أبى سعيد رضى الله عنه أَن ناساً من الأَنصار سأَلوا
رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاهم ، ثم سألوه فأعطاهم ، وقال : ما يكون عندى من
خير فلن أَدّخِرَه عنكم ، ومن يستعفف يُعفِّه الله ، ومن يستغن يغنه الله ، ومن يتصبر
يصبره الله ، وما أُعْطِىَ أَحدُ عطاء هو خير ، وأوسع من الصبر .
وروى ابن عَدِى(٤) عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال : لو أن لى مثل جبال تهامة ذهبا لقسمته بينكم ، ثم لا تجدُونى كذُوبا
ولا بخيلا .
وروى البخارى عن جُبَير بن مُطْعم رضى الله عنه أنه بينما هو مع رسول الله صلى الله
عليه وسلم، ومعه الناس، مُقبلا من حُنَين عَلِقت برسول الله صلى الله عليه وسلم الأعراب
يسألونه ، حتى اضطروه إلى سَمُرَة(٥) فخطفت رداءه ، فوقف رسول الله صلى الله عليه
وسلم فقال : أُعطونى ردائى، فلو كان لى عدد هذه العِضَاةَ(٦) نعَم (٦) لقسمته عليكم
لا بخیلا ، ولا کذابا ، ولا جبانا .
وروى أبو جعفر بن جرير الطبرى عن سهل بن سعد السَّاعدى رضى الله عنه قال :
(١) بعض النسيج: فأثنوا .
(٢) يتأبطها : يجعلها تحت إبطه .
(٣) يقصد الإمام أحمد، والخمسة هم البخارى ومسلم وأبو داود والترمذى والنسائى كما يقول المؤلف فى المقدمة.
(٤) انظر ص ٢٧٢.
(٥) العضاة من الشجر كل ماله شوك جل أو دق . لسان العرب.
(٦) عن معنى نعم انظر ص ٨٥ .
- ٨٨ -

حيكت لرسول الله صلى الله عليه وسلم حُلَّة أَنْمار(١) صوف أسود ، فجعل حاشيتها
بيضاء ؛ وقام فيها إلى أصحابه ، فضرب بيده إلى فخذه فقال: ألا ترون إلى هذه / ما ٢٠ب
أَحسنها ! فقال أَعرابى: يا رسول الله بأَبِى أَنت وأَى هَبْها [ لى ](٢) وكان رسول الله
صلى الله عليه وسلم لا يُسْأَل شيئا أَبدا فيقول : لا ، فقال : نعم، فأعطاه الجبة .
وروى مسلم عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال : قسم رسول الله صلى الله عليه
وسلم قَسْما لأُناس ، فقلت : يا رسول اللّهلَغَيْرُ هؤلاء كانوا أَحقَّ بهذا القَسم ، فقال :
إنهم خيرونى أن يسألونى بالفحش ، أو يبخلونى، ولست بباخل(٣).
وروى ابن الأعرابى عن أنس بن مالك رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم عام حُنين سأله الناس ، فأعطاهم من البقر والغنم والإبل ، حتى لم يَبْق من ذلك
شىءٌ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ماذا تريدون ؟ أتريدون أَن تُبخِّلُونى؟
فوالله ما أنا ببخيل ، ولا جبان ، ولا كذوب ، فجذبوا ثوبه حتى بدت رقبته ، فكّا
أَنظر - حين مَدّ يدا من منكبه - شقة القمر من بياضه .
تَنْيَهَاتٌ
الأول : قال الحافظ(٤): قوله: ما قال: لا ، ليس المراد أنه يعطى ما طُلِبَ مِنه
جَزْما، بل المراد أنه لا ينطق بالرد بلا ، إن كان عنده أعطاه ، إنْ كان إلا إِعْطاء
(١) بردة من صوف يلبسها الأعراب انظرص ٩٣.
(٢) زيادة يقتضيها السياق.
