النص المفهرس
صفحات 281-300
العام كان قَدْر جِراب . فلما تعدد وجمُعَ أبو عبيدة الزاد الخاص اتفق أنه صار قَدْر جِراب، ويكون كل من الراوِيَيْن ذكر ما لم يذكر الآخر . وأَما تفرقة ذلك تمرةً تمرة ، فكان فى ثانى الحال . وقد روى البخارى فى الجهاد من طريق وَهْب بن كَيْسان عن جابر : ( خرجنا ونحن ثلاثمائة نحمل زَادَنا على رقابنا فَفَنِىَ زادُنا حتى كان الرجل منا يأكل [ كل يوم](١) تمرة)). وأما قول عياض: (( يُحْتَمَل أنه لم يكن فى أَزوادهم تمر غير الجراب المذكور)) فمردود لأَن حديث جابر الذى صدر به البخارى صريح فى أَن الذى اجتمع من أزوادهم كان مِزْودَ تمر . ورواية أبى الزبير صريحة فى أن النبى- صلى الله عليه وسلمزَوَّدهم جِراباً من تمر فيصح أن التمر كان معهم من غير الجِراب . وأَما قول غيره يُحْتَمَل أَن يكون تفرقته عليهم تمرةً تمرة كان من الجِراب النبوى - صلى الله عليه وسلم - قصداً للبركة ، وكان يُفَرَّق عليهم من الأزواد التى اجتمعت أكثر من ذلك فبعيد من ظاهر السياق ، بل فى رواية هشام بن عروة عند ابن عبد البرّ . فَقَلَّت أَزوادنا حتى كان يصيب الرجل منا التمرة . السادس : فى رواية وَهْب بن كَيْسان عن جابر: ( فأكل منه القوم ثمانى عشرة ليلة ) . وفى رواية عمرو بن دينار : ( فأكلنا منه نصف شهر ) . وفى رواية أبى الزبير ( فأقمنا عليها شهراً). ويُجْمَع بين هذا الاختلاف بأَن الذى قال : ثمانى عشرة ، ضبط ما لم يضبط غيره أو أَن من قال نصف شهر أَلْفَى الكسر الزائد وهو ثلاثة أيام ، ومن قال شهراً جبر الكسر وضم بقية المدة التى كانت قبل وجدانهم الحوت إليها. ورَجَّح النووى رواية أبى الزبير لما فيها من الزيادة. قال / ابن التين: إحدى الروايتين وَهْم . ووقع فى رواية ٢٤٢٧ الحاكم : اثنا عشر يوماً ، وهى شَاذَّة وأَشَذَّ منها رواية الخولانى : أَقمنا قبلها ثلاثاً . ولعل الجمع الذى ذكرته أَوْلى . السابع : لا تُخَالِف رواية أبى حمزة الخولانى رواية أبى الزبير فى لحم الحوت لأن رواية أبى حمزة تُحْمَل على أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال ذلك ازدياداً منه بعد أن أحضروا له منه ماذُكِرٍ ، أَو قال ذلك قبل أن يُخْضِروا له منه ، وكان الذى أحضروه معهم لم يُرْوِحِ فأكل منه - صلى الله عليه وسلم -. (١) زيادة من صحيح البخارى كتاب الجهاد باب حمل الزاد على الرقاب (٤: ١٣٦). - ٢٨١ - الثامن : وقع فى آخر صحيح مسلم من طريق عُبادة بن الوليد بن عُبَادة بن الضّامت قال : خرجت أنا وأبى نطلب العلم. فذكر الحديث ، وفيه فرأينا جابر بن عبد الله فى مسجده . الحديث . وفيه سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم - فى غزوة بطن بواط. الحديث . وفيه سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم : وكان قوت كل أَحد منا فى كل يوم تمرة . الحديث. وفى آخره: شكا الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((عَسَى اللّه أَن يُطْعِمَكم) . فأَتْينا سيف البحر، فَزَجَر البحر زَجْرَةً فَأَلَفى دابَّةً، فَأَوْرَيْنَا على شِقُّها النار فاطَّبخنا واشتوينا وأكلنا وشَبِعنا. قال جابر: فدخلت أنا وفلان حتى عَدَّ خمسة فى فجاج عينها مايرانا أَحد، وأخذنا ضِلْعاً من أضلاعها فقوَّمناه ودعونا أعظم رجل فى الرَّكْب وأعظم جَمَل فى الركب وأَعظم كِفْل فى الركب فدخل تحته ما يُطَأْطِئْ رأْسه . قال الحافظ رحمه الله تعالى: وظاهر سياقه أن ذلك وقع فى غزوة لهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم- ، لكن يمكن حمل قوله : فأَنينا سيف البحر على أنه معطوف على شىء محذوف تقديره : فبعثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى سَفَر فأَتينا إلخ، فتتحد مع القصة التى فى صحيح البخارى . التاسع : فى بيان غريب ماسبق : يَرْصُد(١): بفتح التحنية . الغِير : بكسر العين المهملة وبالراء الإِبل تحمل الميرة ثم غلب على كل قافلة . الحَىّ الواحد من أحياء العرب يقع على بن أَبٍ كثروا أَم قَلُّوا، وعلى شَعْب يجمع القبائل من ذلك . جُهَيْنَة : بضم الجيم وفتح الهاء وسكون التحتية وفتح النون فتاء تأنيث . القَبَلِيَّة : بفتح القاف والموحدة . (١) فى النهاية يقال رصدته إذا قعدت له على طريقه تترقبه وأرصدت له العقوبة إذا أعددتها له - ٢٨٢ - ساحل البحر : شاطئه وهو جانبه . الخَبَط : بفتح الخاء المعجمة والموحدة ماسقط من ورَق الشجر إذا خُبِط بالعصا لتعلفه الإبل . سيف البحر : بكسر السين المهملة وسكون التحتية وبالفاء جانبه . عُبادة : بضم العين المهملة وتخفيف الموحدة . الصامت : بلفظ اسم الفاعل . الجِرَاب : بكسر الجيم ، قال فى التقريب وقد تُفْتَح المِزْوَد: بكسر الميم وعاء التمر من أَدَم(١). يَقُوتُنا: بفتح الفوقية وضم القاف والتخفيف من الثلاثى ، وبضم التحتية والتشديد من التقويت(٢) ومنعه ابن السُّكِّيت - بكسر السين المهملة والكاف / المشددة وسكون التحتية ٤٢٨, فتاء. العُصِىّ : بضم العين وكسر الصاد المهملتين جمع عَصَا . يَمَصُّها : بفتح الميم وحُكِى ضمها . تَخْبط : الشجرة تضربها فيتحاتٌ وَرَقُها فتأكله ( الإبل ). القِىّ: بكسر القاف جمع قَوْس . تَقَرَّحت : تَجَرَّحت من خشونة الورق وحرارته . الشِّدْق : بفتح الشين المعجمة وكسرها وسكون الدال المهملة وبالقاف جانب الفم . فأقسم : أَحلف . (١) الأديم الجلد وجمعه أدم وأدم . (٢) فى الأصول التوقيت وهو تحريف وفى النهاية أقاته يقيته إذا أعطاه قوته وهى لغة فى قائه بقوته. وأماته أيضاً إذا حفظه . - ٢٨٣ - أخطأَها : فاتته ومعناه أنه كان للتمر قاسم يقسمه بينهم ، فيعطى كل إنسان نمرة كل يوم، فقسم فى بعض الأَيام ونَسِىَ إنساناً فلم يُعْطِهِ تمرته وظَنَّ أَنه أعطاه فتنازعا فى ذلك، فذهبنا معه وشَهِدنا له أنه لم يُعْطَها فَأُعْطِيها بعد الشهادة . فَنَعَشَه : فرفعه وتقيمه من شدة الضعف والْجُهْد- أو معناه تشد جانبه فى دعواه وتشهد له. مِثْفَر البعير ، بكسر الميم كالجحفلة من الفرس وهو لذى الحافر كالشفة للإنسان . ناله : أصابه . الجَهْد: بفتح الجيم - وتضم - وبالدال : المشقة، وقيل بالفتح المشقة وبالضم الطاقة . الغيلانيات : أجزاء من الحديث منسوبة لابن غيلان من المحدثين . الجَزُور : بفتح الجيم من الإِبل خاصة يقع على الذكر والأنثى والجمع جُزُر بضمتين . شِقَّة من نمر [ أى قطعة تُشَقّ منه](١). دُلَيْم : بضم الدال المهملة وفتح اللام وسكون التحتية وبميم . أَمَا : بفتح الهمزة وتخفيف الميم . يُخْنِى به بضم التحتية(٢) وسكون الخاء المعجمة وبالنون يُسْلِمِه. فِعْلًا: بكسر الفاء وسكون العين . وفى نسخة من العيون فَعَالا بفتح الفاء أى الكرم ولهذا وصفه بالمفرد فقال شريفاً . ولو أراد الفِعال بكسر الفاء الذى هو جمع فِعْل لقال شريفة . خَدِيج : بخاء معجمة فدال مهملة فتحتية فجيم وزن عظيم . عَزَمِ عليه : أمَرَه أَمْر جِدّ بكسر الجيم . أَخْفَره: إذا نقض عهده واختفره إذا وفى له بالعهد والمراد الأول . الذِّيّة : بكسر الذال المعجمة تُفَسَّر تارة بالعهد والأَمان وتارةً بالضمان . (١) بياض بالأصول بنحو أربع كلمات والتكملة من النهاية. (٢) فى الأصول: ((يخنى عليه بفتح التحتية)) والصواب بضم التحتية ويختى به أى أسلمه وخفر ذمته. وفى النهاية: ما كان سعد ليخى بابنه فى شقة من تمر أى يسلمه ويخفر ذمته وهو من أخى عليه الدهر . - ٢٨٤ - أبو ثابت : بثاء مثلثة وموحدة : كنية سعد بن عُبَلدة . الكَلّ : بفتح الكاف وتشديد اللام : وهو الإعياء ثم استُغْيِل فى كل ضائع وأَمر ثقيل . الدَّابَّة : بالدال المهملة وتشديد الموحدة : كل حيوان فى الأَرض ويُطْلَق على الذكر والأُنثى . العَنْبر : بلفظ المشموم : حوت كبير بليغ طويل طوله خمسون ذراعاً فأكثر . الحوت : اسم جنس لجميع السمك وقيل مخصوص بما عَظُم منها . الكثيب : بفتح الكاف وكسر الثاء المثلثة الثَّلّ من الرمل . الظَّرِب: بفتح الظاء المعجمة المُشَالة وكسر الراء وبالموحدة الجبل الصغير . الضَّخم : بفتح الضاد وسكون الخاء المعجمتين : العظيم . الوَدَك : بفتح الواو والدال المهملة : الشحم . ٤٢٨ ٠ظ ثَابَت : بثاء مثلثة ومُوَحَّدة ففوقية / رَجَعَت . الوَقْب : بفتح الواو وسكون القاف والموحدة النُّقْرَة التى تكون فيها الحُلَقة القِلال : بكسر القاف جمع قُلَّة وهى هنا [الحُبّ العظيم](١) . القِدَر : بكسر القاف وفتح الدال المهملة جمع قَدْرة بفتح فسكون : وهى القطعة من اللحم ومن غيره . الثَّوْر: بالثاء المثلثة الذكر من البقر، والأُنثى ثورة والجمع ثيران وأَثوار وثيرة مثل عنبه . الضِلْع: بكسر الضاد المعجمة وسكون اللام تُؤَنّث وجمعها أَضلع وضلوع(٢) وهى عظام الجَنْبَيْن . وقوله بِضِلْعَيْن فنُصِبا، الوجه فِنُصِبتا، وكأَنّه أَوَّله بعَظْمَيْن أو عضوين . ونحو ذلك وأن التأنيث غير حقيقى فيجوز التذكير . (١) بياض بالأصول بنحو كلمتين والتكملة من النهاية والحب وعاء كالجرة وجمعه حباب وحببة. وفى النهاية مميت قلة لأنها تقل أى ترفع وتحمل . . (٢) ويجمع ضلع أيضاً على أضلاع كما أنها تذكر وتؤنث. - ٢٨٥ - لم يُرْوِحِ : لم ينتِّن. المجَاعَةِ والمَجُوعَة بفتح الميم من الجوع ضد الشِّبَع نُهِيت : بالبناء للمفعول . ذَكْوَان : بفتح الذال المعجمة . الحوائط : جمع حائط وهو هنا البستان . أَوْفَى : بمعنى أَتَمِّ(١). يَجُدّ : يقال جَذَذْتُ التمر وغيره قطعته وهذا زمن الجُذَاد(٢). الشِّيَّمة : بكسر الشين المعجمة : الغريزة والطبيعة والجِبِلَّة. يُبَخِّل عَلَىِّ ولدى [أَى رماه بالبُخْل ](٣). الهُدْنَة : بضم الهاء وسكون الدال المهملة وبضمها : الصلح والموادعة بين المتاريين. الغَليل : بفتح الغين المعجمة . العطشان (٤) . مِقْسَم : بكسر الميم وسكون القاف وفتح السين المهملة . الكِفْل : بكسر الكاف وسكون الفاء وباللام هنا الكساء الذى يحويه راكب البعير على سنامه لئلا يسقط . (١) فى الأصول: أوفى بمعنى أقل وهو خطأ. وفى النهاية: وفى الحديث: أوفى الله ذمتك، أى أنها، ووقت ذمتك أی تمت و استوفيت حتى أخذته تاماً . (٢) الجذاذ بضم الجيم وبكسرها أى المقطع والمكسر . (٣) بياض بالأصول بنحو ثلاث كلمات والتكملة من القاموس. (٤) فى القاموس: الفل والغلة والغلل محركة والغليل كأمير العطش أو شدته أو حرارة الجوف فهو غليل ومفلول ومفتل أى أن الغليل تفيد أيضاً العطش . - ٢٨٦ - الباب التاسع والأربعون فى سَريَّة أبى قتادة الأنصارى(١) رضى الله عنه إلى خَضِرة(٢) [و] وقعة ابن أبى حدرد(٣) فى شعبان سنة ثمان ] . روى ابن اسحاق ، والإمام أحمد، ومسلم ، ومحمد بن عُمَر عن عبد الله بن أبى حَدْرَد الأَسلمى رضى الله عنه قال: تزوجت ابنة سُرَاقة بن حارثة النَّجَّارى(٤) وقد قُتِل ببدر ، فلم أُصِب شيئاً من اللغيا كان أَحَبَّ إِلَّ من نكاحها، وأَصدقتُها مائتى دِرْهم ، فلم أجد شيئاً أَسوقه إليها، فقلت: على الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم- المُعَوَّل. فجئت -رسول الله صلى الله عليه وسلم - فأخبرته، فقال: ( كم سُقْتَ إليها(٥) ؟) فقلت : مائتى درهم يارسول الله. فقال: (( سبحان الله والله لو كنتم تغترفونه من ناحية بطحان - وفى رواية - لو كنتم تغترفون الدراهم من واديكم هذا [ما](٦) زِدْنُم)). فقلت: يا رسول الله أَعِنِّى على صداقها. فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم -: ((ماوَافَقْتَ عندنا شيئاً أُعِينُكَ به ولكن قد أجمعت أن أبعث أبا قتادة فى أربعة عشر رجلا فى سَريَّة فهل لك أن تخرج فيها؟ فإِنِى أَرجو أَن يُغْنِمَك الله مَهْرَ امرأتك) . فقلت : نعم . وعند ابن / إسحاق (٧): فَلَبِئْتُ أَياماً ثم أَقبل رجل من بنى جُثَم (٨) حتى نزل بقومه ١٤٢٩ (١) هو أبو قتادة الأنصارى الحارث بن ربعى ترجم له ابن الأثير فى أسد الغابة (٥: ٢٧٤: ٢٧٥). (٢) هذا ضبط المؤلف وعند البرهان بضم الخاء وإسكان المعجمة وخضرة أرض محارب بنجد. (٣) جمع المؤلف هنا بسريتين: سرية أبى قتادة إلى خضرة وسرية ابن أبى حدرد الأسلمى إلى الغابة. ذكر الأولى ابن سعد ( ٣: ١٧٨: ١٧٩) وذكر الثانية ابن إسحاق فى ابن هشام (٤: ٣٠٥: ٣٠٧) وذكر الاثنين ابن سيد الناس فى عيون الأثر ( ٢: ١٦١ : ١٦٣). (٤) صوابه: حارثة بن سراقة أحد بن عدى بن النجار قتل بسهم فأصاب نحره ابن هشام (٢: ٢٦٧) انظر أيضاً ترجمته فى أسد الغابة (١: ٣٥٥ : ٣٥٦) والإصابة رقم ١٥٢٠. (٥) لفظ ابن إسحاق: كم أصدقت. (٦) زيادة يقتضيها السياق وكذلك فى ابن هشام. (٧) ابن هشام (٤: ٣٠١). (٨) زاد ابن اسحاق: من بنى جثم بن معاوية يقال له رفاعة بن قيس فى بطن عظيم من بنى جثم. - ٢٨٧ - وبمن معه الغابة يريد أن يجمع قَيْساً على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم - وكان ذا اسم وشرف فى جُثَم . فدعانى رسول الله صلى الله عليه وسلم وزَجُلَيْن من المسلمين فقال: (اخْرُجوا إلى هذا الرجل حتى تأتونى منه بخبر وعِلْمٍ ) . وقدّم لنا شارفاً عَجْفَاء يُحْمَل عليها أَحَدُنا فو الله ما قامت به [ ضَعْفاً](١) حتى دَعَمَهَا الرجال من خلفها بأيديهم حتى استقلت وما كادت، ثم قال : ( تَبَلَّغُوا عليها واعتقبوها). وفى حديث محمد بن عُمَر، وأحمد واللفظ للأَّول : فخرجنا ومعنا سلاحنا من النَّبْل والسيوف فكنا ستة عشر رجلا بأَبى قتادة وهو أميرنا . فبعثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى غَطَفان نحو نَجْد. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-(( سيروا الليل وأكمنوا النهار وشُنُّوا الغارة ولاتقتلوا النساء والصبيان)). قال: فخرجنا حتى جئنا ناحية غَطَفان . وفى حديث أَحمد : فخرجنا حتى جئنا الحاضِر ◌ُمْسِين، فلما ذهبت فَحْمَةُ العشاء قال محمد بن عُمَر قال : وخطبنا أَبو قتادة وأوصانا بتقوى الله تعالى وأَّف بين كل رجلين وقال : (( لايفارق كل رجل زميله حتى يُقْتَل أَو يرجع إِلَّ فيخبرنى خَبَرِه، ولا يأَتِيَنَّ رجل فأَسأَله عن صاحبه فيقول لاعِلْمَ لى به، وإذا كَبَّرْتُ فكِروا، وإِذا حملت فاحملوا ولاتُمْعِنُوا فى الطلب)). فأَحطنا بالحاضر ، فسمعت رجلا يصرخ: ياخَضِرَة، فتفالت وقات : لَأَصِيبَنَّ خيراً ولأَجمَعَنَّ إِلَىّ امرأتى ، وقد أَتيناهم ليلا . قال: فجَرَّد أبو قتادة سيفه وكَبَّر، وجَردنا سيوفنا وكَبَّرنا معه فشددنا على الحاضر وقاتلنا رجالا، وإذا أَنا برجل طويل قد جَرَّد سيفه وهو يمشى القهقرى، مَرَةَ يُقْبِل عَلَىّ بوجهه ، وَمَرَّةٌ يُدْبِر عَنِّى بوجهه، كأنه يريد أن يستطردنى فأَتبعه، ثم يقول : يا مسلم هَلُمَّ إِلى الجنة فأتبْعُه ، ثم قال : إِن صاحبكم لذو مكيدة أمره هذا الأمر ، وهو يقول الجنة الجنة ، يتهكم بنا ، فعرفت أنه مستقتل فخرجت فى أثره وناديت أَين صاحبى ؟ لا تبعد فقد نهانا أَميرنا عن أَن نُمْعِنَ فى الطلب فأدركته ومِلْتُ عليه فقتلته ، وأَخذت سيفه، وقد جعل زميلى ينادينى أين تذهب ؟ إنى والله إن ذهبت إلى أبى قتادة فسألنى عنك أَخبرته . قال : فَلَقِيتُهُ قِيلَ أبى قتادة. فقلت: أَسأَل الأَمير عنى؟ قال: نعم وقد تَغَيَّظ عَلَىَّ وعليك. (١) زيادة من ابن هشام. - ٢٨٨ - وأخبرنى أَنهم قد جمعوا الغنائم وقتلوا من أشرافهم . فجئت أبا قتادة فلامتى فقلت : قتلت رجلا كان من أمره كذا وكذا وأخبرته بقوله كله . ثم سُقْنا النعَم وحملنا النساء وجفون السيوف مُعَلَّقة بالأقتاب، فأصبحت وبعيرى مقطور بامرأة كأَّهَا ظَى. فجعلت تُكْثِر الالتفات خَلْفَها وتبكى ، فقلت : إِلى أى شئ تنظرين ؟ قالت : أَنظر والله إلى رجل لئن كان حياً لاستنقذنا منكم. فوقع فى نفسى أنه هو الذى قتلت . فقلت : قد والله قتلته ، وهذا والله سيفه مُعَلَّق بالقَتَب. قالت: فَأَلْقِ إِلَّ غِمْدَه. فقلت / هذا غِمْدُ سيفه .. قالت: ٤٢٩ ٪ فَشِئْهُ إِن كنت صادقاً. قال: فَشِعْتُه فِطَبَّق . قال : فبكت وَيَئِسَتْ. وفى حديث ابن اسحاقٍ : قال عبد الله بن أبى حَدْرَد : فخرجنا ومعنا سلاحنا من النَّبْل والسيوف حتى إذا جئنا قريباً من الحاضر [ عُشَيْشِيَةً](١) مع غروب الشمس كمنت فى ناحية وأمرت صاحِبَىّ فكّمَنا فى ناحية أخرى من حاضر القوم ، وقلت لهما : إذا [ سمعتالى قد] (٢) كَبِّرْتُ وشَدَدْتُ فى ناحية العسكر فكَبِّرًا وَشُدًّا معى . قال: فوالله إِنا لكذلك ننتظر غِرّة القوم أو أن نصيب منهم شيئاً غَشِيَنا الليل فذهبت فحمة العشاء ، وكان راعيهم قد أَبطاً عليهم حتى تُخَرَّفوا عليه ، فقام صاحبهم رفاعة بن قبس فأَخذ سيفه فجعله فى عنقه ثم قال: والله لَأْبَعَنَّ أَثر راعينا هذا فلقد أصابه شَرّ. فقال بعض مّنْ معه. نحن نكفيك فلا تذهب ، فقال : والله لا يذهب إلا أَنا . فقالوا: ونحن معك. قال: والله لا يَتْبَعُنى أحد منكم ، وخرج حتى مَرِّ بى ، فلما أمكننى نَفَحْتُه بسهم فوضعته فى فؤاده فوالله ما تكلم ووثهت إليه فاحتززت رأسه وشَدَدْتُ فى ناحية العسكر وكَبَّرت وشَدّ صاحباى وكبّرا. فوالله ما كان إلا النجاء ممن فيه عِنْدَك عندك بكل ما قدروا عليه من نسائهم وأبنائهم وما خَفَّ معهم من أموالهم واستقنا إِبِلا عظيمة وغَنَماً كثيرة . وعند محمد بن عُمَر عن جعفر بن عُمَر : وقالوا : غابوا خمس عشرة ليلة وجاءوا بمائتى بعير وألف شاة وسَبُوا سَبْيًا كثيراً وجمعوا الغنائم فأخرجوا الخُمْس فعزلوه وعُدِل البعير بعشرين من الغَنَم . (١) زيادة من ابن هشام (٤: ٣٠٦) أثبتناها لأن المؤلف شرح عشيشية فيما بعد فى بيان غريب ماسبق. (٢) زيادة من ابن هشام (٤: ٣٠٦). - ٢٨٩ - (١٩ - سبل الهدى والرشاد جـ ٦ ) وروى الإمام أحمد والشيخان وأبو داود عن ابن عُمَر رضى الله عنهما قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سَرِيَّة قِبَل نجد فخرجتُ فيها فَغَنِمْنَا إِلاً وغَنَمًا كثيرة فبلغت سُهْمَانُنا اثنى عشر بعيراً فتَفَّلنا أَميرُنا بعيراً بعيراً كل إنسان ، ثم قَدِمِنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقسم علينا غنيمتنا فأَصاب كل رجل منا اثنا عشر بعيراً بعد الخُمْس ، وما حاسبنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالذى أعطانا صاحبنها ولاعاب عليه ما صنع . وفى رواية نَفَّلنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم - بعيراً بعيراً فكان لكل إنسان