النص المفهرس

صفحات 641-660

إبراهيم فى ذرية إسماعيل من النُّبُوة فماتؤمن أن يكون هذا هو ذاك الرجل ، ليس لى فى النبوة
رأَى، ولو كان أَمْراً من أمور الدنيا لَأَشَرْتُ عليك فيه برأَى وجَهَدْتُ لك. فقال له الأَسقف
تَنَحَّ فَاجْلِسْ ناحيةً. فَتَنَحَّى شُرَحْبِيل فجلس ناحية .
فبعث الأسقف إلى رجل من أَهل نَجْرَان يقال له عبد الله بن شرحبيل وهو من ذى
أَصْبَح من حِمْيَر، فأَقرأه الكتاب وسأَله ما الرأَى ؟ فقال نَحْوًا من قول شرحبيل بن
وَدَاعَة. فقال له الأَسقف: تَنَحَّ فاجلس، فَتَنَخَّى فجلس ناحيةً. ثم بعث الأَسْقُف إلى
رجل من أَهل نَجْرَان يُدْعَى جَبَّار بن فَيْض من بنى الحارث بن كعب أَحد بنى الحماس،
فأَقْرأَه الكتاب وسأله عن الرأَى فيه فقال له مثل قول شرحبيل بن وَدَاعَة ، وعبد الله بن
شرحبيل ، فأمره الأَسقف فجلس ناحية .
فلما اجتمع الرأى منهم على تلك المقالة جميعاً أَمَر الأَسقف بالناقوس فضُرِبَ به ،
وَرُفِعَت النيران السُرُجُ فى الصوامع وكذلك كانوا يفعلون إِذا فَزِعُوا نهاراً فإن فَزِعُوا
بالليل ضربوا بالناقوس ورفعوا النيران فى الصوامع، فاجتمع حين ضُرِب بالناقوس وَرُفِعت
السُّرُجِ أَهْلُ الوادى أَملاه وأسفله ، وطول الوادى مسيرة يوم للراكب السريع ، وفيه ثلاث
وسبعون قرية ، ومائة ألف مقاتل ، فقرأَ عليهم الأَسقف كتاب رسول الله صلى الله عليه
وسلم وسأَّهُم عن الرأى فيه . فاجتمع رأَى أَهل الرأى منهم على أن يبعثوا شرحبيل بن
وَدَاعَة الهمدانى، وعبد الله بن شرحبيل الأَصْبَحِى، وَجَبَّار بن فَيْض الحارثى فيأَتوهم بخير
رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقال ابن إسحاق : وقَدِمِ على رسول الله صلى الله عليه وسلم وَفْدُ نَصَارَى نَجْرَان ،
ستون راكباً ، فيهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم منهم العاقب وهو عبد المسيح والسَّيِّد وهو
الأَيْهَم، وأبو حارثة بن عَلْقَمَة أَحد بنى بكر بن وائل ، وأَوْس ، والحارث ، وَزَيْد ،
وقيس ، ويزيد، وبنيه وخويلد ، وَعَمْرو، وخالد، وعبد الله، وَيُحَنِّس، منهم ثلاثة نفر إليهم
يؤول أَمْرُهم : العاقِب أَمير القوم وذو رأيهم وصاحب مشورتهم والذى لا يَصْدُرُون إلا عن
رأيه، واسمه عبد المسيح / والسَّيِّد ثِمَالُهُم وصاحب رَحْلِهم ومجتمعهم واسمه الأَيْهَم .
- ٦٤١ -
٥٠٤ ,
( ٤١ - سبل الهدى والرشاد جـ ٦)

وأَبو حارثة بن عَلْقَمةِ أَحَد بنى بكر بن وائل أَسْقُقهم وَحَبْرُهم وإمامهم ، وصاحب
مِدْرَاسِهِم ، وكان أَبو حارثة قد شَرُفَ فيهم وَدَرُسَ كتبهم حتى حَسُنَ عِلْمُه فى دينهم ،
فكانت ملوك الروم من أَهل النصرانية قد شَرَّفُوه وَمَوَّلُوه وأَخدموه وَبَنَوْا له الكنائس
وَبَسَطوا عليه الكرامات لما يبلغهم عنه من عِلْمه واجتهاده فى دينهم . فانطلق الوفد حتى
إذا كانوا بالمدينة وضعوا ثيابَ الْسَّفَر عنهم وَلَبِسُوا حُلَلًا لهم يَجُرُّونَهَا من حِبَرَة وَتَخَتَّمُوا
بالذهب . وفى لفظ : دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فى مسجده [فى المدينة] حين
صلى العصر، عليهم ثياب الْحِبَرات: جُبَب وأردية فى جمال رجال بنى الحارث بن كعب.
فقال بعض من رآهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يَوْمَئِذٍ : ما رأينا وفدًا
مِثْلَهم. وقد حازت صلانهم . فقاموا فى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يُصَدُّون نحو
المشرق ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((دَعُوهُمْ)). ثم أَتَوْا رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، فَلَّموا عليه فلم يَرُدّ عليهم السلام، وَتَصَدَّوْا لكلامه نهاراً طويلاً فلم يُكَلِّمهم
وعليهم تلك الْحُلَل والخواتيم الذَّهَب .
فانطلقوا يَتَّبِعُون عثمان بن عَفَّان ، وعبد الرحمن بن عَرْف رضى الله عنهما وكانوا
يعرفونهما ، فوجدوهما فى ناس من المهاجرين والأنصار فى مجلس فقالوا لهما : يا عثمان
ويا عبد الرحمن ، إِن نَبيَّكُمَا كتب إلينا كتاباً فأَقبلنا مجيبين له ، فأَتيناه فَسَلَّمنا عليه
فلم يَرُدّ سلامنا ، وَتَصَدَّيْنا لكلامه نهاراً طويلا فأَّعيانا أَنْ يُكَلِّمَنا فما الرأَى منكما؟ أَنعود
إليه أم نرجع إلى بلادنا ؟
فقالا لعلى بن أبى طالب رضى الله عنه وهو فى القوم : ما الرأى فى هؤلاء القوم يا أبا
الْحَسَن ؟ فقال لهما : أَرى أَن يضعوا حُلَلَهم هذه وَخَرَاتِيمَهُمْ وَيَلْبَسُوا ثياب سفرهم ثم
يعودوا إليه. فَفَعَل وَفْدُ نجران ذلك ووضعوا حُلَلَهم وَتَزَعوا خواتيمهم وَلَبِسُوا ثياب
سَفَرهمْ وَرَجَعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فَسَلَّموا عليه فَرَدَّ عليهم سلامَهم ثم قال:
((والذى بَعَثَنى بالحق لقد أَتَوْنِى المرة الأُولى وأَن إِبليس لَمَعَهُمْ )) .
- ٦٤٢ -

ذِكْرُ دُعَائِه صلى الله عليه وسلم وَفْدَ نَجْرَان إلى الإِسلام وما دار بينه وبينهم: روى
الحاكم وُصَحَّحه، وابن مَرْتَوِية ، وأَبو نُعَيْم عن ابن عباس رضى الله عنه ، وابن سعد ،
وَعَبْد بن حُمَيْد عن الأزرق بن قيس رحمه الله تعالى أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم دَعَا
وَفْدَ نجران إلى الإِسلام فقال العاقِب السيد ، عبد المسيح، وأَبو حارثة بن عَلْقَمَة : قَد
أَسلمنا يا محمد، فقال: ((إِنكما لم تُسْلِما)). قالا: بَلَى قد أَسلمنا قبلك. قال: ((كَذَبْتُمَا،
يَمْنَعُكُمَا من الإِسلام ثلاث فيكما : عبادتكما الصليب وَأَكْلُكُمَا الْخِنْزِير وزعمكما أَن اللهِ
وَلَدًا )). ثم سأَلهُم وسألوه ، فلم تزل به وبهم المسألة حتى قالوا له : ما تقول فى عيسى بن
مَرْيَم ؟ فإِنا نرجع إلى قومنا ونحن نصارى ، يَسُرِّنا إن كنت نبياً أَن نعلم قَوْلَك فيه .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما عندى فيه شىء يومى هذا، فأَقِيمُوا حتى
أخبر كم / بما يقول الله فى عيسى)). وروى ابن جرير عن عبد الله بن الحارث بن جَزْءٍ ٥٠٤
الرَّبَيْدى رضى الله عنه أنه سَمِع رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول (( ثَبَت بينى وبين أَهل
نجران حِجاب فلا أَراهم ولا يَرَوْنِى)»، من شِدَّةٍ ما كانوا يُمَارون رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، انتهى .
وروى ابن جرير ، وابن أبى حاتم عن ابن عباس ، وابن سعد عن الأزرق بن قيس ،
وابن جرير عن السُّدِّى، وابن جرير، وابن الْمُنْذِر عن ابن جُرَيْج : أَن نَصَارَى نجران
قالوا: يا محمد، فيم تَشْتُم صاحبنا؟ قال: ((مَنْ صاحبكم)) ؟ قالوا : عيسى بن مريم
تَزْعُم أَنه عبد. قال: ((أَجَلْ إِنه عَبْدُ الله وَرُوحُه وَكَلِمَتُهُ، أَلقاها إلى مريم وَرَوْحٌ منه)).
فَغَضِبُوا وقالوا: لا ولكنه هو الله نَزَل من مُلْكِهِ فَلَخَل فى جَوْفٍ مَرْيَم ثم خَرَج منها فأَرانا
قُدْرَتَهُ وَأَعْرَه ، فهل رَأَيْتَ قَطْ إِنسانًا خُلِقِ من غَيْرِ أَبٍ ؟
فأنزل الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الْذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمِسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾(١)، وأَنزل
الله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلٍ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾(٢)
(١) من الآية ١٧ من سورة المائدة .
(٢) سورة آل عمران الآية ٥٩.
- ٦٤٣ -
:

