النص المفهرس

صفحات 381-400

ففعل. وخرج ونادى مناديه عزمت لا يَتَخَلَّف عن أُسَامة من بَعْثِهِ مَنْ كان انتُدِب معه
فى حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فإنى لن أُوتَى بأحد أبطأُ عن الخروج معه
إلا ألحقته به ماشياً. فلم يتخلَّف عن الْبَعْث أحد. وخرج أبوبكر يُشَيِّع أُسَامة فَرَكِب
من الْجُرْف لهلال ربيع الآخر فى ثلاثة آلاف فيهم ألف فارس ، وسار أبو بكر إلى جنبه
ساعة وقال :
(( أَسْتَوْدِعُ الله دينَك وأمانتك وخواتيم عملك، إِنى سمعت رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - يُوصيك ، فَانْفُذْ لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنى لست آمرك ولا أَنهاك عنه
إنما أَنا مُنَفِّذَ لِأَمْرٍ أَمَرَ به)) رسول الله- صلى الله عليه وسلم)) -. فخرج سريعا فَرَضِىَّ بلادًا
هادية لم يرجعوا عن الإِسلام جُهَيْنَة وغيرها من قُضَاعة. حتى نزل وادى الْقُرَى ، فسار
٤٥٠, إِلى أُبْنِىَ فى عشرين ليلة. فقدِمَ له عَيْن له من بنى عُذْرَة يُدْعَى حُرَيْئًا، فانتهى إلى /
أُبْنِىَ ، ثم عاد فلقى أسامة على ليلتين من أُبْنىَ فأخبره أن الناس غارون ولا جموع لهم
وَحَثَّهم على سرعة الْسَّيْر قبل اجتماعهم. فسار إِلى أُبْنَى وَعَبَّأَ أَصحابه ثم شَنَّ عليهم
الغارة فقتل من أشرف له وَسَى من قَدِر عليهم، وحَرَّق بالنار منازلهم وَحَرْثَهم وَنَخْلهم
فصارت أَعاصير من الدواخين(١) وأَجَال الْخَيْلَ فى عَرَصَاتِهِمْ وأقاموا يومهم ذلك فى تعبئة
ما أصابوا من الغنائم. وكان أُسَامة على فَرَس أَبيه سَبْحَة وقتل قاتل أبيه فى الغارة،
وأَسهم للفرَس سَهْمَيْن وللفارس سهماً وأخذ لنفسه مثل ذلك .
فلما أَمْسَى أَمَر الناس بالرحيل ثم أَغَذَّ الْسَّيْر فورد وادى الْقُرَى فى تسع ليال ثم
بعث بشيرًا إلى المدينة بسلامتهم ثم قَصَد بعد فى الْسَّيْر فسار إلى المدينة سِتًّا حتى رجع
إلى المدينة ولم يُصَبْ أَحَدٌ من المسلمين. وخرج أبو بكر فى المهاجرين وأهل المدينة
يَتَلَقُّونَهم سرورًا بسلامتهم ودخل على فَرَس أَبيه سَبْحَة واللواءُ أمامه يحمله بُرَيْدَةَ
ابن الحُصَيْب حتى انتهى إلى باب المسجد فدخل فصلى ركعتين ثم انصرف إلى بيته .
وبلغ هِرْفَل وهو بِحِمْص ما صنع أسامة فَبَعَث رابطة يكونون بالْبَلْقَاءِ فلم تزل هناك
حتى قَدِمت البعوث إلى الشام فى خلافة أبى بكر وعمر رضى الله عنهما .
(١) فى الأصول : الدخاخين ومجموع دخان هى أدخنة ودواخن ودواخين.
- ٣٨١ -

ها
تنشَيْهَاتُ
الأول : ذكر محمد بن عمر ، وابن سعد أَن أَبا بكر رضى الله عنه كان مِمَّن
أَمَره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالخروج مع أُسَامة إلى أُبْنَى، وجرى عليه فى المَوْرِد
وجَزَم به فى العيون (١)، والإِشارة ، والفتح فى مناقب زيد بن حارثة . وأنكر ذلك الحافظ
أبو العباس بن تَيْمِيةٍ(٢) فقال فى كتابه الذى رَدَّ فيه على ابن المُطَّهَّر الرافضى: (( لم
ينقل أحد من أهل العلم أن النبى - صلى الله عليه وسلم - أرسل أبا بكر وعثمان فى جيش
أُسَامة، فقد استخلفه يُصَلَّى بالمسلمين مدة مرضه إلى أن مات وكيف يُتَصَوَّر أَن يأمره
بالخروج فى الغزاة وهو يأمره بالصلاة بالناس؟ )) وبسط الكلام على ذلك . فقلت : وفيما
ذكره نَظَر من وَجْهَيْن أولهما قوله لم ينقل أحد من أهل العلم إلخ فقد ذكره محمد
ابن عُمَر ، وابن سعد وهما من أئمة المغازى : ثانيهما قوله : وكيف يرسل أبا بكر
فى جيش أسامة؟ إلخ ليس بلازم، فإِن إِرادة النبي- صلى الله عليه وسلم - بَعْثَ جيش
أُسَامة كان قبل ابتداء مَرَض رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فلما اشتد به المَرَض استثنى
أَبا بكر وأَمره بالصلاة بالناس . وقال ابن سعد : حدثنا عبد الوهاب بن عطاء العِجْلى
قال حدثنا المعمرى عن نافع عن ابن عُمَر أَن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث سَريَّة
فيها أبو بكر وعُمَر واستعمل عليهم أُسَامة بن زيد ، وكان الناس طعنوا فيه أى فى
صِغَره ، فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلخ فذكر الحديث .
الثانى : فى بيان غريب ما سبق :
أُبْنَى : بضم الهمزة وسكون الموحدة وفتح النون فأَلف مقصورة (٣).
الشَّرَاة: بفتح الشين المعجمة والراء المخففة : جَبَل (٤).
(١) عيون الأثر (٢: ٢٨١).
(٢) هو أبو العباس تقى الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحرانى الحنبلى المتوفى سنة ٧٢٨ هـ وصفه الذهبى فى تذكرة
الحفاظ (٤ : ٢٧٨ - ٢٨٠) بالإمام العلامة الحافظ الناقد المفسر المجتهد البارع شيخ الإسلام على الزهاد نادرة العصر.
كان من محرر العلم والأذكياء المعدودين والزهاد والشجعان أثنى عليه الموافق والمخالف وسارت بتصانيفه الركبان ولعلها
ثلاثمائة مجلد .
(٣) فى معجم البكرى (١: ١٠١) أبنى على وزن فعلى موضع بناحية البلقاء من الشام وهى التى روى فيها الزهرى
عن عروة عن أسامة بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه إلى أبنى.
(٤) الشراة أرض من ناحية الشام عن معجم البكرى (٣: ٧٨٩).
- ٣٨٢ -

