النص المفهرس
صفحات 141-160
ابن هُذَيْم حين جاءهم رِفاعة بن زيد(١) بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى نزلوا حَرَّةِ الرَّجْلَاءِ(٢) ورِفاعة بكُرَاعِ رِيَّةَ (٣) لم يُعْلَم. وأَقبل الدليل العُذْرِىّ بِزَيْد ابن حارثة وأصحابه حتى حَجَم بهم مع الصُّبْح على الْنَيْد وابنه ومن كان فى مَحَلَّتِهِم فأغاروا عليهم وقتلوا فيهم . فأَوجعوا وقتلوا الْهُنَيْد وابنه . وأَغاروا على ما شيتهم ونَعَمِهم ونسائهم فأَصابوا من النَّعَم ألف بعير ومن الشَّاءِ خمسة آلاف شاة ومن السَّبى مائة من النشاء والصبيان . فلما سمع بنو الضُّبَيْب بما صنع زيد بن حارثة رَكِبُوا فيمن ركِب . فلما وقفوا على زيد بن حارثة قال حَسَّان بن مِلَّة (٤): ( إِنا قوم مسلمون) . فقال زيد بن حارثة : [((فاقرأُ أُم الكتاب). فقرأَها حَسَّن فقال زيد](٥) نادوا فى الجيش أن يهبطوا إلى ورائهم الذى جائُوا منه فَأَمْسَوْا فى ناديهم (٦) . فلما أمسكوا رَكِبوا إلى رفاعة بن زيد فَصَبَّحوه وقال له حَسَّان بن ملَّة: ( إِنك الجالس تَحْلُب المِعْزَى ونساءُ جُذَامِ أُسَارَى قد غَرَّك كِتَابُك الذى جئتَ به ) . فدعا رِفاعة بجمل فشَدَّ عليه رَحْلَه وخرج معه أَبو زيد [ بن عَمْرو ](٧) -وعند ابن سعد أَبو يزيد بن عُمْرو - وجماعة ، فساروا ثلاث ليالٍ ، فلما دخلوا المدينة وانتهوا إِلى إلى المسجد دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم . فلما رآهم أَلاح(٨) لهم بيده أَن (١) أورد الزرقانى فى شرحه على المواهب هذا الكتاب (ج ٢ ص ١٥٩) ولفظه: ((بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد رسول اللّه إلىْ رفاعة بن زيد إنى بعثته إلى قومه عامة ومن دخل فيهم يدعوهم إلى الله وإلى رسوله فمن أقبل ففى حزب اللّه وحزب رسوله ومن أدبر فله أمان شهرين)). (٢٠) فى وفاء الوفاء (جـ ٢ ص ٢٨٨) حرة الرجلى بين المدينة والشام سميت بذلك لأنه يترجل فيها ويصعب المثى وهى حرة خشنة كثيرة الحجارة . (٣) ضبطت هكذا فى ابن هشام. وفى معجمات اللغة بفتح الراء مصدر المرة ويقال عين رية أى كثيرة الماء . (٤) هكذا ضبطت بكسر الميم فى ابن هشام (ج ٤ ص ٢٨٦) ولكنها فى الاشتقاق لابن دريد ( ص ٤٣٨) بفتح الميم والملة هى الجمر والرماد . وزاد فى القاموس المحيط : الرماد الحار وعرق الحمى . (٥) زيادة من ابن هشام (= ٤ ص ٢٨٧) وعبارة زيد بن حارثة: نادوا فى الجيش إن الله قد حرم علينا ثغرة القوم التى جاءوا منها إلا من ختر . (٦) هكذا فى الأصول وفى شرح المواهب فأمسوا فى أهليهم . (٧) زيادة من ابن هشام. (٨) فى الأصول أراح والتصويب من ابن هشام. - ١٤١ - تعالوا من وراء الناس فاستفتح رفاعة بن زيد المَنْطِقِ ، فقام رجل من الناس فقال : ( يارسول الله، إن هؤلاء قوم سَحَرَة)(١) فردَّدها مرتين فقال رفاعة بن زيد : رَحِمَ الله من لم يُحْذِنَا فى يومه هذا إِلَّ خَيْرًا). ثم دفع رفاعة بن زيد كتابه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى كان كتبه له ، فقال: دُونَكَ يارسول الله [ قديماً كتابُه حديثاً غَدْرُه](٢) فقال رسول الله صلى الله عليه ٣٩٠ ظ وسلم: ( إِقْرَأْهُ يا غُلاَم وَأَعْلِنْ). فلما قرأ كتابه استخبرهم فأخبروه بما صَنَع / زيد ابن حارثة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( كيف أَصْنَع بالقَتْلَى)؟ ثلاث مِرَار . فقال رفاعة : ( أَنت يارسول الله أعلم، لا نُخَرِّم عليك حلالاً ولا نُحِلّ لك حراماً ). فقال أبو زيد بن عَمْرو : (( أَطْلِقِ لنا يا رسول الله مَنْ كان حَيّاً، ومَنْ قُتِل فهو تحت قَدَمِى هذه )). فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( صَدَقَ أَبو زَيْد ) . فقال القوم: ( فابعث معنا يا رسول الله رجلاً يُخْلِى بيننا وبين حُرَمِنا وأَموالنا) . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( انطلِقْ معهم يا عَلِيّ). فقال عَليّ: (( يا رسول الله إِن زيداً لا يُطيعنى))(٣) قال: ((فَخُذْ سَيْفى هذا)). فأَخذه. فقال له عَلىّ: (( ليس لى راحلة يارسول الله)). فحملوه على بعير لقَعْلَبة بن عَمْرو يقال له مِكْحَال. فخرجوا حتى لَقُوا رافِع ابن مَكِيث الجُهَنِىّ، بشير زَيْد بن حارثة يسير على ناقة من [إِل](٤) القوم، فَرَدِّها عَلِىّ على القوم . ورجع رافع بن مَكِيث مع عَلىّ رديفاً حتى لَقُوا زيد بن حارثة بِفَيْفَاء الفَحْلَتَيْنِ (٥) فقال عليّ: ((إِن رسول الله يأمرك أَن تَرُدّ على هؤلاء القوم ما كان بيدك من أَسِير أَو سَبْى أَو مال)). فقال زيد: ((علامة من رسول الله )) فقال عَلِيّ ((هذا سَيْفُه)). (١) أى عندهم فصاحة لسان وبيان. (٢) زيادة من ابن هشام. (٣) فى ابن هشام: لن يطيعنى. (٤) زيادة من طبقات ابن سعد ( +٣ ص ١٣٢). (٥) فى معجم البكرى (ج ٣ ص ١٠٣٦) الفيف والفيفا بالقصر والفيفاء بالمد كل أرض واسعة. وفى وفاء الوفا (٢٢ ص٣٥٤) الفحلتان قنتان مرتفعتان على يوم من المدينة بينها وبين ذى المروة عند صحراء يقال لها فيفاء الفحلتين، لها ذكر فى مساجد تبوك وغزاة زيد بن حارثة. أنظر أيضاً معجم البلدان لياقوت (ج ٦ ص ٣٤١). - ١٤٢ - فَعرفَه زيد ، فنزل وصاح فى الناس ، فاجتمعوا فقال: ( من كان معه شىء من سَبْيٍ أو مال فَلْيَرُدُّه، فهذا [رسول](١) رسول الله صلى الله عليه وسلم. فَرَدّ على الناس كافّة كل ما كان أُخِذ لهم حتى كانوا ينزعون المرأة من تحت فخذ الرجل)(٢). وروى محمد بن عُمَر رحمه الله تعالى عن مِحْجَن الديلى (٣) رضى الله عنه قال: ( كنتُ فى تلك السَّرِيَّة ، فصار لكل رجل سبعة أَبعرة أَو سبعون شاة وصار له من السَّبْى المرأة والمرأتان حتى رَدَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك كله إلى أهله ) . قال فى زاد المعاد: ((وهذه السرية كانت بعد الحديبية بلا شكّ)»(٤) .. تنبيه : فى بيان غريب ما سبق : ◌ُذَام : بجيم مضمومة فذال معجمة فميم ، قبيلة بجبال حِسْمَى من مَعَدّ . حِسْمَى : بحاء مكسورة فسين ساكنة مهملتين ، أَرض بالبادية غليظة لا خَيْر فيها ينزلها جُذَام، ويقال آخر ما نَضَبَ من ماء الطوفان حِسْمَى فبقيت منه بقية إلى اليوم وفيها جِبَال شواهق ◌ُلْس الجوانب لا يكاد القَتَام يفارقها قاله الجوهرى فى الصحاح(٥) . وادى القُرَى : وادٍ كثير القُرَى . رفاعة : بكسر الراء وبالفاء وبالعين المهملة . يَلْبَث : يَنْكُث . دحية : بفتح الدال المهملة (٦) . (١) زيادة يقتضيها السياق كما وردت فى شرح المواهب (ج ٢ ص ١٦٠). (٢) فى ابن هشام ( جـ ٤ ص ٢٨٩): حتى كانوا ينزعون لبيد المرأة من تحت الرجل. واعتمد الزرقانى القراءة الأخرى إذ أضاف أنهم كانوا يطأون الجوارى بلا استبراء لأن وجوبه إنما كان فى سى هوازن . (٣) هو محجن بن أبى محجن الديلى من بنى الديل ين بكر بن عبد مناف بن كنانة معدود من أهل المدينة يكنى أبا بسى وقبل بشر. أنظر أسد الغابة ( ج ٤ ص ٣٠٥). (٤) زاد المعاد لابن القيم على هامش شرح المواهب (ج ٤ ص ١٦١). (٥) زاد الجوهرى فى الصحاح: وفى حديث أبى هريرة: ((تخرجكم الروم منها كفرا كفراً إلى سنبك من الأرض» قيل وما ذاك السنبك، قال حسمى جذام. أنظر أيضاً معجم البلدان ( ج ٣ ص ٢٧٦ : ٢٧٧). (٦) فى القاموس المحيط دحية أيضاً بكسر الدال. وهى بالكسر كذلك فى الاشتقاق (ص ٧٧). - ١٤٣ - ٣٩١ , قَيْصر : لقب لكل من ملك الروم ، واسمه هرقل(١). هُنَيْهة : بضم الهاء وفتح النون وسكون التحتية(٢). عِوَض: بكسر العين المهملة وفتح الواو وبالضاد المعجمة (٣). الصُّلَيْع : بضم الصادالمهملة وفتح اللام / وسكون التحتية وبالعين المهملة . سَمَل ثوب : بسين مهملة فميم فلام ثَوْب خَلَق [ بال] . الضُّبَيْب : بضاد معجمة فموحدتين الأولى مفتوحة بينهما تحتية ساكنة . استنقذوه : خَلَّصوه ونَجُّوه . استسقاه دَمَه : طلب منه الإِذن فى قتله . يَكْمُن : يستتر (٤). عُذْرَة : بضم العين المهملة وسكون الذال المعجمة، بطن من قُضَاعة . غَطَفان : اسم قبيلة . بَهْرَاء : بفتح الموحدة وسكون الهاء وبالراء والمَدّ وقد تُقْصَر، قبيلة . الحَرَّة: بفتح الحاء المهملة والراء: أَرض ذات حِجارة سود نَخِرَة كأنها أُخْرِقت بالنار. الرَّجْلَى: بالجيم كسَكْرَى ويُمَدّ [الرَّجْلاءِ] أرض خشنة يُتَرَجَّلُ فيها أو كثيرة الحجارة . كُرَاعِ رِبَّة : مكان ، ورِبَّة بفتح الراء وتشديد الموحدة(٥). مَلَّة : باللام ورُوِى مكة بالبيت الحرام (٦) . (١) إضافة: واسمه هرقل تجعل من هذا الإسم مرادفاً لقيصر وليس هذا صحيحا فهرقل كان أحد قياصرة الروم . (٢) لم ترد هنيهة فى قصة هذه السرية. (٣) أثبتناها بالصاد المهملة كما وردت فى ابن هشام، وفى تاج العروس مادة (عوص): وحكى ابن برى عن ابن خالويه عوص إسم قبيلة من كلب (٤) كن: تعنى استخفى فى مكمن لا يفطن له. (٥) أثبتناها بالياء كما فى ابن هشام ولم ننثر عليها فى معجمات البلدان والأماكن. أما الربة فى اللغة بكسر الراء والباه الموحدة المشددة فهى كل ما اخضر من النبات أو الجماعة الكثيرة . (٦) ملة وردت فى إسم حسان بن ملة وضبطت فى ابن هشام بكسر الميم ورجعنا أنها بفتحها كما فى الاشتقاق لابن دريد والعبارة التالية: ((وروى مكة بالبيت الحرام)) لا معنى لها هنا . - ١٤٤ - خَتَرَ (١): بخاء معجمة [ فمثناة فوقية] فراء مفتوحات: غَدَى أُلاح له بیده : لَمَع بها(٢) . سَحَرَة : أَى عندهم فصاحة لسان وبيان . يُحْذِنا: [ يقال أحذيته أَى أَعطيتُه](٣). دُونَك [أَمامَك] (٤). أَطْلِقْ لنا : بهمزة مفتوحة فطاء مهملة فلام مكسورة فقاف . مِكْحَال : بميم مكسورة فكاف ساكنة فحاء مهملة فأَلَف فلام . مَكِيث : بفتح الميم وكسر الكاف وسكون