أَى فى كَوْنِهِ خُلِق من غير أب كمثل آدم خلقه من تراب يابس فجعله بَشَرًا: لَحْمًا وَدَماً
((ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)) فَمَثَلُ عيسى عند الله كَمَثَل آدم أَى شأَنْه الغريب كشأن آدم
عليهما السلام. (خَلَفَهُ مِنْ تُرَابٍ)) جُمْلَةُ مُفَسِّرة للتمثيل لما له من الشَّبَه وهو أنه تعالى
خَلَقَ آدم من تُرَاب بلا أَبٍ ولا أُمّ فَشَبَّه حالَه بما هو أَغْرَب إِفْحَامًا للخَصْم وَقَطْعًا لمواد
الشبهة، والمعنى خَلَقَ قَالَبَهُ من تُرَاب ثم قال له ((كُنْ)) أَى أَنشأَه بَشَرًا سَوِيًّا بقوله ((كُنْ))
كقوله تعالى: {ثُمَّ أَنْشَأَنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾(١). ويجوز أن تكون «ثُمَّ) لتراخى الْخَبَر لا المخبر
فيكون حكاية حالٍ ماضِية .
﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ﴾(٢) خَبَر محذوف أَى الْحَقُّ المذكور من الله عَزَّ وَجَلّ، ((فَلَا تَكُنْ
مِن الْمُمْتَرِين)(٢) خِطَابٌ للنبي صلى الله عليه وسلم لزيادة الْثَّبَات أَو لكل سامع(٣) . فلما
أصبحوا عادوا فقرأَ عليهم الآيات فَأَبَوْا أَن يقرأُوا . وفى ذِكْر طلبه صلى الله عليه وسلم
مُبَاهَلَةَ أَهل نجران بأَمْر الله تعالى وامتناعهم من ذلك قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ
فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾(٤) أَى جَادَلَكَ من النصارى فى عيسى من بعد ما جاءك من
الْبَيِّنَات الْمُوجِبَة للعِلْمِ. ﴿فَقُلُ تَعَالَوْا﴾(٤) هَلُمُّوا بالرَّأَىِ وَالْعَزْمِ ﴿نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَكُمْ
وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾(٤) أَى يَدْعُ كُلَّ مِنَّا ومنكم نَفْسَه وَعِزَّةَ أَهْلِهِ وَأَلْصَقهم
بقلبه أَى الْمُبَاهَلَة، وإِنما قَدَّم على الْنَّفْس لأَن الرجل يُخَاطر بنفسه لهم وَيُحَارب دُونَهم ،
ثم نتباهل أَى يُلْعَنُ الْكاذبُ مِنَّا، وَالْبَهْلَة بالضَّمّ [والفتح](٥) اللَّعْنَة وَأَصْلُه الْتَّرْك من
قولهم بهلتُ الْنَاقَةَ إِذَا تَرَكْتَها بلا صِرَار. (( ثُمَّ نَبْنَهِل فَنَجْعَلَ لَعْنَةَ الهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ))(٤)
عَطف فيه بيان .
﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾(٦) أَى ما ذكره من شَأَن عيسى حَقّ دون ما ذكروه وما
بعده خَبَر، واللام لأَّنه أقرب إلى الْمُبْتَده من الْخَبَر وأَصلها أن تدخل على الْمُبْتَدا. ﴿وَمَا
(١) من الآية ١٤، سورة المؤمنون.
(٢) سورة آل عمران الآية ٦٠.
(٣) فى تفسير القرطبى (٤: ١٠٣) الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته لأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن شاكا
فى أمر عيسى عليه السلام .
(٤) سورة آل عمران الآية ٦١.
(٥) تكملة من القاموس وفى شرح المواهب (٤: ٤٢) قال البيضاوى البهلة بالضم والفتح اللعنة ...
(٦) سورة آل عمران الآية ٦٢ .
- ٦٤٤

مِنْ إِلَهِ إِلَّ اللهُ﴾(١) صَرَّح فيه ((بِمَنْ)) الْمَزِيدَة للاستقراء تأكيداً للرّ على النصارى فى
تثنيتهم. ((وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)) لا أَحَدَ يساويه فى الْقُدْرَة الثابتة / والحكمة البالغة ٥٠٥,
ليشاركه فى الألوهية. ﴿فَإِنَّ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾(٢) وَعِيد لهم وُضِعَ لهم مَوْضِعَ
التميز ليدل على أَن التَّوَلّى عن الحجج والإعراض عن التوحيد إفساد الدِّين والاعتقاد
الْمُؤَدِّى إِلى فَسَادِ الْعِلْمِ .
وَرَوَى الحاكمِ وَصَحَّحَه، وابن مَرْدَوِيِه، وأَبو نُعَيْم فى الدلائل عن جابر ، وأَبو
نُعَيْم عن ابن عباس رضى الله عنه ، والبيهقى عن سَلَمة بن عبد يسوع عن أبيه عن جَدِّه
والشيخ ، والترمذى، والنَّسَائى عن حُلَيْفَة، وابن سعد عن الأَزرق بن قيس، وَعَبْد بن
حُمَيْد ، وابن جرير ، وأَبو نُعَيْم عن ابن عباس فى الدلائل عن قَتَادة ، وابن أَبِى شَيْبَة ،
وسعيد بن منصور ، وَعَبْد بن حُمَيْد، وابن جرير ، وأَبو لُعَيْم عن الشعبى رضى الله عنهم :
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآيات دعا وَقْد نجران إِلى الْمُجَاهَلَة فقال :
(إن الله تعالى أَمربى إن لم تَقْبَلوا هذا أَن أُبَاهِلَكُمْ)). فقالوا: يا أبا القاسم بل نرجع فننظر
فى أَمرنا. وفى حديث ابن عباس عن أبى نُعَيْم فى الدلائل: فقالوا: أَخِّرْنَا ثلاثةَ أَيام،
فَخَلا بعضهم إلى بعض وتصادقوا . فقال السيد العاقب : والله يا معشر النصارى لقد عرفتم
أَن محمداً لَنَبِىٌّ مُرْسَل ولئن لاعنتموه لَيُخْسَفَنَّ بأَحد الفريقين إنه لَلاستئصال لكم ،
وما لاَعَنَ قَوْمٌ قَطنبياً فَبَقِىَ كبيرُهُم ولا نَبَتَ صَغِيرُهم . وفى رواية: فقال شُرَحْبِيل : لئن
كان هذا الرجل نَبِيّاً مُرْسَلًا فلاعَنَّه لا يُبْقَى على وجه الأرض مِنَّا شَعْرِ ولا تُفْر إلا هَلَك .
وفى رواية : لا نُفْلِح نحن ولا عَقِينا من بَعْدنا ، وفى رواية: لئن لاعنتموه لَيُخْسَفَنَّ بأَحد
الفريقَيْن. قالوا: فما الرأَى يا أَبا مَرْيَم؟ فقال: رأيى أَن أُحَكِّمَهُ فإِنِى أَرَى رجلاً لا يَحْكُم
شَطَطًا أَبدًا .
فقال الْسَّيِّد : فإن كنتم قد أبيتم إلا إِلْفَ دِينكم والإقامة على ما أنتم عليه من القول فى
صاحبكم فوادعُوا الرجل ثم انصرفوا إلى بلادكم. فلما انقضَت المدة أَقبل رسول الله صلى
(١) سورة آل عمران الآية ٦٢.
(٢) سورة آل عمران الآية ٦٣.
- ٦٤٥ -

