النص المفهرس

صفحات 641-660

(((قد غفر الله لك يا أَبا ذَرّ بكل خطوة ذنبا إلى أن بلغتنى)) ووضع متاعه عن ظهره ،
ثم استقى فأتى بإناءٍ من ماءٍ فشربه .
*
قصة أبى خيثمة - رضى الله عنه
روى الطبرانى عن أبى خيثمة - رضى الله عنه - وابن إسحاق ، ومحمد بن عمر
عن شيوخهما قالوا : لما سار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أَيَّاما دخل أبو خيثمة على
أهله فى يوم حار، فوجد امرأتين له فى عريشين لهما فى حائطه ، وقد رشت كل منهما
عريشها وبَرَّدَت له فيه ماءً، وهيأَت له فيه طعاما ، فلما دخل قام على باب العريش
فنظر إلى امرأتيه وما صنعتا له فقال : سبحان الله ! رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد
غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فى الضِّحِّ والريح والحر، يحمل سلاحه على عنقه
وأبو خيثمة فى ظل بارد وطعام مهيأ ، وامرأة حسنة، فى ماله مقيم ؟ !! ماهذا بالنَّصَف!
ثم قال : والله لا أَدخُلُ عريشَ واحدةٍ منكما حتى ألحق برسول الله - صلى الله عليه
وسلم - فَهَيِّئًا لى زاداً، فَفَعَلَنَا، ثم قَدَّم نَاضِحَه فَارْتحَلَه ، ثم خرج فى طلب رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - / حتى أدركه حين نزل تَبُوك، وقد كان أَدرك أَبا خيثمة ٣٣٢ب
عُمَيْرُ بن وهب الجُمَحى فى الطَّريقِ يَطْلُبُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فَتَرَافَقًا
حَتَّى إِذا دَذَوا من تَبُوك قال أَبو خَيْثَمَةِ لُعُمَيْر بن وَهْب : إِنَّ لى ذنبا فلا عليك أن
تَخَلَّفَ عنى حتى آتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ففعل ، حتى إذا دنا من رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - قال الناسُ: هذا راكب [على الطريق](١) مُقْبِلٌ، فقال
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ((كُنْ أَبَا خَيْئَمة)) فقال رجلٌ: هو والله يا رسول الله
أَبو خَيْئمة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((أَوْلى لَكَ يا أَبا خَيْثَمَة)» ثم
أخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الخبر ، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم:
خيرا ، ودعا له بخير ، قال ابن هشام : وقال أبو خيثمة فى ذلك :
لمَّا رَأَيْتُ النَّاسَ فى الدين نَافَقُوا أَتَيْتُ التى كَانَتْ أَعَقَّ وَأَكْرَمَا (٢)
وبَايَعْتُ بالْيُمْنَى يَدِى لمحمدٍ فَلَمْ أَكْتَسِب إِثْمَا وَلَمْ أَغْشَى مَحْرَمَا
(١) إضافة عن البداية والنهاية لابن كثير ٥ : ٨.
(٢) وانظر القصيدة فى سيرة النبى لابن هشام ٢: ٣١٨ ط الجمالية سنة ١٩١٤، والبداية والنهاية لابن كثير ٥ : ٨.
(٤١ - سبل الهدى والرشاد جـ ٥ )
- ٦٤١ -

