النص المفهرس
صفحات 41-60
الباب الرابع
فى حيائه صلى الله عليه وسلم وعدم مواجهته أحدا بشىء يكرهه
روى الشيخان، وابن ماجه عن أبى سعيد الخُذْرى رضى الله عنه قال: ((كان رسول
الله صلى الله عليه وسلم أَشدَّ حياءً من العَذْراء فى خِذْرِها ، وكان إذا كَرِه شيئاً عرفناه
فی وجهه )» .
وروى الإمام أحمد وأبو داود عن أنس رضى الله عنه قال: (( رأى رسول الله صلى
الله عليه وسلم على وجه رجل صُفْرة فقال : لو أمرتم هذا أن يغسل هذه الصفرة ، وكان
لا یکاد یواجه أحداً فى وجهه بشىء يكرهه ».
1
ورواه البخارى فى الأدب بلفظ : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قَلَّ ما يواجه
الرجل بشىءٍ يكرهه ، فدخل عليه يوماً رجلٌ، وعليه أَثر صُفْرة ، فلما قام قال : لأصحابه
لو غَيَّرَ ، أَو نزع هذه الصُّفْرة.
وروى أبو داود عن عائشة رضى الله تعالى عنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه
وسلم إذا بلغه عن رجل شيئا لم يقل له : قلتَ : كذا وكذا قال : ما بال أقوام يقولون
كذا وكذا .
وروى عَبْد بن حُميد ، وأبو الشيخ(١) عن سهل بن سعد رضى الله عنه قال: كان
رسول الله صلى / الله عليه وسلم حَيِيًّا لا يُسْأَّل عن (٢) شىءٍ إِلا أَعطى.
٩ب
وروى البَيْهفى عن هِنْد بن أبى هالة رضى الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله
(١) عن أبى الشيخ انظر ص ٢٣
(٢) فى ت: ((لايسأل شيئاً)).
- ٤١ -
عليه وسلم خافض الطَّرْف، جُل نظره إلى الأرض أكثر من نظره إلى السماءِ، جُلُّ نظره
الملاحظة .
٠
وروى البخارى فى الأدب المفرد عن عائشة رضى الله عنها قالت : صنع رسول الله
صلى الله عليه وسلم شيئاً فرخص فيه ، فتنَزَّه عنه قوم ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله
عليه وسلم فخطب ، فحمد الله تعالى ، ثم قال : ما بَالُ أَقوام يَتَنَزَّهُون عن الشىءٍ أَصنعه ؟
فوالله إنى لأعلمهم بالله تعالى، وأشدهم له خَشْية .
وروى عن عائشة رضى الله عنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أَشد الناس
حياءً من العَواتِقِ(١) فى خدورها، ورواه الإِمام أحمد والبَيْهَتِى وأبو داود عن أبى سعيد
بلفظ من العذارى .
تنبَيْهَاتُ
الأول : الحياءُ بالمد ، وهو من الحياة ، ومنه الحَيًا للمطر ، لكن هذا المقصور ، وعلى
حسب حياة القلب يكون فى قوم خُلُق الحياة ، وقلة الحياءِ من موت القلب والروح ،
وكُلَّما كان القلب حَيًّا كان الحياءُ أَثَمّ وهو فى اللغة: تَغَيُّر ، وانكسار، يعترى الإِنسان
من خوف ما يعاب به ، وقد يطلق على مجرد ترك الشىء بسبب ، والترك إنما هو من
لوازمه ، وفى الشرع خُلُق يبعث على اجتناب القبيح ، ويمنع عن التقصير فى حق ذى الحق .
الثانى : فى بيان غريب ما سبق
الخِدْر : بكسر الخاء المعجمة ، وسكون الدال المهملة : السُّتْر ، وهو من باب التعميم
لأن العذراء فى الخلوة يشتد حياؤها أكثر ما تكون خارجة منه، لكون الخَلْوة مَظَنّة
وقوع الفعل بها ، فالظاهر أن المراد تقييده إذا دخل عليها فى خدرها ، لا حيث تكون
منفردة فيه .
(١) يقال جارية عاتق أى شابة وقيل العائق البكر، والعائق الجارية التى قد أدركت، وبلغت فخدرت فى بيت
أهلها ولم تتزوج . لسان العرب .
- ٤٢ -
خفض الطرف : ضد رفعه .
جُل الشىء بضم الجيم : معظمه
الملاحظة : أن ينظر بلحظ عينهٍ ، وهو شقها الذى يلى الصدغ والأذن ، ولا يحدق
إلى الشىء، وكانت الملاحظة معظم نظره ، وهو دليل الحياء والكرم .
- ٤٣ -
الباب الخامس
مواراتُه ، وصبره على ما يكره صلى الله عليه وسلم
روى عن عائشة رضى الله عنها قالت: جاءَ مُخَرِّق بن نَوْفل يستأذن ، فلما سمع
رسول الله صلى الله عليه وسلم صوته قال : بئس أخو العشيرة الحديث .
وروى الشيخان ، والإِمامان مالك وأحمد ، والتِّرْمِذى عن عائشة رضى الله عنها أن
رجلا استأُذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ائذنوا له ؛ بِئْسَ أَخو العشيرة ،
فلما دخل عليه ألان له القول وتطَلَّق فى وجهه ، وانبسط إليه ، فلما انطلق الرجل ،
قلت : يا رسول الله ، حين رأيتَ الرجل قلت : كذا وكذا ، فلما دخل أَلنْتَ له القول ،
وتَطلَّقْت(١) فى وجهه، وانبسطت إليه، فقال صلى الله عليه وسلم: (( متى عَهِدْتنِى فاحِشاً
١١٠ إن شر الناس عند الله تعالى منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء فحشه))،/ وفى رواية
اتقاءً شرّه .