الله عليه وسلم مُشْتَمِلًا على الْحَسَنَ وَالْحُسَيْن فى خميلة له وفاطمة تمشى عند ظهره للملاعنة ،
وله يومئذ عدة نسوة . فقال صلى الله عليه وسلم: (إِن أَنا دَعَوْتُ فَأَمِّنُوا أَنتَم)). وَرَوَى
مُسْلِمٍ ، والترمذى ، وابن المنذر ، والحاكم فى السَُّن عن سعد بن أبى وَقَّاص عن على بن
أحمر قالا : لما نزلت آية الْمُبَاهلة دَعَا رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً وفاطمة وَحَسَناً
وَحُسَيْنًا، فقال: ((اللهم هؤلاءٍ أَهل بيتى)). انتهى.
فَتَلَقَّى شُرَحْبِيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنى قد رأيت خيراً من مُلَاعَنَتِكَ .
فقال: ((وما هو ؟)) فقال: حكمك اليوم إلى الليل وَلَيْلَتِكَ إِلى الصباح فما (١) حَكَمْتَ فينا
فهو جائز . وأَبَوْا أَن يُلَاعِنُوه .
وَرَوَى عبد الرَّزَّاق، والبخارى، والترمذى، والنَّسَائِى، وابن جِرير، وابن الْمُنْذِر
عن ابن عباس رضى الله عنهم قال: لو بَاهَلَ أَهْلُ نجران رسول الله صلى الله عليه وسلم
لَرجَعُوا لا يجدون أَهلاً ولا مالاً. وَرُوِى عن الْشَّعْبِىِ مُرْسَلاً أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال: ((لقد أرانى البشير بهلكة أَهل نجران حتى الطير على الْشَّجَر واو تَمُّوا على الْمُلاَعَنَةِ)).
٥٠٥ غظ وَرُوِىَ عن قتادة / مُرْسَلاً قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إِن كان العذاب لقد نزل
على أهل نجران، إن لو فعلوا لاستؤصلوا من الأَرض)).
ذكْر مصالحة رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل نجران وَبَعْتِهِ معهم أَبا عُبَيْدَة : رجع
رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يُلاَعِنْهُم حتى إذا كان من الغد كتب لهم أهذا الكتاب]:
((بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما كتب محمد النبى رسول الله لأَهل نجران - إِذا كان عليهم
حُكْمُه - فى كل ثَمَرَةٍ وفى كل صفراءُ(٢) وبيضاءُ ورقيق فَأَفْضَلَ [ذلك](٣) عليهم، وَتُرِك
ذلك كله [لهم)] (٢) على أَلْفَىْ خُلَّة من حُلَلِ الأَوَاقِى فى كل رَجَب أَلْف حُلَّة، وفى كل صَفَر
أَلْف حُلَّة، مع كل حُلَّة أُوقِيَّة من الْفِضَّة، فما زادت على الخراج أَو نَقَصَتْ عن الأَواقى
(١) ((فمهما)) بدلا من فما فى تفسير ابن كثير (١: ٣٧٠ (وفى زاد المعاد (على هامش شرح المواهب (١٧٩:٥).
(٢) فى طبقات ابن سعد (٢: ٥٣) فى كل ثمرة صفراء أو بيضاء أو سوداء أو رقيق.
(٣) تكملة من كتاب الخراج لأبى يوسف (طبع السلفية بالقاهرة سنة ١٣٤٦ هـ ص ٨٥).
- ٦٤٦ -

فبالحِسَاب، وما قَضَوْا(١) من دروع أَو خَيْلِ أَو رِكاب أَو عُروض أُخِذَ منهم بالحساب ،
وعلى نجران مؤنةُ رُسُلى وَمُنْعَتُهم ما بين عشرين يوماً فما دون ذلك، ولا تُحْبَس رَسُلى فوق شهر.
وعليهم عَارِيَّة ثلاثين دِرْعًا وثلاثين فَرَساً وثلاثين بعيراً إِذا كان كَيْدٌ وَمَعَرَّة ، وما
هَلَكَ مِعَّا أَعاروا رُسُلِى من دروعِ أَو خَيْل أَو رِكاب [أَو عروض](٢) فهو ضَمِين على رُسُلِي
حتى يُؤَدُّوه إليهم . ولنجران وحاشيتها جِوَارُ الله وَذِمَةُ محمد النبى رسول الله على أنفسهم
وَمِلَّتِهِم وأرضهم وأموالهم وغائبهم وشاهدهم وعشيرتهم وَبَيْعِهِم [وصلواتهم](٣) [وكل
ما تحت أيديهم من قليل أو كثير](٤) وأَلا يُغَيِّرُوا مما كانوا عليه بغير حق من حقوقهم
ولا مِلَّتِهِم (٥)، ولا يُغَيَّرِ أَسْقُف عن أَسْقُفِيَّتِهِ (٦) ولا راهب من رهبانيته(٧)، وليس عليهم
دَنِيَّة ولا دَمَ جاهلية ولا يُحْشَرُون ولا يُعْشَرُون ولا يَعْطَأَّ أَرْضَهم جَيْش، ومن سأَل منهم
حَقّاً فبينهم النَّصَف غير ظالمين ولا مظلومين. [على أَلا يأَكلوا الرِبا](٨) فمن أكل الربا
من ذى قبل فَلِمَّتِى منه بريئة ولا يُؤْخَذ(١) رجل منهم بظلم آخر ، وعلى ما فى هذه الصحيفة
جِوار الله وذِعَّة النبى محمد رسول الله أبدًا حتى يأتى الله بأمره ما نَصَحوا وأصلحوا ما عليهم
غير مُثْقَلِين بظلم)(١٠). شَهِدٍ أَبو سُفْيان بن حرب، وغَيْلان بنِ عَمْرو ، ومالك بن عَوْف
الْنَّصْرِى، والأَقرع بن حابس الحنظلى والمغيرة بن شُعْبَة(١١).
(١) فى ابن سعد: وما قبضوا.
(٢) تكملة من كتاب الخراج لأبى يوسف ( ص ٨٦).
(٣) تكملة من ابن سعد (٢: ٥٤).
(٤) تكملة من كتاب الأموال لابن سلام ( ص ١٨٨).
(٥) العبارة التى تبدأ بألا يغيروا إلى ولا ملتهم من زيادات المؤلف إذ لم نعثر عليها فى المصادر التى أوردت هذا
الکتاب .
(٦) فى كتاب الأموال : ولا سقيفاه .
( ٧) زاد فى الأموال: ولا واقها من وقيهاه وشرحها أبو عبيد القاسم ابن سلام: الواقة ولى العهد بلغتهم.
(٨) تكملة من كتاب الأموال. والعبارة التالية: من ذى قبل، غير واضحة لأنها تجعل لتحريم الربا أثراً يمتد
إلى المعاملات السابقة ويوضح هذا عبارة اليعقوبى فى تاريخه ( ٢: ٦٧) وهى: فمن أكل الربا منهم بعد عامهم هذا فذمتى
منه بريئة .
(٩) لفظ ابن سعد: ولا يؤاخذ منهم.
(١٠) الخاتمة فى كتاب الأموال: وعليهم الجهد والنصح فيما استقبلوا غير مظلومين ولا معتوف عليهم.
(١١) زاد فى ابن سعد: وعامر مولى أبى بكر، وفى الخراج لأبى يوسف: وكتب لهم هذا الكتاب عبد الله بن أبى بكر وفى
كتاب الأموال : شهد بذلك عثمان بن عفان، وثقيقيب وكتب. وفى اليعقوبى (٢: ٦٧) أن الذى كتب هذه الوثيقة
على بن أبى طالب .
- ٦٤٧ -