التحتية وبالثاء المثلثة . فَيْفَاء : بفاعيْن مفتوحتَيْن بينهما تحتية ساكنة . الفَحْلَتَيْن : بفتح الفاء وسكون الحاء المهملة وفتح اللام والفوقية وسكون التحتية وبالنون . لُبَيْد : بضم اللام وفتح الموحدة وسكون التحتية وبالدال المهملة تصغير لَبَدْ . مِحْجَن : بكسر الميم وسكون الحاء المهملة وفتح الجيم وبالنون . الدِّيلى: بكسر الدال المهملة وسكون التحتية وباللام . (١) لم يوردها المؤلف فى قصة هذه السرية وأثبتناها فى حاشية سابقة فى كلمة زيد بن حارثة: «نادوا فى الجيش إن الله قد حرم علينا ثغرة القوم إلا من ختر. وفى النهاية الختر الغدر يقال ختر يختر فهو خاتر وختار المبالغة . (٢) فى تاج العروس: ألاح یثوبه ولوح به أخذ طرفه بيده من مكان بعيد ثم أداره ولمع به ليريه من يجب أن يراه وكل من لمع بشىء وأظهره فقد لاح به ولوح وألاح. (٣) بياض بالأصول بنحو ثلاث كلمات والتكملة من النهاية. ( ٤) بياض بالأصول بنحو كلمة . - ١٤٥ - (١٠ - سبل الهدى والرشاد جـ ٦ ) الباب الخامس والعشرون فى سرية أَبى بكر الصِّدِّيق (١) رضى الله عنه وقيل زيد بن حارثة إلى بنى فزارة بوادى القرَى . روى الإمام أحمد ومُسْلِم وابن سعد والأربعة والطبرانى عن سَلَمة بن الأَحْوَع رضى الله عنه قال: غَزَوْنا فَزَارة وعلينا أَبو بكر أَّره علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما كان بيننا وبين الماء ساعة أمرنا أَبو بكر فعَرَّسنا، ثم شَنَّ الغارة فورد الماء فَقَتَّلَ مَنْ قَتَلَ عَلَيْهِ فَأَنُظْرِ إِلى عُنُق من الناس فيهم الذرارى ، فخشيت أَن يسبقونى إلى الجَبَل فرميت بسهم بينهم وبين الجَبَل فلما رَأَوْا السهم وقفوا فجِئْتُ بهم أَسوقهم . ٣٩١ ظ وفيهم امرأة من بنى فزارة عليها قِشْع(٢) من أَدَم معها ابنة لها من / أَحسن العرب. فُقْتُهم حتى أتيت أبا بكر . فَنَفَّلَنِى أَبو بكر ابنتها ، فقَدِمِنا المدينة وما كَثَفْتُ لها ثوباً. فلقينى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى السوق فقال: ((يا سَلَمة هَبْ لى المرأة)). فقلت: (( يا رسول الله قد أعجبتنى وما كشفت لها ثوباً)) فسكت ، حتى إذا كان من الغد لقينى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى السوق ولم أكشف لها ثوباً فقال: ((ياسَلَمة هَبْ لى المرأة لله أَبوك)). فقلت: هى لك يا رسول الله، قال: فبعث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل مكة ففَدَا بها أَسْرَى [من المسلمين](٣) كانوا فى أيدى المشركين. وفى رواية عند أَحمد ، وابن سَعْد: وكان شِعَارُنَا: أَمِتْ أَمِتْ قال : فقتلتُ بيدى سبعة - وعند الطبرانى تسعة بتقديم الفوقية - أهل أبيات من المشركين . (١) ذكر ابن سيد الناس فى عيون الأثر (ج ٢ ص ١٤٦) هذه السرية تحت عنوان سرية أبى بكر الصديق إلى بنى كلاب بنجد، وكذلك تحت هذا العنوان ذكرها ابن سعد فى الطبقات الكبرى ( ج ٣ ص ١٦٤ : ١٦٥). (٢) فى النهاية: القشع الفر والخلق. (٣) زيادة من طبقات ابن سعد (= ٣ ص ١٦٥). - ١٤٦ - تنبيه : فى بيان غريب ما سبق : فَزَارة : بفتح الفاء وبالزاى والراء . أَمَّره : بتشديد الراء ، جعله أميراً . التَّعْريش : النزول آخر الليل [ للنوم ](١) والاستراحة شَنَّ الغارة : فَرَّقها فى كل وجه . العُنُق : من الناس الطائفة منهم . الذَّرارى: بالذال المعجمة جمع ذُرِّية وهى الأولاد الصغار ، وفيها ثلاث لغات أَفصحها ضم الذال والثانية كسرها والثالثة فتح الذال مع تخفيف الراء وتجمع على ذُرِّيَّات(٢). القَشْع: بفتحِ القاف وكسرها وسكون الشين المعجمة وبالعين المهملة . الله أبوك: إِذا أُضيف الشئ إلى عظيمٍ شريف اكتسب عِظَماً وشَرَفاً كما يقال : بَيْتُ الله، وناقةُ الله، فإذا وُجِد من الولد ما يُحْسِن مَوْقِفَه ويُحْمَدِ فِعْلُه قيل: لله أبوك فى مَعْرِض المدح والتعجب، أَى أَبوك لله خالصاً حيث أَنْجَبَ بك وأَنِى بمِثْلِك. ( ١) زيادة من النهاية . (٢) فى النهاية: الذرية إسم يجمع نسل الإنسان من ذكر وأنثى وأصلها الهمز لكنهم حذفوه فلم يستعملوها إلا غير مهموزة وتجمع على ذريات وذرارى مشدداً . وقيل أصلها من الذر بمعنى التفريق . - ١٤٧ - الباب السادس والعشرون فى سرية زيد بن حارثة رضى الله عنهما إلى وادى القُرَى فى رجب ، كما ذكره ابن إسحاق والبلاذُرى وزاد وقد تَجَمَّعَ بها قوم من مَلْحِج وقُضَاعة ويقال بل تَجَمَّعَ بها قَوْم من أَفناء مُضَر ، فلم يَلْقَ كَيْدًا . تنبيه : فى بيان غريب ما سبق : وادى القُرَى : بضم القاف وفتح الراء ، تَقَدِمُّ . البَلَاذُرِى : بفتح الموحدة وضم الذال المعجمة مَذْحِج : بفتح الميم وسكون الذال المعجمة وكسر الحاء المهملة ، وبالجيم : قبيلة من اليَمَن(١) . ٣٩٢ , الأفْنَاء /: بالفاء والنون كأَحمال: الأَخلاط: للرجل إذا لم يُعْرَف