وروى ابن الأَعرابى (٢) عن صفوان بن أمية رضى الله عنه قال : والله لقد أعطانى
رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعطانى وإنه لأَبغض الناس إلىّ، فما برح يعطينى حتى
إنه لأَّحب الناس إلىّ، وأعطى حكيم بن حزام مائه من الغنم ، وأَعطى عُيَيْنة بن حِصْن
مائة من الإِبل ، وأعطى الأَفْرَعَ بن حَابس مائةً من الإِبل(٣).
(١) طلق الرجل طلاقة فهو طلق وطليق أى مستبشر منبسط الوجه متهلله. لسان العرب.
(٢) عن ابن الأعرابى انظر ص ١٨٧
(٣) كان هؤلاء من المؤلفة قلوبهم، وهم خمسة عشر رجلا من أشهرهم غير المذكورين: سهيل بن عمرو، ومالك بن
عوف، وأبو سفيان بن حرب، والحارث بن هشام ، ولقد أعطاهم الرسول الكريم من مغانم غزوة حنين سنة ٨ هـ، وتلك
قصة مشهورة انظر تاريخ الأمم الإسلامية ١٣١/١.
- ٤٤ -
وروى ابن عَدِى(١)، والحكيم التِّرمِذِى عن عائشة رضى الله تعالى عنها قالت: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله عز وجل أَمرنى بمُدَارَاة الناس ، كما أمرنى
بالفرائض .
وروى ابن سعد عن إسماعيل بن عياش - بالتحتية والشين المعجمة - رحمه الله تعالى
قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أصبرَ الناس على أَقْذار الناس.
وروى النَّسائى ، وأبو داود عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه قال: كنا تُعُوداً عند
رسول الله صلى الله عليه وسلم فى المسجد فإذا قام قمنا ، فقام يوماً ، وقمنا معه ، حتى بلغ
وسط المسجد فأدركَنا رجل ، فَجَبَذَ بردائه من ورائه ، وكان رداؤه خشنا ، فحَمّر رقبته
فقال : يا محمد احمل لى على بعيرى (٢) هذين الحديث .
تَنْيَهَاتٌ
الأول: هذا الرجل المبهم - قال ابن بَطَّال(٣) والقاضى(٤)، والقُرطبى(٥)، والنووى
رحمهم الله تعالى هو عُبَيْنَةَ بنُ حِصْن بن حُذَيفَة بن بَدْر الفزارى ، وكان يقال له :
الأَّحْمَقُ المُطاعُ » .
الثانى : قال الخطابى(٦): جمع هذا الحديثُ علماً، وأَدباً، وليس قوله صلى الله
عليه وسلم [ لأُمته ] فى الأُمور (٧) التى ينصحهم بها ، ويضيفها إليهم من المكروه غيْبَة ،
وإنما يكون ذلك من بعضهم فى بعض ، بل الواجب عليه صلى الله عليه وسلم أن يبين
(١) عن ابن عدى انظر ص ٢٧٢ .
(٣) ابن بطال هو أبو الحسن على بن خلف بن عبد الملك القرطبى ت ٤٤٩ هـ: شذرات الذهب ٢٨٣/٣.
(٢) انظر ص ٣٣
(٤) عن القاضى انظر ص ٢٨٠ .
(٥) عن القرطبى انظر ص ٢٨.
(٦) عن الحطابى انظر ص ٢٨١.
(٧) زيادة يقتضيها السياق.
- ٤٥ -
ذلك ، ويفصح به ، ويعرف الناس أمرهم ، فإن ذلك من باب النصيحة ، والشفقة
على الأُمة ، ولكنه لما جبل عليه من الكرم ، وأُعْطِيَه من حسن الخُلُق ، أَظهر له البشاشة
ولم يجبهه بالمكروه(١) ليفْتدِى به أُمته فى اتقاءِ شَرِّ مَنْ هذا سبيله، وفى مداراته ،
ليسلموا من شره وغائلته .
الثالث : قال القرطبى : فى هذا الحديث جواز غِيْبَة المعْلنِ بالفسق ، أَو بالفحش،
ونحو ذلك مع جواز مداراته اتقاء شره، ما لم يؤد ذلك إلى المُداهنة (٢) فى دين الله
تعالى ، ثم قال تبعاً للقاضى الحسين : والفرق بين المُداراة والمُدَاهنة أَن المُدَاراة
بذلُ الدنيا ، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما بذل له من دنياه .
حسن عِشْرته ، والرفق فى مُكالته ، ومع ذلك فلم يمدحه بقول يناقض قوله فيه
فعله ، فإِن قوله فيه حق ، وفعله معه حسن معاشرته ، فيزول بهذا التقدير الإشكال .
وقال القاضى(٣) رحمه الله تعالى: لم يكن عُيَيْنَة والله أعلم حينئذ(٤) أسلم ، فلم يكن القول
فيه غِيْبَة ، أو كان أسلم، ولم يكن إِسلامه ناصحاً، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن (٤)
يبين ذلك لئلا يغتر به(٤) من لم يعرف باطنه، وقد كانت منه فى حياة النبى صلى الله
١٠ ب عليه وسلم ، وبعده ، أُمور تدل على ضعف / إيمانه ، فیکون ما وصفه به رسول الله صلى
الله عليه وسلم من علامات النبوة، وأَما إلانَةُ القول له (٤) بعد أن دخل [ فعلى سبيل
التأَّف له ](٤) قال الحافظ(٥): وقد ارتد عُييْنَة فى زمن الصديق رضى الله عنه وحارب ،
ثم رجع ، وأسلم ، وحضر بعض الفتوح فى عهد عمر رضى الله تعالى عنه .