وفى لفظ : أَن الأَسقف أبا الحارث أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه السيد العاقب
ووجوه قومه وأقاموا عنده يستمعون ما يُنْزِل الله عز وجل فكتب للأسقُف هذا الكتاب
ولأَساقفة نجران بعده يقول فيه: ((بسم الله الرحمن الرحيم))، من محمد النبى رسول الله
للأسقف أبى الحارث وأساقفة نجران وكهنتهم ورهبانهم وأهل بيعهم ورقيقهم وكل
ما تحت أيديهم من قليل أو كثير ، لا يُغَيَّر أَسقف من أسقفيته ولا راهب من رهبانيته
ولا كاهن من كهانته ، ولا يُغَيَّر حق من حقوقهم ولا سلطانهم ولا مما كانوا عليه ، لهم على
ذلك جِوار الله تعالى ورسوله أبداً، ما نصحوا وأصلحوا غير مُثْقَلين بظلم ولا ظالمين)).
٥٠٦ , وكتب المغيرة بن شعبة. فلما قَبَضَ / الأَسقف الكتاب استأذن فى الانصراف إلى قومه
ومن معه فأُذِن لهم فانصرفوا .
وروى البيهقى بإسناد صحيح إلى ابن مسعود أن السيد العاقب وأبا الحارث بن علقمة
أَتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرادا أَن يلاعناه، فقال أَحدهما لصاحبه : لا تلاعِنْه
فوالله لئن كان نبياً فلاعنته لا نُفْلِح نحن ولا عَقِبُنَا من بعدنا . فقالا : يا أَبا القاسم قد
رأينا أَلا نلاعنك وأن نتركك على دينك ونرجع على ديننا ولكن ابعث معنا رجلا أميناً
ولا تبعث معنا إِلا أميناً . فقال النبى صلى الله عليه وسلم: ((لَأَبْعَثَنَّ معكم رجلاً أميناً حَقَّ
أَمين)). فاستشرف لها أَصحابه. فقال: ((قُمْ يا أَبا عُبَيْدَة بن الْجَرَّاح)). فلما قام قالَ:
((هذا أَمين هذه الأُمة)). ورواه البخارى(١) فى صحيحه من حديث حُذَيْفَة بنحوه .
ذِكْرِ مُحَاجَّة أَهل نجران ويهود المدينة فى إِبراهيم وما نَزَل فى ذلك من الآيات : قال
إبن إسحاق : وحدثنى محمد بن أبى محمد مولى زيد بن ثابت رضى الله عنه قال : حدثنى
سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عياس رضى الله عنه قال : اجتمعت نصارى نجران
وأحبار يهود عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنازعوا عنده ، فقالت الأحبار : ما كان
إبراهيم إلا يهودياً، وقالت النصارى: ما كان إلا نصرانياً. فأَنزل الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَا أَهْلَ
الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُونَ فِى إِبْرَاهِيم وَمَا أُنْزِلَتِ الْتَّوْرَاةُ وَالإِنْجِيلُ إِلَّ مِنْ بَعْدِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُون.
(١) صحيح البخارى كتاب المناقب باب مناقب أبى عبيدة بن الجراح (٥: ١٠٠).
- ٦٤٨ -

هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللهُ
يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ. مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُرِيًّا وَلَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا
وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَاْنَِّىُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا
وَاللهُ وَلِّ الْمُؤْمِنِينَ﴾(١) .
فقال رجل من الأحبار : أَتُرِيدُ منا يا محمد أَن نَعْبُدَكَ كما تَعْبُدُ النصارَى عيسى
ابن مَرْيَم ؟ وقال رجل من نَصَارَى نَجْرَان: أَوَ ذلك تريد يا محمد وإليه تدعونا ؟ فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَعَاذَ الله أَن أَعْبُدَ غَيْرَ الله أَو آمُرَ بعبادة غَيْرِهِ، ما بذلك
بَعَثَنِيٍ ولا أَمَرَنِى)). فأنزل الله عَزَّ وَجَلّ فى ذلك: ﴿مَا كَانَ لِيَشَرِ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتَابَ
وَالْحُكْمَ وَالْنُبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِ مِن دُونِ اللهِ وَلَكِنِ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا
كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ. وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالْنَبِّينَ
أَرْبَابَاً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾(٢). ثم ذَكَرَ ما أَخذ عليهم وعلى آبائهم
من الميثاق بتصديقه وإقرارهم به على أنفسهم ، فقال: ﴿وَإِذَ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الْنَّبِيِّينَ
لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثم جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُّنَّهُ
قال أَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِى قَالُوا أَفْرَرْنَا قال فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الْتَّاهِدِينَ}(٣).
ذِكْر رُجُوعِ وَفْد نَجْرَان إلى بلادهم وما وَقَعَ فى ذلك من الآيات: ثم لما قبضوا كتابهم
انصرفوا إلى نجران ومع الأسقف أَخ له من أُمه وهو ابن عمه من النسب / يقال له بِشْر ٥٠٦
ابن معاوية وكنيته أَبو عَلْقَمَة . فدفع الوفد كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الأسقف
فبينا هو يقرأه، وأَبو علقمة معه، وهما يسيران إِذ كَبَتْ بِبِشْر ناقته فَتَعِسَ(٤) بِشْر غير
أنه لا يُكَنىِّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له الأسقف عند ذلك : قد والله
تَمِسْتَ نَبِيَّا مُرْسَلاً. فقال له بِشْر: لا جَرَم والله لا أَحُلُّ عَقْدًا حتى آتى رسول الله صلى الله
(١) سورة آل عمران الآيات من ٦٥ إلى ٦٨.
(٢) آل عمران الآيات من ٧٩ إلى ٨٠ .
(٣) آل عمران الآية ٨١.
(٤) فى القاموس: تعس كمنع وسمع وإذا خاطبت قلت تعست كمنع، وإذا حكيت قلت تعس كسمع، وتعسه الله
وأتعسه .
- ٦٤٩ -

عليه وسلم فَصَرَفَ وَجْهَ ناقته نحو المدينة وثنى الأَسقف ناقته عليه ، فقال له : افهم عَىِّ
إِنما قلت هذا ليبلغ عنى العرب مَخَافَةَ أَن يقولوا إِنا أَخذنا حَقَّهُ [أَورضينا بصوته](١)
أَو نَجَعْنَا بما لم تَنْجَعْ به العرب، ونحن أَعَزُّمٍ وَأَجْمَعُهُم داراً. فقال له بِشْر: لا والله
لا أَقبل ما خرج من رأسك أبداً، فضرب بِشْرفاقَته، وهو مُوَلَّى الأَسقفَ ظَهْرَه وارتجز
يقول :
إِلَيْكَ تَعْدُوْ قَلِقًّا وَضِينُهَا(٢) مُعْتَرِضَاً فِى بَطْنِهَا جَنِينُهَا
مُخَالِفًا دِينَ النَّصَارَى دِينُهَا
حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم ولم يزل معه حتى قُتِل بعد ذلك . قال : ودخل
الوفد نجران فأَتى الراهبَ لَيْثُ بن أَبِى شمر الْرُبَيْدِى وهو فى رأس صومعته . فقال له :
إِن نبياً بُعِثَ بِتِهَامَة ، فذكر ما كان من وَفْد نجران إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنه
عَرَض عليهم الْمُلاَعَنة فَأَبَوْا وإن بشر بن معاوية دفع إليه فأسلم ، فقال الراهب: أَنْزِلُونِى
وإِلا أَلْقَيْتُ نَفْسِى من هذه الصومعة . قال: فأَنزلوه فانطلق الراهب بهدية إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم منها هذا الْبُرْد الذى يَلْبَسُه الخلفاءُ والقعب (٣) والعصا. فأَقام الراهب
مُدَّة بعد ذلك يسمع الوحى والسنن والفرائض والحدود، ثم رجع إلى قومه ولم يُقَدَّر له
الإِسلام وَوَعَد أَنه سيعود فلم يَعُد حتى قُبِض رسول الله صلى الله عليه وسلم .
(١) تكملة من البداية والنهاية (٥: ٥٥).
(٢) فى النهاية: الوضين بطان منسوج بعضه على بعض يشد به الرحل على البمير كالحزام السرج . وفى الحديث :
إنك لقلق الوضين أراد أنه سريع الحركة يصفه بالخفة وقلة الثبات كالحزام إذا كان رخوا .
(٣) هكذا فى الأصول.
- ٦٥٠ -