البلقاء : بفتح الموحدة وسكون اللام وبالقاف والمَدُ (١).
أَغِرْ : بقطع الهمزة وكسر الغين المعجمة وبالراء : فعل أَمْر .
تَسْبِقْ : بالجَزْم / جواب شرط محذوف وحُرِّك بالكسر طلباً للخِفَّة .
اللُّبْث : بفتح اللام وسكون الموحدة الإقامة .
٤٥٠٪
العيون : جمع عَيْن وهو الجاسوس .
الأَربعاء : بتثليث الموحدة والأَفصح الكسر .
بُدِيٍّ: بالبناء للمفعول وهَمْزِ آخره أَى ابْتُدِىَّ.
حُمَّ : بتشديد الميم والبناء للمفعول .
صُدِّع : بضم الصاد وكسر الدال المشددة وبالعين المهملات أَى حصل له صُدَاع فى
رأسه أَى وَجَع ما .
فلما أَصبح يوم الخميس: يجوز فى ((يَوْم )) النَّصْب على الظرفية والرفع على أنه فاعل
أصبح .
عَسْكَرَ : جمع عَسْكَرِه أَى جَيْشَه .
الجُرْفُ(٢) : بضم الجيم والراء وبالفاء موضع على ثلاثة أميال من المدينة .
انتدب : أسرع الخروج .
بُرَيْدَة : بضم الموحدة وفتح الراء .
الحُصَيْب : بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين وبالموحدة .
حَريش : بفتح الحاء المهملة وكسر الراء وسكون التحتية وبالشين المعجمة .
عَصَّب : بتشديد الصاد المهملة .
المَقَالة : بتخفيف اللام .
(١) البلقاء كورة من أعمال دمشق بين الشام ووادى القرى (معجم البلدان ٢: ٢٧٦ - ٢٧٧).
(٢) ضبطها ياموت بالضم ثم السكون وأضاف بأنه موضع على ثلاثة أميال من المدينة نحو الشام وأنه كانت به أموال
لعمر بن الخطاب ولأهل المدينة. ( معجم البلدان ٣ : ٨٧).
- ٣٨٣ -

القطيفة : كساء له خَمْل .
وأَيْمُ الله : من ألفاظ القَسَم كقولك لَعَمْرُو الله، وفيها لغات كثيرة وتفتح همزها
وتكسر ، وهمزتها همزة وصل وقد تُقْطَع .
الخليق : بفتح الخاء المعجمة وكسر اللام وسكون التحتية وبالقاف أى حقيق
وجدير .
لَمَخِيلان : بفتح الميم وكسر الخاء المعجمة وسكون التحتية أَى لمظنة كل خير .
أَنْفِذُوا : بقطع الهمزة . وكسر الفاء.
المُعَسْكَر : بفتح الكاف : الموضع الذى فيه العَسْكَر .
لَثُّوه(١) : بفتح اللام - الدَّواء - الذى يُصَبّ من أَحد جانِبَىْ الفم وهما لديداه
ولَدَدْتُه فعلت به ذلك .
طأطأ: بهمزة ساكنة بعد الطاء الأولى وهمزة مفتوحة بعد الطاء الثانية (٢) .
وأَمَرَ النَّاسَ بالرحيل : الناسَ منصوب مفعول أَمَرَ وفاعله عائد على أُسَامَة.
كُلِّم أبو بكر : بالبناء للمفعول .
شَنَّ عليهم الغارة : فرَّق عليهم الرجال من كل وَجْه .
حَرَّقَ : بتشديد الراء .
أَعَاصِير : جَمْع إِعصار وهو ريح يثير الغُبَار ويرتفع إلى السماء كأَّنه عمود .
الثَّعْبِئَة : بفتح الفوقية وسكون العين المهملة وكسر الموحدة وفتح الهمزة فتاء
تأنيث(٣)
(١) لد من باب نصر يلده لداً وألد الرجل سقاه الدواء. وفى القاموس والتاج اللدود مايصب بالمسعط من السى والدواء
فى أحد شفى الفم والجمع ألدة .
(٢) فى القاموس والتاج: طأطأ رأسه طأطأة كدحرجة طامنه وتطأطأ تطامن وطأطا الشىء خفضه وطأطأ عن الشىء خفض
رأسه عنه وكل ما حط فقد طؤْطىء فتطأطاً.
(٣) فى القاموس: عبأ المتاع والأمر كمنع والجيش جهزه كعبأه تعبئة وتعبيئاً فيهما.
- ٣٨٤ -

سَبْحَة (١) : بفتح السين المهملة وسكون الموحدة .
أَغَذَّ السَّيْر : بفتح الهمزة والغين والذال المعجمتين : أَسْرَع.
وادى القُرَى : بضم القاف وفتح الراء والقَصْرِ .
حِمْص : مدينة معروفة من مشارق الشام لا تنصرف للعجمية والتأنيث والعَلَمِية(٢)
الرابطة : براء فأَلف فموحدة فطاء مهملة فتاء تأنيث : الجماعة الذين يحفظون
من وراءهم من العَدُوّ (٣) .
(١) سبحة إسم فرس زيد بن حارثة. وفى النهاية فى حديث المقداد أنه كان يوم بدر على فرس يقال له (أيضاً) سبحه
وصبحة من قولهم فرس سابح إذا كان حسن مد اليدين فى الجرى .
(٢) فى معجم البكرى (٢: ٤٦٨) حمص مدينة بالشام مشهورة لا يجوز فيها الصرف كما يجوز فى عنه لأنه إسم أعجمى
سميت برجل من العماليق يسمى حمص ويقال رجل من عاملة هو أول من نزلها. وفى معجم البلدان ( ٣: ٣٣٩) حمص بين
دمشق وحلب فى نصف الطريق ، يذكر ويؤنث .
(٣) يلى ذلك فى الأصول: الباب الثمانون (صوابه الواحد والثمانون) فى ذكر ما فتحه صلى الله عليه وسلم من البلاد.
ولكن المؤلف لم يذكر شيئاً تحت هذا العنوان . كما لم نجد ما يماثله فى كتب السيرة أو الفصول المتعلقة بها .
- ٣٨٥ -
(٢٥ - سبل الهدى والرشاد جـ ٦ )

جُمَّاع أبواب بعض الوفود إِليه - صلى الله عليه وسَلَّم - وبارك عليه
الباب الأول
فى بعض فوائد سورة النَّصر
قال ابن إسحاق(١) : لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وفرغ من تَبُوك ،
٤٥١ , وأَسلمت ثقيف، وبايعت ضَرَبَتْ إِليه وفود العرب من كل وجه / قال ابن هشام رحمه
الله تعالى : حدثنى أَبو عُبَيْدَة أَن ذلك فى سنة تِسْع وأنها كانت تُسمَّى سنة الوفود .
قال ابن إسحاق رحمه الله تعالى: وإنما كانت العرب تَرَّبَّصُ بالإِسلام أَمْر هذا الحَىّ
من قريش وأَمْر رسول الله - صلى الله عليه وسلم-، وذلك أن قريشاً كانوا إمامَ الناس
وهادِيَهم، وأَهْلَ البيت والحَرَم [وصريح ولد إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام ](٢)
وقادةَ العرب لا يُنْكُرُون ذلك، وكانت قريش هى التى نَصَبَت لحرب رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - وخِلاَفِهِ، فلما افْتُتِحَتْ مكة، ودانت له قريش، ودَوَّخها الإسلام ، عَرَفت
العرب أنه لا طاقة لهم بحرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ولا عداوته ، فدخلوا فی دین
الله - كما قال الله عز وجل - أفواجاً يَضْرِبُون إِليه من كل وجه .
وفى صحيح البخارى (٣) عن عَمْرو بن سَلَمة رضى الله عنه قال: ((وكانت العرب
تَلَوَّمُ(٤) بإسلامهم الفَتْحَ ، فيقولون : اتركوه وقَوْمَه فإِنه إِن ظَهَر عليهم فهو نَبِىّ
صادق . فلما كانت وَقْعَةُ أَهل الفتح بادر كل قوم بإسلامهم وبَدَرَ أَبِى قَوْمى بإسلامهم)).
وذكر الحديث .
(١) ابن هشام (٤: ٢٢١ - ٢٢٢).
(٢) تكملة من رواية ابن اسحق فى ابن هشام .
(٣) الحديث التالى جزء من حديث أخرجه البخارى فى صحيحه (٥: ٣٠٦ - ٣٠٧) فى كتاب المغازى باب: وقال
الليث حدثنى يونس عن ابن شهاب أخبر نى عبد الله بن ثعلبة بن صعير وكان النبى صلى الله عليه وسلم قد مسح وجهه عام الفتح.
(٤) فى النهاية فى حديث عمرو بن سلمة الجرمى: وكانت العرب تلوم بإسلامهم الفتح أى تنتظر أراد تتلوم فحذف
إحدى التامين تخفيفاً وهو كثير فى كلامهم. ومنه حديث على: إذا أجنب فى السفر تلوم مابينه وبين آخر الوقت أى انتظر .
- ٣٨٦ -