من أَى قبيلة . (١) ذكر ابن حزم فى جمهرة أنساب العرب (ص ٣٨١) أن مدحج هو مالك بن أدد ثم سرد أسماء أبنائه وذراريهم - ١٤٨ - الباب السابع والعشرون فى سرية عبد الرحمن بن عَوْف رضى الله عنهما إلى دُوَمة الجَنْدَل فى شعبان سنة ست . روى ابن إسحاق، ومحمد بن عُمَر عن عبد الله بن عُمَر بن الخَطَّاب رضى الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دَعًا عبد الرحمن بن عَوْف فقال له: ((تَجَهَّزْ فإنى باعِئُك فى سَرِيَّة من يَوْمِك هذا أَومن الغَدِ إِن شاء الله تعالى ) . قال عبد الله: فسَمِعْتُ ذلك فقلت لَأَدْتُلَنَّ فَلِأُصَلِّيَنَّ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الغَداة وَلَأَسْمَعَنَّ وَصِيَّته لعبد الرحمن بن عوف [ قال : كُنْتُ عاشر عَشَرةِ رَخْطِ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فى مسجده : أبو بكر ، وعُمَر ، وعثمان ، وعلى وعبد الرحمن بن عوف](١) وابن مسعود، ومُعَاذ بن جَبَل، وحُذَيْفَة بن اليَمَان، وأَبو سعيد الخُدْرِىّ [رضى الله عنهم، وأَنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم](١) إِذ أَقبل فَتَىّ من الأَنصار فسَلَّم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جلس ، فقال : يا رسول الله أَىُّ المؤمنين أَفضل ؟ فقال: ( أَحْسَنُهُم خُلُقًا). قال: فَأَىُّ المؤمنين أَكْيَس؟ قال: (أَكْثَرَهُم ذِكْرًا للمَوْت وَأَحْسَنُهم استعدداداً له قبل أَن ينزل بهم، أولئك الأَكْيَاس). ثم سَكَت الفتى وأَقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((يا مَعْثَر المهاجرين: خَمْسُ خِصَالٍ إِذا نَزُلْن بكم وأَعُوذ بالله أَن تُدْرِكُومُنَّ إنه لم تَظْهَر الفاحشة فى قَوْمٍ قَطْ حتى يُعْلِنُوا بها إِلَّ ظَهَر فيهم الطَّاعُون والأَوْجاع التى لم تكن فى أسلافهم الذين مَضَوْا، ولم يَنْقُصُوا المِكْيَالَ والميزان إِلاَّ أُخِذوا بالسِّين وشِدَّة المئونة وجَوْر السلطان، ولم يَمْنَعُوا الزَّكاة من أموالهم إلاَّ أَمسك اللّه عنهم قَطْر السماء ولولا البهائم لم يُسْقَوْا، وما نَقَفُوا عَهْدَ الله وعَهْد رسوله إلا سُلِّط عليهم عَلُوَّ من غيرهم فأخذ بعضهم ما كان فى أيديهم وما حَكَمْ قَوْمُ بغير كتاب الله إلَّ جَعَلى بَأْسَهم بينهم). وفى رواية: ((إِلاَّ أَلبسهم شِيعَاً وأَذاق بعضهم بَأْسَ بعض )). (١) زيادة يقتضيها السياق نقلا عن رواية ابن إسحاق التى أوردها المؤلف (ابن هشام ج ٤ ص ٣٠٧: ٣٠٨). - ١٤٩ - ثم قال : قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره أن يسير من الليل إِلى دُوَمة الجَنْدَل. وكان رجاله مُعَسْكِرِين بالجُرْف وكانوا سبعمائة . فقال عبد الرحمن : ((أُحِبُّ يا رسول الله - أن يكون آخر عهدى بك وَعَلَّ ثياب سفرى)). فأَقعده بين يديه ثم نفض عمامته بيده ثم عَمَّمُهُ بعمامة [من كرابيس](١) سوداء. فأَرخى بين كَفَيْه منها أربع أَصابع أو نحو ذلك. ثم قال: (( هكَذَا يابْنَ عَوْف فاعمّ فإنه أَحْسَن وأَعْرَف ) . ثم أَمَر بِلالاً أن يدفع إليه اللِّواء فدفعه إليه، فَحُمِد الله تعالى وصَلَّى على نفسه، ٣٩٢ ظ ثم قال: ((خُذْهُ يا ابْنَ عَوْف / اغْزُوا باسم الله، فى سبيل الله، قاتلوا من كَفَرَ بالله لا تَغُلُّوا ولا تَغْدِرُوه ولا تَنْكُنُوا ولا تُمَثِّلوا ولا تقتلوا وليداً فهذا عُهْدَ الله وسُنَّة نبيكم فیکم) . فأَخذ بن عبد الرحمن اللواء وخرج حتى لَحِقَ بأَصحابه ، فسار حتى قَدِمِ دُوَمة الجَنْدَل. فلما حَلَّ بها دعاهم إلى الإِسلام فمكث ثلاثة أيام يدعوهم إلى الإِسلام . وقد كانوا أَبَوْا أَول ما قَدِمِ أَلَّ يُعْطُوا إلا السيف. فلما كان اليوم الثالث أَسْلَم الأَصْبَغ ابن عَمْرو الكُلْبِى . وكان نصرانياً وكان رئيسهم وأَسلم معه ناس كثير من قومه ، وأقام من أقام منهم على إعطاء الجزية . فكتب عبد الرحمن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره بذلك وأنه أراد أن يتزوج فيهم . وبعث الكتاب مع رافع بن مَكِيث الجُهَينِىّ فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أَن يتزوج بنت الأَصْبَغْ تُمَاضِرٍ ، فتزوجها عبد الرحمن وبنى بها ، ثم أُقبل بها وهى أُم أبى سَلَمة بن عبد الرحمن . وذكر ابن إسحاق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أَبا عُبَيْدة بن الجراح فى سرية إلى دومة الجَنْدل(٢) كما سيأتى : (١) زيادة من ابن هشام أثبتناها لأن المؤلف فيما يلى فى بيان غريب ما سبق شرح كلمة كرابيسى. (٢) يقول ابن دريد فى الاشتقاق (ص ١٤٦) ((وأصحاب الحديث يقولون دومة الجندل وهو خطأ)) (أى بفتح الدال المهملة وتسكين الواو ). - ١٥٠ - تنبيه : فى بيان غريب ما سبق : دُومة : بدال مهملة مضمومة وتُفْتَح(١) فواو ساكنة فميم فتاء تأنيث ويُقَال