(٣) نص الحديث كما فى مسلم .. قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم قسما فقلت: والله يا رسول اللّه لغير هؤلاء كان
أحق به منهم . قال : إنهم خيرونى أن تسألونى بالفحش أو يبخلونى فلست بباخل .
قال بعض الشراح فى شرحه: معناه أنهم أخوا فى المسألة لضعف إيمانهم والجئونى بمقتضى حالهم إلى السؤال بالفحش
أو نسبى إلى البخل ولست بياخل ولا ينبغى احتمال واحد من الأمرين ص ٢/٧٣٠ مسلم.
(٤) هو أبو الفضل أحمد بن على بن حجر العسقلانى كما يقول المؤلف فى المقدمة .
- ٨٩ -

سابغاً، وإلا سكت ، قال : وقد روينا بيان ذلك فى حديث مرسل(١) لابن الحَنفِية(٢)
عند ابن سعد ولفظه: إذا سئل فأراد أن يفعل قال : نعم ، وإن لم يرد أن يفعل سكت(٣).
وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام لم يقل : لا ، منعا للإعطاء ، ولا يلزم من ذلك
أن يقولها اعتذاراً كما فى قوله تعالى ﴿ لا أَجِدُ ما أَخْمِلُكُم (٤) عليه ﴾ ولا يخفى الفرق بين
قوله: ((لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُم عليه)) وهو نظير ما فى حديث أَبى موسى الأشعرى لما سأله
الأَشعريون الحُمْلَان فقال صلى الله عليه وسلم: ((ما عندى ما أحملكم)) لكن يُشْكِل عليه
أنه صلى الله عليه وسلم حلف لا يحملهم فقال : والله لا أحملكم ، فيمكن أن يخص من
عموم حديث جابر ما إذا سئل ما ليس عنده ، والسائل يتحقق أنه ليس عنده ذاك ،
حيث كان المقام لا يقتضى الاقتصار على السكوت من الحالة الواقعة ، أو من حال السائل
[ كأَن لم يعرف العادة ، فلو اقتصر على السكوت مع حاجة السائل ] تمادى فى السؤال
ويكون القَّسَم على ذلك تأكيدًا لقطع طمع السائل، والسر فى قوله: ((لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ))
وقوله: ((والله لا أحملكم)) أن الأول لبيان أن الذى سأله لم يكن موجوداً عنده ، والثانى
أنه يتكلف الإِجابة إلى ما سئل بالقرض مثلا ، أو بالاستيهاب ، إذْ لا اضطرار حينئذ .
الثانى : قوله : فخصها فلانا أَفاد المُحِبُّ الطبرى(٥) فى كتاب الأحكام له أن الرجل السائل
عبد الرحمن بن عوف ، وعزاه للطَّبَرانى، قال الحافظ(٦): ولم أجد ذلك فى معجمه
الكبير ، لا فى مسند سهل ، ولا فى عبد الرحمن ، نعم رواه الطَّرانى، وقال فى آخره :
قال قُتَيْبة هو سعد بن أبى وقاص ، وقد يقال : تعددت القصة ، وفيه بُعْد .
الثالث: قوله صلى الله عليه وسلم : الأُجود أَفْعَلُ تفضيل من جاد يجود ، جُودا
(١) انظر ص ٣٨.
(٢) عن ابن الحنفية انظر ص ٧٧ .
(٣) روى ذلك الحديث عن على ص ٨٢، وانظر حديث ابن الحنفية ص ٧٧.
(٤) سورة التوبة ٩ / ٩٢.
(٥) عن المحب الطبرى انظر ص ٢٦ .
(٦) عن الحافظ انظر ص ٨٩ .