وقد أفرد الحافظ العَلَّمة الشيخ برهان الدين البِقَاعى(١) رحمه الله تعالى الكلام على
تفسير (٢) سورة النَّصْرِ إِعلاماً(٣) بتمام الدِّين اللازم عن مَدْلُول اسمها، اللازم عن
موت النبي - صلى الله عليه وسلم - اللازم عنه العلم بأنه ما بَرَزَ(٤) إلى عالم الكَوْن والفساد
إِلا لإعلاء كلمة الله تعالى وإِدحاض كلمة الشيطان ، اللازم عنه أنه - صلى الله عليه وسلم -
(١) هو برهان الدين إبراهيم بن عمر البقاعى المتوفى عام ٨٥ ٪ «له مؤلفات فى التفسير والفقه والتاريخ وغيرها،
ترجم له السخاوى فى الضوء اللامع فى أعيان القرن التاسع ( ج ١ ص ١٠١ - ١١١) وهى ترجمة مطولة ملأها السخاوى
على عادته فى الكتابة عن معاصريه - فيما عدا شيخه ابن حجر - بالقدح فيه والطعن فى مصنفاته . ونقل السخاوى عن العز الكنانى
شيخ الحنابلة بأنه قال فى البقاعى: إنه لم يتبع سنة واحدة وإنه لأشبه بالخوارج فى تنميق المقاصد الخبيثة وإخراجها فى قالب
الديانة . ثم أورد السخاوى أبياتاً قيلت فى هجاء البقاعى منها :
تقول أنا المعلوم علماً وحكمة
وإن جميع الناس غيرى جاهل
فن ذا الذى يقضى بأنك فاضل
فإن كان ما فى الناس غيرك عالم
ومنها قول العلاء بن أقبرس :
وفضل بالعطاء بلا نزاع
لك الحمد الجزيل بلا امتنان
وجنبنا الخبيث من البقاع
فطهر قلبنا من كل غل
وممن تناولهم السخاوى بالتجريح من سابقيه ومعاصريه ابن خلدون والمقريزى وابن تغرى بردى وجلال الدين السيوطى
وكتب الأخير فى الرد عليه رسالة أسماها: مقامة الكاوى على تاريخ السخاوى ( مخطوطة دار الكتب رقم ١٥١٠ أدب )
وجاء فى فاتحتها: ((ما ترون فى رجل ألف تاريخاً جمع فيه أكابر وأعياناً ونصب لأكل لحومهم خواناً ملأه بذكر المساوى
وثلب الأعراض وفوق فيها سهاماً ... ولم يفرق بين جليل وحقير .. )) وذكر ابن إياس فى بدائع الزهور (ج ٢ ص ١١٩:
١٢١ بولاق سنة ١٣١١ هـ) فى حوادث سنة ٨٧٥ ( أنه كثر القيل والقال بين العلماء فى القاهرة فى أمر عمر بن الفارض
فتعصب عليه جماعة منهم بسبب أبيات قالها فى قصيدته التائية نسبوه فيها إلى القول بالحلول والاتحاد وانقسموا فريقين مابين
معارض ومناصر . وجردوا الفتاوى والرسائل فى تكفيره أو الدفاع عنه حيث زاد الرهج فى هذه المسألة . وكان البقاعى ممن
قال بتكفيره فرد عليه أحدهم برسالة أسماها: درياق الافاعى فى الرد على البقاعى. وأضاف ابن إياس بأن البقاعى كادت العوام
أن تقتله وحصل له من الأمراء مالا خير فيه فهرب واختفى حتى توجه إلى مكة ومات هناك .
وذهب محمد مصطفى زيادة فى رسالته عن المؤرخين فى القرن التاسع الهجرى ( القاهرة سنة ١٩٤٩ م ص ٨٣: ٨٥) إلى
(( أنه يبدو من إشارات معظم أولئك المؤرخين إلى سابقيهم أو معاصريهم أنهم كانوا شديدى الخصومة والتحاسد ...
وسببها فى الغالب ما تولد بينهم من منافسة وتعصب لمشايخهم سواء أ كانوامؤرخين أو محدثين أو موظفين فى الدولة المملوكية .
وفيما يتعلق بالسخاوى قال زيادة: ((وربما كان عدم توفيقه لو ظيفة سبباً من أسباب المرارة الطاغية فى كثير من تراجعه
فى معجمه الكبير)).
(٢) عنوان كتاب البقاعى: نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور: نسخة مخطوطة فى مكتبة الأزهر تحت رقم عام
١٢٨٥٥ وخاص ٥٩٠ تفسير فى سبعة مجلدات كبيرة وهى منقولة عن أصل فى الكتبخانة الخديوية ونسجت فى سنة ١٣٣١هـ
وتفسير سورة النصر فى المجلد السابع والصفحات غير مرقة وإنى مدين بإرشادى إلى هذه المخطوطة إلى كل من الأستاذ على عبد
العظيم وفضيلة الشيخ أبى الوفا المراغى .
(٣) فى المخطوطة : مقصودها الإعلام.
(٤) فى المخطوطة مصحفة مأثور .
- ٣٨٧ -

خُلاَصةُ الرجود وأَعْظَمُ عَبْدِ للمولى(١) الودود [ وعلى ذلك دَلَّ أيضاً اسمها على التوديع
وحالُ نزولها وهو أيام التشريق من سنة حِجَّة الرَدَاعِ(٢)
(بِسْمِ الله) الذى له الأَمْر كله فهو العليم الحكيم، (الرَّحْمَن) الذى أُرسلك رحمةً
للعالمين ، فعَمَّهم بعد نِعْمة الإِيجاد بأَن بَيَّن لهم إقامةَ معاشهم وَمَعَادهم بِكَ طَرِيقُ النَّجاة
وغايةُ البيان بما أنزل عليكَ من مُعْجِزِ القرآن الذى مَنْ سَمِعه فكأنما سمعه من الله(٣).
(الرَّحيم) الذى خَصَّ من أراده بالإِقبال [به] إِلى حِزْبه وجعله من أهل قُرْبِه [بلزوم
الصراط المستقيم](٤) لما دَلَّت التى قبلها على أَن الْكُفَّار قد صاروا إلى حال لا عِبْرة لهم فيه
ولا التفات إليهم ، ولا خَوْف بوجه منهم مادام الحال على الْمُتَارَكَة(٥) كأَنه قيل فهل
يحصل نَصْر عليهم وظَفَر بهم [بالمعاركة ](٦)، فأَجاب بهذه الصورة بشارةً للمؤمنين
ونذارةً للكافرين .
((ولكنه لما لم يكن ذلك بالفِعْل إلا عام حِجَّ الْوَدَاعِ يعنى بعد فتح مكة بِسَنَتَيْنٍ كان
كأَنّه لم يَسْتَقِرّ الفتح إلا حينئذ، فلم يُنْزِل سبحانه هذه السورة إلا فى ذلك الوقت وقبل
مُنْصَرَفِه من غزوة حُنَيْن قبل ذلك(٧). فقال تعالى: (جَاء) [ولما كانت الْمُقَدَّرات متوجهة
من الأَزَل إِلى أَوقاتها الْمُعَيَّنة لها ، يَسُوقُها إِليها سائق الْقُدْرَة فتقرب منها شيئاً فشيئاً كانت
كأَّها آتية إليها فلذلك حصل الْتَّجَوَّز بالمجىء عن الحصول فقال](٨): (جاء) أَى اسْتَقَرِّ
وَثَبَت فى المستقبل لمجىء وقته المضروب له فى الأَزَل ، [وزاد فى تعظيمه بالإضافة ثم بكونها
إلى اسم الذات فقال](٨): (نَصْرُ الله) أَى الْمُلْك الأَعظم الذى لا مِثْل له ولا أَمْر لأُحد
معه [ على جميع الناس فى كل أمر تريده ، ولما كان النصر درجات وكان قد أَشار سبحانه
بمطلق الإضافة إليه ثم بِكَوْنها إلى الإِسم الأعظم إلى أن المراد أعلاها صَرَّحَ به فقال](٨):
(١) فى الأصول: للولى والتصويب من المخطوطة.
(٢) زيادة من المخطوطة .
(٣) فى المخطوطة: الذى سمعه من الله العظيم ونقل المؤلف عن أصل آخر أجود.
(٤) زيادة من المخطوطة.
(٥) مصحفة فى المخطوطة : المتبار كة .
(٦) زيادة من المخطوطة .
(٧) يلاحظ التكرار هنا فى استعمال كلمة : قبل.
(٨) زيادة من المخطوطة. ومن المتعذر تعيين الصفحات لأنها غير مرقة.
- ٣٨٨ -