(١) هذه الكلمة غامضة فى النسخ المخطوطة والتصحيح من فتح البارى ٦٢/١٣ ط ١٩٥٩. وانظر صحيح مسلم ١٤٤/١٦
(٢) المداهنة المصانعة وإظهار المرء خلاف مايضمر. تاج العروس أو هى: ترك الدين لصلاح الدنيا، أما المداراة
فهى بذل الدنيا لصلاح الدنيا أو الدين أوهما معا وهى مباحة وربما استحبت: انظر: فتح البارى ٦٣/١٣.
(٣) عن القاضى انظر ص ٢٨٠ .
(٤) زيادات يقتضيها السياق وهى من فتح البارى بشرح البخارى ٦٣/١٣ ط ٩٥٩ .
(٥) قال المؤلف فى المقدمة إنه يقصد به ابن حجر العسقلانى .
- ٤٦ -
الرابع : فى بيان غريب ما سبق :
المُداراة : بميم مضمومة ، فدال مهملة ، فألف فراء ، فأَلف ، فتاء تأنيث غير مهموز ،
وقد بهمز : مُلاينة الناس ، وحسن صحبتهم ، واحتمالهم ، لئلا ينفروا عنك .
الصبر : حبس النفس عند الجزع من المصيبة ، بأن يتصور ما خلق لأجله ورجوعه
إلى ربه عز وجل ، وتذكره للمِنَّة عليه ، فيرى أن ما أَبقى له أضعاف ما استرده منه ،
فيهون بذلك على نفسه(١) .
تَطلَّق: بمثناة فوقية ، فطاءٍ مهملة، فلام [ مشددة ] فقاف مفتوحات : تسهّل،
وانبسط وجهه ، واستبشر .
الفُحْش : بناء مضمومة ، فحاء مهملة ساكنة ، فشين معجمة ، : التعدى فى القول
والجواب ، والكثرة والزيادة من الكلام .
الأقذار : جمع قَذَر ، بذال معجمة : الأوساخ ، والأَدناس حسية ومعنوية .
(١) زيادة يقتضيها السياق .
- ٤٧ -
الباب السادس
فی بره ، وشفقته ، ورحمته ، وحسن عهده صلى الله عليه وسلم
قال الله تعالى: {وما أرسلْنَاكَ(١) إِلا رَحْمَةً للعالمِين﴾ قال بعض العارفين: من
رحمة الله (٢) تعالى خلق الله عز وجل الأنبياء من الرحمة ، ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم
وعليهم ، عين الرحمة ، وروى ابن أَبِى شَيْبة ، والإِمام أحمد ، والنسائى ، وابن ماجه ،
وابن مَرْدَوَيَه(٣) عن أبى ذر رضى الله تعالى عنه: قام صلى الله عليه وسلم ليلة ، فقرأ
آية يُرَدِّدُها، يركع بها، ويسجد، وبها يقوم، ويقعد ، حتى أصبح ﴿إِنْ تعَذِّبْهُم فإِنَّهُم
عِبادُك ، وإن تَغْفِر لَهُمْ (٤) فإِنَّك أَنت العزِيزُ الحكيم) فلما أصبح قلت : يا رسول الله ،
ما زِلْت تقرأ هذه الآية حتى أصبحت ، قال: فإنى سأَلت ربى الشفاعة لأُمتّى ، وهى
نائلة - إن شاء الله تعالى - من لم يشرك بالله تعالى شيئا)) قلت : فما أُجِبْت ؟ قال :
أُجِبْت بالذى لو اطَّلَعَ كثير منهم لتركوا(٥)، قال: فإذا أُبَشِّر الناس ، قال : بلى ،
فقال عمر يا رسول الله : إنك إن بعثت إلى الناس بهذا يتكلوا عن العبادة ، فناداه
أن ارجع .
وروى مسلم عن أنس رضى الله عنه قال : ما رأيتُ أَحداً كان أرحم بالعباد من رسول
الله صلى الله عليه وسلم .
وروى الشيخان عن أبى قتادة(٦) رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
(١) سورة الأنبياء : ١٠٧ .
(٢) هنا كلمة خلق زائدة بالنسخ المخطوطة .
(٣) عن ابن مردويه انظر ص ١٦
(٤) سورة المائدة : ١١٨
(٥) زيادة يقتضيها السياق.
(٦) عن أبى قتادة انظر ص ٤٠٧ .
- ٤٨ -
قال : إنى لأُدخل فى الصلاة، وأنا أريد أن أُطِيلها (١) فأسمع بكاءَ الصبى فأُتجاوز فى
صلاتى مما أعلم من شدة وِجدانه(٢) من بكائه .
وروى مسلم ، وابن عساكر عن ابن عمر رضى الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم تلا قول الله عز وجل فى إبراهيم: ﴿ إِنَّهن أَضْلِلْنَ كَثِيرا / مِن النَّاسِ، فمَنْ !!
تبِعَنِى فَإِنَّهُ مِنِّى، ومَنْ عصانِى فإنك غَفُورٌ رحيم ﴾(٣) وقال فى عيسى عليه السلام:
﴿ إِن تُعَذِّبِهِمْ فَإِنِهِم عِبَادُكِ، وإن تغْفِرْ لَهُمْ فإِنكَ أَنت(٤) العزِيزُ الحكيم ) فرفع يديه ،
وقال : اللهم أَمَّتِى أُمَّتِى ، وبكى ، فقال الله عز وجل : يا جبريل اذهب إلى محمد ،
فقل له، واسأله ما يبكيك ؟ فأَنَّه جبريل عليهما السلام فسأله، فأخبره رسول الله
صلى الله عليه وسلم بما قال ، وهو أعلم ، فقال الله عز وجل : يا جبريل اذهب إلى محمد
فقل له : إنا سنُرْضِيك فى أُمتك، ولا نسُوءِك)) صلى الله عليه وسلم .