- ٩٠ -

فهو جَواد، بتخفيف الواو ، وقوم جُوْدٌ، وأَجاود، وأَجْوَاد. قال النحاس(١): الجواد:
الذى يتفضل على من يستحق ، ويعطى من لا يسأل ، ويعطى الكثير ، ولا يخاف الفقر ،
من قولهم مطر جَواد إذا كان كثيرا ، وفرس جوَاد يعدو كثيرا ، قبل أن يطلب منه ،
ثم قيل: هو مرادف للسخاء ، والأُصح أن السخاءَ أَدنى منه / ، ولذا يوصف الله تعالى ٢١ ]
به ، والسخى اللين عند الحاجات ، من أرض سَخاويّة: لينة التراب ، قال الأُستاذ
أبو القاسم القُشيْرى (٢) رحمه الله تعالى: قال القوم من أُعطى البعض فهو سخِى ، ومن
أعطى الأَدنى، وأَبقى لنفسه شيئا، فهو جوَاد، ومن قاسى الضُّر، وآثر غيره بالبُلْغَةِ(٣)
فهو مُؤْثِر، وقال السُّهْرَوَرْدِى(٤) فى عوارفه: السخاءُ صفة غرِيزية، وفى مقابله الشّح،
والشح من لوازم صفة النفس قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوق شُحِّ نَفْسِهِ(٥) فأُولئِكَ هُمُ المُفْلِحُون ﴾
فحكم بالفلاح لمن وقى الشَّحِّ، وحكم بالفلاح أيضاً لمن أَنفق وبذل فقال: ﴿ ومِعًا
رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُون(٦) أُولئك على هُدَى مِنْ رَبِّهِم وأولئك هُمُ الْمُفْلِحُون ﴾ والفلاح اسم
لسعادة الدارين ، وليس الشح من الآدمى بعجيب لأَنه جِبِلِىٌّ فيه ، وإنما العجب وجود
السخاء فى الغريزة. والسخاء أتم وأكمل من الجود . وفى مقابله البخل ، وفى مقابلة السخاء
الشح ، والجود والبخل يتطرق إليهما الاكتساب بطريق العادة ، بخلاف السخاء إذا
كان ذلك من ضرورة الغريزة ، فکل سَخِی جواد ، وليس كل جواد سخى ، والجود يتطرق
إليه الرِّياء ، ويأتى به الإنسان متطلعا إلى غرض الخلق أُو الحَقّ ، بمقابلة من الثناء ،
أو غيره ، من الخَلْقِ ، أَو الثواب من الله تعالى ؛ ولا يتطرق الرياء من السخاء لأنه يقع
من النفس الزكية المرتفعة عن الأغراض .
الرابع : فى بيان غريب ما سبق :
الكَرَم : بفتحات الإنفاق بطيب نفس فيما يعظم قدره .
(١) النحاس هو أحمد بن محمد المرادى ت ٣٣٨ هـ: ابن خلكان ٢٩/١، والبداية والنهاية ٢٢٢/١١.
(٢) القشيرى هو أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك بن طلحة النيسابورى ت ٤٦٥ هـ: طبقات الشافعية
٢٤٣/٣، والوفيات ٢٩٩/١.
(٣) البلغة بالضم ما يتبلغ به من العيش : القاموس.
(٤) عن السهروردى انظر ص ٢٩ .
(٥) سورة التغابن ١٦/٦٤ .
(٦) البقرة ٣/٢ - ٥ .
- ٩١ -

الجود : بضم الجيم : تجنب اكتساب ما لا يحمد وهو ضدّ التقتیر
الفاقة : بناء فألف ، فقاف : فقد الدنيا .
المَنْهل : بميم مفتوحة فنون ساكنة فهاء مفتوحة فلام ؛ كل ما يطؤه الطريق ، وما كان
على غير الطريق لا يدعى منهلا ، ولکن یضاف إلى موضعه ، أو إلى من هو مختص به ،
فيقال منهل بنى فلان ، أَو مَشْرَبهم ، ومواضع نَهْلِهم .
المُنْسَجِم : بميم مضمومة ، فنون ساكنة ، فسين مهملة فجيم فميم : السائل
يبارى : بتحتية مضمومة ، فموحدة فألف فراء فتحتية : يعارض ويجارى ويسابق .
المُزْن : بميم مضمومة ، فزاى ساكنة ، فنون : الغيم والسحاب وقيل السحاب الأبيض .