(والْفَتْحِ) أَى الذى نزلت سورته بالْحُدَيْبِيَةِ مُبَدِّرَةً بِغَلَبَة حِزْبِه الذى أَنت قائدهم وهاديهم
وَمُرْشِدهم [لاسيما](١) على مكة التى بها بَيْتُه ومنها ظهر دِينُه، وبها كان أَصله وفيها مُسْتَقَرّ
عموده وعِزّ جنوده ، فَذَلَّ بذلك جميع الْعَرَب، [وقالوا: لا طاقة لنا بمن أَظفره الله بأَهل
الْحَرَم](٢) فَفَرُّوا بهذا الدُّلّ حتى كان ببعضهم هذا الفتح، ويكون بهم كلهم فتح جميع
البلاد ، وللإِشارة إِلى الْغَلَبَة على جميع الأُمم ساقه تعالى فى أسلوب الشرط ولتحققها عَبِّر
عنه (( بإذا)).
(((وَرَأَيْتَ الْنَّاسَ) أَى الْعَرَب الذين كانوا حقيرين عند جميع الأُمم فصاروا بِكَ
هُم الناس وصار سائر / أَهل الأَرض لهم أَتباعاً. ((يَدْخُلُونَ)) شيئاً فشيئاً. محددا(٣) ٤٥١ظـ
دخولهم مستمراً (فى دِينِ اللهِ) أَى شَرْع من لم تزل كلمته هى العليا فى حال (٤) الخلق بقهره
لهم على الكفر [الذى لا يرضاه لنفسه عاقل ترك الحظوظ] وفى حال طواعينهم بقَسْره لهم
على الطّاعة وعَبَّر عنه بالدِّين الذى معناه الجزاءُ لأَن الْعَرَب كانوا لا يعتقدون القيامة التى
لا يَتِمّ الجزاءُ إلا بها . (أَفْوَاجاً) أَى قبائل وَزُمَراً، زُمَرًا وجماعات كثيفة كالقبيلة بأسرها،
أَنَّةً بعد أُمَّة، فى خِفَّةٍ وَسُرْعة ومفاجأَة ولِين، واحداً واحداً أو نحو ذلك، لأَنهم قالوا :
أما إذا ظفر بأَهل الْحَرَم ، وقد كان الله تعالى أَجارهم من أصحاب الفيل [الذين لم يَقْدِر
أحد على رَدِّهم] فليس لنابه يَدَان(٥) [ فَتَبَيَّن من هذا القياس الْمُنْتِج هذه النتيجة البديهية
بِقِصَّة أصحاب الفيل ما رَتَّبه الله إلا إرهاصاً لِنُبُوَّته وتأسيساً لدعوته فَأَلْقَوْا بأَيديهم
وأسلموا قيادهم حاضرهم وباديهم]. ولما كان التقدير: فقد سَبّح الله تعالى نفسه بالحمد
بإبعاد نَجَس الْشِّرْك عن جزيرة الْعَرَبِ بالْفِعْل قال: (فَسَبِّحْ) أَى نَزِّه أَنت بقولك وفِعْلك
[بالصلاة وغيرها] مُوَافَقَةً لمولاك لِمَا فَعَل تسبيحاً مُلَّساً (بِحَمْدٍ) أَى بكمال (رَبِّكَ) [الذى
أَنجز لك الْوَعْد بإكمال الدِّين وقمع المعتدين] الْمُحْسِنِ إليك بجميع ذلك لأَن كُلَّه
(١) زيادة من المخلوطة ومن المتعذر تعيين الصفحات لأنها غير مرقة.
(٢) زيادة من المخطوطة ومابين معقفين فيما يلى منقول عنها ونكتفى بهذه الإشارة.
(٣) فى المخطوطة متجرداً.
(٤) فى الأصول : فى آجال الخلق والتصويب من المخطوطة.
(٥) يدان أى قوة .
- ٣٨٩ -

لكرامتك وإلا فهو عزيز حميد على كل حال تَعَجُّبًا [لتيسير الله على هذا الفتح ما لم يَخْطُر
بالبال] وشكراً لِمَا أَنعم به سبحانه عليه من أنه أَرَاه تمام ما أُرْسِل لأَجْلِهِ ولأَن كل حَسَنَة
يعملها أتباعه له مِثْلها .
((ولما أَمَرَه صلى الله عليه وسلم بتنزيهه عن كل نَقْص ووصفه بكل كمال مُضافاً إِلى
الرَّبّ، أَمَرَه بما يُفْهَم منه الْعَجْزِ عن الوفاءِ بِحَقِّه لِمَا له من الْعَظَمَةِ الْمُشَار إليها بِذِكْرِهِ
مَرَّتَيْن بالإسم الأعظم الذى له من الدلالة على الْعِظَم والعُلُّ إِلى مَحَلّ الْغَيْب الذى لا مَطْمَع
فى دَرْكِهِ مما تَتَقَطَّعَ الأَعناق دُونَه فقال: (وَاسْتَغْفِرْهُ) أَى اطْلُبْ غُفْرَانَهُ إِنه كان غَفَّارًا ،
إيذاناً بأنه لا يَقْدِرِ أَحَدٌ أَن يُقَدِّرَهُ حَقَّ قَدْرِه لتقتدى بِكَ أُمَّتُكَ فى المواظبة على الأَمان
الثانى لهم ، فإِن الأَّمان الأول الذى هو وجودك بين أَظْهُرِهم قد دنا رجوعُه إِلى مَعْدِنه فى
الرفيق الأَعلى وَالْمَحَلّ الأَّقدس، وكذا فَعَل صلى الله عليه وسلم يَوْمَ دَخَلَ مكة مُطَأْطِئًا
رَأْسَهُ حتى أنه ليكاد يَمَسّ واسطة الْرَّحْل تواضعاً لله تعالى وإِعلاماً لإِصحابه أَن ما وقع إنما
هو بحول الله تعالى، لا بكثرة من معه من الْجَمْعِ وإِنما جعلهم سبباً لُطْفاً منه بهم ، ولذلك
نَبَّه مَنْ ظَنَّ منهم أَو هَجَسَ فى خاطره أَن للجَمْع مدخلا فيما وقع من الهزيمة فى حُنَيْن أولاً
وما وقع بعد من الْنُّصْرَة بمن ثَبَتَ مع النبى صلى الله عليه وسلم وهم لا يبلغون ثلاثين نفساً (١).
ولِمَا أَمَر بذلك فأَرشد السِّياق إِلى أَن التقدير: وَتُبْ إِليه، عَلَّله مُؤَكِّدًا لِأَجل استبعاد من
يستبعد مضمون ذلك من رجوع الناس فى الْرِّدَّة ومن غيره بقوله: (إِنَّهُ) أَى الْمُحْسِنِ
إليك بخلافته لَكَ فى أُمَّتِك ، ويجوز أن يكون التأكيد دلالة ما تقدم من ذِكر الجلالة
مَرَّتَيْن على غاية الْعَظَمةِ والْفَوْت على الإِدراك بالاحتجاب بأَردية الْكِبْرِياءِ وَالْعِزَّة وَالْتَّجَبُّر
وَالْقَهْر ، مع أَن المألوف أَن مَنْ كان على شىء من ذلك كان بحيث لا يَقْبَل عُذْرًا ولا يُقِيل
نادِماً(٢) . (كَانَ) أَى لم يَزَل (تَوَّابًا) أَى رَجَّاعاً لمن ذهب به الشيطان من أَهل رحمته .
(١) يلى ذلك عبارة طويلة فى المخطوطة لا تأتلف مع السياق وهى: ((التسبيح الذى هو تنزيه عن النقص إشارة إلى إكمال
الدين تحقيقاً لما كان تقدم به وعده الشريف إشارة إلى أن عبادته التى هى أعظم العبادات قد شارفت الانقضاء ولا يكون ذلك
إلا بالموت فلذلك أمر «الاستغفار لأنه يكون فى خاتمة المجالس والأعمال لما لعله وقع فيها على نوع من الوهن واعترافاً بذل
العبودية)).
وقد يكون أيضاً فى اضطراب العبارة ماحمل المؤلف أى الصالحى على إغفالها .
(٢) فى المخطوطة بادراً.
- ٣٩٠ -