وروى الشيخان عن عائشة رضى الله عنها ، والإمام أحمد عن زَيْد بن ثابت رضى
الله عنهما قالا : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من جوف الليل يُصَلى فى المسجد ،
فصلى رجال بصلاته ، فأصبح الناس يتحدثون بذلك، فاجتمع أكثر منهم ، فأصبح
الناس يذكرون ذلك ، فكثر أهل المسجدفى الليلة الثالثة، فخرج فصلوا بصلاته ، فلما
كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله ، ففقدوا صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
فجعل بعضهم يتنحنح ، ليخرج إليهم ، فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
حتى خرج لصلاة الصبح ، فلما قضى صلاته أُقبل على الناس ، ثم تشهد وقال : أَمَّا
بعدُ: فإنه لم يَخْفَ عِى شَانُكُم الليلة ، ولكن خَشِيتِ أَن تُفْرض عليكم صلاة ،
فتعجزوا عنها ، فصلوا فى بيوتكم ، فإن أفضل صلاة المرء فى بيته إلا المكتوبة .
وروى الشيخان، والنَّسَائى، وأَبو الشيخ عن مالك بن الحُوَيْرِث رضى الله تعالى عنه
(١) كلمةٍ: ((فأسمع)) مكررة فى م، ت.
(٢) وجدانه : غضبه.
(٣) سورة إبراهيم : ٣٦
(٤) سورة المائدة : ١١٨.
- ٤٩ -
( ٤ - سبل الهدى والرشاد ج ٧ )
قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رحيما، رفيقاً، فأَّقمنا عنده عشرين ليلة، فظن
أَنا قد اشتقنا إلى أهلنا ، فسألنا عمن تركنا عند أَهلنا ، فأخبرناه ، فقال : ارجعوا
إلى أهليكم ، فأقيموا عندهم .
وروى الطَّبَرانى عن ابن عمر رضى الله تعالى عنهما قال: رأيت رسول الله صلى الله
عليه وسلم يخطب الناس ، فخرج حسن بن على رضى الله عنهما ، فعثر ، فسقط على
وجهه ، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم [ من المنبر ] يريده ، فأخذه الناس ، فأَتوه
به فقال : قاتل الله الشيطان، إن الولد فِتْنة، والله : ما علمت أنى نزلت من المنبر
حتى أُوتِيت به .
وروى الطبرانى عن زيد بن هَالة عن أبيه رضى الله عنه أنه دخل على رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، وهو راقد ، فاستيقظ ، فقام هالة إلى صدره ، وقال : هَالَه، هَالَه،
كأَنّه سُرّ به لقرابته(١) من خديجة .
وروى البخارى فى الأدب عن ابن مسعود رضى الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم نزل منزلا فأخذ رجل بيض حُمَّرة ، فجاءَت تَرِفُّ على رأس رسول الله صلى
الله عليه وسلم ، فقال : أيكم فَجع هذه فى بيضها ؟ فقال رجل : أَنا يا رسول الله أخذت
بيضها ، فقال : اردده ، رحمة لها .
وروى ابن أبى شيْبة عن أبى سَعِيد الخُدْرِى رضى الله عنه قال : صلى بهم رسول
(( ب الله صلى الله عليه وسلم بأَقصر سورتين فى (٢) القرآن، فلما قضى الصلاة ، قال له أبو سعيد /
أَو مُعاذ(٣): صليت صلاة ما رأيتك صليت مثلها قط ، قال : أَنا سمعت بكاء الصبي
خلْفِى، وترَصُّف(٤) النساء ، أردت أن تفرغ له أُمه .
(١) يقصد به هالة بن أبى هالة وهو ابن السيدة خديجة من زوجها الأول أبى هالة بن زرارة التميمى الذى مات فى الجاهلية:
وأنجبت له أيضاً هند بن أبى هالة وهو ذكر ، ثم تزوجت السيدة خديجة بعد أبى هالة : عتيق بن غابد المخزومى ، فولدت
له بنتاً إسمها هند وقد أسلمت انظر سيرة ابن هشام ١٨٧/١ ،٦٤٣/٢٠ - ٦٤٤ وانظر ص ١٩٨.
(٢) لم يحدد أبو سعيد الخدرى هاتين السورتين، والمعروف أنهما سورتى الكوثر، والصمد .
(٣) يقصد : معاذ بن جبل قاضى اليمن .
(٤) يقال : تراصف القوم فى الصف إذا تراصوا أى قام بعضهم إلى بعض فلزق، ورصف بين رجليه : إنظر تاج
العروس .
- ٥٠ -
وروى الشيخان عن أبى هريرة رضى الله عنه قال : قبّل رسول الله صلى الله عليه
وسلم الحسن بن على رضى الله تعالى عنهما، وعنده الأَقْرَعُ بن حايِس(١) النَّمِيمى فقال
الأَفْرَع : لى عشرة من الولد ، ما قبلت منهم أحدا ، فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه
وسلم وقال : إِن من لا يرحم لا يُرحم .
ورويا عن عائشة رضى الله عنها قالت : جاءَ أَعرابى إلى رسول الله صلى الله عليه
وسلم فقال : إنكم تُقبِّلون الصبيان ، وما نقبلهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
أَوَ أَمْلِكُ لك أَن نَزَع الله تعالى الرحمةَ من قلبك .
وروى محمد (٢) بن عمر الأسلمى فى مغازيه عن عبد الله بن أبى بكر بن حَزْم
رضى الله عنه قال: لما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم من العَرْج(٣) فى فتح مكة رأى
كلبة تهرّ على أولادها وهن حولها يَرْضَعْنَها ، فأمر رجلا من أَصحابه يقال له جُعَيل
ابن سُرَاقة أَن يقوم حذاءها ، لايعرض أحد من الجيش لها ، ولا لأولادها .
وروى البخارى وغيره عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال : لولا أَن أَشُق على أَمتى لأَحببت ألَّ أَتخلف خلف سَرِية تخرج فى سبيل
الله، ولكن لا أجد ما أحملهم عليه ، ولا يجدون ما يتحملون عليه ، وشق عليهم أن يتخلفوا
بعدى . الحديث .