الطَّاعى: بطاء مهملة فألف فميم : الكثير .
المُلْتَطم : بميم مضمومة ، فلام ساكنة ، ففوقية ، مفتوحة ، فطاء مهملة مكسورة ،
قميم : دخل بعضه فى بعض لكثرته .
القِنَاع : بكسر القاف : طبق يؤكل عليه .
الجِرْو : بجيم مكسورة ، فراء ساكنة ، فوار : صغار القِّاء وقيل الرمان أيضا .
زغب : بزاى ، وغين معجمة ، فباء : صغار عليها زَغب أَى وَبَر .
الكاهِل : بكاف فألف فهاء مكسورة فلام أعلى الظهر .
٠٠
المجال : المجال(١) .
الخراج(٢). البحرين:(٣) [ معروفة ]
(١) يقال جال واجتال إذا ذهب وجاء، وجال جولة إذا دار، وجول إذا طوف. انظر المادة فى المعاجم اللغوية.
(٢) الخراج ضريبة الأرض والرءوس، وقد تسمى ضريبة الرءوس جزية. انظر كتاب: الخراج والنظم المالية
فى الدولة الإسلامية الصفحات ١٢٢ - ١٢٩.
(٣) يقول ياقوت فى معجمه: إن العرب أطلقوا اسم البحرين على بلاد واسعة تمتد على ريف البحر الفارسى من البصرة.
إلى عمان، وكانت قصبتها مدينة هجر: معجم البلدان ١٢٣/٢.
- ٩٢ -

الريح المرسلة: السريعة النفع، قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِىِ يُرْسِل الرياحِ بُشْرَأَ بَيْنَ
يَدَىْ رَحْمَتِه﴾(١)
البخل : بموحدة مضمومة ، فخاء معجمة ، فلام : ضد الكرم .
الجبن : بجيم مضمومة ، فموحدة ساكنة ، فنون : ضد الشجاعة .
حُلَّةُ أَنمار : بهمزة مفتوحة، فنون ، وآخره راء : بُرْدَة من صوف يلبسها الأعراب .
(١) سورة الأعراف ٥٧/٧، وفى سورة الفرقان ٤٨/٢٥:(( وهو الذى أرسل الرياح بشراً بين يدى رحمته)).
- ٩٣ -

الباب الحادى عشر
فى خوفه ، وخشيته ، وتضرعه صلى الله عليه وسلم
وروى الشيخان عن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
قاربوا ، وسَدّدوا، واعلموا أنه لن ينجو أحد منكم بعمله وفى لفظ: لا يدخل أحد منكم
الجنة بعمله ، قالوا : ولا أَنت ؟ قال: ولا أَنا ، إِلا أَن يَتَغَمَّدنى الله برحمة منه وفضل .
ورويا أيضاً عن جابر رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع شيئاً
فرخَّص فيه ، فتنزه عنه قوم ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فخطب ، فحمد
الله، ثم قال: (( ما بال أقوام يتنزهون عن الشىء أصنعه ؟ فوالله إنى لأَعلمهم بالله ،
وأشدُّهم له خشية )).
وروى ابن سعد عن أُم سَلمَة رضى الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل
وَصِيفَة له فأَبطأَت عليه ، فقال : لولا خوف القصاص لأَوجعتك بهذا السواك .
وروى الإمام مالك عن عائشة رضى الله عنها أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه
وسلم وهو واقف على الباب وأنا أسمع: يا رسول الله إنى أَصبحت جُنباً، وأَنا أُريد
الصوم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وأنا أُصْبِح جُنباً ، وأَنا أُريد الصوم،
فأَغتسل وأصوم ، فقال له الرجل: يا رسول الله إنك لَسْت مِثْلَنا، قد غفر لك الله ما تقدم
من ذنبك وما تأخر، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال: والله إنى لأرجو أن
أكون أَخشاكم لله، وأعلمَكم بما أَتَّقِى .