الباب الثانى والشعوذة
فى وفود الْنَّخَعَ(١) إليه صلى الله عليه وسلم
رَوَى ابن سعد عن أشياخ من النَّخَع قالوا: بَعَثَت الْنَّخَعَ رَجُلَيْن منهم إلى النبى صلى
الله عليه وسلم، وَافِلَيْن بإسلامهم : أَرْطَاة بن شَرَاحِيل بن كعب من بنى حارثة بن سعد
ابن مالك بن النَّخَع، وَالْجُهَيْش(٢) واسمه الأَرْقَم من بنى بكر بن عَوْف بن النَّخَع. فخرجا
حتى قَدِما على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فَعَرَضَ عليهما الإِسلام فَبِلاه وبايعاه على
قومهما ، فَأَعْجَب رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم شَأَنُهُمَا وَحُسْنُ هَيْئَتِهِمَا، فقال: ((هل
خَلَّفْتُمَا وراء كما قومكما مِثْلَكُمَا؟)) فقالا: يا رسول الله، قد خَلَّفنا وراءنا من قومنا سبعين
رجلاً كُلُّهم / أَفْضَلُ هنا، وكُلُّهم يَقْطَعِ الأَمْرِ وَيُنْفِذْ الأَشياءُ ما يشاركوننا فى الأَمر إِذا ٥٠٧ ,
کان .
فدعا لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم [ولقومهما بِخَيْر](٣) وقال: ((اللهم بارك فى
الْنَّخَع)) . وَعَقَدَ لأَرطاة لِوَاء على قومه، فكان فى يده يَوْمَ الفتحِ، وَشَهِدَ به القادسية ،
فَقُتِلَ يومئذ فأخذه أَخوه دُرَيْد فَقُتِل رحمهما الله فأَخذهسيف بن الحارث من بنى جَذِيمَةِ (٤)
فدخل به الكوفة . وعن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله
عليه وسلم يدعو لهذا الْحَىّ من النَّخَعَ، أَو قال: يُشْنى عليهم، حتى تَمَنَّيْت أَنى رجل منهم
رواه الإمام أحمد برجال ثِقات ، والبزار والطبرانى .
(١) أنظر فى وفود النخع: ابن سعد (٢: ١٠٩ - ١١٠) وعيون الأثر (٢: ٢٥٨ - ٢٥٩) وزاد المعاد
( على هامش شرح المواهب) ٥: ٢٤١ - ٢٤٣ (والعقد الفريد (٢: ٣٣ - ٣٤) ونهاية الأرب (١٨: ١٠٨ - ١١٠)
والسيرة الحلبية (٣: ٢٣٩ - ٢٤٠) وشرح المواهب ( ٤: ٦٧ - ٦٩).
(٢) ضبطه الزرقانى بضم الجيم وآخره معجمة مصغر، وقيل بفتح أوله وكسر الهاء وسكون التحتية ، وقيل بفتح
الجيم وسكون الهاء بعدها موحدة وبه جزم ابن الأمين . وفى الاشتقاق ( ص ٤٠٥ ) الأرقم جهيش بن أوس من النخع جهيش
فعيل من قولهم أجهش الرجل إذا هم بالبكاء .
(٣) تكملة من طبقات ابن سعد .
(٤) فى القاموس جزيمة كسفينة قبيلة من عبد القيس والنسبة جذمى محركة وقد تضم جيمه.
- ٦٥١ -

قصة أُخرى : قال محمد بن عُمَر الأَسْلَمى: كان آخر من قَدِمِ من الْوَفْد على رسول
الله صلى الله عليه وسلم وَفْد الْنَّخَعِ، وَقَدِمُوا من الْيَمَن للنِّصْف من الْمُحَرَّم سنة إحدى
عشرة، وهم مائتا رجل، فنزلوا دار رَهْلَة بنت الْحَدَث ثم جاءُوا رسول الله صلى الله عليه
وسلم مُقِرِّين بالإِسلام، وقد كانوا بايعوا مُعَاذ بن جَبَل باليمن ، فكان فيهم زرَارَة بن
عَمْرو(١) . قال أخبرنا هشام بن محمد هو زرَارة بن قيس ابن الحارث بن عَدِىّ ، وكان
نصرانياً .
وَرَوَى ابن شاهين من طريق أَبِى الْحَسَن المدائنى عن شيوخه ، ومن طريق ابن الكلبى
قال : حَدَّثنى رجل من جَرْم عن رجل منهم قال: وَفَدَ رجل من النَّخَع يقال له زرَارَة بن
عَمْرُو على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، إنى رأيت فى سَفَرى هذا
رُؤْيَا هَالَشْىِ ، وفى رواية: رَأَيْت عَجَبًا. قال: ((وما رأيت؟)) قال: رَأَيْت أَناناً تركتها
فِى الْحَىّ كَأَّهَا وَلَدَتْ جَدْيَاً أَسْفَعَ أَحْوَى. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((هَلْ
لَكَ مِن أَمَة تَرَكْتَهَا مُصِرَّةٌ حَمْلاً؟)) قال: نعم [تَرَكْت أَمَةً لِى أَظُنُّهَا قَدْ حَمَلَتْ](٤) قال :
((فإنها قد وَلَدَتْ غلامًا وهو ابْنك))(٣). فقال: يارسول الله، ما بَالُهُ أَسْفَعَ أَحْوَى ؟ قال:
(ادْن ◌ِىِّ)) فَدَذَا منه. فقال: ((هل بك بَرَصُ تَكتمُهُ؟)) قال: والذى بَعَثَكَ بالْحَقِّ نَبِيَّأَ
ما عَلِمَ به أَحَدو لا اطَلَع عليه غَيْرُك. قال: ((فهو ذلك)). قال: يارسول الله، وَرَأَيْت
الْنُّعْمَانَ بن المنذرو عليه قرْطَان وَهُمْلِجَان وَمَسَكَتَان. قال: ((ذلك مُلْك العرب عاد إِلى
أَحْسَنَ زِيِّه وَبَهْجَتِهِ)). قال: يارسول الله، ورأيت عجوزاً شَمطاءُ خرجت من الأَرض .
قال: ((تلك بَقِيَّة الدنيا)). قال: ورأيت ناراً خرجت من الأَرض فحالت بينى وبين ابن
لى يقال له عَمْرو، ورأيتها تقول لَظَىِّ لَظَى، بَصِير وَأَعْمَى، أَطْعِمُونِى آكلكم آكلُكم ،
أُهْلِكُكُمْ وَمَا لَكُمْ. فقال النبى صلى الله عليه وسلم: ((تِلْكَ فِتْنَةٌ فى آخِرِ الزمان)). قال:
(١) أنظر ترجمته فى الإصابة رقم ٢٧٨٩ وذكر ابن شاهين عن طريق ابن الكلبى أنه زرارة بن قيس بن الحارث
ابن عدى وأورد ذلك الزرقانى فى شرح المواهب ( ٥ : ٦٨).
(٢) تكملة من العقد الفريد (٢: ٣٣).
١
(٣) ولده هذا هو عمرو بن زرارة بن عمرو النخعى ترجم له ابن حجر فى الإصابة رقم ٥٨٢٨ وقال بأنه ذكره فى
ترجمة أبيه وأضاف أن صحبته محتملة وله خبر مع ابن مسعود .
- ٦٥٢ -

:
وما الْفِتْنَةُ يارسول الله ؟ قال: ((يَقْتُلُ الناسُ إِمامَهم ثم يَشْتَجِرُون اشتجار أَطباق الرأس
وخالف رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصابعه - يَحْسَبُ الْمُسِئْ أَنه مُحْسِنٌ وَدُ المؤمَن
عند المؤمن أَحْلَى من شُرْب الماءِ، إِن مات ابنُك أَدْرَكْتَ الْفِتْنَة وإن مِتَّ أَنت أَدركها ابنُك».
فقال : يارسول الله ، ادْعُ اللّهَ أَلا أُدْرِكَهَا. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((اللهم لا يدركها)). فمات وَبَقِىَ ابنهُ، وكان ممن خَلَع . عثمان رضى الله تعالى عنه .
تنبيه : فى بيان غريب ما سبق :
النَّخَع : بفتح النون والخاءُ المعجمة وبالعين المهملة .
أَرْطَاة : بهمزة مفتوحة فراءُ ساكنة فطاءُ مهملة فأَلف فتاءُ تأنيث .
الأُّنَان: بفتح الهمزة ففوقية فأَلف فنون: الأُنْىَ من الْحُمُر (١) .
المسَكَّةَ : بفتح الميم والسين المهملة والكاف فتاءُ تأنيث : السِّوَار والخلاخيل من الذَّبْل
وهى قرون الأَوعال قَالَهُ ابن سِيَدَهُ(٢).
(١) وردت فى رواية المدائنى عن زرارة بن عمرو إذ قال فى رؤياه رأيت أتانا.
(٢) قال الزرقانى فى شرح المواهب (٤: ٦٩): مسكتان بفتح الميم والسين المهملة سواران من ذهب. ثم أضاف
والذى قاله الجوهرى وابن سيدة المسك بفتحتين أسورة من ذيل أو عاج والذبل شىء كالعاج وقيل ظهر السلحفاة البحرية .
وإذا كانت المسكة من غير ذلك أضيفت إلى ما هى منه فيقال من ذهب أو فضة و غير هماء. هذا ولم يشرح المؤلف كلمتى
أسفع أحوى، والأسفع أسود مشرب بحمرة وأحوى كالتأكيد لما قبله إذ الحوة بالضم سواد إلى خضرة أو حمرة إلى سواد
كما فى القاموس .
- ٦٥٣ -