ثلاثة عشر بعيراً . قال عبد الله بن أبى حَدْرَد: فأَنينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم-، وجئت برأس رفاعة أَحمله معى فأَعطانى رسول الله - صلى الله عليه وسلم- من تلك الإِبل ثلاثة عشر بعيراً فدخلت بزوجتى ورزقنى الله خيراً كثيراً . وروى محمد بن عُمَر عن عبد الله بن أبى حَدْرَد قال : أَصابنا فى وجهنا أربع نسوة فيهن فتاة كأَّهَا ظَبْى، بها من الحداثة والحلاوة شىء عجيب، وأطفال وجَوارٍ ، فاقتسمنا السَّبى وصارت تلك الجارية الوضيئة لأَبى قتادة فجاء مَحْمِيَة بن جَزْء الزُّبَيْدِى فقال : يارسول الله إِن أَبا قتادة قد أَصاب فى وجهه هذا جارية وضيئة ، وقد كنت وعدتنى ٤٣٠ و جارية من أول فَيْىء يَفِى الله به عليك. فأرسل / رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أبى قتادة. فقال: (( هَبْ لى الجارية). فقال: نعم يا رسول الله: فأَخذها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدفعها إلى مَحْمِيَّة ابن جَزْءُ الزُّبَيْدِى . - ٢٩٠ - تنتَيْهَانُ الأول : جعل فى العيون سرية أبى قتادة إلى خَضِرة غير سرية عبد الله بن أبى حدرد التى سأل فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم الإعانة على مَهْر امرأته . وجعلهما محمد ابن عُمَر [ سرية ] واحدة . الثانى - فى بيان غريب ما سبق : خَضِرة : بفتح الخاء وكسر الضاد المعجمتين . أرض المحارب بنجد . حَدْرَد : بمهملات وزن جعفر . سُرَاقة : بضم السين المهملة . حارثة : بالحاء المهملة والثاء المثلثة . أَسوقه إليها : أَى أُمْهِرُها إياه . سبحان الله : أتى هنا بالتسبيح للتعجب . بُطْحان : بضم الموحدة وسكون الطاء وبالحاء المهملتين ، وقيل بفتح أوله وكسر ثانيه ، وحُكِى فتح الأَول وسكون الثانى : واد بالمدينة أَجمعت : عزمت . دَبِثْتُ : بفتح اللام وكسر الموحدة وبالثاء المثلثة مَكَثْتُ . جُشَم : بضم الجيم وفتح الشين المعجمة . الغابة : بالغين المعجمة وبالموحدة وادٍ أَسفل المدينة الشارف : المُسِنَّ من الدواب . - ٢٩١ - العَجْدَاء : بالمَدّ المهزولة. دَعَمها : الرجال : بدال فعين مهملتين : قَوَّموها بأيديهم . غَطَفان : بفتح الغين المعجمة والطاء المهملة وبالفاء . شَنَّ الغارة : فَرَّقها من كل وجه . الحاضر : القوم النُّزُول على ماءٍ يُقِيمُون به ولا يرحلون عنه . فَحْمَة العِشاء : يقال للظُلْمة التى بين صلاتَىْ العِشاء(١). الزميل : العَدِيل الذى حِمْلُه مع حِمْلِك على البعير ، وقد زاملنى عادلنى ، والزميل أيضاً الرفيق فى السفر الذى يُعِينُك على أُمورك ، وهو الرديف أيضاً . فصرخ رجل منهم: يا خَضِرَة: ((يا)) حرف نداء، وخَضِرةٍ مُنَادَى. ووقع فى العيون(٢) ما خَضِرَة. قال فى النور: ((أَى مَنْ خَضِرة، وتقع (( ما)) مكان ( مِّنْ)، و((مَنْ)) مكان ( ما ) . ولكن الأَكثر على إطلاق ( مّنْ) على مَّنْ يعقل، و ( ما) على ما لا يعقل). انتهى . قلت : والذى وقفت عليه من كتب المغازى: يا خَضِرَة كما ذكرته أولاً . القَهْقَرَى : الرجوع إِلى خَلْف ، وفى النهاية المَشْفى إِلى خَلْف من غير أَن يُعِيد وجهه إلى جهة مشيه (٣) استطرده : خادعه ليمسكه من طراد الصِّيْد (٤). قِبِّل أبى قتادة : بكسر القاف وفتح الموحدة أَى جهته . جُفُون السيوف: بضم الجيم والفاء وأَغْمَادُها ، واحدها جَفْن بفتح الجيم وسكون الغاء . (١) زاد فى النهاية: والظلمة التى بين العتمة والغداة العسسة. (٢) عيون الأثر (٢: ١٦١) ولفظه: فصرخ رجل منهم: ماخضرة. (٣) زاد فى النهاية: وقيل إنه من باب القهر. (٤) فى القاموس والتاج: واستطرد له أى للقرن ليحمل عليه ثم يكر عليه وذلك أنه يتميز فى استطراده إلى فئته وهو ينتهز الفرصة لمطاردته وقد استطرد له كأنه نوع من المكيدة . وفى الحديث كنت أطارد حية - أى أخدعها - لالأصيدها ومنه طراد الصيد . وزادها المعجم الوسيط إيضاحاً بقوله: استطرد له فى الحرب وغيرها أى فر فعه كيداً ثم كر عليه فكأنه اجتذبه من موضعه الذى لا يتمكن منه فيه إلى موضع يتمكن منه فيه . - ٢٩٢ - شَامَ السَّيْفَ: سَلَّه وأَغْمَدَه أيضاً من الأضداد (١). طَبَّقَ : بطاء مهملة فموحدة مشددة فقاف : سَاوَى . الغِرَّة : بكسر الغين المعجمة وتشديد الراء . : الغَفْلَة. نَفَحَهُ بسهم : بفتح النون والفاء وبالحاء المهملة : رماه به . عِنْدَك عِنْدَك : بمعنى الإِغراء . فَعُدِلَ : بالبناء للمفعول . البَعِيرُ : بالرفع : نائب الفاعل . ٣٠ ٤ ظ وَضِيئة بِمَدّ الهمزة المفتوحة / : حَسنة جميلة . مَحْمِيَة : بفتح الميم