وروى مسلم عن عمر بن أبى سلمة أَنه سأَل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أَيُقَبِّلُ
- ٩٤ -

الصائم ؟ فقال رسول الله صلى اللهعليه وسلم: سل هذه لأُم سَلَمة، فأخبرته أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم يصنع ذلك ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : أَما أَنا ،
والله إنى لأُتقاكم له ، وأخشاکم له .
وروى أبو الحسن بن الضحاك عن صفوان بن عَوْف قال : كان رسول الله صلى الله
عليه وسلم يتأوه ويقول : أَوْه من عذاب الله أَوْه من قبل أن لا تنفع أَوْه :
وروى الإمام الشافعى رحمه الله تعالى عن ابن عباس رضى الله عنهما قال : ما هبت
ريح قط إلا جَثًا (١) النبى صلى الله عليه وسلم على ركبته، وقال: اللهم اجعلها رياحاً
ولا تجعلها ريحا(٢).
وروى ابن مَرْدَوَيَه(٣) عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله
عليه وسلم إذا هبت الريح ، أو سمع صوت الرعد تغير لونه ، حتى عرف ذلك فى وجهه .
وروى سعيد بن منصور، والإمام أحمد وعَبْدُ(٤) بن حُمَيْد والشيخان عن عائشة رضى
الله عنها قالت : ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مستجمعاً قط ضاحكاً ، حتى
تُرَى لَوَاتُه إنما كان يتبسم ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأى غيما تلون
وجهه ، وتغير، ودخل ، وخرج ، وأَقبل ، وأَدبر ، فإذا أَمطرت سُرِّى عنه ، قالت :
يارسول الله، الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر ، وأراك إذا رأيت
فيما عرف فى وجهك / الكراهة ، فقال : ياعائشة ، وما يؤمننى أن يكون عذاب ؟ قد عذب ٢٢ أ
الله عز وجل قوماً بالريح، وقد رأى قوم العذاب فقالوا: ﴿ هذَا عَارضٌ مُمْطِرُنَا(٥)﴾
(١) جثا يجثو جثواً، وجى يجى جئياً : القاموس.
(٢) أكثر ما تذكر الريح فى القرآن الكريم على أنها من وسائل العذاب الإلهية ١١٧/٣، ٢٢/١٠، ١٨/١٤،
٦٩/١٧، ٨١/٢١: ٢٤/٤٦،٣١/٢٢، ٤١/٥١، ٠٦/٦٩ ١٦/٤١، ١٩/٥٤، وأما الرياح فهى من وسائل
الرحمة ٥٧/٧١، ٢٢/١٥: ٤٨/٢٥، ٦٣/٢٧، ٤٦/٣٠، ٤٨/٣٠، ٩/٣٥.
(٣) عن ابن مردويه انظر ص ١٦ .
(٤) هو عبد بن حميد بن نصر الكسى - ينسب إلى كس مدينة قرب سمرقند - وقيل اسمه عبد الحميد ت ٢٤٩ ه:
انظر عنه تذكرة الحفاظ ١٠٤/٢ .
(٥) سورة الإحقاف ٤٦ / الآية ٢٤
- ٩٥ -

٠
وفى لفظ: وما يدريك كما قال قوم ﴿ فلما رَأَوْهُ عَارِضاً مُسْتَقْبلَ أَوْديتِهِم قالُوا هذَا
حارِضٌ مُمْطِرُنا، بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلَمْ(١) به) الآية .
وروى التِّرْمِذِى - وحسنه هو والحافظ المُنْذِرى وصححه الحاكم - عن ابن عباس ،
وسعيد بن منصور ، وابن عساكر عن أنس ، والتِّرمِذِى فى الشمائل وأبو يعلى - برجال
ثقات - عن أبى جُحَيفة، وابن عساكر عن عمران بن حُصَين ، وابن سعد عن محمد
ابن على بن الحسين ، والطبرانى وابن مَرْدَوْيه - بسند صحيح - قال ابن عباس : إن
أبا بكر قال : وقال أنس : قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله
شِبْت، قال : شيْبتنى هُودٌ ، والواقِعَة، والمُرْسَلَات، وعَمّ يتساءلُون، وَإِذا الشَّمْسُ
كُوِّرت(٢). وهذا الحديث له طرق ، وقد أَخطأً من ذكره فى الموضوعات.