وروى الإمام مالك رحمه الله تعالى وغيره عنه أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال : لولا أَن أَشُقَّ على أُمتى لأمرتهم بالسّواك عند كل وضوء ، ومع كل صلاة .
وروى ابن حبان عن عائشة رضى الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعذر
أبا بكر من عائشة ولم يظن رسول الله صلى الله عليه وسلم (٤) أن ينال منها بالذى نال منها ،
(١) كان الأقرع بن حابس من المؤلفة قلوبهم : انظر عنه ص ٤٤.
(٢) الواقدى هو محمد بن واقد الوقدى الأسلمى: تهذيب التهذيب ٣٦٣/٩.
(٣) العرج: بفتح العين وسكون الراء واد من نواحى الطائف وإليه ينسب الشاعر العرجى. معجم البلدان ١٤١/٦.
( ٤) هذه الفقرة ساقطة من م .
١
-٥١ -
١
فرفع أبو بكر يده ، فلطمها ، وَصكّ فى صدرها ، فوجد النبى صلى الله عليه وسلم من ذلك ،
وقال : يا أبا بكر ما أنا بمستعذرك(١) أبدا .
وروى مسلم وغيره عن أنس رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل معه
على ابنه إبراهيم ، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصبى فضمه إليه ، وروى ما شاءً
الله أن يقول، قال أنس: فلقد رأيتُه، وهو يكْبِدُ(٢) بنفسه بين يدى رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، فدمعت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : تدمع العين ، ويحزن
القلب، ولا نقول إلا ما يُرْضِى ربَّنا، وإِنَّا بِك يا إبراهيم محزونون)).
وروى ابن عساكر عن عائشة رضى الله عنها قالت : دخل على رسول الله صلى الله
عليه وسلم رجلان ، فكلماه بشىءٍ لا أدرى ما هو ؟ فأَغضباه ، فلعنهما ، وسبهما ، فلما
خرج قلت له : يا رسول الله من أصاب(٣) منك خيراً فما أصاب هذان منك خيرا ، فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم : أَوَما علمت ما عاهدتُ عليه رَبِى عزّ وجل ؟ . قالت : قلت :
وما عاهدتَ عليه ربك ؟ قال : قلت اللهم أَيُّما رجل سببتُه أَو لعنتُه ، أَو جلدتُه
فاجعلها له مغفرة ، وعافية وكذا وكذا .
١١٢
وروى / التِّرمذِى وصححه عن عائشة رضى الله عنها قالت : ما غِرْت على أحد من
أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم ما غرت على خديجة ، وما بى أَن أكون (٤) أَدركتها ،
وما ذلك إلا لكثرة ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم لها ، وإن كان ليذبح الشاة فيتبع
بها صدائق خديجة رضى الله عنها فيهديها لهن .
وروى أحمد فى مسنده عن عائشة رضى الله عنها قالت : لقد دخل على رسول الله
(١) يقال اعذرنى من هذا أى أنصفى منه، وفى الحديث أن النبى استعذر أبا بكر من عائشة كان عتب عليها فى شىء
فقال لأبى بكر اعذرنى منها أى تم بعذرى فى ذلك : لسان العرب وانظر تاج العروس ٣٨٥/٣.
(٢) يكبد بنفسه: يجود بها، والمراد أنه فى النزع الأخير، والكبد الشدة والمشقة، ومكابدة الأمر معاناة مشقته
لسان العرب وانظر تاج العروس .
(٣) تتمنى السيدة عائشة أن يحرص الناس جميعاً على إصابة الخير من الرسول عليه الصلاة والسلام، ولكنها وجدت
هذين الرجلين لا يصيبان منه هذا الخير فتساءلت عن السبب فى ذلك .
(٤) لا ترجو أن تكون قد أدركتها .
- ٥٢ -
صلى الله عليه وسلم يوماً فقال : صنعتُ اليوم شيئا ، وددت أنى لم أُصنعه ، دخلت البيت ،
فأخشى أن يجىء رجل من أُفق من الآفاق ، فلا يستطيع دخوله ، فيرجع ، وفى نفسه
منه شىء .
تنبيه: فى بيان غريب ما سبق :
البِرّ : بكسر الموحدة : كل فعل مُرْض
الشفقة (١): بشين معجمة، ففاء، فقاف مفتوحتين ، فتاء تأنيث ،
الرحمة : الرفق والتعطف ، فهو صلى الله عليه وسلم رحيم بالمؤمنين .
العهد : بعين مهملة مفتوحة ، فهاء ساكنة ، فدال : الوصية ، والتقدم إلى المرء
فى الشِىءِ والمَوْثِقِ واليمين .
فقام هالة إلى صدره : أى ضمه .
٠٠
حُمَّرَة : بحاءٍ مهملة مضمومة ، فميم مشددة ، فراء مفتوحتين ، فتاء تأنيث :
طائر صغير كالعصفور .
تَرَصُّف النساء : بمثناة فوقية فراء مفتوحتين ، فصاد مهملة مشددة ففاء: وَجْدُهن .
على أولادهن.
كلبة (٢) تَهرُّ على أولادها تقدم الكلام عليه .
يكبد بنفسه : بتحتية مفتوحة ، فكاف ساكنة ، فموحدة مكسورة ، فدال مهملة :
أى يحصل له بسبب طلوعها ضيق وشدة .
(١) الشفقة: رقة من نصح أو حب تؤدى إلى خوف: لسان العرب وانظر تاج العروس.
(٢) الهرير: صوت الكلب دون نباحه : تاج العروس .