دوماء [بالمَدّ] (٢) الجَنْدَل : بفتح الجيم وسكون النون وفتح الدال وباللام : حِصْن وقُرَى مِن طَرَف الشام بينها وبين دمشق خَمْس ليالٍ وبينها وبين المدينة الشريفة خمس عشرة أو ست عشرة ليلة . أَلَيْسَ: يُقَال كاس الرجلُ فى عمله لِدُنْيَا أو آخِرَة كَيْساً جاد عقله(٧). السنين: جمع سَنَة وهى الجَذْب(٤). البَأُس: بالموحدة والهمز : الحَرْب (٥). أَلْبسَهم شِيعاً: خلط أَمْرَهم خَلْطَ اختلاف واضطراب لأَّخْلَطَ اتفاق . أَذَاقَ بعضهم بَأْسَ بعض : ابتلاهم وعَرَّفهم شدته . مُعَسْكِرون: مُجْتَمِعون. الجُرْف : بجيم مضمومة فراء - قال أبو عُبَيْد البكرى(٦)، والقاضى، والحازمى - مضمومة أيضاً . قال صاحب القاموس(٧) بالضم ثم السكون . على ثلاثة أميال من المدينة (٨) . الكَرَابيس : بفتح الكاف جمع كِرْبَاس وهى الثوب الخَشِنِ، فارسى مُعَرَّب(٩). (١) زيادة من شرح المواهب (ج ٢ ص ١٦٠). (٢) فى النهاية كاس يكيس كيساً والكيس العقل وفى أساس البلاغة هو أكيس بين الكيس. وفى الحديث إن أكيس الكيس التقى وأحمق الحمق الفجور . وفى المصباح كيس إسم فاعل والجمع أكياس مثل جيد وأجياد . (٣) فى النهاية السنة الجدب يقال أخذتهم السنة إذا أجدبوا وأقحطوا، وهى من الأسماء الغالبة نحو الدابة فى الفرس والمال فى الإبل ، وقد خصوها بقلب لامها تاء فى أسنتوا إذا أجدبوا . (٤) من معانى البأس : العذاب والخوف . (٥) معجم ما استعجم (ج ٢ ص ٣٧٦ : ٣٧٧). (٦) وكذلك ياقوت ضبطها بالضم والسكون فى معجم البلدان . (٧) زاد ياقوت: من جهة الشام. (٨) المعرب للجو اليقى ص ٢٩٤. - ١٥١ - أَحْسَنِ وأَعْرَف: [ أفضل وأَظهر ](١) ٠ غَلَّ من المَغْنَم : خان . الغَدْرِ : تَرْكُ الوفاء. الوَليد : بفتح الواو : الصبِىّ . الأَصْبَغ : بفتح الهمزة وسكون الصاد المهملة وفتح الموحدة وبالغين المعجمة . مَكِيت : بميم فكاف فتحتية فثاء مثلثة وزَنْ عَظِيم . تُمَاضِر : بفوقية مضمومة وتخفيف الميم وبعد الأَّلف ضاد معجمة مكسورة فراء ، لا ينصرف للعلمية والتأنيث . بَنَى بها: دخل عليها . وقال ابن السِكِّيت: زَقَّت إليه، وأصله أن الرجل كان ٣٩٣, إذا تَزَوَّج بنى للعُرْسِ خِياءِ جديداً وعَمَرَه بما يحتاج إليه (٢) / وبنى له تكريماً(٣)، ثم كَثُر حتى كُنِى به عن الجماع وهو لُغَةً قال ابن دُرَيْد: بنى عليها وبنى بها والأُول أَصَحّ . (١) بياض بالأصول بنحو كلمتين. (٢) فى النهاية الابتناء والبناء الدخول بالزوجة والأصل فيه أن الرجل إذا تزوج امرأة بنى عليها قبة ليدخل بها فيها . فيقال بنى الرجل على أهله . وقال الجوهرى ولا يقال بنى أهله . وهذا القول فيه نظر فإنه قد جاء فى غير موضع من الحديث وغير الحديث . (٣) هكذا فى الأصول ولا صلة لعبارة: ((وبنى له تكريماً)) بما قبلها. وفى أساس البلاغة: وبى مكرمة وابتناها وهو من بناة المكارم . - ١٥٢ - الباب الثامن والعشرون فى سرية زيد بن حارثة رضى الله عنهما إلى مَدْيَن روى ابن إسحاق عن فاطمة بنت الحسن(١) بن على رضى الله عنهمٍ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث زيد بن حارثة نحو مَدْيَن ومعه ضُمَيْرةَ مَوْلَى علىّ بن أبى طالب وأَخٌ له ، قالت : فَصاب سَبْياً من أَهل ميناء وهى السواحل وفيها جُمَّاع من الناس فَبِيعُوا فَفْرِّق بينهم. [ فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يبكون فقال: ((مالهم؟)) فقيل: يا رسول الله فُرِّق بينهم ](٢) فقال: ( لا تبيعوهم إِلا جميعاً). قال ابن هشام : أراد الأُمهات والأولاد. تنبيه : فى بيان غريب ما سبق : مَلْيَن : بفتح الميم وسكون الدال المهملة وفتح التحتية وآخره نون مدينة قوم شُعُيْب صلى الله عليه وسلم وهى تجاه تبوك على بحر القُلْزُم بينهما ست مراحل وهى أكبر من تبوك . ضُمَيْرَة : بضم الضاد المعجمة وفتح الميم وسكون التحتية وبالراء وتاء التأنيث، كذا فى سيرة ابن هشام مَوْلَى على بن أبى طالب رضى الله عنه، ولم أَر له ذِكْرًا فيما وقفت عليه من كتب الصحابة . ميناء : بكسر الميم وسكون التحتية وبالنون . والمَدّ والقَصّر . جُمَّاع الناس : بضم الجيم وتشديد الميم: أَخلاطهم وهم الفرق المختلفة من قبائل شَتَّى. فُرِّق : بضم الفاء وكسر الراء المشددة . (١) فى ابن هشام (ج ٤ ص ٣١٢) فاطمة بنت الحسين بن على رضوان الله عليهم. (٢) تكملة من ابن هشام . (٣) انظر معجم البلدان لياقوت ( جـ ٧ ص ٤١٧: ٤١٨) ومعجم البكرى (ج ٤ ص ١٢٠١). - ١٥٣ - الباب التاسع والعشرون فى سرية أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضى الله عنه إلى بنى سَعْد بن بَكْر بِفَدَك فى شعبان سنة ست . روى محمد بن عُمَر عن يعقوب بن زمعة(١) رحمهم الله تعالى قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عَلِياً فى مائة رجل إلى حَىِّ بن سَعْد بن بَكْر بِفَدَك . قالوا : بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أَن لهم جَمْعًا يريدون أَن يُحِلُوا بِهود خَيْبَر. فيبار عَلِّ اللَيْلَ وكَمَنِ النهار حتى انتهى إلى الغَمِجِ(٢)، وهو ماء بين خَيْبَر وفَدَك(٣). فوجدوا به رجلاً فقالوا: ( ما أَنت؟) فقال: ((بَاغٍ)). فقالوا: ((هل لك عِلْم بما وراءك من جَمْع بنىّ سعد؟)) قال: (( لا عِلْمَ لى به)). فشَدَّدُوا عليه، فأَقَرَّ أَنه عَيْنٌ لهم بعثوه إلى خيبر يَعْرض على بهودها نَصْرَهُمْ على أَن يجعلوا لهم [من] تَمْرِهِم كما جعلوا لغيرهم ويقومون عليهم . فقالوا له : ((فَأَين القوم؟ )) قال: ((تَرَكْتُهم قد تَجَمَّع منهم مائتا رجل وَرَأْسُهم ٣٩٣ ظ وَبْر بن عُلَيْم ). قالوا: ((فَسِرْ بنا / حتى تَدُلَّنا) قال: ((على أَن تُؤْمِّنُونى) . قالوا: ( إن دَلَلْتَنا عليهم أَو على سَرْحِهِم آمَنَّك وإلا فلا أَمانَ لك). قال: ((فذاك)). فخرج بهم دليلاً حتى ساء ظَنُّهم به وأَوْفَى على فَدْفَدٍ وآكام ثم أَفضى بهم إلى أرض مستوية فإذا نَعَمٌ كثيرة وَشَاء فقال: ((هذه نَعَمُهم وشاؤهم)). فأَغاروا عليها . فقال. (١) فى الأصول: يعقوب بن قنية والتصويب من أسد الغابة ( جـ ٥ ص ١٢٧ : ١٢٨) والإصابة رقم ٩٣٥٧. (٢) ضبطها المؤلف بفتح الغين المعجمة وكسر الميم ثم جيم وكذلك الزرقانى فى شرح المواهب (جـ ٢ ص ١٦٢). ولكنها فى وفاء الوفا للسهودى (جـ ٢ ص ٣٨٧) بالهاء إذ قال همج محرك ماء عيون عليه نخل من ناحية وادى القرى وكذلك أورد هذا الضبط ياقوت فى معجم البلدان (ج ٨ ص ٤٧١). وفى طبقات ابن سعد ( ج ٣ ص ١٣٣) الهمج بالهاء ولكنها وردت بالغين المعجمة فى عيون الأثر ( ج ٢ ص ١٠٩). وفى القاموس المحيط الغمج ككتف من المياه ما لم يكن عذباً كالمغمج كمعظم . وعقب الزبيدى فى التاج على ذلك قائلا : والصواب المسموع من الثقات والثابت فى الأمهات: ماء عملج مر غليظ . ويؤيد رأى الزبيدى أنها وردت بهذا الضبط الأخير فى المخصص لابن سيده ( جـ ٩ ص ١٣٧). (٣) زاد فى عيون الأثر (ج ٢ ص ١٠٩) وبين فدك "المدينة ست ليال، وكذلك فى طبقات ابن سعد (جـ ٣ ص ١٣٣) . - ١٥٤ - (((أَرْسِلُونِى). فقالوا: حتى نأُمن الطَلَب. ونَذِرِ بهم رعاء النَّعَم والشاء فهربوا فى جمعهم [وتفرقوا](١) فقال الدليل: «عَلَمَ تحبسنى؟ قد تفرقت الأَعراب ) . قال عَلِيّ : ((حتى نبلغ معسكرهم). فانتهى بهم إِليه فلم يَرَ أَحداً. فأرسلوه وساقوا النّعَم والشاء. وكانت النَعَم خمسمائة بعير والشاء أَلْفَىْ شاة . وعزل علىّ صَفِىّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لقوحاً تدعى الحَفِدة ثم عزل الخُمْس وقسم سائر الغنائم على أصحابه وقدِم علىّ ومن معه المدينة . تنبيه : فى بيان غريب ما سبق : فَدَك : بفتح الفاء والدال المهملة وبالكاف ، قال المجمد اللغوى إِنها على يومين من المدينة وقال القاضى [عياض](١) يومين وقيل ثلاثة(٢). وقال ابن سعد(٣) على ست ليال من المدينة قال السيد(٤) وأظنه الصواب واستبعد صحته فى النور وقال إنه سأَل بعض أَهل المدينة عنها فقال بينهما يومان(٥) . يُمِدُوا : بضم التحتية وكسر الميم. الغَمِج : من المياه ما لم يكن عذباً ، وهى بغين معجمة وميم مكسورة وبالجيم . العَيْن : هنا الجاسوس . (١) زيادة من شرح المواهب. (٢) فى معجم البكرى (ج ٣ ص ١٠١٥: ١٠١٦) أن بين فلك وخيبر مسيرة يومين وأقرب الطرق من المدينة إلى فدك من النفرة مسيرة يوم. وفى معجم البلدان ( ج ٦ ص ٣٤٢ وما بعدها ( أن فدك قرية بالحجاز بينها وبين المدينة يومان وقيل ثلاثة . (٣) طبقات ابن سعد (جـ ٣ ص ١٣٣). (٤) هو السيد على بن عبد الله بن أحمد بن على ابن عيسى الحسينى الملقب نور الدين المعروف بالسمهودى نسبة إلى بلدة سمهود بصعيد مصر ولد سنة ٨٤٤ هـ وتوفى تقريباً سنة ٩١٢ ( أقام بالمدينة وتوفى بها واشتهر بتاريخه المطول للمدينة الذى سماه وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى فى مجلدين. انظر ترجمة السمهودى فى البدر الطالع للشوكانى ( ج ١ ص ٤٧٠ : ٤٧١). (٥) لفظ السهودى فى وفاء الوفا (ج ٢ ص ٣٥٤): فدك بالفتح قال عياض هى على يومين وقيل ثلاثة من المدينة. واقتصر المجد على الأول واستغرب عدم معرفة أهل المدينة لها اليوم (أى فى عصر الفيروزأبادى المتوفى سنة ٨١٦ هـ). وكنت أيضاً أستغربه لشهرتها وقربها حتى رأيت كلام ابن سعد فى سرية على رضى الله تعالى عنه إلى بنى سعد بن بكر بفدك. - ١٥٥ - آمنوه: بمَدّ الهمزة وفتح الميم من الإيمان . وَبْر : بفتح الواو وسكون الموحدة وبالراء . عُلَيْم : بضم العين المهملة . أَوْفَى على كذا : أَشرف . الفَدْفَد : بناء ودال مهملة ثم فاء ودال مهملة : المكان الصلب الغليظ المرتفع من الأرض، والأرض المستوية . لَقُوحاً: بفتح اللام وضَمّ القاف المخففة