وروى البَيْهفى وابن عساكر عن أَبى على الشُّبُولى (٣) - بضم الشين المعجمة، والموحدة
- أحد رواة الصحيح قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فى المنام ، فقلت : يارسول.
الله ما روى عنك أنك قلت : شيبَتنى هود ؟ قال : نعم قلت : ما الذى شيبك منها ؟
قصص الأنبياء ؟ وهلاك الأُمم ؟ . قال : لا، ولكن ﴿ فَاسْتَقِمْ كما أُمِرْت﴾(٤).
وروى ابن مَرْدَوَيْه ، والطَّبرانى - ببسند صحيح - عن عُقْبَة بن عامر أَن رجلا ، قال :
يا رسول الله قد شِبْت ، قال : شيبتنى هود وأخواتها .
وروى الإمام أحمد فى الزهد عن أَبى عِمْران الجَوْنِى قال : بلغنى أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال : شيبتنى هود وأخواتها ، وذكر القيامة وقصص الأنبياء والأُمم .
وروى ابن أبى حاتم عن الحسن رحمه الله تعالى قال: لما نزلت هذه [الآية](٥)
(١) سورة الأحقاف ٢٤/٤٦ .
(٢) أرقام هذه السور الكريمة على الترتيب هو: ١١ - ٥٦ - ٧٧ - ٧٨ - ٨١.
(٣) هو أبو على احمد بن عمر بن شبوية المروزى الشبولى ت ٢٧٥ هـ: انظر عنه الباب ١٨٣/٢.
(٤) سورة هود ١١٢/١١.
(٥) زيادة يقتضيها السياق .
- ٩٦ -

(( فَاسْتَقِمْ كما أُمِرِتَ)) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : شمروا وأثمروا فما رئی ضاحكا .
وروى الشيخان عن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
والذى نفسى بيده ، لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرا ولضحكتم قليلا .
وروى الإمام أحمد والطَّبَرانى عن ابن عباس ، وسعيد بن منصور ، والإمام أحمد ،
والتِّرْمِذى - وحسنه - عن أبى سعيد، وأَبو نُعيم عن جابر رضى الله عنهم أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال : كيف أَنْعَمُ ، وصاحب الصور قد التقم القَرْن ، وحتى جبهته ،
وأصغى بسمعه ، ينتظر متى يؤمر فينفخ ؟ قالوا : وماذا نقول يا رسول الله ؟ قال :
قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل .
وروى الحاكم عن أَبى ذَرّ رضى الله عنه قال: قرأّ رسول الله صلى الله عليه وسلم
﴿ هَلْ (١) أَتِى) حتى ختمها، ثم قال: ((إنى أَرى ما لا تَرَوْن، وأُسمع ما لا تسمعون،
أَطت(٢) السَّمَاءُ، وحُقّ لها أَن تشِطِ، ما فيها مَوْضِعُ أَربع أصابع إلا وملك واضع جبْهَته
سَاجِداً له ، لو تعلمون ما أعلم ، لضحكتم قليلا ، ولبكيتم كثيرا ، وما تلذذتم بالنساء
على الفرش، ولخرجتم إلى الصُّعُدات تَجْأَّرُون إلى الله تعالى، ووالله إنى لوددت / أَنى شجرةٌ ٢٢ ٣
تُعْضد))(٣). قال بعض الحفاظ قوله: لوددت أنى إلخ مندرج فى الخبر من قول أبى ذرّ.