- ٥٣ -
الباب السابع
فى تواضعه صلى الله عليه وسلم
قال الله سبحانه وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿واخْفِضْ (١) جَنَاحَك لِمَنِ
اتَّبَعَك مِن المُؤْمِنِينِ﴾: يعنى لَيّن جانبك، وارفق بهم ، أمره الله تبارك وتعالى بالتواضع ،
واللين ، والرفق لفقراء المؤمنين ، وغيرهم من المسلمين .
وروى أبو نُعَيم وابن عساكر من طرق عن ابن عباس موقوفاً(٢) ، وابن سعد عن
عائشة ، وأَبو نُعَيم عن ابن عمر رضى الله عنهم مرفوعاً(٣) أَن رسول الله صلى الله عليه
وسلم بينما هو جالس ، ومعه جبريل عليه السلام ، إذ انشق أفق السماء ، فأَقْبل جبريل (٤)
يدنو من الأرض ، ويدخل بعضه فى بعض، ويتضاءل فإِذا مَلَك قد مَثُلَ بين يَدَىْ
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، - وفى لفظ: إن الله سبحانه وتعالى أرسل إلى النبي صلى
الله عليه وسلم ملكا من الملائكة حُجْزته(٥) تساوى الكعبة ، ما هبط على نبى قبلى ، ولا يهبط
على أحد بعدى ، وهو إِسرافيل عليه السلام ، فقال : السلام عليك يا محمد ، إن ربك
يقرئك السلام، أَنا رسول ربك إليك، أَمرنى أَن أُخَيِّرَكَ: إِن شئت نبياً عبدا، وإِن
شئت نبيا ملكا ، فنظرت إلى جبريل عليه السلام كالمستشير ، فأشار إلىّ جبريل بيده ،
أن تواضع ، فقلت ، بل نبيا عبدا ، يا عائشة لو قلت : نبيا ملكا ، ثم شئتُ لسارت
معى الجبال ذهباً ، قالت عائشة : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يأكل
(١) سورة الشعراء : ٢١٥ .
(٢) الحديث الموقوف هو المروى عن الصحابة قولا أو فعلا أو تقريراً متصلا أو منقطعاً : انظر كتاب علوم
الحديث ط بيروت ١٩٦٧ ص ٦٤
(٣) عن الحديث المرفوع انظر ص ١١ .
( ٤) انظر ص ٦٤ .
(٥) حجزه الإنسان معقد السراويل والإزار وأصل الحجزة موضع شد الإزار : لسان العرب.
- ٥٤ -
متكئا ويقول : آكل كما يأكل العبد ، وأجلس كما يجلس / العبد )) - للحديث طرق ١٢ ب
تأتى فى باب زهده(١) صلى الله عليه وسلم .
وروى ابن سعد عن حَمْزَة بن عبيد الله بن عُنْبة قال : كانت فى رسول الله خصال
ليست فى الجَبّارين، كان لا يدعوه أحمر، ولا أسود ، إلا أَجابه، وكان ربما وجد تَمْرة
مُلْقَاةً فيأخذها ، فيرمى بها إلى فيه ، وإنه ليخشى أن تكون من الصدقة ، وكان يركب
الحمار ◌ُزْیاً ، ليس عليه شىء .
وروى الإمام أحمد ومسلم عن أبى ذَر رضى الله عنه قال : ركب رسول الله صلى الله
عليه وسلم حماراً وأردفنى خلفه .
وروى ابن عَدِىٌّ (٢) عن عائشة رضى الله عنها قالت : خرج رسول الله صلى الله عليه
وسلم وقد عقد عباءة بين كتفيه فلقيه أَعرابى فقال : لِمَ لبست هذا يا رسول الله ؟
فقال: وَيْحك، إنما لبست هذا لأَقْمَع به الكبر .
وروى أبو داود والِّرمِذى عن جابر بن عبد الله رضى الله تعالى عنه أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم أَخذ بيد مَجْلُوم ، فأَدخله معه فى القصعة ، ثم قال له : كل باسم الله ،
ثِقةً بالله، وَتَوَكُّلا عليهِ(٣).
وروى ابن أبى شَيْبة وعلى بن عبد القدير البغوى عن عبد الرحمن بن جَبر الخزاعى
قال : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشى مع أصحابه إذ أَخَذَّ(٤) رجل منهم، فستره
بثوب فلما رأى ما عليه ، رفع رأسه ، فإذا هو علاه قبلى ستر ، فقال: مهْ، فأخذ الثوب ،
فوضعه ، وقال : إنما أَنَا بَشَرٌ مثلكم )).
(١) انظر الصفحات ١٢٤ وما بعدها .
(٢) عن ابن عدى انظر ص ٢٧٢
(٣) انظر ص ٢٧٦ .
(٤) أخذ بمعنى أسرع : انظر تاج العروس ولسان العرب .
- ٥٥ -
وروى الحارث بن أبى أسامة عن يزيد الرَّقَاشى(١) رضى الله عنه قال: حج رسول الله
صلى الله عليه وسلم على رَحل رتّ وقطيفة تساوى أربعة دراهم ، وقال : اللهم حجة
مبرورة ، لا رياءَ فيها ، ولا سمعة .
وروى تَقِىّ بن مَخْلَد عن أنس رضى الله عنه قال : إن رسول الله صلى الله عليه
وسلم كان يقود راحلته ، ويمشى هُنَيهة .
وروى أيضاً عنه قال ما رفع(٢) رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً قط ، ولا حملت
معه طِنْفسة(٣).
وروى ابن الأعرابى(٤) عن أبى المثنى الأَمْلُوكى(٥) رضى الله عنه قال: كان رسول
الله صلى الله عليه وسلم ، ومن قَبْله من الأنبياء عليهم السلام يمشون على العصا ، يتوكُن
عليها ، تواضعاً لله عز وجل .
وروى ابن سعد عن أنس رضى الله تعالى عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه
وسلم يركب الحمار ، ويُرْدِف بعده ، ويجيب دعوة المملوك .