فهو الذى رَجَع بأَنصارك عَمَّا كانزا عليه من الاجتماع على الْكُفْر والاختلاف بالعداوات(١)،
فَأَيَّدَكَ بدخرلهم فى الدِّين شيئاً فشيئاً حتى أسرع بهم بعد سورة الفتح إِلى أَن دَخَلْتَ مكة
فى عشرة آلاف، وهو أيضاً يرجع بِكَ إِلى الحال التى يزداد بها / ظهور رِفْعَتِكَ فى الرفيق ٤٥٢,
الأعلى، ويرجع بمن تخلخل من أَمَّتِك فى دِينه بِرِدَّةٍ أَو معصية دون ذلك [ إلى ما كان عليه
مِن الْخَيْرِ ويسير بهم أَحْسَن سَيْر ] .
((فقد رَجَع آخرُ السورة إِلى أَرَّهِ! بأَنْه أولا تحقق وَصْفِه بالتوبة لَمَا وَجَدَ الناصر الذى
وجد به الفتح، والتحم مَقْطَعُهَا أَىَّ التحام بمطلعها ، وعُلِم أَن كل جملة منها مُسَّبة عما
قبلها ، فتوبة الله تعالى على عبيده نتيجة توبة العبد باستغفاره الذى هو طَلَب الْمَغْفِرَة
بشروطه ، وذلك ثمرة اعتقاده الكمال فى ربه تبارك وتعالى ، وذلك ما دَلَّ عليه إِعلاؤه
لِلِينِهِ وَفَسَّرَه للداخلين فيه على الدخول مع أنهم أَشَدُّ الناس شَكَائِمَ وأَعلاهم هِمَمًا وَعَزَائِمَ
وقد كانوا فى غاية الإباء له والمغالبة للقائم به ، وذلك هو فائدة الفتح الذى هو آية النصر
وقد عُلِمٍ أَن بالآية الأخيرة من الاحتباك ما دَلَّ بالأَمر بالاستغفار [على الأَمر](٢) بالتوبة
وبتحليل الأمر بالتوبة على تعليل الأَمر بالاستغفار))(٣).
انتهى ما أوردته من كلام الشيخ برهان الدين البقاعى، وتأتى بَقِيَّتُه فى الوفاة النبوية
إن شاء الله تعالى .
(١) فى المخطوطة: بالغزوات.
(٢) زيادة من المخطوطة.
(٣) هذه مقتطفات نقلها المؤلف من تفسير البقاعى لسورة النصر. وقد أكملنا بها بين معقفين ما يزيد النص وضوحاً
دون إثبات هذا التفسير كاملا . وقد كنانود أن نرجع - زيادة فى الضبط - إلى النسخة التى نقلت عنها مخطوطة الأزهر فى سنة
١٣٣١ هـ، وهى مودعة فى دار الكتب بالقاهرة لولا المصاعب التى تثار فى وجه الباحثين والدعوى القائلة بوضع المخطوطات
فى الصناديق تمهيداً لنقلها إلى المقر الجديد لدار الكتب ونرجو أن يتحقق هذا قبل إتمام نشر كتاب الصالحى .
- ٣٩١ -

تَنْيَهَاتُ
الأول : هذه السورة مدنية بلا خلاف ، والمراد بالمدنى ما نزل بعد الهجرة واو مكة على
الْمُعْتَمَد. وروى الْبَزَّار، وأبو يَعْلَى، والبيهقى فى الدلائل عن ابن عُمَر رضى الله عنهما
قال : نزلت هذه السورة (إِذَا جَاء نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحِ) على رسول الله صلى الله عليه وسلم أَوسط
أيام التشريق فَعَرَف أنه الرداع، فأَمَرَ بناقته الْقَصْوَاء فرحلت ، ثم قام فخطب خُطْبته
المشهورة .
الثانى: روى مسلم والْنِّسَائى عن ابن عباس رضى الله عنهما قال : آخر سورة نزلت
((إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحِ)). وروى الترمذى والحاكم عن ابن عُمَر رضى الله عنهما قال:
آخر سورة نزلت سورة المائدة والفتح .
قال الشيخ فى الإِتقان (١): يَعْنِىِ: (إِذَا جَاء نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْح). قال الحافظ: والجمع.
بينهما أن آخر آية النصر نزولها كاملة بخلاف بَرَاءَةَ. قلت: ولفظ حديث ابن عُمَر ،
وعند الطبرانى: آخر سورة نزلت من القرآن جميعاً: ((إِذَا جَاء نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحِ)).
الثالث: سُئِل عن قول الْكَشَّاف (٢) أَن سورة النصر نزلت فى حَجَّة الوداع أيام التشريق
فكيف صَدَرَتْ ((بإِذَا)) الْدَّالَّة على الاستقبال ؟ وأَجاب الحافظ بضعف ما نقله، وعلى
تقدير صحته فالشرط لم يكتمل بالفتح لأَن مَجِىءَ الناس أَفواجاً لم يكن كَمُلَ ، فَبَقِيَّة
الشرط مستقبل(٣). وقد أورد الْطِيبى السؤال وأَجاب بجوابَيْن أَحدهما أن ((إِذا)) قد تَرِد
(أ) الاتقان فى علوم القرآن لجلال الدين السيوطى (١: ٢٦ - ٢٨) حيث عقد المؤلف فصلا عنوانه النوع الثامن:
معرفة آخر مانزل. ولفظه فى ص ٢٧: (( وأخرجا ( الترمذى والحاكم) أيضاً عن عبد الله بن عمرو قال آخر سورة نزلت
سورة المائدة والفتح. قلت يعنى ((إذا جاء نصر الله)). هذا وقد أورد السيوطى عدة تعليلات توضح أسباب اختلاف الروايات
الخاصة بآخر مانزل من القرآن .
(٢) الكشاف الزمخشرى (٢: ٤٩٠).
(٣) فى تفسير القرطبى (٢٠: ٢٣٠) ((إذا)) بمعنى قد أى قد جاء نصر الله لأن نزولها بعد الفتح. ويمكن أن يكون
معناه : إذا يجيئك .
- ٣٩٢ -