وروى أبو عبيدة فى فضائله ، وأَحمد فى الزهد ، وابن أبى الدُّنْيا فى نعت الخائفين ،
وابن جرير ، وابن أبى داود فى الشريعة (٤) ، وابن عَدِى، وابن نصر ، والبيهقى فى الشُّعَب
عن حِمْران بن أَعْين عن(٥) أَبى حرب بن المُسَوَّر أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع
رجلا يقرأُ ولفظ هَنَّادِ(١) وعبد: أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ ﴿إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالاً
وَجَحِيماً، وَطَعَاماً ذا غُصَّةٍ وَعَذَاباً أَلِيماً ﴾(٧) فلما بلغ إليها صعِق .
(١) سورة الإنسان رقم ٧٦ .
(٢) أطيط الإبل صوتها من ثقل أحمالها وأطت الإبل أنت تعبا أو حنينا، وفى الحديث أطت الماء أى أن كثرة مافيها
من الملائكة قد أثقلها حتى أطت وهذه مثل وإيذان بكثرة الملائكة وإن لم يكن ثم أطيط وإنما هو كلام تقريب أريد به تقرير
عظمة الله عزوجل. لسان العرب وانظر الفائق ٤٩/١ .
(٣) العضيد والعضد ما قطع من الشجر
(٤) هو عبد الله بن سليمان بن الأشعث الأزدى السجستانى ت ٣١٦ هـ: تذكرة الحفاظ ٢٩٨/٢، الوفيات ٢١٤/١.
(٥) حمران بن أعين مولى بنى شيبان شيعى رافضى: تهذيب التهذيب ٢٥/٣.
(٦) هو هناد بن السرى بن مصعب الدارمى ت ٢٤٣ هـ: انظر تذكرة الحفاظ ٨٢/٢.
(٧) سورة المزمل ١٢/٧٣.
- ٩٧ -
( ٧ - سبل الهدى والرشاد ج ٧ )

وروى ابن أبى شيبة برجال ثقات ، والطبرانى عن أبى سعيد ، وابن أبى الدِّنْيا
عن أنس رضى الله عنهما، قال أبو سعيد : إِنا يوما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم
فرأيناه كئيبا ، فقال بعضنا : يا رسول الله ، بأبى أنت وأمى ، فقال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: سمعت هَدَّةً(١)، ولم أسمع مثلها، فأَتانى جبريل فسألته عنها ، فقال :
هذه صخرة هُدَّت من شغِير (٢) جهنم، من سبعين خريفا(٣) ، فهذا حين بَلَغتْ قَعْرَها ،
أحبَّ أَن يسمعك صوتها، فما رؤى رسول الله صلى الله عليه وسلم ضاحكاً ملء فيه
حتى قبضه الله تعالى(٤) .
وروى الحارث بن أبى أسامة عن النَّوَّاسِ بن سمعَان(٥) رضى الله عنه قال: سمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : يا مُقَلِّب القلوب ، ثبت قلبي على دينك .
تَنْيَهَاتُ
الأول: رَوَى عَبدُ بن حُمَيْد عن الحسن رحمه الله تعالى قال: لما أنزل الله تعالى :
﴿ وما أَخْرِى مَا يُفْعَل بِى وَلَا بِكُم﴾(٦) عمل(٧) رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخوف
فلما نزلت: ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبينا، لِيَغْفِرَ لَكَ (٨) اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبكَ
وَمَا تَأَخَّر ) الآية اجتهد، فقيل له : تجهد نفسك، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك
وما تَّخِر قال : أَفلا أكون عبداً شكورا ؟
الثانى: روى التِّرْمِذى وغيره عن هند بن أبى هَالة رضى الله عنه قال : كان رسول
(١) الهدة : صوت شديد يسمع من سقوط ركن أو حائط أو ناصية جبل: لسان العرب.
(٢) الشغير: الجانب والناحية : القاموس .
(٣) المراد: المسافة تقطع من الخريف إلى الخريف وهو السنة: لسان العرب.
( ٤) انظر ص ٦٨ - ٦٩ .
(٥) هو النواس بن سمعان بن خالد الكلابى: الاستيعاب ١٥٣٤/٤.
(٦) سورة الأحقاف ٩/٤٦.