وبالحاء المهملة واحدة اللقاح وهى الحلوب . الحَفِدة : بفتح الحاء المهملة وكسر الفاء وفتح الدال المهملة وتاء التأنيث وهى السريعة السَّيْر . - 10%- الباب الثلاثون فى سرية زيد بن حارثة رضى الله عنهما إلى وادى القُرَى أيضاً فى رمضان سنة ست . قال موسى بن عائذ رحمه الله تعالى : أخبرنى الوليد بن مسلم عن عبد الله بن لهيعة عن أبى الأَسود عن عروة رضى الله عنه قال : ارْتُثَّ زيد بن حارثة من وسط القَتْلَ(١) . وقال محمد بن ◌ُمَر : حدثنا عبد الله بن جعفر عن عبد الله بن حسین بن حسن على بن أبى طالب قال : خرج زيد بن حارثة رضى الله عنهما فى تجارة إلى الشام وأبضع معه جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما كان دون وادى القُرَى ومعه ناس من أصحابه لَفِيه ناس كثيرون من بنى فَزَارة من بنى بدر فضربوه وضربوا أصحابه حتى ظُنُّوا أنهم قد قُتِلوا، وأَخذوا ما معهم. فقَدِمُرا المدينة ونَذَر زيد بن / خارثة أَلا يَمُسّ رَأْسَه ٢٩٤, غُسْل من جَنَابة حتى يغزو بنى فزارة . فلما اسْتَبَلَّ من جِرَاحته بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم فى سَرِيَّة وقال لهم : ( أَكمنوا النهار وسيروا الليل) . فخرج بهم دليل من بنى فزارة وقد نَذِرَتْ بنو بَدْر ، فكانوا يجعلون ناظوراً لهم حين يُصْبِحون فينظر على جبل مُشْرِف وَجْه الطريق الذى يَرَوْنَ أَنهم يُؤْتَوْن منه ، فينظر قَدْر مسيرة يوم ، فيقول أسرحوا فلا بَأْسَ عليكم . فإذا أَمْسَوْا وكان العِشاء أَوْفَى على منظره ذلك فينظر مسيرة ليلة فيقول : ناموا فلا بَأْسَ عليكم هذه [الليلة] . فلما كان زيد بن حارثة وأصحابه على نحو مسيرة ليلة ، أَخْطأً بهم الطريق دَلِيلُهم فأَخذ بهم طريقاً أُخْرَى حتى أَمْسَوْا وهم على خَطَأ فَفَرجُوا خُطَاهٍ(٢)، ثم صَمَدُوا لهم (١) هكذا فى الأصول. ويبدو أن عبارة: ارتث زيد من بين القتلى تسبقها كلمات أغفل النساخ» كتابتها. وهى فى ابن هشام (ج ٤ ص ٢٩٠): ((وغزوة زيد بن حارثة أيضاً وادى القرى الذى لقى به بنى فزارة فأصيببها ناس من أصحابه وارتث زيد من بين القتلى)). وفى شرح المواهب (ج ٢ ص ١٦٣): ((وأما ابن إسحق فقال إن سببهاأن زيداً لما لى بنى فزارة بوادى القرى فى سريته التى قبل هذه وأصيب ناس من أصحابه وارتث زيد من بين القتلى ... الخ)» .. (٢) فى شرح المواهب (ج ٢ ص ١٦٣): فحمدوا خطأهم. - ١٥٧ - فى الليل حتى صَبَّحوهم، فأَحاطوا بالحاضر، ثم كَبِّر وكَبَّر، أصحابه. وخرج سَلَمة ابن الأَكْوَع رضى الله عنه يطلب رجلاً منهم حتى قتله وقد [كان] أَمْعَنَ فى طلبه . وقَتَل قَيْسُ بن المُسَخَّر (١) النعمانَ [وعبيد الله](٢) ابنى مَسْعَدَة بن حكمة بن مالك بن بدر (٣)، وأُسِر عبد الله بن مَسْعَدَة، وأُخِذَتْ جارية(٤) بنت مالك بن حذيفة بن بدر وأُمّها أُمّ قِرْفَة واسمها فاطمة بنت ربيعة بن بدر وكانت عند حذيفة بن بدر ، وهى عجوز كبيرة كانت فى [بيت] شرف من قومها. وكانت العرب تقول: ((لو كُنْتَ أَعَزْ من أُمّ قِرْفَة [مازِدْتَ](٥) لأنها كانت تعلق فى بيتها خمسين سَيْفاً كلهم لها ذو مَحْرَم . وكان لها اثنا عشر ولداً كما فى الزهر (٦)، كُنِّيَتْ بابنها قِرْفَة قتله النبى صلى الله عليه وسلم، وسائِرُ بنيها قُتِلوا مع طُلَيْحَة فى الرِدَّةِ فلا خَيْرَ فيها ولا فى بنيها . فأَمَر زيد بن حارثة بقتل أُم قِرْفَة لِسِّها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقُتِلت قتلاً عنيفاً . قال محمد بن عُمَر، وابن سَعْد : ولما قَدِمِ زيد بن حارثة من وجهه ذلك قَرَع [باب] (٧) النبى صلى الله عليه وسلم فقام إليه عرياناً يَجُرّ ثوبه حتى اعنقه وقَبَّله فأَخبره زيد بما ظَفَّره الله تعالى به . وقَدِمِوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بابنة أَم قِرْفَة وبعبد الله بن مَسْعَدة، (١) فى الإصابة رقم ٧٢٢٤: قيس بن مالك بن المسحر، وقيل بتقديم السين وقيل بإسقاط مالكٍ وبه جزم المرزبانى وغيره من الإخباريين . وقيل ابن مسحل بكسر أوله وسكون ثانيه وفتح الحاء المهملة بعدها لام ، وهو كنانفى لينى ، ذكره ابن اسحق فيمن خرج مع زيد بن حارثة فى سرية أم قرفة الغزارية . انظر أيضاً أسد الغابة ( ج ٤ ص ٢٢٦ : ٢٢٧). (٢) زيادة من طبقات ابن سعد (ج ٣ ص ١٣٤). (٣) فى ابن هشام (جـ ٤ ص ٢٩١) أن قيس بن المسحر قتل أيضاً مسعدة بن حكمة بن مالك بن حذيفة بن بدر. (٤) فى شرح المواهب (ج ٢ ص ١٦٣): ظاهره أنه اسمها ( أى جارية) وتبعه الشامى ولعلهما اطلعا على أنه اسمها. فلاينافى قول البرهان : هذه البنت لا أعرف اسمها . (٥) زيادة من ابن هشام (ج ٤ ص ٢٩١) لتكملة المثل، وفى شرح المواهب: فاطمة بنت ربيعة بن بدر الغزارية التى جرى فيها المثل أمنع من أم قرفة . (٦) يشير المؤلف هنا إلى كتاب الزهر الباسم