النص المفهرس
صفحات 221-240
الباب الثالث والأربعون فى سرِيَّة غالب بن عبد الله رضى الله عنه إلى مصاب أصحاب بشير بن سعد فى صفَر سنة ثمان . قال محمد بن عُمر ، وابن إسحاق فى رواية يونس ومحمد بن سلَمة رحمهم الله تعالى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغه ما حصل لبشير بن سعد وأصحابه هيّأَ الزبير بن العوّام رضى الله عنه وقال له: ((سِرْ حتى تنتهى إلى مصاب أَصْحَاب بشير ابن سعد فإِن أَظْفَرك الله بهم فلا تُبْقٍ فيهم)). وهيَّأَ معه ماتَتَىْ رجل وعقَد له لواءً .. فقَدِمِ غالب بن عبد الله اللَّيْى من الكَدِيد قد ظَفَّره الله عليهم فقال صلى الله عليه وسلم للزبير : ( اجلس ) وبعث غالب بن عبد الله فى مائتى رجل فيهم أسامة بن زيد، وعُلْبة بن زيد الحارثى وأَبو مسعود عُقْبة بن عمرو(١)، وكعب بن عُجْرةٍ (٢) فلما دنا غالب منهم بعث الطلائع . فبعث عُلْبة بن زيد فى عشرة ينظرون إلى محالّهم ، فأَوفى على جماعة منهم ثم رجع إلى غالب فأخبره الخَبر . فأَقبل غالب يسير حتى إذا كان منهم بنظر العين ليلاً وقد عطنوا وهدأوا قام غالب فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: ((أَما بعد فإنى أوصيكم بتقوى الله وحده لا شريك له وأَن تطيعونى ولا تعصونى ولا تخالفوا لى أَمرًاً فإنه لا رَأْىَ لمن لايُطَاعِ)»(٣). ثم ألف بينهم فقال : يا فلان أَنت وفلان ، يا فلان أَنت وفلان لا يفارق رجل منكم زميله، وإياكم أَن يرجع إلىَّ رجل منكم ، فأَقول : أَيْنَ صاحبُك ؟ فيقول (١) فى الأصول: أبو مسعود وعقبة بن عمرو، على أنهما شخصان وهما شخص واحد. ونسبه كما ساقه ابن حزم فى جوامع السيرة ( ص ٨١): عقبة بن عمرو بن ثعلبة بن يسيرة بن عسيرة بن جدارة بن عوف بن حارث بن الخزرج ، وهو أبو مسعود البدرى ، وهو أصغر من شهد العقبة سناً . (٢) كعب بن عجرة البلوى حليف الأنصار أو من أنفسهم، انظر أسد الغابة (٤: ٢٤٣: ٢٤٤). (٣) زاد ابن سعد (٣: ١٧٣) حديثاً أورده المؤلف فيما بعد. - ٢٢١ - لا أدرى، فإِذا كَبَّرْتُ فَكَبِّرُوا وجرِّدوا السيوف. فلما أَحاطوا بالحاضِر كَبَّر غالب فكَبَّروا معه وجرَّدوا السيوف فخرج الرجال فقاتلوا ساعة ووضع المسلمون فيهم السيف حيث شاءوا . وروى ابن سعد عن إبراهيم بن حُويِّصة(١) بن مسعود عن أبيه قال : بعثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى سرية مع غالب بن عبد الله إلى بنى مُرَّةٍ فَأَغَرْنَا عليهم مع الصبح وقد أَوعز إلينا أَميرنا أَلا نفترق وَوَاخَى بيننا فقال: لا تعصونى فَإِىِّ رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((منْ أَطَاع أَميرى فقد أَطَاعنِى ومنْ عصى أَميرى فقد عصانِى))، وإنكم متى ما عصيْتُمُونى فإِنما تعصون نبيكم. قال : فآخى بينى وبين أبى سعيد الخُدْرِىّ. قال: فَأَصبْنَا القوم وكان شعارهم أَمِتْ أَمِتْ. قال محمد بن عُمر : وفى هذه السرية خرج أسامة بن زيد فى إِثْر رجل منهم يقال له نَهِيك بن مِرْداس أَو مِرْداس بن نَهِيك وهو الصواب، فأَبعد وقوى المسلمون على ٤١١ و الحاضر وقتلوا من قتلوا، واستاقوا نَعماً وشاء. وذكر ابن سعد(٢) ذلك / فى سرية غالب إلى المِيفَعة . وتَفَقَّد غالب أسامة بن زيد ، فجاء أسامة بعد ساعة من الليل. فلامه الأَّمير لائمة شديدة وقال : أَلم تَر إلى ما عهِدْتُ إليك ؟ فقال : خرجت فى إِثْر رجل منهم يقال له نهيك جعل يتهكم(٣) بى حتى إذا دنَوْتُ منه قال: ((لا إله إلا الله)) . فقال الأمير: ( أَأَغمدت سيْفَك؟) فقال: ((لا والله ما فعلت حتى أوردته شَعُوب)(٤). فقال: [ بئْس ما فعلت وما جئت به تقتل امرأً يقول لا إله إلا الله ](٥) . فنَلِم (١) أبو ابراهيم، وهو حويصة بن مسعود، هو أخو محيصة لأبيه وأمه شهدا أحداً والخندق وسائر المشاهد، ولما قتل محيصة بن سنينة اليهودى كان حويصة إذ ذاك لم يسلم وكان أسن من محيصةً فلما قتله جعل حويصة يضرب أخاه ويقول : أى عدو الله قتلته أما والله لرب شحم فى بطنك من ماله فقال محيصة: والله لقد أمرنى بقتله من لو أمرنى بقتلك لقتلتك. فقال حويصة والله إن دينا بلغ بك هذا لعجب وأسهم) أسد الغابة ( ٢: ٧٤). (٢) طبقات ابن سعد ( ٣: ١٦٦). (٣) فى الأصول : جعل يتهمك بى ، ولا معنى لها فى هذا السياق ولعل الصواب ما أثبتناه. (٤) فى النهاية: شعوب من أسماء المنية غير مصروف وسميت شعوب لأنها تفرق . (٥) فى تفسير الآية ٩٤ من سورة النساء: ( يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم فى سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألى إليكم السلام لست مؤمناً تبتغون عرض الحياة الدنيا) ( قال الزمخشرى فى الكشاف ) بولاق سنة ١٢٨١ ١٨: ١٨٦ : ١٨٧) (( وأصله أن مرداس بن نهيك رجل من أهل فدك أسلم، ولم يسلم من قومه غيره، فغزتهم شرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم كان عليها غالب بن فضالة الليثى، فهربوا وبقى مرداس لثقته بإسلامه، فلما رأى الخيل ألجأ غنمه إلى عاقول من الجبل، وصعد، = - ٢٢٢ - ٠ أسامة وسُقِط فى يده وساق المسلمون النّعم والشّاءَ والذُّرِّية، وكانت سُهْمَانُهم عشْرة أَبْعِرة لكل رجل أَو عِلْهَا من الغنم وكانوا يَحْسِبون الجزور بعشرة من الغنَم . تنبيهات الأول: كذا ذكر ابن إسحاق(١) فى رواية يونس، ومحمد بن عُمر ، أَن قِتْلَة أسامة لمِرْداس كانت فى هذه الغزوة وسيأتى الكلام على ذلك فى سرية أسامة بن زيد إلى الحُرقات . الثانى : فى بيان غريب ماسبق : مُصاب : بضم الميم وبالصاد المهملة . بشير : بموحدة وشين معجمة كأَمير . فَدك : بفتح الفاء والدال المهملة . هيَّأَ: بفتح الهاء والتحتية المشددة وبالهَمْز. الكَدِيد : بفتح الكاف وكسر الدال المهملة الأُولى . عُلْبة : بضم العين المهملة وسكون اللام وبالموحدة وتاء التأنيث . عُقبة : بالقاف . عُجْرة : بضم العين المهملة وسكون الجيم وبالراء وتاء التأنيث . =فلما تلاحقوا وكبروا كبر ونزل وقال: (( لا إله إلا الله محمد رسول الله، السلام عليكم )). فقتله أسامة بن زيد و استاق غنمه، فأخبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد وجدا شديداً وقال: ((قتلتموه إرادة مامعه))، ثم قرأ الآية على أسامة. فقال. يارسول اللّه استغفر لى. قال: ((فكيف بلا إله إلا الله)) قال: أسامة: فمازال يعيدها حتى وددت أن لم أكن أسلمت إلا يومئذ، ثم استغفر لى وقال: ((اعتق رقبة)). ونظراً لتعدد هذه القصة فى أكثر من سرية فقد نقل الزر قانى فى شرح المواهب (٢٥١:٢) عن ابن حجر قال فى الإصابة فإن ثبت الاختلاف فى تسمية القاتل مع الاختلاف فى المقتول احتمل تعدد القصة . ثم أضاف الزرقانى: وقد ذكر أهل المغازى سرية غالب إلى الميفعة فى رمضان سنة سبع وقالوا إن أسامة قتل الرجل فيها فإن ثبت أن أسامة كان أميرها فما صنعه البخارى ( ٧: ٥ كتاب الديات) هو الصواب لأنه ما أمر إلا بعد قتل أبيه بغزوة مؤتة فى رجب سنة ثمان وإن لم يثبت أنه كان أمير ها رجح ماقال أهل المغازى . (١) ابن هشام (٤: ٢٩٨). - ٢٢٣ - الطلائع: جمع طَلِيعَةٌ منْ يُبْعث لِيطَِّعِ طِلْع العلُوّ للواحد والجمع(١). أَوْفَى : أَشرف . الزَّمِيل : بفتح الزاى وكسر الميم وسكون التحتية وباللام ، وهو هنا الرفيق فى السفر الذى يُعِينُك على أُمورك . الحاضِر : تقدم فى الباب الذى قبله . حُوَيِّصة : بضم الحاء المهملة وفتح الواو وتخفيف التحتية ساكنة وتشديدها مكسورة وبالصاد المهملة . مُرَّة : بضم الميم وفتح الراء المشددة. أَوْعَزَ إليه : بفتح أوله وسكون الواو وفتح العين المهملة والزاى تقدم(٢). أَمِتْ أَمِتْ : تقدم الكلام عليه فى سرية أبى بكر رضى الله عنه . (١) زاد فى التاج: وطليعة الجيش من يبعث ليطلع طلع العدو كالجاسوس الواحد والجميع قال الأزهرى وكذلك الربيئة والشفيئة والبغيئة بمعنى الطليعة كل لفظة منها تصلح للواحد والجماعة والجمع طلائع . ومنه الحديث كان إذا غزا بعث بين يديه طلائع . (٢) من وعز إليه فى الأمر يعز وعزا تقدم إليه وأمره أن يفعله أو يتركه، وأوعز إليه وعز. - ٢٢٤ - الباب الرابع والأربعون فى سرية شُجاع بن وهْب الأَسدى رضى الله عنه إلى بنى عامر بالسِّىِّ فى ربيع الأول سنة ثمان . روى محمد بن عُمر رحمه الله تعالى عن عُمر بن الحَكَم (١) رحمه الله تعالى قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم شجاع بن وهب فى أربعة وعشرين رجلاً إلى جمع من هوازن بالسّىِّ ناحية رُكْبة من وراء المَعْدِن وهى من المدينة على خَمْس ليال ، وأمره أَن يُغِير عليهم فكان يسير الليل ويكْمُن النهار حتى صبَّحهم وهم غارون، وقد أَوْعز / ٤١١ غـ إِلى أَصحابه أَلَّ يُمْعِنوا فى الطَلَب، فأَصابوا نَعَماً كثيراً وشاءً واستاقوا دُلك حتى قَدِّئُوا المدينة، [واقتسموا الغنيمة](٢) فكانت سُهْمانُهم خمسة عشر بعيراً لكل رجل وعدلوا البعير بِعِشْر من الغَنَم (٣) ، وغابت السرية خمس عشرة ليلة. تنبيه : فى بيان غريب ماسبق : شُجاع : بضم الشين المعجمة . السِّيِّ : بكسر السين المهملة ومدّ الهمزة(٤). (١) فى الأصول: عمر بن الحاكم والتصويب من أسد الغابة (٤: ٥٢) ترجمة عمر بن الحكم السلمى، توفى سنة ٥٧ ٠ . (٢) زيادة من عيون الأثر (٢: ١٥٢). (٣) فى الأصول: بعشرين من الغنم وأثبتنا بعشر من الغنم كما فى طبقات ابن سعد (٣: ١٧٣) وعيون الأثر (١٥٢:٢ وشرح المواهب (٢: ٢٦٧). (٤) آثرنا ضبط البكرى فى معجم ما استعجم (٣: ٧٧٢): أى بكسر أوله وتشديد ثانيه بلاهمز. وجاء فى شرح المواهب (٢: ٢٦٦ : ٢٦٧) بكسر السين المهملة ثم همزة ممدودة كذا ضبطه البرهان وتبعه الشامى والذى فى الصحاح والقاموس والمراصد أنه بالكسر وتشديد الياء كذا ضبطه البكرى وقال هو ماء من ذات عرق إلى وجرة على ثلاث مراحل من مكة إلى البصرة وخمس من المدينة . - ٢٢٥ - ( ١٥ - سبل الهدى والرشاد جـ ٦ ) رُكْبَة: بضم الراء وسكون الكاف وبالموحدة(١) المَعْدِن : بفتح الميم وسكون العين وكسر الدال المهملتين وبالنون . غارُّون : بالغين المعجمة وبعد الألف راء مشددة مضمومة فنون : غافلون . أَوْعَزَ : بفتح أوله وسكون الواو وفتح العين المهملة والزاى ، تقدم . أَمْعِنَ فى طلب العدو ، بالَغَ وأَبْعد . (١) ركبة فى معجم البلدان (٤: ٢٧٨) بناحية الى. : - ٢٢٦ - الباب الخامسُ الأربعون فى سرية كَعْب بن عُمَيْرِ الغِفَارى رضى الله عنه إلى ذات أَطْلاَح(١) فى شهر ربيع الأول سنة ثمان . [ قال محمد بن سعد (٢): أخبرنا محمد بن عُمر ( الواقدى ) قال حدثنى محمد بن عبد الله عن الزهرى قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم كعب بن عُمَيْرِ الغِفارى فى خمسة عشر رجلاً حتى انتهوا إلى ذات أَطْلاَح من أرض الشام ، فوجدوا جمْعاً من جمعهم كثيراً فدعوهم إلى الإسلام فلم يستجيبوا لهم، ورشقوهم بالنَّبْل ، فلما رأى ذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتلوهم أَشد القتال حتى قُتِلوا ، وأَفلت منهم رجل جريح فى القتلى فلما بَرَدَ عليه الليل تحامل حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فَأَخبره الخَبرِ ، فشَقَّ ذلك عليه وهمَّ بالبعث إليهم ، فبلغه أنهم قد ساروا إلى موضع آخر فتركهم ](٣) . (١) فى معجم البكرى (٣: ٨٩٣): ذات أطلاح من أرض الشام بعث إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم كعب ابن عمير الغفارى فى جيش فأصيب هو وأصحابه جميعاً رحمهم الله . (٢) وجدنا فى الأصول أن ما أدرج تحت عنوان هذه السرية لا صلة له بها وإنما يتعلق بسرية مؤتة ويبدو أن المؤلف أو نساخ كتابه نسوا إثبات سرية كعب بن عمير وقد نقلنا ماكتبه محمدين سعد عن هذه الحرية والطبقات ٠٣ ١٧٤٠١٧٣ نظراً لأن المؤلف كثيراً ما ينقل عنه وعن شيخه محمد بن عمر الواقدى ولأن ما أورده عنها ابن إسحاق ( ابن هشام ٤ : ٢٩٦) لا يتعدى الإشارة إليها بقوله: ((وغزوة ؛ كعب بن عمير الغفارى ذات أطلاح من أرض الشام)) . كما راجعنا ما كتب عن هذه السرية فى عيون الأثر (٢: ١٥٢) والديار بكرى؟ (٢: ٧٠) والسيرة الحلبية (٣: ١٩٠) وشرح المواهب (٢: ٢٦٧). (٣) هذا بلفظه فى عيون الأثر (٢: ١٥٢) نقله مؤلفه عن طبقات ابن سعد. - ٢٢٧ - ٠ الباب السادسُ الأربعون [ فى سرية مؤتة وهى بأَدنى البلقاء دون دمشق فى جمادى الأولى سنة ثمان ](٢) قال محمد بن عُمر: حدثنى محمد بن عبد الله عن الزهرى(٣) قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعْثَهُ إلى مؤتة فى جمادى الأولى سنة ثمان واستعمل عليهم زيد بن حارثة، وقال: ((إِن أُصِيب زَيْد فجعْفَر بن أبى طالب على الناس، فإِن أُصِيب جعْفَو فعبد الله بن رواحة على الناس فإِن قُتِل فَلْيرْتَضِ المسلمون منهم رجلاً فليجعلوه عليهم )). قال محمد بن عُمر رحمه الله عن عُمر بن الحكم عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما صلَّى الظّهْر جلس، وجلس أصحابه حوله، وجاء النعمان بن مَهَضّ(٤) اليهودی فوقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((زيد بن حارثة أَمير الناس فإِن قُتِل زَيْد فجْفَر بن أبى طالب فإِن أُصيب جعفر فعبد الله بن رواحة فإِن أُصيب عبد الله بن رواحة فَلْيُرْتَضِ المسلمون رجلاً منهم فليجعلوه عليهم)). فقال النعمان بن مَهَضّ: ( يا أبا القاسم إِن كنتَ نبيًّا فسمَّيْتَ من سمَّيْت قليلاً أو كثيراً أُصيبوا جميعاً لأَن أَنبياء بنى إسرائيل كانوا إذا استعملوا الرجل على القوم ثم قالوا إِن أُصِيب فلان فَفُلان فلو سمى مائة أصيبوا جميعاً ) ثم إِن اليهودى جعل يقول لزيد ابن حارثة : ( أَعْهَدْ فإنك لا ترجع إلى محمد إِن كان نبيّاً). قال زيد : ( فاشهد أَنه [ رسول ](٥) صادق بارٌ ) . ١ (١) رقم أثبتناه لسرية مؤتة. (٢) العنوان من طبقات ابن سعد ( ٣ : ١٧٤). (٣) ورد لفظ هذا الحديث بإسناد آخر عند ابن إسحاق وابن هشام (٣: ٤٢٧) وهو: قال ابن إسحاق : حدثى محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير قال .. . (٤) بفتح الميم والهاء فضاد معجمة نقلا عن ضبط المؤلف فيما بعد تحت عنوان: فى بيان غريب ماسبق، وورد فى شرح المواهب (٢ : ٢٦٩) باسمه مجرداً وهو النعمان. (٥٠) زيادة من شرح المواهب (٢: ٢٦٩). - ٢٢٨ - وعَقَد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لواءً أبيض ودفعه إلى زيد بن حارثة وأوصاهم أَن يأْتُوا مقتل الحارث بن عُمَيْرِ (١) وأَن يدعوا مَنْ هناك إلى الإِسلام فإن أَجابوا وإلا استعينوا عليهم بالله تبارك / وتعالى وقاتلوهم . ٤١٢و ذكر طعن الصحابة فى امارة زيد بن حارثة رضى الله تعالى عنه روى البخارى [ عن عبد الله بن دينار ](٢) عن عبد الله بن عُمَر رضى الله عنهما قال: (( بعث النبي صلى الله عليه وسلم بَعْناً وأَّر عليهم أُسَامة بن زَيْد فطعن [بعض](٣) الناس فى إِمارته، وقالوا : يستعمل هذا الغلام على المهاجرين فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بعد أَن حَمِد الله وأثنى عليه: ((قد بلغنى أَنكم قلتم فى أسامة (٤)، إِنْ تطعنوا فى إِمارته فقد كنتم تطعنون فى إمارة أبيه من قَبْل، وأَيْمُ الله إنْ كان تَخَلِيقاً للإِمارة وإنْ كان لَمِنْ أَحَبِّ الناس إِلَىَّ وإِنَّ هذا لمن أَحَبِّ النَّاسِ إِلَّ بَعْدَه)). وروى الإِمام أحمد والنسائي وابن حِبَّن فى صحيحه ، والبيهقى عن أبى قَتَادة رضى الله عنه قال: ((بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جَيْشَ الأُدَرَاء وقال: ((عَلَيْكُمْ زَيْد بن حارثة فإن أُصيبَ زَيْد فجَعْفَر فإن أُصِيب جَعْفَر فعبد الله بن رَوَاحة)). قال : فَوَثَب جمفر رضى الله عنه وقال: ([ بأَّبِى أَنْتَ وأُفِى ] يا رسول (٥) الله ما كنت أَرْهَب أَن تستعمل عَلَّ زيداً). فقال: ((امْضِ فإِنك لا تدرى أَىَّ ذلك خَيْرِ)). ذكر مسير المسلمين ووداع رسول الله صلى الله عليه وسلم ووصيته اياهم قال عُرْوَة بن الزبير: ((فَتَجَهَّزَ الناس ثم تَهَيَّأُوا للخروج وهم ثلاثة آلاف . فلما حَضَر خروجُهم وَدَّع الناس أُمراء رسول الله صلى الله عليه وسلم وسَلَّموا عليهم. فلما وُدُع (١) فى الأصول: الحارث بن عمرو، والتصويب من أسد الغابة (١: ٣٤١: ٣٤٢): وهو الحارث بن عمير الأزدى أحد بنى لهب بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتابه إلى الشام، إلى ملك الروم، وقيل إلى ملك بصرى فعرض له شر حبيل بن عمرو الغسانى وقتله صبرا، ولم يقتل لرسول الله صلى الله عليه وسلم رسول غيره. (٢) بياض بالأصول بنحو خمس كلمات والتكملة من صحيح البخارى كتاب المناقب باب مناقب زيد بن حارثة (٩٦:٥). (٣) زيادة من صحيح البخارى. (٤) العبارة إبتداء من: ((وقالوا يستعمل هذا الغلام إلى قد بلغنى أنكم قلتم فى أسامة)) لم ترد فى البخارى ورواية البخارى فقال النبى صلى الله عليه وسلم إن تطعنوا فى إمارته فقد كنتم تطعنون فى إمارة أبيه من قبل .... الخ. (٥) زيادة من شرح المواهب "(٢: ٢٦٩). - ٢٢٩ - عبد الله بن رَوَاحة مع من وُدِّع من أمراء رسول الله صلى الله عليه وسلم بكى ، فقالوا : ( ما يُبْكيك يا ابن رواحة ؟) فقال: ( أَمَا والله ما بى حُبُّ الدنيا ولا صَبَابٌ بكم ولكنى سمِعْتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ آية من كتاب الله عز وجل يذكر فيها النار: ﴿وإنْ مِنْكُمْ إِلَّ وارِدُهَا كَانَ على ربِّكَ حَتْمًا مِقْضِيًّا﴾(١) فَلَسْتُ أَدرى كيف لى بالصَّدْرِ بعد الوُرُود ؟) فقال المسلمون: (صحِيكُمْ اللّه ودفَع عنكم وردِّكم إلينا صالحين) . فقال عبد الله بن رواحة رضى الله تعالى عنه : وضْربةٌ ذَاتَ فَرْغٍ تَقْذِفُ الرَّبدا(٢) لَكِنَّنِى أَسْأَلُ الرَّحْمُنَ مِثْفِرةٌ بِحِرْبةٍ تُنْفِذُ الأَحْشَاءِ والكَبِدا أَوْ طَعْنَةٌ بِيدى حرَّانَ مُجْهِزَةً (٣) حتَّى يُقَالَ إِذا مَرُّوا على جَدَئِى(٤) يَا أَرْشَد (٥) اللهِ من غازٍ وقد رَشِدَا قال ابن إسحاق : ثم إن القوم تَهَيَّأُوا للخروج فأتى عبد الله بن رواحة رسول الله صلى الله عليه وسلم فَوَدَّعَه ثم قال : تَثْبِيتَ موسى ونَصْرًا كالذى نُصِرُوا فَثَبَّتَ اللهُ ما آتَاكَ من حَسَنٍ اللهُ يَعْلَمُ أَنِّى ثَابِتُ البَصَرِ إِنِّى تَفَرَّسْتُ فِيكَ الخَيْرَ نَافِلةٌ والوَجْهُ مِنْكَ فقد أَزْرَى به القَدَرُ أَنْتَالرّسُولُ فَمَنْ يُخْرَمْ نَوَافِلُهُ هكذا أَنشد ابن هشام هذه الأبيات وأنشدها ابن إسحاق / بلفظ فيه إِقواء (٦) قال ٤٤١٢ ابن إسحاق : ( ثم خرج القَوْمُ وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يُشَيِّعُهم حتى إذا وَدَّعهم وانصرف عنهم قال عبد الله بن رواحة رضى الله عنه : (١) سورة مريم الآية ٧١. (٢) ذات فرغ أى واسعة يسيل دمها والزبد رغوة الدم - عن شرح السيرة الخشنى (٢: ٣٥٤) وشرح المواهب ( ٢: ٢٧٠) . (٣) مجهزة أى سريعة القتل . (٤) الجدث القبر . (٥) فى الأصول وابن هشام (٣: ٤٢٨): أرشده الله وآثرنا رواية الزرقانى فى شرح المواهب. (٦) الإقواء اختلاف الروى كما فى البيت الثانى، وفى الصحاح: قال أبو عمرو بن العلاء الإقواء فى الشعر هو أن تختلف حركات الروى فبعضه مرفوع وبعضه منصوب أو مجرور وكان أبو عبيدة يقول الإقواء نقصان حرف من حروف الفاصلة ينى من عروض البيت وهو مشتق من قوة الحبل كأنه نقص قوة من قواه . وفى القاموش: أقوى الشعر خالف قوافيه برفع بيت وجر آخر . وقلت قصيدة لهم بلا إقواء وأما الإقواء بالنصب فقليل . - ٢٣٠ - خَلَفَ السَّلامُ على امْرِىءٍ وَدَّعْتُهُ فِى النَّخْلِ خَيْرٍ مُشَيِّعٍ وَخَلِيلٍ وروى محمد بن عُمَر عن خالد بن يزيد رحمه الله تعالى قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مُشَيِّعاً لأَهل مُؤْتَة حتى بلغ ثَنِيَّة الوداع فوقف ووقفوا حوله فقال: ((اغزوا باسم الله فقاتِلوا عَلُوَّ الله وَعُدوّكم بالشام وستجدون رجالاً فى الصوامع معتزلين الناس فلا تعرِضوا لهم وستجدون آخرين للشيطان فى رؤوسهم مفاحص(١) فافْلِقُوها بالسيوف ، لا تَقْتُلُنَّ امرأةً ولا صغيراً ضَرَعاً ولا كبيراً فانياً ولا تَقْرَبُنَّ (٢) نخلاً ولا تَقطَعُنَّ شجراً ولا تَهْدِمُنَّ بيتاً)). وروى محمد بن عُمَر [الواقدى] (٣) عن زَيْد ابن أَرقم [َرَفَعَهُ](٣) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى الله وبِمَنْ معكم من المسلمين خَيْرًا ، اغْزُوا باسم الله فى سبيل الله مَنْ كَفَر بالله لا تَغْدِروا ولا تَغُلُوا ولا تَقْتُلُوا وليداً وإذا لَقِيتُمْ عَنْوَّكم من المُشْرِكين فادعوهم إلى إحدى ثلاث فَأَيْتُهُنَّ ما أَجَابُوكُم إليها فاقْبَلُوا منهم وكُفُّوا عنهم الأَذى ثم ادْعُوهُمْ إِلى النَّحَوّل من دارِهِم إلى دار المهاجِرين فإن فعلوا فأُخْبِروهُم أن لهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا منها فأَخْبِرُوهم أنهم يكونون كأُعراب المسلمين يَجْرِى عليهم حُكْمُ الله [الذى يَجْرِى على المؤمنين](٤) ولا يكون لهم فى الغنيمة والفَىْء شئْ إِلا أَن يُجاهِدوا مع المسلمين فإن هم أَبَوْا فَسَلْهُم الجِزْيَة، فإن فعلوا فاقْبَلُوا منهم وكُذُّوا عنهم فإن هم أَبَوْا فاسْتَعِينوا بالله عليهم وقاتِلوهم وإن حاصَرْتُمْ أَهْلَ حِصْنٍ أَو مدينة فأَرادوكم أَن تجعلوا لهم ذِيَّةَ الله وذَِّّة رسوله فلا تجعلوا لهم ذِمَّةَ الله ولا ذَِّةَ رسوله ولكن اجعلوا لهم ذِّتْكم وذِيَّةَ آبائكم فإنكم إن تُخْفِروا ذِمَمكم وذِممَ أَصحابكم أَهْوَنُ من أَن تُخْفِروا ذمة الله وذمة رسوله )). وذَكَر نحو ما سبَقَ . (١٠) فى النهاية ومنه الحديث أنه أوصى أمراء جيش مؤتة: وستجدون آخرين الشيطان فى رؤوسهم مفاحص فأغلقوها بالسيوف ، أى أن الشيطان قد استوطن رؤوسهم فجعلها مفاحص كما تستوطن القطا مفاحصها وهو من الاستعارات اللطيفة لأن من كلامهم إذا وصفواً إنساناً بشدة الغى والإنهماك فى الشر قالوا قد فرخ الشيطان فى رأسه وعشش فى قلبه . (٢) فى الإمتاع (١: ٣٤٦) ولا تغرقن نخلا وهى قراءة خاطئة. (٣) زيادة من شرح المواهب (٢: ٢٦٩). (٤) زيادة من صحيح مسلم (بشرح النووى ١٢: ٣٨) حيث أورد مسلم الحديث بطوله مع اختلاف يسير فى اللفظ. - ٢٣١ - وروى محمد بن عُمَر عن عطاء بن مسلم رحمه الله تعالى قال : (( لما وَدَّع رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة قال ابن رَوَاحَة: يا رسول الله مُرْنى بشئْ أَحفظه ٤١٣, عنك قال: (إِنك قادِمِ غداً بلداً السجودُ فيه قليل فأكْثِرْ السجود) / قال عبد الله ابن رواحة: زِدْنى يا رسول الله. قال: ((اذكُر