وروى الحاكم(٦) عن أبى موسى رضى الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه
وسلم يركب الحمار ، ويلبس الصوف ، ويعْقِل الشاة، ويأتى مِدعاة(٧) الضعيف.
وروى البخارى عن البزَّار(٨) رضى الله تعالى عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه
وسلم يوم الأحزاب(٩) ينقل التراب ، وقد وارى التراب بياض إبطه .
(١) هو يزيد بن أبان الرقائق أبو عمرو البصرى الزاهد ت بين ١١٠ - ١٢٠ تهذيب التهذيب ٢٠٩/١١
(٢) المعنى: مارفع الرسول فضل طعام عن شبع: انظر ص ١٥٤.
(٣) انظر ص ٧٠
(٤) عن ابن الأعرابي انظر ص ٣٢١
(٥) أبو المثنى الأملوكى اسمه ضمضم الحمصى: انظر تهذيب التهذيب ٤٦٣/٤، ٢٢١/١٢.
(٦) عن الحاكم انظر ص ٣٢١
(٧) المدعاة بفتح الميم وكسرها مادعوت إليه من طعام وشراب: دعا الرجل الناس إلى مدعاة أى إلى مأدبة: لسان العرب.
(٨) عن البزار انظر ص ١٧
(٩) كانت غزوة الأحزاب أو الحندق فى شوال من السنة الخامسة من الهجرة: انظر عنها القرآن الكريم : سورة
الأحزاب . الآيات ٩ - ٢٥ .
- ٥٦ -
وروى الدَّارمى(١) عن عبد الله بن أبى أَوْفى رضى الله تعالى عنه قال: كان رسول الله
صلى الله عليه وسلم يكثر الذكر ، ويُقِل اللغو(٢)، ويطيل الصلاة ، ويقصر الخطبة ،
ولا يأنف، ولا يستكبر أن يمشى مع الأَرملة والمسكين يقضى لهما / حاجتهما .
وروى الخرائطى(٣) عنه أيضاً قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يستنكف
أن يمشى مع الضعيف، والأرملة ، فيفرغ لهم من حاجاتهم ..
وروى الإمام أحمد ، وأبو داود عن عبد الله بن عمرو رضى الله تعالى عنهما قال :
ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل مُنَّكِئاً، ولا يطأ عقبه رجلان (٤).
وروى أبو الشيخ(٥) عن ابن عباس ، وابن سعد عن أنس رضى الله عنهم قال :.
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس على الأرض، ويأكل على الأرض ، ويَعْقِل
الشاة، ويجيب دعوة المملوك ، زاد أنس: ويقول: لو دُعِيت إلى ذِراع لأجبت ، ولو
أُهْدِى إلى كُرَاع لقبلت .
وروى الخطيب(٦) فى الرّواية عن مالك عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: كان
رسول الله صلى الله عليه وسلم يجيب دعوة العبد إلى أى طعام دعا ، ويقول: لو دُعِيت
إلى كُراع لأَجبت .
وروى التِّرمِذي عن أنس رضى الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
(١) هو هناد بن السرى بن مصعب الدارمى ت٢٤٣ هـ: انظر تذكرة الحفاظ ٨٢/٢.
(٢) اللغو : السقط ومالا يعتد به من كلام وغيره : القاموس.
(٣) عن الخرائطى انظر ص ١٧
(٤) المتكىء هو المعتمد على الوطاء الذى تحتّه أى لا يقصد متمكناً على الأوطئة والوسائد فعل من يريد أن يستكثر من
الأطعمة ويتوسع فى الألوان: ولا يطأ عقبه ((أو عقبيه)) أى لا يمثى قدام القوم بل يمثى فى الوسط أو فى الخلف تواضعاً:
أى لايمشى كالجبابرة مع الأتباع والخدم، وفائدة الثنية أنه قد يكون معه واحد من الخدم وراءه لمكان الحاجة إليه، وهذا
لاينافى التواضع: انظر لسان العرب ومسند الإمام احمد ٧٩/١٠ تحقيق شاكر .
(٥) عن أبى الشيخ انظر ص ٢٣
(٦) عن الخطيب انظر ص ٢١
٠ - ٥٧ -
يركب الحمار ، ويعود المريض، ويشهد الجنازةَ، ويأَتَّى دعوة المملوك ، وكان يوم(١)
بنى قُرَيْظة على حمار مَخْطُوم [ بحبل ](٢) من ليف ، على إكاف من ليف .
وروى التِّرمِذى - وصححه - والبيهقى عن هند بن أبى هالة رضى الله عنه وس (٣)
أُمِّه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبدأ من لقيه بالسلام .
وروى الإمام أحمد فى الزهد ، وابن عساكر - وقال هذا حديث مرسل(٤) - وقد جاءً
معناه فى الأحاديث المسندة عن الحسن رضى الله تعالى عنه قال: والله ما كان رسول الله
صلى الله عليه وسلم تُغْلَق دونه الأبواب، ولا يقوم دونه الحجاب ، ولا يُغْدَى عليه
بالجِفان ، ولا يُراح بها عليه ، ولكنه كان بارزاً ، من أراد أن يلقى نبى الله صلى الله عليه
وسلم نقيه ، كان يجلس على الأرض ، ويطْعم ويلبس الغليظ ، ويركب الحمار ، ويُرْدِف
خلفه ، ويلْعَق يده .
وروى ابن ماجه عن ابن مسعود رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كلّم
رجلا فأُرْعِد ، فقال : هوِّنْ عليك ، فإنى لست بملك ، إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت
تأكل القديد(٥).
وروى ابن ماجه عن عبد الله بن بُسر(٦) قال: أُهْدِيَت إلى رسول الله صلى الله عليه
وسلم شاة فجئا على ركبتيه ، فأُكل ، فقال أَعرابى : يا رسول الله ما هذه الجِلْسة ؟ فقال :
إن الله عز وجل جعلنى عبداً كريما ، ولم يجعلنى جباراً عنيدا .