وسكون الحاء المهملة وكسر الميم الثانية وتخفيف التحتية . جَزْء : بفتح الجيم وسكون الزاى وبالهمزة . الزُّبَيْدِى : بضم الزاى وفتح الموحدة وسكون التحتية وبالدال المهملة . عُشَيْشِيَة : تصغير عَشِبَّة . بَطْن : هو دون القبيلة . (١) فى الأضداد للأصمعى (بيروت سنة ١٩١٢ م ص ٢٠) شمت السيف أغمدته وشمته سللته. وفى الأضداد للأنبارى ( ص ٢٢٥): قال الفرزدق: بأيدى رجال لم يشيموا سيوفهم ولم تكثر القتلى بهم يوم سلت . أراد لم يغمدوا سيوفهم حتى كثرت القتلى. وقال فى المعنى الآخر: إذا هى شيمت فالقوائم تحتها وإن لم تشم يوماً علتها القوائم. أراد بشيمت سلت وأخرجت من أغمادها لأن السيف إذا أ غمد كان قائمه فوقه . وإذا سل كان قائمه تحته . - ٢٩٣ - الباب الخمسون فى سرية أبى قتادة رضى الله عنه أيضاً إلى بَطْن إِضَم(١) فى أول شهر رمضان قبل فتح مكة . قال محمد بن عُمَر : لما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم التوجه إلى مكة بعث أَبا قتادة الحارث بن رِبْعِىّ رضى الله عنه فى ثمانية نفر إلى بطن إِضَم ليظنّ ظانٌ أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم تَرَجَّه إلى تلك الناحية ولأَن تذهب بذلك الأخبار . وروى محمد بن إسحاق ومحمد بن عُمَر ، وابن سعد ، وابن أَبِى شَيْبَة ، والإِمام أحمد والترمذى وحَسَّنه، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبى حازم ، والخرائطى فى مكارم الأخلاق ، والطبرانى ، وأَبو نُعَيْم ، والبيهقى فى دلائلهما رحمهم الله تعالى ، غن عبد الله بن أبى حَدْرَد ، والطبرانى عن جُنْدَب البَجَلى، وابن جرير عن ابن عُمَر رضى الله عنهم ، وابن أبى حاتم عن الحَسَن ، وعبد الرَّزَّاق ، وابن جرير عن قَتَادة رضى الله عنه ، قال : بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إِضم [ فى نَفَر من المسلمين ](٢) أَميرنا أَبو قتادة الحارث بن ربْعِىّ وفينا مُحَلِّم بن جَثَّامة الليثى وأَنا ، [ فخرجنا حتى إذا كنا ببطن إِضَم مَرَّ بنا عامر بن الأَضبط الأَشجعى على قَعُودٍ له ومعه مُتَيِّع له ](٢) وَوَطْبٌ من لَبَن. قال : فلما مَرَّ بنا سَلَّم علينا بتحية الإِسلام فأَمسكنا عنه ، وحمل عليه مُحَلِّم ابن جَثَّامة فقتله لشئ كان بينه وبينه وسلبه بعيره ومُتَيِّعَه . فلما قَدِمِنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرناه الخبر نزل فينا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمُ فى (١) فى طبقات ابن سعد (٣: ١٧٩): بطن إضم هى فيما بين ذى خشب وذى المروة وبينها وبين المدينة ثلاثة برد. وفى شرح المواهب (٢: ٢٨٥): وتعبيره ببطن لأنهم يضيفون بطن إلى الوادى دون الجبل. ثم نقل الزرقانى عن المؤلف. قائلا : وفى السبل أن إضما واد أو جبل ، ولكن فى القاموس إضم كعنب جبل الوادى الذى به المدينة . انتهى . (٢) تكملة العبارة من ابن هشام (٤: ٣٠٢) إذ لا يستقيم الكلام بدونها . - ٢٩٤ - سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنْوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٍ﴾(١) . فانصرف القوم ولم يَلْقَوْا جمعاً حتى انتهوا إلى ذى خُشُب . فبلغهم أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ذَوَجَّه إلى مكة فأَخذوا على بِيَيْنِ (٢) حتى لحقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم بالسُّقْيَا(٣). فقال النبى صلى الله عليه وسلم لمُحَلَّم: ((أَقَتَلْتَهُ بعد ما قال آمنت بالله؟)). وفى حديث ابن عُمَر، والحَسَن: فجاء مُحَلَّم فى بُرْدَيْن، فجلس بين يَدَيْ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أَقَتَلْتَهُ بعد ما قال إنى مُسْلِمٍ؟)) قال: يا رسول الله إنما قالها مُتَعَوِّذاً. قال: ((أَفَلاَ شَقَقْتَ عن قلبه ؟)) قال: لِمَ يارسول الله ؟ قال: ((لتعلم أَصادق هو أم كاذب)). قال: وكنت عالماً بذلك / ٤٣١, يا رسول الله، وهل قلبه إلا مُضْغَة من لحم؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إِنما كان يُنْسِىء عنه لسانه)). وفى رواية: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا ما فى قَلْبِه تعلم ولا لسانه صَدَّقَت). فقال: استغفر لى يا رسول الله. فقال: ((لا غَفَرَ الله لك)). فقام وهو يتلقى دموعه بِبُرْدَيْه . فما مضت سابعة(٤) [ حتى مات ] وفى حديث ابن إسحاق : فما لَبِث أَن مات فحفر له أصحابه ، فأَصبح وقد لَفَظَتْهُ الأَرض ، ثم عادوا وحفروا له فأَصبح وقد لفظته الأَرض إلى جنب قبره(٥). قال الحَسَن (٦): فلا أَدرى