بمعنى إِذْ كما فى قوله تعالى: ((وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً))(١) الآية. ثانيهما أن كلام الله
تعالى قديم. قال الحافظ : وفى كل من الْجوابَيْن نَظَرٌ لا يَخْفَى .
الرابع: قال الحافظ ابن كثير (٢): ((والمراد بالفتح ههنا فتح مكة قولاً واحداً فإن
أحياء العرب كانت تَتَلَوَّم بإسلامها فتح مكة يقولون [ دعوه وقومه ](٣) فإن ظهر عليهم
فهو نَبِىّ . فلما فتح الله عليه مكة دَخَلوا فى دين الله أفواجاً فلم تمض سنتان حتى استوثقت
جزيرة العرب إيماناً ولم يَبْقَ من سائر قبائل العرب إِلا مظهر للإِسلام)». قلت: قد حكى
غَيْرُ واحد الْخِلاف / فى أن المراد فتح مكة أو فتح سائر البلاد .
٥٤٠٢
الخامس : فى بيان غريب ما سبق :
تَرَّبَّصُ : بمثناة فوقية فراء فموحدة مشددة مفتوحات فصاد مهملة مضمومة : تنتظر .
القادة : بقاف فأَلف فدال مهملة فهاء : الأَشراف الذين يقودون الناس بِتَبَتِهِم لهم.
نَصَبَتْ الحرب : بنون فصاد مهملة فموحدة فمثناة فوقية : جَدَّت فيه .
دَوَّخها الإِسلام : بدال مهملة فواو فخاء معجمة استولى عليها .
بَدَرَ : بموحدة فدال مهملة فراء مفتوحات : عَاجَلَ .
تَلَوَّم : بفوقية فلام فواو فميم مفتوحات : تنتظر .
بَرَزَ : بموحدة فراء فزاى مفتوحات : ظَهَر بعد خفاء .
الْكَوْن : بكاف مفتوحة فواو ساكنة فنون : الوجود والاستقرار .
أَدْحَضَه : بهمزة فدال فحاء مهملتين فضاد معجمة : أَبطله .
فَسَرَهُ : بقاف فسين مهملة فراء مفتوحات: قَهَرَهُ وَغَلَبَهُ .
الْيَدَان : الْقُوَّة .
(١) من الآية ١١ من سورة الجمعة.
(٢) تفسير ابن كثير (٤ : ٥٦٣).
(٣) تكملة من تفسير ابن كثير .
- ٣٩٣ -

الْمَعْدِن : بميم مفتوحة فعين مهملة ساكنة فدال مهملة مكسورة فنون : مركز كل شىء
والموضع الذى يستخرج منه جواهر الأرض كالذهب والفضة والنحاس .
?
الرفيق الأعلى : جماعة الأنبياء يسكنون أعلى عِلِّيِّين
واسطة الرَّحْل : وَسَطُه .
هَجَسَ : بهاء فجيم فسين مهملة : خَطَر بباله .
الْتَحَمَ : بفوقية فحاء مهملة فميم مفتوحات : اشتبك فلم يوجد له مَخْلَص .
الْمَقْطَع : بميم مفتوحة فقاف ساكنة فطاء مهملة مفتوحة فعين مهملة مصدر قطع إذا
أَبان .
الشكائم : بشين معجمة جمع شكيمة ، يقال فلان شديد الشكيمة إذا كان عزيز
النفس أَبِيًّا قَوِياً، وأصله من شكيمة اللِّجَام فإِن قُوَّها تدل على قوة الْفَرَس(١).
الإباء : همزة مكسورة فموحدة : شدة الامتناع .
الاحتباك: [الشَّدّ والإِحكام] (٢).
المطالع : بميم فطاء مهملة فأَلف فلام فعين مهملة : جمع مَطْلَع بفتح اللام وكسرها
مصدر طَلَعَ إِذا ظَهَر ، واسم لموضع الطلوع .
النتيجة : بنون مفتوحة ففوقية مكسورة فتحتية ساكنة فجيم .
الْعَزَائم : بعين مهملة فزاى مفتوحتين فألف فهمزة مكسورة فميم: الأُمور الواجبة .
(١) فى الأصول: النفس والتصويت من نهاية ابن الأثير الذى نقل عنه المؤلف.
(٢) بياض بالأصول بنحو كلمتين والتكملة من القاموس والنهاية .
- ٣٩٤ -

الباب الثانى
فى تَحَمُّلِهِ صلى الله عليه وسلم للوفود وإِجازتهم ومعنى الوفد وفيه أنواع
الأول: فى تحمله صلى الله عليه وسلم للوفود :
عن جندب بن مَكِيث رضى الله عنه قال : ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا
قَدِمِ عليه الوفد لَبِسَ أَحْسَنَ ثيابه وأَمَرَ أَصحابه بذلك، فرأيتُه وقد قَدِمِ عليه وَقْدُ كِنْدَة
وعليه حُلَّة بمانية، وعَلَى أَبِى بكر وَعُمَر مثله)). رواه محمد بن عُمَر الأَسلمى، وأَبو نُعَيْم
فى المعرفة، وأَبو الْحَسَن بن الضَّحَّك. وعن عُرْوَة بن الزبير رحمه الله تعالى أن ((ثوب رسول
الله صلى الله عليه وسلم الذى كان يخرج فيه للوفود حَضْرَمِىّ طوله أربعة أَذرع وعرضه
ذراعان وَشِبْر، فهو عند الخلفاء قد خَلَقَ(١) فَطَوَوْهُ بثوب يَلْبَسُونَه يوم الأَضْحَى وَالْفِطْر)).
رواه ابن سعد .
الثانى : فى إجازتهم :
الثالث: فى معنى الوفد: قال فى الصحاح : ((وفد فلان على الأَمير، أَى وَرَدَ رسولاً فهو
وَافِدٌ والجمع وَفْد مثل صَاحِب وصَحْب، وجمع الوفد أَوْفَاد ووفود، والإِسم / الْوفَادة، وأَوفدته ٤٥٣ ,
أَنَا إِلى الأَمير أَى أَرسلتُه)). وقال فى المصباح: ((وَفَدَ على الْقَوْم وَفْدًا من باب وَعَدَ ووفوداً
فهو وَافِد وقد يجمع على وُفَّاد وَوُفَّد وعلى وَفْد مثل صَاحِب وَصَحْب، وَجَمْع الْوَفْد أَوْفَاد
ووفود)). وقال فى النهاية: ((الْوَفْد الْقَوْم يجتمعون وَيَرِدُونَ الْبِلاد وَاحِدُهُمْ وَافِد ، وكذلك
(١) فى القاموس: خلق الثوب كنصر وكرم وسمع خلوقة وخلقاً محركة: بلى.
- ٣٩٥ -