الله فإِنهِ عَوْنٌ لك على ما تطالب)). فقام من عنده حتى إذا مضى ذاهباً رَجَع فقال : يا رسول الله إن الله وِتْر يحب الوِتْر فقال: ((يا ابنَ رواحة ما عَجَزْتَ فلا تَعْجِزَنَّ إِن أَسَأَتَ عَشْرًا أَنْ تُحْسِنَ واحدةٌ)). قال ابن رواحة : لا أَسْأَلُك عن شىءٍ بعدَها . ذكر رجوع عبد الله بن رواحة رضى الله عنه ليصلى الجمعة روى الإمام أحمد والترمذى عن ابن عباس رضى الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى مُؤنة فاستعمل زيداً وذكر الحديث وفيه : فَتَخَلَّف ابن رواحة، فجمَعَ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما صَلَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم رآه ، فقال: ((ما مَنَعَكَ أَنْ تَغْدُو مع أصحابك؟)) قال: أَرَدْتُ أَن أُصَلِّى معك الجمعة ثم ألحقهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لَوْ أَنْفَقْتَ ما فى الأرض جميعاً ما أَدْرَكْتَ غَدْوَتَهم )). وفى لفظ: ((لَغَدْوَةُ(١) أَوْ رَوْحَة فى سبيل الله خَيْرٌ من الدنيا وما فيها )(٢) . ذكر مسير المسلمين بعد وداع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن إسحاق ، ومحمد بن عُمَر : ثم مضى الناس . قال محمد بن عُمَر : قالوا : كان زيد بن أرقم يقول - وقال ابن إسحاق(٣): حدَّثنى عبد الله بن أبى بكر أَنه حَدِّث عن زَيْد بن أرقم قال: « كنتُ يتيماً فى حِجْر عبد الله بن رواحة فلم أَرَ ولِي يتيم كان خَيْراً منه فخرجنا إلى مؤتة فكان يُرْدِفُنِى خَلْفَه على حقيبة رحْلِهِ فوالله إنه (١) فى النهاية: الغدوة المرة من الغدو وهو سير أول النهار نقيض الرواح وقد غدا يغدو غدوا. والغدوة بالضم ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس . (٢) بداية حديث أورده بتمامه الشيخان والترمذى والإمام أحمد - أنظر الجامع الصغير (ج ٢ ص ١٢٤). (٣) ابن هشام (٣: ٤٣١: ٤٣٢). - ٢٣٢ - لَيْسِيرُ لَيْلَةً إِذ سمِعْتُه وهو يُنْشِدُ أبياته هذه : مسيرةَ أَرْبعٍ بَعْد الحِساءِ(١) إِذَا أَنَّيْتِنِى وحملْتِ رَحْلِ ولا أَرْجِعْ (٢) إلى أَهْلِىِ وَرَائِى فَشَأْنُكِ أَنْعُمُ وخَلاَكِ ذَمِّ بِأَرْضِ الشَّامِ مُشْتَهِىَ (٤) النَّواءِ وآب (٣) المُسْلِمُون وغادرونى إلى الرَّحمنِ مُنْقَطِعِ الإِخَاءِ وردُّكِ كُلَّ ذى نَسب قَرِيْبُ هُنَالِكَ لا أَبَالِ طَلْعِ بَعْلٍ (٥) ولا نَخْلٍ أَسافِلُها رواٍ (٦) قال : فلما سمِعْتُهُنَّ منه بكَيْتُ فخَفَقَنِى بالدِّرَّة وقال: ((ما عَلَيْكَ بالكُع(٧) أَن يَرْزُقَنِى اللهُ الشهادة فَأَسْتَريح من الدنيا ونَصبها وهمومها وأحزانها وترجع بين شُعْبتَىْ (٨) الرَّخْل). زاد ابن إسحاق: قال ثم قال عبد الله بن رواحة رضى الله عنه فى بعض شِعْرِه وهو يرتجز : يازَيْدِ زَيْد اليعْملاتِ الدُّبْلِ (٩) تَطَاول اللَّيْلُ مُدِيتَ فانْزِلِ زاد محمد بن عُمر: ثم نزل من الليل، ثم صلى ركعتين ودعا فيهما دعاءً طويلاً ثم قال : يا غُلاَم . قلت : لَبَّيْك . قال : هى إن شاء الله الشهادة / قالوا: ولما فَصل ٤١٣ ظ المسلمون من المدينة سمع العدُوّ بمسيرهم فَتَجمَّعوا لهم وقام فيهم شُرحبيل بن عمْرو فجمع أكثر من مائة ألف ، وقَدَّم الطلائع أمامه . فلما نزل المسلمون وادى القُرى بعث أَخاه سدوس بن عمرو فى خمسين من المشركين فاقتتلوا وانكشف أصحاب سدوس وقد (١) الحساء جمع حسى وهو ماء يغور فى الرمل وإذا بحث عنه وجد - الخشنى (٢: ٣٥٥). (٢) ولا أرجع فهو مجزوم على الدعاء دعا على نفسه أن يستشهد ولا يرجع إلى أهله - عن الخشنى. (٣) ((وجاء)) فى ابن هشام والطبرى والبداية والنهاية ورواية المؤلف أجود. (٤) فى الروض الأنف (٢: ٢٥٧) منتهى الثواء من النهاية والانتهاء أى حيث انتهى مثواه، ومن رواه مشتهى الثواء أى لا أريد رجوعاً . (٥) البعل الذى يشرب بعروقه من الأرض والعذى الذى يشرب من ماء السماء - الخشنى. (٦) من رواه بالرفع فهو إقواء - الخشنى. (٧) فى النهاية اللكع العبد ثم استعمل فى الحمق والذم ويقال الرجل لكع والمرأة لكاع وأكثر ما يقع فى النداء ، وهو اللئيم . (٨) شعبتا الرحل طرفاه المقدم والمؤخر - المشى. (٩) العملات جمع يعملة وهى الناقة السريعة والذبل التى أضعفها السير فقل لحمها. - ٢٣٣ - قُتِل، فشَخَص أخوه . ومضى المسلمون حتى نزلوا مُعان من أرض الشام . وبلغ الناس أن هِرفْل قد نزل مآب من أرض البلقاء فى مائة ألف من الروم وانضم إليهم مائة ألف أُخرى من لَخْم وجُذَام وقبائل قضاعة من بلْقَيْن (١) وبهْراء وبلِيّ(٢) عليهم رجل من بليّ ثم أَحد إراشة(٣) يقال له مالك بن رافلة (٤) . فلما بلغ ذلك المسلمين أقاموا على معان ليلتين يفكرون فى أمرهم ، وقالوا نكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنخبره بكثرة علُوِّنًا فإما أن يُمدَّنا بالرجال وإما أن يأمرنا بأَمر فَنَعْضِى له . فشَجَّعَ الناسَ عبدُ الله بن رواحة فقال: ( يا قوم والله إن التى تكرهونَ للَّتِى خرجتم تطلبون الشهادة ، وما نقاتل الناس بِعدد ولا قُوَّةٌ ولا كَثْرة وما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذى أَكرمنا الله به، فانْطَلِقُوا فإنما هى إحدى الحُسْنَيَيْنِ إما ظهور وإما شهادة وليست بشَرّ المنزلتين) . فقال الناس : صدق والله ابن رواحة . فَمَضَى الناس حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء لَقِيتْهُم جُمْوع هِرقْل من الروم والعرب بقرية من قُرى البلقاء يقال لها مشَارٍف(٥) ، ثم دنَا العلُوّ، وانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها مُؤْتَة، فالتقى