- تركتُ خَضِيبا فى العريش وصِرمَةً صَفَا يَا كِرَامما بُسْرُهَا قد تَحَمّما
وكنتُ إِذَا شَكَّ المنافقُ أَسْمَحَتْ إِلى الدِّينِ نَفْسِى شَطْرُهُ حيثُ يَمْمَا
٠٠٠
ذكر أخباره - صلى الله عليه وسلم - بما قاله جماعة من المنافقين
الذين خرجوا معه
قال محمد بن إسحاق ، ومحمد بن عمر - رحمهم الله تعالى - كان رهط من المنافقين
يسيرون مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يخرجوا إلا رجاء الغنيمة: وَدِيعَة بن ثابت
أخو بنی عمرو بن عوف .
والجُلاَس بن سويد بن الصامت .
ومُخَشِّنُ(١) بالنون - قال أَبو عمرو وابن هشام مَخْشِى بالتحنية(٢) _ ابن حُمُيِّر
من أشجع ، حليف لبنى سلمة ، زاد محمد بن عمر : وثعلبة بن حاطب .
فقال بعضهم لبعض ، عند محمد بن عمر : فقال ثعلبة بن حاطب : أَتحسبون
جلاد بنى الأصفر كجلاد العرب بعضهم بعضا ، لكأَنى بكم غدا مقرنين فى الحبال ؛
إِرْجافا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإرهابا (٣) للمؤمنين .
وقال الجُلاَس بن عمرو، وكان زوج أَم عُمَيْر ، وكان ابنها عُمَيرٌ يتيما فى حِجْرِه :
والله لئن كان محمد صادقا لنحن شَرٌّ من الحمير ، فقال عُمَيْر : فأَنت شرٌّ من الحمير ،
ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - صادق وأنت الكاذب، فقال مُخَشِّنُ بن حُمَيِّر: والله
لَودِدْتُ أَن أُقَاضِىَ على أَن يُضْرَب كُلُّ رجل مِنّا مائة جلدة، وإننا نَنْفَلِت أن ينزل
فينا قرآن لمقالتكم هذه !!
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعمّار بن ياسر ((أَدرك القوم فإنهم قد
٣٣٣ أ أحترقوا، فاسألهم عما قالوا، فإن أنكروا فقل بَلى قلتم كذا / وكذا)) فانطلق عَمّار
(١) مخشن: بالنون كذا هنا. وسيرد فى شرح الغريب ص ٦٩٨ ((بفتح الميم وسكون الخاء وكسر الشين المعجمة
بعدها ياء كياء النسب)) وفى المغازى للواقدى ٣: ١٠٠٣ ((محشن بن حمير من أشجع حليف لبنى سلمة)).
(٢) فى سيرة النبى لابن هشام ٢: ٣١٩ ط الجمالية ((ومنهم رجل حليف لبنى سلمة يقال له مخشن بن حمير - قال
ابن هشام : ويقال محشى)) .
(٣) كذا فى ت، وفى بقية النسخ ((ترهيباً)) وتوافقها السيرة الحلبية ٣: ١٤٩ وسيرة النبى لابن هشام ٣: ١٣٨
والمغازى للواقدى ٣ : ١٠٠٣.
- ٦٤٢ -

إليهم فقال لهم ذلك ، فأُتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعتذرون إليه ، فقال وديعة
ابن ثابت ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ناقته وقد أُخذ وديعة بن ثابت بِحَقَبِهَا
ورجلاه تسفيان الحجارة وهو يقول : يارسول الله إنما كنا نخوض ونلعب، فأنزل الله
تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَتَلْعَبُ قُلْ أَبِلِهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ
تَسْتَهْزِئون* لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ... إلخ)(١) وحلف الجُلاَس ما قال من
ذلك شيئا، فأنزل الله سبحانه وتعالى: ﴿يَحْلِفُون بِالهِ ما قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةٍ
الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لِم يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللهِ وَرَسُولُهُ
مِنْ فَضْلِهِ﴾(٢).
وقال مُخَشْنٌ: يارسول الله، قعد بى اسمى واسم أَبى، فَسَّه رسول الله الله - صلى الله
عليه وسلم - عبد الرحمن أَو عبد الله، وكان الذى عُفِىَ عنه فى هذه الآية، وسأَل الله
تعالى أَن يُقْتَل شَهيداً ولا يُعلم بمكانه، فقتل يوم اليمامة، ولم يعرف(٣) له أثر.
** *
ذكر نزوله - صلى الله عليه وسلم - بذى المروة، وما وقع فى ذلك من الآيات
روى الطبرانى عن عبد الله بن سلام - رضى الله عنه - : أن رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - لما مرّ بالخليجة(٤) فى سفره إلى تبوك قال له أصحابه : المبرك يارسول الله
الظل والماء - وكان فيها دَوْمُ وماء، فقال ((إِنها أَرض زَرْعِ نَفرِ ، دعوها فإنها مأمورةٌ
- يعنى ناقته - فأقبلت حتى بركت تحت الدومة التى كانت فى مسجد ذى المروة .
(١) سورة التوبة الآيتان ٥ ٦ ، ٦٦.
(٢) سورة التوبة آية ٧٤ .
(٣) فى ت ٢: ٥٧٥ ((فلم يوجد له أثر)) وكذلك فى سيرة النبى لابن هشام ٢: ٣١٩ ط الجمالية. والمغازى الواقدى
٣ : ٠١٠٠٥
(٤) الخليجة : كذا فى الأصول ووردت كذلك فى شرح الغريب ولكن المصنف لم يعرف بها . ولم أعثر عليها بهذا
الرسم فى المراجع الميسرة. وفى وفاء الوفا ٤: ١٢٠٤ (الخليقة منزل على اثنى عشر ميلا من المدينة بينها وبين ديار سليم))
وفى ٣ : ١٠٢٩ فى مساجد تبوك تحدث السمهودى عن مسجد ذى الخليقة وقال لم أرمن جمعه إلا المجد وقال إنه بكسر الخاء
المعجمة وقيل بفتحها وقيل بجيم مكسورة وقيل بحاء مهملة مفتوحة واقتصر فى أسماء البقاع على كسر الجيم. وقال فى ٣ : ١٠٣١
عن مسجد ذى المروة ((قال المطرى وهو على ثمانية برد من المدينة: وكان بها عيون ومزارع وبساتين)) وقال فى نفس الصفحة
((مسجد ذى خشب على مرحلة من المدينة، ولفظ رواية ابن زبالة: أن النبى صلى الله عليه وسلم صلى تحت الدومة التى فى حائط
عبد الله بن مروان بذى خشب وفى سنن أبى داود أن النبى صلى الله عليه وسلم نزل فى موضع المسجد تحت دومة فأقام ثلاثا ثم خرج
إلى تبوك)) .
- ٦٤٣ -