(٧) لعل المراد: ظهر عليه الخوف، أو اجتهد فى العبادة بسبب الخوف.
(٨) سورة الفتح رقم ١/٤٨ - ٤
- ١٨ -

الله صلى الله عليه وسلم متواصلا لإخوانه ، ليست له راحة ، قال ابن القَّيِّم فى زاد المَعَاد :
وأما بكاؤه فكان من جنس ضحكه ، لم يكن بشهيق ، ولا رفع صوت ، كما لم يكن
ضحكه بقهقهة ، ولكن كان تدمع عيناه حتى يَهْمِلا ، ويسمع لصدره أزيز ، وكان
بكاؤه تارة رحمة للميت ، وتارة خوفاً على أمته ، وتارة من خشية الله ، وتارة عند سماع
القرآن ، وهو بكاءً اشتياق ومحبة وإجلال ، يصاحب الخوف والخشية .
الثالث : قوله : وأشدِّهم له خشية ، قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام : فى هذا
الحديث إشكال لأن الخوف والخشية حالة تنشأ عن ملاحظة شدة النقمة الممكن وقوعها
بالخائف ، وقد دل القاطع على أنه صلى الله عليه وسلم غير معذب ، وقال تعالى: ﴿ يَوْمَ
لا يُخْزِى الله (١) النَّبِىَّ﴾ فكيف يتصور منه الخوف ؟ فكيف أَشد الخوف ؟ قال :
والجواب أن الذهول جائز عليه صلى الله عليه وسلم ، فإذا حصل الذهول عن موجبات
نفى / العقاب حدث له الخوف ، ولا يقال: إن إخباره بشدة الخوف، وعظم الخشية عظم ٢٣ ١
بالنوع لا بكثرة(٢) العدد ، أى إذا صدر منه الخوف ، ولو فى زمن فرد كان أشد من
خوف غيره .
الرابع : فى بيان غريب ماسبق :
الخَوْف : بخاء معجمة مفتوحة ، فواو ساكنة ، ففاء : الفزع .
الخَشْية : بخاءٍ معجمة مفتوحة ، فشين معجمة ، فتحتية مفتوحة ، فتاء تأنيث :
[الخوف] (٣).
التضرع : بمثناة فوقية ، فضاد معجمة مفتوحة ، فراء ، فعين مهملة ، التذلل ،
والمبالغة فى السؤال والرغبة .
(١) سورة التحريم ٨/٦٦.
(٢) هنا كلمة الخوف زائدة فى م .
(٣) زيادة من لسان العرب.
- ٩٩ -

الفَضْل : بناء مفتوحة ، فضاد معجمة ساكنة ، فلام : الإعطاء لا عن إيجاب
ولا وجوب .
الوَصِيفَة : بواو فصاد مهملة مكسورة ، فتحتية ، ففاء فتاء تأنيث : الأمة .
أَوْهِ : بهمزة مفتوحة وواو ساكنة ، فهاء مكسورة ، وربما قلبوا الواو فقالوا : آه
من كذا ، وربما شدَّدُوا الواو وكسروها ، وسكنوا فقالوا : أَوِّه، وربما حذفوا الهاء فقالوا:
أُوٌ، وبعضهم بفتح الواو مع التشديد فيقول : أوَّه : وهى كلمة تقال عند الشكاية
والتوجع .
خشى العَارِض : بعين مهملة ، فأَلف ، فراء مكسورة ، فضاد معجمة : هنا السحاب
الذى يَعْتْرِض فى الأُفق .
أَطَّت : بهمزة مفتوحة ، فمهملة مشددة : ملئت لكثرة ما فيها من الملائكة .
الصُّعُدات : الصُّعُدَات بضم الصاد ، والعين المهملة ، وفتح : الطرقات .
تجاّرون : بمثناة فوقية ، فجيم ، فهمزة مفتوحة : تتضرعون رافعى أصواتكم .
اللهوات : يأتى الكلام عليه فى باب ضحكه(١) .
(١) انظر ص ١٩١ .
- ١٠٠ - .