الذين يَقْصِدون الأُمَرَاء لزيارَةٍ وَاسْتِرْفَادٍ وانتجاع وغير ذلك تقول وَفَدَ يَفِدُ فهو وَافِد
وَأَوْفَدْتُه فَوَفَدَ، وَأَوْفَدَ على الشىء فهو مُوفِد ((إِذا أَشْرَفَ)). وقال فى الْمَوْرِدِ: الْوَفْد الجماعة
المختارة من القوم ينتقونهم(١) للقاء العظماء(٢).
الرابع: قال الحافظ : ((عَقَد ابن سعد فى الترجمة النبوية من الطبقات(٣) باباً للوفود
وكاد يستوعب دلك بِتَخَلُّصٍ حَسَن ، وكلامه أجمع ما يكون فى ذلك . ولم يقع له قصة
نافع بن زيد الْحِمْيَرِى(٤) مع أن ابن سعد ذكر وفد حِمْيَر )»(٥) انتهى كلام الحافظ . قُلْتُ :
قد ذكرتُ ما ذكره ابن سعد مع زيادة وفود كثيرة لم تقع له ، وَرَتَّبْتُ جميع ذلك على
الحروف ليسهل الكشف على من أراد شيئاً من ذلك(٦). ولمحمد بن عُمَر الأَسلمى(٧) شيخ
ابن سعد كتاب الوفود (٨)، وفيه فوائد لم يُلِمّ بها ابن سعد.
الخامس: وَفْد جماعة قبل سنة تسع. قال فى البداية (٩): ((فيجب التمييز بين السابق
من هؤلاءِ الوافدين على زمن الفتح مِمَّن يُعَدّ وفودُه هِجْرَةً، وبين اللَّاحِق لهم بعد الفتح
(١) فى الأصول : يتلقونهم ولعل الصواب ما أثبتناه.
(٢) فى القاموس : وفد إليه وعليه يفد وفداً ووفوداً ووفادة وإفادة قدم وورد، وأوقده عليه وإليه وهم وفود ووفد
وأوفاد ووفد. وأضاف الزمخشرى فى الأساس جمعاً آخر وهو وفاد. وفى شرح المواهب (٤: ٢) قال النووى:
(( الوفد الجماعة المختارة للتقدم أى التى اختيرت لفصاحة أو نحوها للتقدم فى لقاء العظماء واحدهم وافد أى راكب قاله ابن كثير
وغيره)). انتهى كلام النووى وأقره فى الفتح وكأنه استعمال عرفى وإلا ففى اللغة أن الوافد القادم مطلقاً مختاراً للقاء العظماء
أم لا ، راكباً أم لا .
(٣) ذكر وفادات العرب فى طبقات ابن سعد فى جـ ٢ من ص ٥٦ إلى ص ١٢١.
(٤) ترجم له ابن الأثير فى أسد الغابة (٥: ٩) وقال إنه قدم على النبى صلى الله عليه وسلم فى نفر من حمير فقالوا
آتيناك لنتفقه فى الدين ونسأل عن أول هذا الأمر فقال: (( كان اللّه ولا شىء غيره وكان عرشه على الماء ثم خلق القلم فقال
اكتب ماهو كائن ثم خلق السموات والأرض وما بينهما واستوى على عرشه)) أخرجه أبوموسى. وفى الإصابة (رقم ٨٦٤٨)
نافع ابن زيد الحميرى ذكره ابن شاهين فى الصحابة ، ثم أورد ابن حجر الحديث السابق وأضاف أن فيه عدة مجاهيل .
(٥) وفد حمير فى طبقات ابن سعد ( ٢: ١١٨ - ١١٩).
(٦) ذكر الوفود فى كتب السيرة والتاريخ مرتبة ترتيباً زمنياً أى طبقاً لتواريخ وقوعها. وقد آثر المؤلف الترتيب
الأبجدى فى أسماء الوفود لسهولة المراجعة .
(٧) محمد بن عمر الأسلمى هو الواقدى المؤرخ والفقيه المتوفى سنة ٢٠٧ هـ.
(٨) يبدو أن كتاب الوفود الواقدى كان موجوداً فى القرن العاشر الهجرى بدليل رجوع المؤلف إليه. ولم يتركه
ولم يذكره ابن النديم فى الفهرست ( ص ١٤٤ - ١٤٥) مع أنه أورد ثبتاً حافلا بمصنفات الواقدى ولم يبق منها للأسف
فى العصر الحديث سوى كتاب المغازى .
( ٩) البداية والنهاية لابن كثير (٥: ٤٠ - ٤١).
- ٣٩٦ -

[مِمَّن وَعَدَ اللهَ خَيْرًا وَحُسْنىَ](١). قال الله سبحانه وتعالى: ﴿لاَيَسْتَوِى مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ
مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةٌ مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلَّ وَعَدَ اللهُ
الْحُسْنِىَ﴾(٢).
تنبيه : في بيان غريب ما سبق :
جُنْدُبَ : بجيم مضمومة فنون ساكنة فدال مهملة مضمومة وَتُفْتَح .
مَكِيث : بفتح الميم وكسر الكاف وسكون التحتية وبالثاء المثلثة .
كِنْدة : تقدم تفسيره(٣).
الْحُلَّة : بضم الحاء المهملة ، يأتى الكلام عليها (٤)
حَضْرَهِى : بفتح الحاء المهملة وسكون الضاد المعجمة فراء فميم : نسبة إلى حَضْرَمَوْت
خَلَقَ : بخاء معجمة فلام فقاف مفتوحات(٥) : بَلِىَ.
(١) تكملة من البداية والنهاية التى نقل عنها المؤلف.
(٢) من الآية العاشرة من سورة الحديد .
(٣) فى الاشتقاق (ص ٣٦٢): كندة من قولهم كند نعمة الله عز وجل أى كفرها، ومن قول الله جل ثناؤه
( إن الإنسان لربه لكنود) ( الآية ٦ من سورة العاديات ).
(٤) فى النهاية الحلة واحدة الحلل وهى برود اليمن ولا تسمى حلة إلا أن تكون ثوبين من جنس واحد
(٥) أشرنا فى حاشية سابقة إلى أن خلق بمعنى يلى لامها مثلثة: خلق الثوب كنصر وكرم وسمع ، كما فى القاموس .
- ٣٩٧ -

الباب الثالث
فى وَفْد أَحْمَس على رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال ابن سعد(١) رحمه الله تعالى: قَدِمٍ قَيْس بن غَرْبَةٍ (٢) الأَحْمَسِىّ فى مائَتَيْن وخمسين
رجلاً من أَحْمَس فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من أَنْتُمْ؟)) فقالوا: نحن أَحْمَس
الله، وكان يقال لهم ذلك فى الجاهلية. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((رَأَنْتُمْ
الْيَوْمَ للهِ)). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، لِلال: ((أَعْطِ رَكْبَ بَجِيلَةَ وَابْدَأْ ،
بِالأَحْمَسِيِّين)) . ففعل . وعن طارق بن شهاب (٣) رضى الله عنه قال: قَدِمَ وَقْد بَجِبلة على
رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اكْتُبُوا الْبَجَلِّين
وَابْدَأُوا بِالأَحْمَسِيِّينِ)). فتخلَّف رجل من قَيْس، قال: حتى أَنظر ما يقول لهم رسول الله
صلى الله عليه وسلم. قال: فَدَعًا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فَسَمَّى مرات: ((اللَّهُمْ
٤٥٣ غا جُدْ عليهم، اللَّهُمَّ بَارِك فيهم)). وفى رواية: قَدِمٍ وَفْدُ أَحْمَس وَوَفْدُ قَيْس / فقال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: ((ابْدَأُوا بالأَحْمَسِّين قبل الْقَيْسِين)). ثم دَعَا لِأَحْمَس فقال:
((اللهم بارِك فى أَحْمَس وخيلها ورجالها)) سبع مرات، رواه الإمام أحمد .
تنبيه : فى بيان غريب ما سبق :
أَحْمَس: بأَلْف فمهملة فميم فسين مهملة ، تقدم فى بَجِيلَةَ (٤).
(١) طبقات ابن سعد (٢: ١١٠ - ١١١) وقد بجيله.
(٢) فى الأصول عذرة. وفى طبقات ابن سعد عزره. والتصويب من أسد الغابة (٤: ٢٢٣) وقد جاء فيه: قيس بن
غربة أبو غربة الأحمسى وفد على النبى صلى الله عليه وسلم ودعا قومه إلى الإسلام ذكره المستغفرى فى كتاب الوفود أخرجه
أبو موسى مختصراً . و أضاف ابن الأثير فى ضبط اسمه : غربة بالغين المعجمة وبالراء وبالباء الموحدة . قاله الأمير .
وفى الإصابة ( رقم ٧٢١٠) ذكر ابن حجر ضبط ابن الأثير لغربة ثم أضاف : وقيل بكسر الزاى بعدها مثناه تحتانية ثقيلة
( أى غزية ) .
(٣) هو طارق بن شهاب بن عبد شمس بن سلمة بن هلال بن عوف بن جشم البجلى الأحمسى أبوعبد الله. روى عنه قال:
رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وغزوت فى خلافة أبى بكر فى السرايا وغيرها. أنظر أسد الغابة ( ٣: ٤٨ - ٤٩).
(٤) من بنى بجيلة الغوث بن أنمار (ومن ولده أحمس بن الغوث: بطن لهم سوابق فى الإسلام نهض منهم مائة وخمسون
فارساً مع جرير بن عبد الله البجلى إلى حرق ذى الخلصة فبارك رسول الله صلى الله عليه وسلم على خيل أحمس ورجالها - أنظر
جمهرة أنساب العرب لابن حزم ( ص ٣٦٦).
- ٣٩٨ -