الباب الثالث والتسعون
فى وفود بنى هلال بن عامر (١) إليه صلى الله عليه وسلم
قالوا : وَفَد زياد بن عبد الله بن مالك على النبى صلى الله عليه وسلم ، فلما دخل المدينة
توجه إلى منزل ميمونة بنت الحارث زوج النبي صلى الله عليه وسلم وكانت خالة زياد -
أُمُّه عَزَّة بنت الحارث - وهو يومئذ شابّ. فدخل النبى صلى الله عليه وسلم وهو عندها .
فلما رآهرسول الله صلى الله عليه وسلم غَضِبَ فَرَجَع فقالت: يارسول الله هذا ابن أُخْتِى
فدخل إليها ثم خرج حتى أتى المسجد ومعه زياد ، فَصَلَى الْظُّهْر ثم أَدْنَى زياداً فدعا له
ووضع يَدَه على رأسه ثم حَدَّرها على طَرَف أَنفه فكانت بنو هِلَال تقول مازلنا نعرف البركة.
فى وجه زياد وقال الشاعر لعلى بن زياد :
وَدَعَا لَهُ بِالْخَيْرِ عِنْدَ الْمسْجِدِ
يَا ابْنَ الَّذِى مَسَحَ النَّبِىُّ بِرَأْسِهِ
مِنْ غَائِرٍ أَوْ مُتْهِم أَوْ مُنْجِدٍ
أَعْنىِ زِيَادًا لَا أُرِيدُ سِوَاءُهُ
مَا زَالَّ ذَاكَ الْنُّورُ فى عِرْنِينِهِ حَسنىَّ تَبَوَّأْ بَيْتَهُ فِى الْمَلْحَدِ
وَرَوَى ابن سعد عن على بن محمد الْقُرَشِى قال : قالوا : وقَدِمَ على رسول الله صلى الله
عليه وسلم نَفَر من بنى هلال فيهم عَبْد عَوْف بن أَصْرَم بن عَمْرو ، فسأله عن إِسمه فأخبره
فقال: ((أَنت عبد الله))، فأَسلم، ومنهم قَبِيصَة بن الْمُخَارِقِ قال: يارسول الله، إنى
حَمَلْتُ عن قومى حَمَالَةٍ فَأَعِىِّ فيها قال: ((هِىَ لَكَ فِى الْصَّدَقة إِذا جاءت)).
وروى مسلم (٢) عن قَبِيصة بنُ مُخَارِقٍ (٣) الهلالى رضى الله عنه قال: تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً
فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أَسْأَلُهُ فيها فقال: ((أَقِم حتى تأتينا الصَّدَقة فَتَأَمُرُ
(١) أنظر فى وفود بنى هلال: طبقات ابن سعد (٢: ٧٤) ونهاية الأرب (١٨: ٥٠ - ٥١). وترجمة زياد
ابن عبد الله فى الإصابة رقم ٢٨٥٠ .
(٢) صحيح مسلم بشرح النووى كتاب الزكاة باب من تحل له المسألة (٧: ١٣٣).
(٣) يذكر أحياناً مجرداً من أل، وانظر ترجمة قبيصة فى أسد الغابة (٤: ١٩٢ - ١٩٣).
- ٦٥٤ -

لك بها)) قال: ثم قال: ((يا قَبِيصَة إِنَّ المسألة لا تَحِلُّ إلا لِأَحَدِ ثلاثة: رَجُلٌ تَحَمِّلَ
حَمَالَة فَحَلَّتْ له المسألة (١) حتى يُصِيبَها ثم يُمْسِك، وَرَجُلٌ أَصابته جائحة اجتاحت مَالَه
فَحَلَّتْ له المسأَلَة حتى يُصِيبَ قِوَامًا من عَيْش - أَو قال سِدَاداً من عَيْش - وَرَجُلٌ أصابته
فَاقَةٌ حتى يَقُومَ ثلاثة من ذَوىِ الْحِجَى من قَوْمِه لقد أصابت فُلانًا فاقة فَحَلَّتْ له المسألة
حتى يُصيبَ قِوَامًا من عَيْش - أَو قال: سِدَادًا من عَيْش - فما سِوَاهُنَّ [من المسألة](٢)
يا قَبِيصَة سُخْتًا(٣) بأَكُلُها صاحِبُها سُحْتًا)) .
تنبيه : فى بيان غريب ما سبق :
عَزَّةَ : بعين مهملة مفتوحة فزاى مشددة فتاءُ تأنيث .
مُتْهِم : بميم مضمومة فمثناة فوقية ساكنة فهاء مكسورة فميم: يقال الذى أتى تِهامة .
غَائِر: [بغين معجمة فأَلَف فهمزة مكسورة فراءُ يقال للذى أَنَى الْغَوْر ](٤).
مُنْجِد : بيم مضموعة فنون / ساكنة فجيم مكسورة فدال مهملة: من أَنْجَدَ أَتى نجداً .. ,
أو خرج إليه .
الْعِرْنِين: بعين مهملة مكسورة فراءُ ساكنة فنونَيْن بينهما تحتية: الْعِرْنين الأَنف
وقيل رأسه .
الْمَلْحَد : [بميم مفتوحة فلام ساكنة فحاءُ مفتوحة فدال مهملتين: الْمُلْتَجَأَ ](٥).
الْمُخَارِقِ: [بميم مضمومة فخاءُ معجمة فأَلَف فراءُ ساكنة فقاف](٦).
(١) فى الأصول : الصدقة وأثبتنا رواية مسلم .
(٢) تكملة من صحيح مسلم.
(٣) قال النووى: هكذا فى جميع النسخ سحتاً ورواية غير مسلم: سحت وهذا واضح ( أى أن يكون بالرفع)
ورواية مسلم صحيحة وفيه إضمار أى أعتقده سحتاً أو يؤكل سحتاً .
(٤) لم يشرحها المؤلف والضبط والتكملة من القاموس.
(٥) التكملة من القاموس والتاج .
(٦) التكملة من ضبط الإسم وفى الاشتقاق ( ص ٢٩٣): ومن رجال بنى عامر بن صعصعة قبيصة بن المخارق
وبخارق مفاعل إما من خرقت الشىء أخرقه خرقاً أو خرقت به أخرق خرقاً والخرق الفلاة الواسعة تنخرق فى مثلها .
- ٦٥٥ -

الْحَمَالَة : بحاءُ مهملةٍ فميم مفتوحتين فألف فلام فتاءُ تأنيث: ما يَتَحَمِّلُه الإنسان
عن غيره من دِيَّةٍ أَوِ غَرَامُة مثل أَن يَقَعِ حَرْب بين فريقَيْن يُسْفَك فيها الدماءُ فيدخل
بينهم رَجُلٌ يَتَحَمَّل دِيَات الْقَتْلِى لِيُصْلِحِ ذات الْبَيْن، والنَّحَمِّل أَن يَحْمِلَهَا عنهم على
نَفْسِهِ .
الْفَاقَة : بناء فقاف مفتوحتين بينهم ألف وآخرها تاءُ تأنيث : الْفَقْرِ .
الْحِجَى: بحاء مهملة مكسورة فجيم [فألف مَقْصُورَة](١) الْعَقْل لأنه يمنع الإنسان من
الفساد وَيَحْفَظ من التَّعَرُّض للهلاك.
الْقِوَام من الْعَيْش: بقاف مكسورة فواو فأَلف فميم ما يقوم بحاجته لضرورته(٢).
السُّحْت : بسين مضمومة فحاءُ ساكنة مهملتين وَبِضَمُهما أيضاً وآخره تاءُ مثناة فوقية :
هو الحرام وقيل الخبيث من المكاسب(٣).
(١) تكملة لضبط الكلمة .
(٢) زاد فى النهاية: وقوام الشىء عماده الذى يقوم به يقال فلان قوام أهل بيته وقيام الأمر ملاكه.
(٣) لفظ القاموس: ما خبث من المكاسب فلزم عنه العار والجمع أسحات. وفى النهاية: واشتقاق من السحت وهو
الإهلاك والاستئصال والسحت الحرام الذى لا يحل كسبه لأنه يسحت البركة أى يذهبها .
- ٦٥٦ -