وروى الإمام أحمد ومسلم عن أنس رضى الله عنه قال : كانت امرأة فى عقلها شىء
(١) كان ذلك بعد غزوة الأحزاب فى السنة الخامسة الهجرة: انظر القرآن الكريم : سورة الأحزاب الآيتين
٢٦ - ٢٧ وسيرة ابن هشام ٨٩/٢ وتاريخ الأمم الإسلامية ١٢٢/١
(٢) هذه الزيادة من ص ٦٦
(٣) أمه السيدة خديجة زوجة الرسول الأولى انظر ص ٢١ .
(٤) انظر ص ٣٨
(٥) القديد: الحجم المشرر المقدد، أو ماقطع منه طوالا، وجفف فى الشمس، انظر: لسان العرب، وتاج العروس
وانظر ص ٨٥
(٦) عن عبد الله بن يسر انظر ص ٢٧٣.
س
- ٥٨ -
قالت : يارسول الله إن لى إليك حاجة ، فقال: يا أم فلان انظرى أَى الطرق شئت))
قال : أَقضى لك حاجَتك ، فقام معها يناجيها ، حتى قضت حاجتها .
وروى أبو بكر الشافعى وأبو نُعيم عن أنس رضى الله عنه قال : كان رسول الله صلى
الله عليه وسلم فى طريق ، ومعه ناس من أصحابه ، فتعرضت له امرأة فقالت /: يا رسول ١٣ب
الله لى إليك حاجة ، فقال : يا أُم فلان اجلسى فى أَدْنى نواحى السكك ، حتى أجلس
إليك ، ففعلت ، فجلس إليها ، حتى قضى حاجتها .
وروى ابن أبى شَيْبة عن يعقوب بن يزيد قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
يتَّبع غبار المسجد بجريدة .
وروى البخارى فى الأدب عن عَدِى بن حَاتِمِ أَنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم
فإذا عنده امرأة وصبيان ، أَو صبى ، فذكر قربهم من النبى صلى الله عليه وسلم ، قال :
فعرفت أنه ليس مُلْك كسرى وقيصر .
وروى أبو بكر بن أبى شَيْبة عن أنس رضى الله عنه قال : إن كانت الوَلِيدة من
وَلَائد أَهل المدينة لتجئ، فتأُخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فما ينزع يده
من يدها ، حتى تذهب به حيث شاءت من المدينة فى الحاجة .
وروى عبْد بن حُميد عن عدِىّ بن حاتم قال : أَتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
وهو جالس فى المسجد فقال القوم : هذا عدِىّ، وجِئْت بغير أَمان ولا كتاب ، فلما
دُفِعت إليه أَخذ بيدى ، وقد كان قال قبل ذلك: إنى لأرجو أن يجعل الله يده فى يدى
قال : فقام معى فلقيته امرأة وصبى معها فقالا : لنا إليك حاجة ، فقام معهما ، حتى
قضى حاجتهما .
وروى أبو ذر المَرَوى فى دلائله عن أبى أمامة بن سَهْل بن حُنيف أخبره أَن مِسْكینة
مرضت ، فأُخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم (١) بمرضها ، وكان رسول الله صلى الله
عليه وسلم يعود المساكين ، ويسأل عنهم .
(١) هنا كلمة يعود زائدة.
- ٥٩ -
وروى الإمام أحمد والبخارى وابن ماجَه عن أنس رضى الله عنه قال : إن كانت
الأَمَة من المدينة لتأُخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتنطلق بها فى حاجتها فلم
پنزع یده من يدها ، حتى تذهب به حيث شاءت .
وروى ابن إسحاق الزجاجى(١) فى تاريخه عن عِكْرِمَةٍ(٢) رحمه الله: قال العباس
رحمه الله: يارسول الله إنى أراهم قد آذَوْك، وآذاك غُبارهم ، فلو اتخذت عريشً(٣)
تكلمهم فيه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا أزال بين أظهرهم يطئون عقبى
وينازعونى ثوبى ، ويؤذينى غبارهم ، حتى يكون الله هو الذى يرحمنى منهم .
وروى أبو داود ، وابن ماجَه ، وابن حِبّان، وقاسم بن ثابت، والطَّبرانى عن أبى
سعيد وغيره من الصحابة قال : مر النبى صلى الله عليه وسلم بغلام - زاد الطَّبرانى أنه
مُعَاذٌ بن جَبَل يَسْلَخ شاة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : تنحّ حتى أُرِيك ،
فإنى لا أراك تحسن تسْلُخ ، فأَدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يده بين الجلد واللحم ،
فدَخَس بها حتى تَرَادَّت إلى الإِبط ، ثم قال : يا غلام هكذا فاسلخ .
وروى مسلم عن أنس رضى الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى
١٤ أ الغَدَاة(٤). جاءَه خدم أهل المدينة بآنيتهم فيها الماء، فما يؤتى بإناءٍ إلا غمس / يده فيه،
فربما جاءوه فى الغداة الباردة ، فيغمِس يده فيها .
وروى البخارى عن أنس رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على
صبيان ، فسلم عليهم .
وروى البخارى فى الأدب المفرد عن حسَنة بن خالد وسُوَاء(٥) بن خالد رضى الله
عنهما: أَنهما أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يعالج حائطاً، أَو بِنَاء له .
(١) هو أبو القاسم بن اسحاق الزجاجى النهاوندى ت ٣٣٧ هـ وفيات الأعيان ٢٧٨/١ وبقية الوعاة ٢٩٧
(٢) انظر ص ٣٧
(٣) العريش: مايستظل به.
(٤) أى صلاة الفجر .
(٥) عن سواء بن خالد الأسدى الصحابى انظر: تهذيب التهذيب ٢٦٥/٤
- ٦٠ -