كم قال أصحاب رسول اللهصلى الله عليه وسلم كم دفناه مرتين أو ثلاثاً . رفى حديث جُنْدَب وقتادة : أَما ذلك فوقع ثلاث مرات ، كل ذلك لا تقبله الأَرض، فجائُوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا ذلك له فقال: ((إن الأرض (١) من الآية ٩٤ من سورة النساء. (٢) فى معجم البكرى (١: ٢٩٧): بيين بكسر أو له وبالنون قرية من قرى المدينة. (٣). فى معجم البكرى (٣: ٧٤٢): السقيا بضم أوله وإسكان ثانيه بعده الياء قرية جامعة وهى فى طريق مكة بينها وبين المدينة . (٤) فى الأصول: فما مضت ساعة، والتصويب من ابن هشام (٤: ٣٠٤) وكذلك التكملة التالية. (٥) لفظ إبن إسحاق فى إبن هشام: قال: فوالله ما مكث محلم بن جثامة إلا سبعاً حتى مات. وفى المواهب وشرحها (٢: ٢٨٦) فما مضت له سابعة من الليالى حتى مات. (٦) هو الإمام الكبير الحسن بن أبى الحسن البصرى المتوفى سنة ١١٠ هـ عده الذهبى رأس الطبقة الثالثة من التابعين . أنظر تذكرة الحفاظ ( ١ : ٩٦ ٣ ٩٧) . - ٢٩٥ - تقبل من هو شَرَّ من صاحبكم ولكن الله تعالى [ يريد أن](١) يَعِظَكُمْ(٢) فأخذوا بِرِجْلَيْهِ فَأَلْقَوْه فى بعض الشِّعاب وألقوا عليه الحِجارة. وتقدم فى غزوة حُنَيْن حكومتُه صلى الله عليه وسلم بين عُيَيْنَهَ بن حِصْن ، والأقرع بن حابس فى دم عامر بن الأَضْبَط . تنبيه : فى بيان غريب ما سبق : إِضَم : بكسر الهمزة وفتح الضاد المعجمة وبالميم : واد وجبل بالمدينة بينه وبينها ثلاثة بُرُد . مُحَلِّم : بميم مضمومة وحاء مهملة مفتوحة فلام مكسورة مشددة وبالميم . جَثَّامة : بجيم مفتوحة فتاء مثلثة مشددة وبعد الألف ميم مفتوحة وبتاء تأنيث . عامر بن الأَضبط : بضاد معجمة ساكنة وموحدة مفتوحة فطاء مهملة تابعى(٣) كبير لأَنه لم يَرَ النبى صلى الله عليه وسلم ويقال له مُخَضْرَم . الوَطْب : بفتح الواو وسكون الطاء المهملة وبالموحدة : زِقّ اللَّبَن خاصةً . فَتَبَيِّنُوا: من الثَّبَيِّن، قال فى الكَثَّف: (( وهما من التَّفَعُّل بمعنى الاستفعال أَى اطلبوا بيان الأَمر [ وثباته ](٤) ولا تقتحموه(٥) من غير رَوِيَّة)). وقرأ حمزة والكسائى: فَتَثَبْتُوا من التَّثَبُّت والتَّأَنِّى . أَلْفَى إليكم السلام: حَيَّكم بتحية الإسلام ، وقرأ نافع ، وابن عامر ، وحمزة : السلم (١) زيادة من ابن هشام وشرح المواهب. (٢) فى شرح المواهب (٢: ٢٨٦): وفى مرسل الحسن: ولكن الله أراد أن يعظكم فى حرم ما بينكم بما أراكم منه . (٣) التابعى من لقى الصحابة مؤمناً بالنبى صلى الله عليه وسلم ومات على الإسلام، ولا ينطبق هذا التعريف على عامر ابن الأضبط الأشجعى فقد ذكره فى الصحابة كل من ابن الأثير فى أسد الغابة ( ٣ : ٧٧) وابن حجر فى الإصابة رقم ٤٣٥٦ وانظر أيضاً تعريف الصحابى فى الإصابة ( ١ : ٤: ٥). (٤) زيادة من الكشاف الذى نقل عنه المؤلف ( بولاق سنة ١٢٨١ ١٥ : ١٨٦). (٥ ) فى الكشاف : ولا تتهوكوا فيه من غير روية . - ٢٩٦ - بغير ألف أى الاستسلام والانقياد وفُسِّر به السلام أيضاً (١). عَرَض الدنيا : ما كان من مال قَلَّ أَو كَثُر ذو خُشُب : بضم الخاء والشين المعجمتين وبالموحده : واد على ليلة من المدينة . بَيْن (٢): بتحتانيتين الأولى مفتوحة والثانية ساكنة وبالنون، وضبطه الصغافى بفتح التحتانيتين : واد به عين من أعراض المدينة . السُّغْيَا : بضم السين المهملة وسكون القاف قرية جامعة من عمل الفُرع(٣). (١) فى الكشاف: وقرئُ السلم والسلام وهما الاستسلام وقيل الإسلام وقيل التسليم الذى هو تحية الإسلام. (٢) ذكرنا فى حاشية سابقة أن البكرى فى معجمه (١: ٢٩٧) ضبطه بكسر أوله وبالنون وقال : بين قرية من قرى المدينة . ثم عاد وضبطه بفتح أوله وإسكان ثانيه بين فى ( = ٤: ١٤٠٤). وهكذا ضبطه ياقوت فى معجم البلدان (٨ : ٥٣٣) وقال بين ناحية من أعراض المدينة على بريد منها. (٣) فى معجم البكرى (٣: ١٠٢٠) الفرع بضم أوله وثانيه وبالعين المهملة من أعمال المدينة الواسعة. - ٢٩٧ - الباب الحادى والخمرنة فى بعث أسامة بن زيد رضى الله عنهما إِلى الحُرَقات(١) روى الإمام أحمد، وابن أَبِ شَيْبَة، والشيخان، وأبو داود، والنَّسَائى عن أُسَامة ٤٣١ ظ ابن زيد رضى الله عنهما، وابن جرير / عن السُّدِّى، وابن سعد عن جعفر بن بُرْقَان (٢) الحضرى رجل من أهل اليمامة قال أُسَامة رضى الله عنه : بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحُرَقة من جُهَيْنَة. قال: فصَبَّحناهم، وكان رجل منهم - قال السُّدّى - يُدْعَى مِرْداس بن ذَهِيك، انتهى ، إذا أَقْبل القوم كان من