الباب الرابع والتعرف
فى وفود هَمْدَان(١) إلیه صلى الله عليه وسلم
قالوا : قَدِمِ وَفْدُ هَمْدَان على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليهم مُقَطَّعَات(٢) الحِبرات
مُكَفَّفَة بالديباج ، وفيهم حمزة بن مالك من ذى مِشْعَار (٣) ، فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: ((نِعْمَ الْحَىُّ مَمْدَان ما أَسْرَعها إِلى النَّصْرِ وَأَصْبَرَهَا على الْجَهْدِ ومنهم أَبْدَالُ وَأَوْتَادُ
الإِسلام)). فأَسلموا وكتب لهم النبى صلى الله عليه وسلم كتاباً بمِخْلاف خارف ، وَيَام،
وشاكر ، وأَهْلِ الْهَضْب، وحِقَاف(٤) الرَّمْل من هَمْدَان لمن أَسْلَم منهم.
وفى زاد المعاد(٥): ((وقَدِمِ عليه وَفْدُ هَمْدَان منهم مالك بن الْنَّمَطِ(٦)، ومالك بن أَيْفَع ،
وضِمَام بن مالك ، وَعَمْرو بن مالك فلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عند مُنْصَرفة من
(١) انظر فى وفود همدان: ابن هشام (٤: ٢٦٧ - ٢٧٠)، وابن سعد (٢: ١٠٤ - ١٠٥) وعيون الأثر
(٢: ٢٤٥ - ٢٤٦) وزاد المعاد (على هامش شرح المواهب ٥ : ١٦٤ - ١٦٦) ونهاية الأرب (١٨: ٨ - ١٢)
والسيرة الحلبية (٣: ٢٣٠) وشرح المواهب (٤: ٣٤ - ٣٧). والعقد الفريد (٢: ٣١ - ٣٢).
(٢) فى شرح السيرة الخشنى (٢ : ٤٤٦) المقطعات ثياب وشى تصنع باليمن ويقول ابن الأثير فى النهاية إنها ثياب
قصار لأنها قطعت عن بلوغ التمام وقيل المقطع من الثياب كل ما يفصل ويخاط من قميص وغيره وما لا يقطع فيها كالأزر
والأردية. وخطأ ابن قتيبة التأويل الأول - فيما نقله عنه السهيلى فى الروض الأنف (٢: ٣٤٩) فأنكر أنها ثياب قصار
وقال إنما المقطعات الثياب المخيطة كاتعمص ونحوها .
(٣) هكذا فى الأصول وابن سعد وأسد الغابة (٢: ٥١) مصحفة ابن ذى مشعار .
(٤) زعم محققوا العقد الفريد (طبع لجنة التأليف ٢: ٣٢) أن حقاف مصحفة وصوابها جفاف بفاءين استناداً
على شرح المواهب وأضافوا أن جفاف الرمل من أسماء بلادهم ولم أعثر على هذا الضبط فى شرح المواهب وفى معجم البكرى
ومعجم البلدان جفاف ليست من بلاد اليمن ، والأصول لذلك أن تكون حقاف وفى القاموس الحقف بالكسر الموج من
الرمل أو الرمل العظيم وجمعه أحقاف وحفاف وحقوف .
(٥) زاد المعاد على شرح المواهب (٥ : ١٦٤ - ١٦٦).
(٦) فى الروض الأنف (٢: ٣٤٨) مالك بن النمط الهمدانى الذى يقال له ذو المشمار وكنيته أبو ثور ووقع فى
النسخة وأكثر النسخ ( أى نسخة سيرة بن هشام) وأبو ثور بالواو كأنه غيره والصواب سقوط الواو . هذا وقد وردت
الواو خطأ فى الإصابة فى ترجمة مالك بن النمط رقم ٧٦٨٨ .
- ٦٥٧ -
(٤٢ - سبل الهدى والرشاد جـ ٦ )

تَبُوك وعليهم مُقَطَّعَات الْحِبَرات والعمائم العدنية برِحال الْمَيْس(١) على الرواحل الْمَهْرِيَّة
وَالأَرْحَبِيَّةِ، ومالك بن النَّمْطِ يَرْتَجِزِ(٢) بين رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول :
إِلَيْكَ جَاوَزْنَ سَوَادَ الْرِّيفِ فِى هَبَوَاتِ الْصَّيْفِ وَالْخَرِيفِ
مُخَطَّمَاتٍ(٣) بحِبَالِ اللِّيفِ
وذكروا له كلاماً حَسَنَّا فصيحاً ، فكتب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاباً أَقطعهم.
فيه ما سألوه وأَمَّر عليهم مالك بن الْنَّمَط واستعمله على مَنْ أَسْلَم من قَوْمِه ، وأَمَرَه بقتال
ثقيف وكان لا يَخْرُج لهم سَرَّح إِلا أَغاروا عليه. وقد رَوَى الْبَيْهَقى بإسناد صحيح من
حديث إِبن إسحاق عن الْبَرَاء أَن النبى صلى الله عليه وسلم بَعَث خالد بن الوليد رضى الله
عنه إِلى أَهل الْيَمَن يدعوهم إلى الإِسلام. قال الْبَرَاءُ: فكنت فيمن خرج مع خالد بن
الوليد، فأَقمنا ستة أشهر يدعوهم إلى الإِسلام ، فلم يُجِيبُوهُ ، ثم أن النبى صلى الله عليه
وسلم بَعَث على بن أبى طالب رضى الله عنه وأَمَرَه أَن يُعَقِّب خالداً إلا رجلاً مِمَّن كان مع
خالد أَحَبَّ أَن يُعَقِّب مع عَلِيّ فَلْيُعَقِّب معه(٤). قال الْبَرَاءُ: فكنت فيمن عَقَّب مع عَلِيّ .
فلما دَنَوْنَا من القوم خرجوا إلينا - فَصَلَّى بنا عَلِيّ ثم صَفَّنَا صَفًّا واحداً ثم تَقَدَّمَ بين
أيدينا وقرأَ عليهم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأَسلمت هَمْدَان جميعاً . فكتب
عَليّ إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلامهم ، فلما قرأَ رسول الله صلى الله عليه وسلم
الكتاب خَرَّ ساجداً [ثم رفع رأسه](٥) فقال: ((السلام على همدان السلام على همدان)).
وأصل الحديث فى صحيح البخارى(٦) وهذا أَصَحّ مما تَقَدَّم . ولم تكن همدان أَن تقاتل
ثقيفاً ولا تُغِير على سَرْحِهِم فإِن هَمْدَان بالْيَمَن وثقيفاً بالطائف)»(٧) .
(١) الميس هو شجر صلب تعمل منه أكوار الإبل ورحالها، عن النهاية .
(٢) زاد فى ابن هشام (٤: ٢٦٨) أن اثنين كانا يرتجزان بالقوم وأورد ابن هشام زجر الرجل الآخر.
(٣) فى شرح السيرة للخشى (٢: ٤٤٧) مخطمات أى جعل لهم خطم وهى الحبال التى تشد فى رءوس الإبل على
آنافها .
(٤) لفظه كما فى البخارى (٥: ٣٢٥): مر أصحاب خالد من شاء منهم أن يعقب معك فليعقب ومن شاء فليقبل .
فكنت فيمن عقب معه .
(٥) تكملة من زاد المعاد الذى نقل عنه المؤلف .
(٦) صحيح البخارى كتاب المغازى باب بعث على بن أبى طالب وخالد بن الوليد إلى اليمن قبل حجة الوداع (٣٢٥:٥).
(٧) نهاية ما نقله المؤلف عن زاد المعاد.
- ٦٥٨ -