الناس عندها . فتَعبَّأَ لهم المسلمون . وروى أبو يعقوب إسحاق ابن إبراهيم، ومحمد بن القَرَّاب فى تاريخه عن برْذَع بن زيد (٦) قال : قَدِمِ علينا وفْد رسول الله صلى الله عليه وسلم إِلى مُؤْتَة وعليهم زيد بن حارثة وجعفر بن أبى طالب (١) فى الأصول محرفة: بيقين وكذلك فى مطبوعة التجارية لابن هشام (٣: ٤٢٩): ((اليقين)). وفى القاموس: بلقين أصله بنو القين . وفى جمهرة أنساب العرب لابن حزم ( ص ٤٢٤ ) بنو القين ، وهم من قضاعة . (٢) زاد فى طبقات ابن سعد (٣: ١٧٥) وائل وبكر . (٣) فى مستدرك التاج: إراشة من بلى . (٤) صحف فى مطبوعة التجارية لابن هشام (٣: ٤٣٠ و٤٣٧) زافلة بالزاى والتصويب بالراء كما فى الاشتقاق لابن دريد ( ص ٥٥١): ومن رجالهم ( بهراء بن عمرو ): مالك بن رافلة قاتل زيد بن حارثة يوم مؤتة . ورافلة فاعلة من الرفل كأنه يرفل فى ثيابه يقال رجل رفل طويل الذيل وفوس رفل إذا كان طويل الذنب ويقال رفل بنو فلان فلانا إذا عظموه و رأسوه . (٥) فى معجم البلدان (٨: ٦٠) جمع مشرف قرى قرب حوران منها بصرى من الشام ثم من أعمال دمشق إليها تنسب السيوف المشرفية رد إلى واحده ثم نسب إليه . وفى القاموس مشارف الشام قرى من أرض العرب تدنو من الريف منها السيوف المشرفية . (٦) هو برذع بن زيد بن النعمان بن الأنصارى الأوسى ولمله المقصود - وليس سميه برذع بن زيد الجذامى - لأن الأول شهد أحداً وما بعدها - أنظر أسد الغابة والإصابة ٦٢٣. - ٢٣٤ - وعبد الله بن رواحة ، وخرج معهم منا عشرة إلى مؤتة يُقاتلون معهم . قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نَهَاهُم أَن يأُتُوا مؤْتة فَركِيت القوم ضَبابة فلم يبْصِروا حتى أصبحوا على مؤتة. وروى محمد بن عُمر عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: ((شَهِدْتُ مؤتة فلما دنا العدُوّ منا رأينا ما لا قِبل لأحد به من الْعَدَدِ وَالْعُدَدِ والسلاحِ والكُراع والديباج والحرير والذهب فَبَرِقَ بصرى فقال لى ثابت بن أَقْرَم(١): ((يا أبا هريرة كأَنك ترى جموعاً كثيرة)). قلت : نعم. قال : إِنك لم تشهد معنا بدراً، إنَّا لم نُنْصر بالكثرة . قال ابن إسحاق : وتَعبَّأَ المسلمون للمشركين ، فجعلوا على ميْمنَتِهِم رجلاً من عُذْرة يقال له قُطْبة بن قَتَادَة، وعلى ميْسرتِهم رجلاً من الأَنصار يقال له عباية بن مالك - [ قال ابن هشام ] ويقال له عُبادة بن مالك. ذكر التحام القتال قال ابن عُقْبة، وابن إسحاق ، ومحمد بن عُمر: ثم الْتَّقَى الناس واقتتلوا قتالاً شديداً . فقاتل زيد بن حارثة براية رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى شَاط فى رِماح القوم . ثم أخذها جعفر بن أبى طالب فقاتل بها حتى إذا أُلْحمهُ القتال اقتحم عن فرس له شقراء فَعرْقَبها ثم قاتل القوم حتى قُتِل فكان جعفر أول رجل من المسلمين عرقب فرساً له فى سبيل الله . وروى ابن إسحاق عن عبّاد بن عبد الله بن الزبير قال : حدثنى أبى الذى أُرضعنى وكان أحد بنى مُرَّةً بن عوف، وكان فى غزوة مؤتة قال: والله لكأَنى أنظر إلى جعة حين اقتحم عن فرس له شقراء ثم عقَرها ثم قاتل حتى قُتِل وهو يقول : ياحبِّذَا الجنَّةُ واقْتَرابُها طَيِّبةً وبارِداً شَرابُها والرُّومُ رُومٌ قد دنَا عَذَابُها كَافِرَةً بعِيدٌ أَنْسابُهَا علىَّ إِذْ لَاقَيْتُها ضِرابُها (١) فى الأصول: ثابت بن أرقم والتصويب من أسد الغابة (١: ٢٢٠) وهو ثابت بن أقرم بن ثعلبة بن عدى ابن العجلان البلوى وحلفه فى الأنصار شهد بدراً والمشاهد كلها وشهد مؤتة ولما أصيب عبد الله بن رواحة دفعت الراية إليه فسلمها إلى خالد بن الوليد وقال له : أنت أعلم بالقتال فى. وقتل ثابت بن أقرم سنة ١١ هـ فى قتال أهل الردة. - ٢٣٥ - وهذا الحديث رواه أبو داود من طريق ابن إسحاق ولم يذكر الشِّعر وفى حديث أبى عامر رضى الله عنه عند ابن سعد(١) أَن جعفرا رضى الله عنه لَبِسَ السلاح ثم حمل على القوم حتى إذا همَّ أَن يخالطهم رجع فَوحَّشَ بالسلاح(٣) ثم حمل على العدو وطَاعن حتى قُتِل. قال ابن هشام : وحدثنى من أَثِقِ به من أَهل العلم أن جعفر بن أبى طالب أَخذ اللواء بيمينه فقُطِعت ، فأخذه بشِماله فقُطِعتْ فاحتضنه بعضُديْه حتى قُتِل رضى الله عنه وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة ، فأثابه الله بذلك جناحيْن فى الجنة يطير بهما حيث شاء . ويقال : إن رجلاً من الروم ضربه يومئذ ضربةً فقطعه نِصْفَيْن . وروى البخارى(٣) والبيهقى عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما قال: ((كنتُ فيهم فى تلك الغزوة فالتمسنا جعفر بن أبى طالب فوجدناه فى القَتْلَى ووجدنا فى جسده بضْعاً وستين(٤) من طَعْنَةٍ ورمْية ، وفى رواية عنه قال : ( وقفتُ على جعفر بن أبى طالب يومئذ وهو قتيل فَعددْتُ به خمسين من طعنة وضربة ليس منها شئ فى دُبُرِه ) . ذكر مقتل عبد الله بن رواحة رضى الله عنه ٤١٤ ظ روى ابن إسحاق [ يحيى بن](٥) عبَّاد بن عبد الله بن الزبير عن / أبيه الذى أَرضعه(٦) قال : فلما قُتِل جعفر أخذ الراية عبد الله بن رواحة ، ثم تقدم بها وهو على فرسه ، فجعل يسْتَنْزِلُ نفسه ويتردد بعض التردد ثم قال : طَائِعَةً أَو لَتَكْرِهِنَّه أَقْسمْتُ يا نَفُسُ لَتَنْزِلِنَّة مالٍ أَراكِ تَكْرهِينَ الجِنَّهْ إِنْ أَجْلَبِ النَّاسُ وشَدُّوا الرَّنَّهْ قَدْ طَالَ ما قَدْ كُنْتِ مُطْمَئِنَّهْ وقال أيضاً رضى الله تعالى عنه : يا نَفْسُ إِلاَّ تُقْتَلِ تَمُوتِى وَمَا تَمَنَّيْتِ قدِ أُعْطِيتٍ هِلْ أَنْتِ إِلَّا نُطْفَةٌ فِى شَنَّهُ هُذَا حِمَامُ المَوْتِ قد صَلِيتِ إِنْ تَفْعَلِي فِعْلَهُمَا هُدِيتٍ (٢) وحش بالسلاح : رمى به . (١) طبقات ابن سعد (٣ : ١٧٦). (٣) صحيح البخارى كتاب المغازى باب غزوة مؤتة (٥: ٢٩٤). (٤) فى صحيح البخارى (٥: ٢٩٤) بضعاً وتسعين. (٥) زيادة من ابن هشام (٣ : ٤٣٤) يقتضيها قول المؤلف فيما بعد عن أبيه . (٦) زاد ابن إسحاق: وكان أحد بنى مرة بن عوف. - ٢٣٦ - يريد صاحِبَيْه زيداً وجعفراً، ثم نزل. فلما نزل أَتاه ابن عُمَر له بغَرْق من لحم فقال: ( شُد بهذا مُلْبَك فإنك لَقِيتَ فى أَيامك هذه ما لَقِيت). فأخذه من يده ، ثم انْتَهَسَ منه نَهْسَة ثم سمع الحَطْمَةَ فى ناحية الناس فقال : وَأَنْتِ فى الدنيا ؟ ثم ألقاه من يَدِهِ ، ثم أَخذ سيفه، ثم تقدم فقاتل حتى قُتِل رضى الله عنه. ووَقَعَ اللَّواء من يده فاختلط المسلمون والمشركون وانْهَزَم بعض الناس ، فجعل قُطْبَة بن عامر يصيح : يا قَوْم يُقْتَل الرجل مُقْبِلاً أحسن من أَن يُقْتَل مُدْبِراً . قال سعيد بن أبى هلال رحمه الله تعالى : وبلغنى أَن زيداً وجعفراً وعبد الله بن رواحة دُفِنُوا فى حُفْرة واحدة . وفی حدیث أبى عامر رضى الله عنه عند ابن سعد أَن عبد الله بن رواحة رضى الله عنه لما قُتِل (( انهزم المسلمون أَسْوَاً هزيمة رأيتها قط حتى لم أَرَ اثنين جميعاً. ثم أخذ اللواء رجل من الأنصار ثم سعى به حتى إذا كان أَمام الناس ركَزَه ثم قال: إِلَّ أيها الناس. فاجتمع إليه الناس حتى إذا كَثُروا مَشَى باللواء إلى خالد بن الوليد . فقال له خالد : لا آخُذُهُ منكْ أَنت أَحَقُّ به فقال الأَنصارى والله ما أَخذته إلا لك » . ذكر تأمير المسلمين خالد بن الوليد بعد قتل أمراء رسول الله صلى الله عليه وسلم وهزمه المشركين ، وأعلام الله تعالى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفتح قال ابن إسحاق: ثم أَخذ الراية ثابت بن أَقْرَم أَخو بنى العَجْلان فقال : يا معشر المسلمين اصْطَلِحُوا على رجل منكم . فقالوا: أَنت . قال: ما أَنا بفاعل . فاصطلح الناس على خالد بن الوليد . وروى الطبرانى عن أبى اليسر(١) الأَنصارى رضى الله عنه / قال: أَنا دَفعْت الراية ٤١٥, إلى ثابت بن أَقرم لما أَصيب عبد الله بن رواحة فدُفِعَت إلى خالد وقال [ له ثابت بن أَقرم](٢) أنت أعلم بالقتال منى . قال ابن إسحاق : ( فلما أَخذ الراية خالد بن الوليد دافع القوم وحاشى بهم ثم انحاز وانحيز عنه وانصرف بالناس ) . (١) فى الأصول: أبى السير والتصويب من شرح المواهب (٢: ٢٧٢) وأسد الغابة (٥: ٣٢٣) واليسر بفتح الياء والسين . (٢) زيادة يقتضيها السياق. - ٢٣٧ - هكذا ذكر ابن إسحاق أنه لم يكن إلا المحاشاة والتخلص من أيدى الروم الذين كانوا مع من انْضَمَّ إليهم أكثر من مائتى ألف والمسلمون ثلاثة آلاف . ووافق ابن إسحاق على ذلك شِرْذِمة. وعلى هذا سُمِّىَ هذا نَصْراً وفتحاً باعتبار ما كانوا فيه من إحاطة العَدُوّ وتراكمهم وتكاثرهم عليهم وكان مُقْتَضَى العادة أَن يُقْتَلوا بالكُلُّيَّة وهو مُحْتَمَل لكنه خلاف الظاهر من قوله صلى الله عليه وسلم: (حتى فتح الله عليهم)(١). والأكثرون على أن خالداً ومن معه رضى الله عنهم قاتلوا المشركين حتى هزموهم . ففى حديث أبى عامر عند ابن سعد أن خالداً لما أخذ اللواء (( حَمَل على القوم فهزمهم الله أسوأً هزيمة رأيتها قط حتى وضع المسلمون أسيافهم حيث شاءوا)) . وروى الطبرانى برجال ثقات عن موسى بن عُقْبة قال : ثم اصطلح المسلمون بعد أمراء رسول الله صلى الله عليه وسلم على خالد بن الوليد المخزومى فهزم الله تعالى العَدُوّ وأظهر المسلمين. وروى محمد بن عُمَر الأسلمى عن عَطَّاف بن(٢) خالد لما قُتِل ابن رواحة مساءً بات خالد بن الوليد ، فلما أصبح غدا وقد جعل مقدمته ساقته وساقَتَه مقدمته وميمنته مَيْسَرة ومَيْسَرته مَيْمَنَة ، فأَنكروا ما كانوا يعرفون من راياتهم وهيأُتهم. قالوا وقد جاءهم مَدَد فُرُعِبُوا وانكشفوا منهزمين . قال : فقُتلوا مقتلة لم يُقْتَلْها قوم . وذكر ابن عائذ فى مغازيه نحوه . وروى محمد بن عُمَر عن الحارث بن الفضل رحمه الله تعالى: لما أَخَذَ خالد بن الوليد الراية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الآن حَمِىَ الوطيس))(٣). وروى القَرَّاب فى تاريخه عن بَرْذَع بن زيد رضى الله عنه قال: اقتتل المسلمون مع المشركين سبعة أيام . وروى الحاكم فى المستدرك عن أبى هريرة وأبى سعيد الخدرى رضى الله عنهما وهذا الذى ذكره أبو عامر ، (١) صحيح البخارى كتاب المغازى باب غزوة مؤتة (٥: ٢٩٤) من حديث أنس. (٢) لم نعثر على ترجمة لعطاف بن خالد فى كتب الرجال ولكن ورد اسمه فى البداية والنهاية لابن كثير (٤: ٢٤٧) وشرح المواهب ( ٢ : ٢٧٣). (٣) وردت فى صحيح مسلم (بشرح النووى ١٢: ١١٦) فى غزوة حنين عن عباس بن عبد المطلب ولفظه فيما يتعلق بهذه العبارة : فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال هذا حبن حمى الوطيس وفى النهاية: الوطيس شبه التنور، وقيل هو الضراب فى الحرب وقيل هو الوطء الذى يطس الناس أى يدقهم وقال الأصمعى هو حجارة مدورة إذا حميت لم يقدر أحد يطؤها. ولم يسمع هذا الكلام من أحد قبل النبى صلى الله عليه وسلم وهو من فصيح الكلام عبر به عن اشتباك الحرب وقيامها على ساق. وأورد الجاحظ هذه العبارة فى البيان والتبيين (٢: ١٥ تحقيق هارون) ((من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم مما لم يسبقه إليه عربى ولا شاركه فيه أعجمى ولم يدع إلى أحد ولا ادعاه أحد مما صار مستعملا ومثلا سائراً)). - ٢٣٨ - والزهرى ، وعُرْوَة ، وابن عُقْبَة ، وعَطَّاف بن خالد ، وابن عائذ وغيرهم هو ظاهر قوله صلى الله عليه وسلم فى حديث أنس(١): ( ثم أخذ الراية سَيْفُ ((من سيوف الله ففتح الله على يديه)). وفى حديث أبى قتادة رضى الله عنه مرفوعاً كما سيأتى . ثم أخذ خالد بن الوليد اللواء ولم يكن من الأمراء ، هو أمَّر نفسه . ثم رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم / أُصبعه ، ٤١٥٪ ثم قال: (( اللهم إنه سَيْفٌ من سیوفك فانصره )). فمن يومئذ سُمِی خالد بن الوليد (( سيف الله))، رواه الإِمام أحمد برجال ثِقات ويزيده قُوَّة ويشهد له بالصحة ما رواه الإِمام أحمد ، ومسلم، وأبو داود، والبُرقانى عن عَوْف بن مالك الأشجعى رضى الله عنه قال: ((خَرَجْتُ [ مَعَ مَنْ خرج](٢) مع زيد بن حارثة رضى الله عنهما فى غزوة مُؤْتَة ورافقنى مَدَدِىّ(٣) من المسلمين من اليمن، ليس معه غير سَيْفه. فَنَحَر رجل من المسلمين جَزوراً فسماًله المَدَدِىّ طَائفة(٤) من جِلْد، فأعطاه إياه فاتخذه كهيئة الدَّرَقَة، وَمَضَيْنَا ولَقِينا جموع الروم فيهم رجل على فرس له أَشقر، عليه سَرْج مُذَهَّب وسلاح مُذَهَّب ، فجعل الرومى يغزو المسلمين(٥)، فقَعَدَ له المَدَدِىّ خَلْفَ صَخْرَةٍ فَمَرّ به الرومى فعرقب فَرَسَه بسيفه وخَرَّ الرومى فَعَلَاه بسيفه فقتله وحاز سلاحه وفرسه. فلما فتح الله تعالى على المسلمين بعث إليه خالد بن الوليد فأخذ منه بعض السَّلَب. قال عَوْف : فَأَتَيْتُ خالداً وقلتُ له: أَمَا عَلِمْتَ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالسََّب للقاتل ؟ قال: بَلَى ولكنى استكثرتُه . فقلتُ ◌َتَرُدَّنَّهُ أَو لَأَعَرَّ فَنَّكَهَا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأبى أن يرد عليه. قال عَوْف: فاجتمعنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فَقَصَصْتُ عليه قصة المَدَدِىّ وما فعل خالد ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ما صَنَعْت؟)) قال: استكثرتُه. قال: ((رُدّ عليه ما أَخَذَت منه )). قال عَوْف: دونكها يا خالد ألم أَفِ لك؟ [ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( وما ذاك؟)) فأُخبرته](٢). فغَضِبَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ((يا خالد (١) لفظ حديث أنس كما أخرجه البخارى فى صحيحه: ((حتى أخذ الراية سيف من سيوف اللّه حتى فتح الله عليهم)). (٢) زيادة من صحيح مسلم (بشرح النووى ١٢ : ٦٥). (٣) فى شرح النووى: ورافقى مددى يعنى رجل من المدد الذين جاموا يمدون جيش مؤتة ويساعدونهم. (٤) فى البداية والنهاية : طابقة من جلد. (٥) فى الأصول : يغزى بالمسلمين . (٦) زيادة من البداية والنهاية (٤: ٢٤٩) لشكلة نقل المؤلف. - ٢٣٩ - لا تَرُد عليه هل أنتم تاركون أُمرائِى لكم صَفْوَةُ أَمْرهم وعليهم كَدَرُ)(١). ذكر بعض ما غنمه المسلمون يوم مؤتة روى محمد بن عُمَر ، والحاكم فى الإكليل عن جابر رضى الله عنه قال : أُصِيب بمؤتة ناس من المسلمين ، وغَنِم المسلمون بعض أمتعة المشركين ، وكان فيما غَنِموا خاتم جاء به رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: قَتَلْتُ صاحِبَه يومئذ فَنَفَّلَنِيه رسول الله صلى الله عليه وسلم . وتقدم حديث عَوَّف بن مالك رضى الله عنه . وروى محمد بن عُمَر ، عن خُزَيمة بن ثابت رضى الله عنه قال : ( حَضَرْتُ مُؤْتَة فبارزنى رجل منهم يومئذ فَأَصبْتُه وعليه بَيْضَة له فيها ياقوتة، فلم تكن مِمَّى إلا الياقوتة ، فأخذتها . فلما رجعنا إلى المدينة أتيت بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فَنَفَّلَنِيها ، فبعتها زمن عثمان بمائة دينار فاشتريت بها حديقة (٤١" نخل). قال فى البداية(٢): (وهذا يقتضى أنهم غَنِموا منهم وسَلَبوا من أشرافهم / وقتلوا من أُمرائهم). وروى البخارى عن خالد رضى الله عنه قال: (( لقد اندقت فى يَدِى يوم مؤتة تسعة أسياف وما ثبت فى يدى إلاصفيحة يمانية)(٣) وهذا (٤) يقتضى أنهم أَثخنوا فيهم قَلْلا ولو لم يكن كذلك لما قَدِروا على التخلص منهم - إذا كان المسلمون ثلاثة آلاف والمشركون أكثر من مائتى ألف - وهذا وحده دليل مُسْتَقِل والله أعلم . (١) جاء فى رواية عوف كما أخرجها مسلم فى صحيحه: ((فمر خالد بعوف فجر بردائه ثم قال هل أنجزت لك ما ذكرت لك من رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستغضب فقال: لا تعطه ياخالد لا تعطه ياخالد هل أنتم تاركون لى أمرائى ؟ إنما مثلكم ومثلهم كمثل رجل استرعى إبلا أو غنماً فرعاها فأوردها حوضاً فشرعت فيه فشربت صفوه وتركت كدره فصفوه لكم وكدره عليكم)). وفى شرح النووي (١٢: ٦٤) قد يستشكل من حيث أن القاتل قد استحق السلب فكيف منعه إياه ويجاب عنه بوجهين أحدهما لعله أعطاء بعد ذلك القائل وإنما أخره تعزيراً له ولعوف بن مالك لكونهما أطلقا ألسنتهما فى خالد وانتهكا حرمة الوالى ومن ولاء . الوجه الثانى لعله استطاب قلب صاحبه باختياره وجعله المسلمين وكان المقصود بذلك استطابة قلب خالد للمصلحة فى إكرام الأمراء . وأضاف النووى . فصفوه لكم يعنى الرعية وكدره عليهم يعنى الأمراء . (٢) البداية والنهاية (٤: ٢٤٩). (٣) لفظ البخارى كتاب المغازى باب غزوة مؤتة (٥: ٢٩٥) عن قيس بن أبى حازم قال سمعت خالد بن الوليد يقول: ((لقد انقطعت فى يدى يوم مؤتة تسعة أسياف فما بقى فى يدى إلا صحيفة يمانية)). هذا ولم نجد فى معاجم اللغة صحيفة بمعنى سيف والصواب صفيحة أى السيف العريض . (٤) العبارة التالية منقولة عن ابن كثير فى البداية والنهاية فى الموضع السابق . - ٢٤٠ -