أَشدهم علينا وإِذا أَوْبَرُوا(٣) كان حاميتهم ، فهزمناهم، فغشيته أَنا ورجل من الأَنصار . وقال السُّدِّى . وكان مع مِرْدَاس غُنَيْمَة له وجمل أحمر ، فلما رآهم آوَى إِلى كهف جبل وتَبِعَه أُسامة . فلما بلغ مِرْداس الكهف وضع غنمه. ثم أقبل إليهم . قال أسامة: فلما غَشِينا - قال السُّدِّى - قال : السلام عليكم. قال أسامة فى رواية : فرفعت عليه السيف . فقال: لا إله إلا الله - زاد السُّدِّى - محمد رسول الله . قال أسامة: فكَفَّ الأَنصارى وطَعَنْتُه برمحى حتى قتلته ، أى رفع عليه السيف فلما لم يتمكن منه طعنه بالرمح. قال السُّدِّى: فشَدَّ عليه أسامة من أجل جمله وغُنَيْمَتِهِ . قال أسامة : فلما قَدِمِنا بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم . وفى رواية : فوقع فى نفسى من ذلك . وعند محمد بن عُمَر : قال أسامة : فلما أَصَبْتُ الرجل وَجَدْتُ فى نفسى من ذلك مَوْجِدة شديدة حتى رأيتنى ما أَقْدِر على أكل الطعام حتى (١) فى جمهرة أنساب العرب لابن حزم (ص ٤١٧): والحرقات من جهينة وهم بنو حميس بن عمرو بن ثعلبة ابن مودوعة بن جهينة وهم الذين بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم أسامة بن زيد فقتل منهم الذى قال لا إله إلا الله فعاتبه على ذلكرسول الله صلى الله عليه وسلم. (٢) فى القاموس: جعفر بن برقان بالكسر والضم محدث كلابى. وفى خلاصة الخزرجى (ص ٥٣): جعفر بن برقان الكلاب مولاهم أبو عبد الله الرقى روى عن ميمون بن مهر ان، ويزيد بن الأصم وكان حافظا لحديثهما قال أبو أحمد ثقة توفى سنة ١٥٤ هـ . (٣) هكذا فى الأصول و فى النهاية التوبير التعفية ومحو الأثر. - ٢٩٨ - قَدِيْتُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقَبَّلنى واعتنقنى. وقال السُّدِّى: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث أسامة أَحب أَن يُثْنى عليه خيراً ويسأل عنه أصحابه . فلما رجعوا لم يسألهم عنه، فجعل القوم يُحَدِّثون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقولون : ( يا رسول الله لو رأيت أسامة، ولقيه رجل فقال الرجل لا إله إلا الله فنذَّ عليه وتتله). وهو يُتْرِض عنهم. فلما أكثروا عليه رفع رأسه إلى أسامة وقال: ( يا أسامة أَقتلته بعد أَن قال لا إله إلا الله؟) وفى رواية: ((فكيف تصنع بلا إله إلا الله؟)) قال السُّدِّى: «كيف أَنت ولا إله إلا الله ؟)) قال أسامة: قلت يا رسول الله إنما قالها خوفاً من السلاح . وفى رواية : إنما كان مُتَعَوِّذاً من القتل من قال: ((أَفَلا شَفَقْتَ عن قلبه حتى تعلم؟)) قال السُّدِّى: فنظرت إليه ، انتهى . - ٢٩٩ - الباب الثانى والخمسون فى سرية خالد بن الوليد رضى الله تعالى عنه إِلى العُزَّى قال ابن سعد : ثم سرية خالد بن الوليد إلى العُزَّى لخمس ليال بقين من شهر رمضان سنة ثمان ، وكانت بيتاً بنخلة . قال ابن إسحاق وابن سعد : وكان سَدَنَتُها وحُجَّابها بنى شيبان من بنى سليم حلفاء بنى هاشم ، وكانت أَعظم أصنام قريش وجميع كِنانة. وذلك أَن عَمْرو بن لُحَىّ كان قد أخبرهم أَن الرَّبّ يُشَتِّى(١) بالطائف عند اللات ويُصَيِّف عند المُزَّى، فَعَظَّموها وينوا لها بيتاً وكانوا يُهْدُون إليها كما يهدون للكعبة . ٤٣٢ , وروى البيهقى عن أبى الطُّفِيل رضى الله عنه: وكانت بيتاً على ثلاث سَمُرَات(٢) ، انتهى] قال محمد بن عُمَر ، وابن سعد : وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكةً خالد بن الوليد إلى العُزَّى ليهدمها . فخرج فى ثلاثين فارساً من أصحابه . قال ابن إسحاق: فلما سمع سادنها السُّلَمى بسَيْر خالد إليها عَلَّق عليها سيفه وأسند فى الجبل الذى هى فيه وهو يقول : على خالِدٍ أَلْقِى القِناعَ وشَهِّرِى يا عُرَّ شُدِّى شَدَّةً لا شَوَى لها فَبُوتى بإِثْمِ عَاجِل أَبِ تُنْصَرِى يا عُزَّ إِنْ لم تَتْتُلى المَرْءِ خَالِدًا قال أبو الطُّفِيل، ومحمد بن عُمَر، وابن سعد: فأَتاها خالد فقطع السَّمُرَات وهدمها(٣) ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال: ((هل رأيت شيئاً ؟» قال : لا. قال: ((فإِنك لم تهدمها، فارجع إليها فاهدمها)). فرجع خالد وهوٍ مُتَغَيِّظ. فلما رأَت السَّكَنَة خالداً انبعثوا فى الجَبَل وهم يقولون: يا عُزَّى خَبِّلِيه، يا عُزَّى عَوِّرِيه (١) فى القاموس: شتا بالبلد أقام به شتاء كشتا وتشتى. (٢) فى الأصول شجرات وفى القاموس السمر بضم الميم شجر واحدتها سمرة. ووردت بهذا الضبط فى شرح المواهب ( ٢: ٣٤٨) . (٣) أى قطع الشجر وهدم الضم . - ٣٠٠ -