وقال ابن إسحاق(١): ((فقام مالك بن نَمَط بين يديه فقال: يارسول الله نَصِيَّةٌ(٢) من
هَمْدَان من كل حاضرٍ وباد ، أَتَوْكَ على قُلُص نَوَاح [ مُتَّصِلة بحبائل الإِسلام، لاتأخذهم
فى اللّه لَوْمَةُ لائم من مِخْلافِ خارفٍ، وَيَامَ](٣) وشاكر، أَهل السَّوَاد والْقَوْد(٤) ، أَجابوا
دَعْوَةَ الرسول، وفارقوا الآلهات والأَنْصَاب، عَهْدُهُمْ لا يُنْقَض [عن سُنَّة ما حِل ، ولا
سوداءُ عَنْقَفِير](٥) ما أَقام دَعْلَعَ(٦) ، وما جَرَى الْيَعْفُورِ(٧) بِصَيْلَع)»(٨).
فكتب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاباً (٩) فيه: ((بسم الله الرحمن الرحيم : هذا
كتاب من محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم لِمِخْلاَف خارف ، وأَهل جِنَاب(١٠) الهضْب،
وَحِقَافِ الرَّمْلِ، مع وافدها ذى الْمِشْعَارِ(١١) مالك بن نَمَط، وَمَنْ أَسْلَمَ من قَوْمِهِ أَن لهم
فِرَاعَهَا(١٢) وَوِهَا طَو(١٣) وَعَزَازَهَا](١٤) ما أَقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، يأكلون ظِلاَفَهَا(١٥)،
(١) ابن هشام (٤: ٢٦٨ - ٢٦٩) والرواية لابن هشام وليست لابن إسحاق.
(٢) فى النهاية: النصية من ينتصى من القوم أى يختار من نواصيهم وهم الرءوس والأشراف ويقال للرؤساء نواص
كما يقال للاتباع أذناب وقد انتصيت من القوم رجلا أى اخترته .
(٣) تكملة من ابن هشام (٤: ٢٦٨ - ٢٦٩).
(٤) فى ابن هشام: أهل السود والقود وفى شرح السيرة للخشى (٢: ٤٤٧) السود هنا الإبل والقود الخيل . ولم
أعثر فى معاجم اللغة على أن السود بتسكين الواو معناها الإبل وأما بضم السين فهى تعنى السؤدد وفى القاموس السواد المال .
(٥) تكملة من العقد الفريد (٢: ٣١) ومن شرح المواهب (٤: ١٧٠) وفى الأخير سنة أى طريقة وفى رواية
شية أى وشاية ، وما حل أى ساع بالمميمة والإفساد وعنقفير براء آخره أى داهية شديدة من إضافة الصفة إلى الموصوف .
(٦) لعلع جبل كما فى معجم البكرى ومعجم البلدان .
(٧) فى القاموس : اليعفور ظبى بلون التراب أو عام وتضم الياء.
(٨) فى الأصول: بصلع وضبطها فى شرح المواهب بضم الصاد المهملة ففتح مثقلا وتابعه محققو العقد ولم يرد هذا
فى معاجم اللغة والبلدان وفى معجم البكرى (٣: ٨٤٨ - ٨٤٩) صيلع موضع من اليمن كثير الوحش والظباء وروى
بالضاد المعجمة واللام مفتوحتين وهو ما اتسع من الأرض .
(٩) أورده ابن هشام والعقد (٢: ٣٢) ونهاية الأرب (١٨: ١١ - ١٢) وصبح الأعشى (٦: ٣٧٤ -
٣٧٥) وشرح المواهب (٤ : ١٧٠ - ١٧١) ومجموعة الوثائق السياسية رقم ١١٣.
(١٠) فى النهاية: فى حديث ذى المشعار: وأهل جناب الهضب: الجناب بالكسر إسم موضع. هذا والهضب ما ارتفع
من الأرض .
(١١) فى تاج العروس: ذو المشعار مالك بن نمط الهمدانى هكذا ضبطه شراح الشفا وقال ابن التلمسانى بشين معجمة
ومهملة وغير معجمة ومهملة . وفى الروض الأنف كنية ذى المشعار أبو ثور، والخاوفى بالخاء المعجمة والراء نسبة لخارف
وهو مالك بن عبد الله أبو قبيلة من همدان، وذو المشعار ( أيضاً) حمزة بن أيفع بن ربيب بن شراحيل الناعطى الهمدانى .
(١٢) الفراع جمع فرعة وهو ما ارتفع من الأرض .
(١٣) الوحاط وحطة وهو ما اطمأن من الأرض.
(١٤) تكملة من العقد وصبح الأعشى والعزاز ما صلب من الأرض واشتد وخشن.
(١٥) العلاف بالكسر جمع علف كجبل وجبال وهو ما تعتلفه الدواب من نبات الأرض.
- ٦٥٩ -

وَيَرْعَوْنَ عَفَاءَهَا(١) [ لنا من دِفْئِهِم(٢) وَصِرَامهم (٣) مَا سَلَّمُوا بالميثاق والأمانة ولهم من الْصَّدَقة
الْنّلْب(٤) وَالنَّابِ(٥) والفَصِيل(٦) وَالْفَارِض(٧) وَالدَّاخِنِ(٨) والْكَبْش الْحَوَرِىّ(٩) وعليهم
فيها الصَّالِغُ(١٠) والْقَارِحِ(١١)](١٢)، لكم بذلك عَهْدُ الله وذِمَام رسوله، وشاهِدُكُم المهاجرون
والأنصار )). فقال فى ذلك مالِك بن نَمَط :
ذَكَرْتُ رَسُولَ اللهِ فِى فَحْمَةِ الْدُّجَى
وَهُنَّ بِنَبا خُوْصٌ طَلَائِحُ(١٣) تَغْتَـِ
عَلَى كُلِّ فَتْلَاءِ الذِّرَاعَيْنِ جَسْرَةٍ
حَلَفْتُ بِرَبِّ الْرَّقِصَاتِ إِلىَ مِنْىِّ
بِأَنَّ رَسُولَ اللهِ فِيْنَا مُصَدَّقٌ
فَمَا حَمَلَتْ مِنْ ذَاقَةٍ فَـوْقَ رَحْلِهَا
وَأَعْطَى إِذَا مَا طَالِبُ الْعُرْفِ جَاءُ
وَذَحْنُ بِأَعْلِى رَحْرَحَانَ وَصَلْدَدِ
بِرُكْبَانِهَا فِى لِأَحِبٍ مُتَمَدِّدٍ
تَمُرُّ بِنَا مَرَّ الْهِجَفَّ الْخَفِيْدَدِ
صَوَادِرَ بِالْرُّكْبَانِ مِنْ هَضْبٍ قَرْدَدِ
رَسُولٌ أَتَى مِنْ عِنْدِ ذِى الْعَرْشِ مُهْتَدٍ
أَشَدَّ على أَعْدَائِهِ مِنْ مُحَمَّدِ(١٤)
وَأَمْضَى بِحَدِّ الْمَشْرَفِىِّ الْمُهَنَّدِ
(١) العفاء العافى وهو ما ليس لأحد فيه ملك.
(٢) الدف نتاج الإبل وما ينتفع به منها سمى دفئاً لأنه يتخذ من أوبارها ما يستدفأ به.
(٣) الصرام النخل وأصله قطع الثمرة.
( ٤) الثائب من ذكور الإبل الذى هرم وتكسرت أسنانه .
(٥) الناب المسنة من إناتها .
(٦) الفصيل من أولاد الإبل الذى فصل عن أمه من الرضاع.
(٧) الفارض المسن من الإبل .
(٨) الداجن الشاة التى يعلفها الناس فى منازلهم .
(٩) الكبش الحورى منسوب إلى الحور وهى جلود تتخذ من جلود الضأن ، وقيل هو ما دبغ من الجلود بغير
٠
القرظ .
(١٠) الصالغ بالصاد المهملة والغين المعجمة وهو من البقر والغنم الذى كمل وانتهى ويكون ذلك فى السنة السادسة
ويقال بالسين بدل الصاد .
(١١) القارح من الخيل الذى دخل فى السنة الخامسة وجمعه قرح.
(١٢) ما بين قوسين تكمله مما أورده القاضى عياض فى الشفا ونقله صاحب صبح الأعشى وجاء قبل ذلك فى العقد الفريد.
(١٣) طلائح جمع طليحة أى معيبة، من طلح البعير كمنع طلحاً وطلاحة أعيا.
(١٤) سبق أن أورد المؤلف هذا البيت :
لما حملت من ناقة فوق رحعلها أبر وأوفى ذمة من محمد
- ٦٦٠ -