فى سيرة أبى القاسم بقلم أبى عبد الله مغلطاى بن قليج المتوفى سنة ٧٦٢ ه. وقد اختصره فى كتاب أسماء : الإشارة إلى سيرة النبي المصطفى وآثار من بعده من الخلفاء، نشر فى القاهرة فى سنة ١٣٢٦ هـ بعنوان سيرة مغلطاى فى سنة ١١٩ صحيفة من القطع الصغير تستغرق السيرة النبوية منها ٩٤ صحيفة وحبذا لو على المجلس الأعلى الشئون الإسلامية بنشر الزهر الباسم . (٧) زيادة من طبقات ابن سعد (ج ٣ ص ١٣٤). - ١٥٨ - فذُكِر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم وذُكِرٍ له جمالها فقال: ((يا سَلّمة هَبْ لى المرأة لله أبوك) . فقال: يارسول الله جارية / رَجَوْتُ أَن أَفتدى بها امرأةً مِنَّا فى بنى فزارة. ٣٩٤ هـ فأَعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم الكلام مرتين أو ثلاثاً حتى عرف سَلَمة أنه يريدها فوهبها له ، فوهبها النبى صلى الله عليه وسلم لخاله حَزْن بن أُبی وَهْب بن عَمْرو بن عائذ بن [ عِمْرَان](١) بن مخزوم ، فولدت له [عبد الرحمن بن حَزْن ] (٢) تنبتَيُّهَاتُ الأول : ذكر ابن إسحاق ، ومحمد بن عُمَر ، وابن سَعْد ، وابن عائذ هذه السرية وأَن أَميرها زيد بن حارثة رضى الله عنهما وتقدم فى سرية أبى بكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بها (٣) إلى مكة فَفَدَى بها أَسْرَى كانوا فى أيدى المشركين ولم أَرَ من تَعَرضَّ لتحرير (٤) ذلك . الثانى : فى بيان غريب ما سبق : ابن عايد : بالتحتية والذال المعجمة . الوليد بن مسلم : أحد الأعلام ، عالِمٍ أهل الشام (٥). ابن لهيعة (٦) : عالم مصر وقاضيها . (١) زيادة من أسد الغابة (ج ٢ ص ٣) والإصابة رقم ١٦٩٦ وهو جد سعيد بن المسيب. ولم يذكر ابن الأثير ولا ابن حجر أنه كان خالا للنبى صلى الله عليه وسلم. وذكر ابن الأثير أنه كان من المهاجرين وقد أنكر الزبير بن مصعب هجرته . وفى الإصابة أن حزن أسلم يوم الفتح وشهد اليمامة . (٢) زيادة من ابن هشام (= ٤ ص ٢٩١). وفى عيون الأثر (ج ٢ ص ١١٠)، وعند مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فدى بابنة أم قرفة أسيراً كان فى قريش من المسلمين وهو مخالف لما حكيناه عن ابن إسحق من أنها صارت لخزن بن أبى وهب . (٣) بعث بها أى بابنة أم قرفة . (٤) فى الأصول : لتجريد ذلك والصواب لتحرير ذلك. (٥) هو أبو العباس الوليد بن مسلم الدمشقى مولى بنى أمية توفى سنة ١٩٥ ه. ترجم له الذهبى فى ميزان الاعتدال ( ج ٤ ص ٣٤٧ - ٣٤٨). (٦) هو أبو عبدالرحمن عبد الله بن لهيعة الحضرمى قاضى مصر وعالمها ومحدثها فى عصره ذكره الكندى فى كتابه الولاة والقضاة ( ص ٣٦٨: ٣٧٠) ولاء أبو جعفر المنصور قضاء مصر سنة ١٥٥ إلى سنة ١٦٤ هـوترجم له النووى فى تهذيب الأسماء واللغات رقم ٣٢٨ توفى سنة ١٧٤ هـ. - ١٥٩ - أبو الأَسْوَد (١): اسمه محمد بن عبد الرحمن بن نوفل . وَرْد (٢) : بلفظ الرَّيْحان المشموم. مِرْدَاس : بكسر الميم وسكون الراء وبالسين المهملة نَسَبُ وَرْد إلى جَدِّه وهو وَرْد ابن عَمْرو بن مرداس أحد بنى سعد بن هُذَيْم ، ذكره أبو جعفر بن جرير الطبرى فيمن استُشْهِد مع زيد بن حارثة فى بعض سراياه إلى وادى القُرَى . أَرُتُثَّ: بضم أوله وسكون الراء وضم الفوقية وبالثاء المثلثة، أَى حُمِل من المعركة رثيئاً أَى جريحاً وبه رَمَقْ . وَسَط : بسكون السين المهملة وفتحها . أَبْضَع معه: [من أَبضع الشىء جعله بضاعة](٣). دُونَ : وادى القُرَى بالقُرْب منه. فَزَارة : بفتح الفاء وبالزاى وبعد الأَّلف تاء تأنيث . بَدْر : بفتح الموحدة وسكون الدال المهملة وبالراء . نَذَر: أَلايَمَسْ رَأْسَه غُسْل من جَنَابة إلخ. أَى لا يأُنى امرأته فكنى بالغُسْل عن ذلك. إِسْتَبَلَّ : بكسر أوله وسكون السين المهملة وفتح الفوقية والموحدة واللام المشددة ، يقال بَلَّ من مَرَضِه يَبِلُّ بالكسر بَلَّ وَبَلَلاً وبُلُولاً أَى صَحَّ منه وكذلك أَبَلَّ واسْتَبَلَّ. نَذِرَتْ: بفتح النون وكسر الذال المعجمة وفتح الراء : عَلِمَتْ. الناظور : بظاء معجمة مُشَالَة . (١) هو محمد بن عبد الرحمن بن نوفل أبو الأسود المدنى، روى عن على بن الحسين وسليمان بن يسار وعنه شعبة وحيوة بن شريح ، وثقه النسائى وقال الواقدى مات فى آخر سلطان بنى أمية . أنظر خلاصة الخزرجى ص ٢٨٧. (٢) لم يرد إسم ورد فى قصة هذه السرية التى أوردها المؤلف. وفى ابن هشام (=٤ ص ٢٩٠: ٢٩١: وفيها أصيب ورد بن عمرو بن مداش (صوابه خداش ) وكان أحد بنى سعد بن هذيم. وفى عيون الأثر ( ج ٢ ص ١١٠): وفى الأصل : ورد بن عمرو ابن مرداس وكأنه تصحيف ولكن ابن حجر في الإصابة رقم ٩١٢٢ ذكره على أنه ورد ابن عمر بن مرداس أحد بنى سعد بن هذيم وأضاف أن الطبرى ذكره فيمن قتل مع زين بن حارثة فى بعض سراياه إلى وادي القرى . (٣) بياض بالأصول والتكملة من القاموس المحيط. - ١٦٠ -