الباب الرابع
فى وَفْد أَزْدِ شَنُوأَة على رسول الله صلى الله عليه وسلم
روى ابن سعد (١) رحمه الله تعالى عن مُنِير بن عبد الله الأَزْدى(٢) قال: قَدِم على رسول
الله صلى الله عليه وسلم صُرَد بن عبد الله الأَرْدى(٣) فى وَفْد من الأَّرد بضعة عشر رجلاً،
فنزلوا على فَرْوَة بن عَمْرو(٤) فحَبَاهم(٥) وأكرمهم وأقاموا عنده عشرة أيام فأسلموا ، وكان
صُرَد أَفضلهم ، فَأَّرَه رسول الله صلى الله عليه وسلم على من أسلم من قومه، وأَمَرَهُ أَن يجاهد
بهم من يليه من أَهل الْشِّرْك من قبائل اليمن. فخرج صُرَد يسير بأَمر رسول الله صلى الله
عليه وسلم، حتى نزل بِجُرَش(٦) وهى يومئذ مدينة حصينة مُغْلَقَة، وبها قبائل من اليمن
قد تَحَصَّنُوا بها ، وقد ضَوَتْ إليهم خَتْعَم فدخلوها معهم حين سمعوا بمسير المسلمين إليهم .
فدعاهم إلى الإِسلام ، فَأَبَوْا ، فحاصرهم شهراً أو قريباً منه ، وكان يُغِير على مواشيهم
فيأخذها. ثم تَنَخَّى عنهم إلى جبل يقال له شَكَر(٧) فَظَنُوا أَنه قد انهزم ، فخرجوا فى طلبه
حتی أدر کوه .
(١) طبقات ابن سعد (٢: ١٠١ - ١٠٢).
(٢) لم نعثر على ترجمة منير بن عبد الله الأزدى الذى ذكره ابن سعد، وذلك فى كتب تراجم رواة الحديث.
وفى ميزان الاعتدال للذهبى ( رقم ٨٨١٠) . منير بن عبد الله ولم نستوثق من أنه الأزدى.
(٣) انظر ترجمة صرد ابن عبد الله الأزدى فى أسد الغابة (٣: ١٧) وقد أورد فيها ابن الأثير ما ذكره ابن سعد.
(٤) هو فروة بن عمروبن ودقة بن عبيد بن عامر بن بياضة الأنصارى شهد العقبة وبدراً وما بعدهما من المشاهد وآخى
رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين عبد الله بن مخرمة أنظر أسد الغابة ( ٤: ١٧٨ - ١٧٩).
(٥) فى ابن سعد : فحياهم.
(٦) فى معجم البلدان (٣ : ٨٤ - ٨٥) جرش بالضم ثم الفتح وشين معجمة من مخاليف اليمن من جهة مكة.
(٧) فى معجم البلدان (٥: ٢٨٥) شكر بفتح الشين والكاف جبل اليمن قريب من جرش له ذكر فى المغازى أو وقع
عنده صرد بن عبد الله الأزدى بأهل جرش. وفى أسد الغابة فى ترجمة صرد أن الجبل يقال له كثر وأن اثنين من أهل جرش
قالا: يارسول اللّه ببلادنا جبل يقال له كشر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((ليس بكثر ولكنه شكر)). أنظر أيضاً
سيرة ابن هشام ( ٤ : ٢٥٧).
- ٣٩٩ -

فَصَفَّ صفوفَه فحمل عليهم هو والمسلمون فوضعوا سيوفهم فيهم حيث شاءُوا وأخذوا
من خيلهم عشرين فَرَساً. فقاتلوهم عليها نهاراً طويلاً. وقد كان أهل جُرَش بعثوا إلى رسول
الله صلى الله عليه وسلم رَجُلَيْن منهم يرتادان وينظران. فبينما هما عند رسول الله صلى الله
عليه وسلم عَشِيَّةً بعد العصر إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((بأَى بلاد الله شَكَرٍ)) ؟
فقال الْجُرَشِيَّان: يارسول الله ببلادنا جبل يقال له كَثَر وبذلك يُسَمِّيه أَهل جُرَش . فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليس بِكَشَر ولكنه شَكَر)). قالا: فما شَأْنُه يا رسول الله ؟
قال: ((إِنَّ بُدْنَ اللهِ لَتُنْحَر عنده الآن)). وأَخبرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بِمُلْتَقَاهُم
وَظَفَر صُرَد بهم. فجلس الرجلان إلى أبى بكر وعثمان رضى الله عنهما فقالا لهما: وَيَحْكُمَا
إِن رسول الله صلى الله عليه وسلم لَيَنْعى لكما قومكما فقوما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
فَسَلَهُ أَن يَدْعَوَ الله أَن يرفع عن قومكما. فقاما إليه فسأَلاه أن يدعو الله أن يرفع عنهم،
فقال: ((اللهم ارفع عنهم)). فخرجا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعين إلى قومهما
فوجدا قومهما قد أُصيبوا يوم أَصابهم صُرَد بن عبد الله فى اليوم الذى قال فيه رسول الله
صلى الله عليه وسلم ما قال وفى الساعة التى ذَكَرَ فيها ما ذَكَرٍ .
قال ابن سعد: فَقَصَّا على قومهما [الْقِصَّة](١) فخرج وَفْدُ جُرَش حتى قَدِموا على رسول
٤٥٤ , الله صلى الله عليه وسلم / فأَسلموا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَرْحَباً بكم أَحْسَنَ
النَّاسِ وجوهاً وَأَصْدَقَه لِقَاءٍ وَأَطْيَبَهُ كلاماً وأعظمه أمانةُ، أَنتُم مِىٌّ وأَنا منكم)) . وجعل
شعارهم مبروراً وأَحْمَى لهم حِمِّى حول قريتهم على أَعْلام معلومة للفَرَس والراحلة [وللمثيرة](٢)
بقرة الحرث ، فمن رَعَاه من الناس فَمَالُه سُحْت .
تنبيه : فى بيان غريب ما سبق :
الأَرْد : بأَلف مفتوحة فزاى فدال مهملة ، ويقال بالسين بدل الزاى وفى القاموس هى
أفصح .
(١) تكملة من طبقات ابن سعد (٢: ١٠٢).
(٢) تكملة من ابن هشام فيما رواه عن ابن إسحاق (٤: ٢٥٧).
- ٤٠٠ -