ذكر مروره - صلى الله عليه وسلم - بوادى القرى
قال أبو حميد الساعدى - رضى الله عنه - :خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
عام تبوك حتى جئنا وادى القُرَى ، فإِذا امرأة فى حديقة لها ، فقال رسول الله - صلى
اللّه عليه وسلم - لأصحابه أَخْرُصُوا)) فَخَرَصَ القَوْمُ وخَرَص رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - عشرة أَوْسُق، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للمرأة ((احْفظى ما يخرج
منها حتى أرجع إليك إن شاءَ الله تعالى)) ولما أَقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من
غزوة تبوك إلى وادى القُرَى قال للمرأة ((كم جاءَت حديقتك؟)) قالت: عشرة أَوْسُقْ))
خَرْصَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رواه ابن أبى شيبة، والإِمام أحمد ، ومسلم .
قال محمد بن عمر: ولما نزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وادى القرى أهدى
٣٣٣ب له بنو عَريض اليهودى هَرِيسةً (١) فأَكلها وأَطعمهم أربعين / وَسْقا، فهى جارية عليهم
٥٧٦ت إلى يوم القيامة / قال محمد بن عمر : فهى جارية عليهم إلى الساعة .
***
ذكر نزوله - صلى الله عليه وسلم - بالحجر، وما وقع فى ذلك من الآيات
روى الإِمام مالك ، وأحمد ، والشيخان عن عبد الله بن عمر ، والإِمام أحمد عن جابر
ابن عبد الله ، والإِمام أحمد بسند حسن عن أبى كبشة الأَنمارى ، وابن إسحاق عن رواية
ابن يونس عن الزهرى ، والإِمام أحمد عن أبى حميد الساعدى رضى الله عنهم : أَن رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - لما مرّ بالحِجْر تقنع بردائه وهو على الرحل ، فاتضع راحلته
حتى خَلَّف أَبيات ثمود ، ولما نزل هناك سارع النّاسُ إِلى أَهل الحِجْر يدخلون عليهم،
واستقى الناس من الآبار التى كانت تشرب منها ثمود ، فعجنوا ونصبوا القُدُور باللحم ،
فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنودى فى الناس : الصلاة جامعة ، فلما
اجتمعوا قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ((لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم
إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم ما أصابهم ، ولا تشربوا من مائها ولا تتوضئوا منه
للصلاة ، واعلفوا العجين الإِبل)) ثم ارتحل بهم حتى نزل على العين التى كانت تشرب
(١) الهريسة: سميت بذلك لأن البر الذى هى منه يدق ثم يطبخ (اللسان) وفى المنجد : الهريسة طعام يعمل من الحب
المدقوق والحجم .
- ٦٤٤-

منها الناقة، وقال: ((لا تسألوا الآيات. فقد سأَّما قومُ صالح؛ سأَلُوا نبّيْهم أَن تُبْعث
آية ، فبعث الله تبارك وتعالى لهم الناقة ، فكانت تَرِدُ هذا الفجّ وتصدر من هذا الفج ،
فَعَتَوْا عن أَمر ربهم فعقروها ، وكانت تشرب مياههم يوما ، ويشربون لبنها يوماً ، فعقروها
فأخذتهم صيحة أَهْمَدَ الله تعالى مَنْ تحت أديم السماءِ منهم إلا رجلا واحداً كان فى
حرم الله تعالى، قيل: مَنْ هُوَ يا رسول الله؟ قال ((أبو رِغال)) فلما خرج من الحرم
أصابه ما أصاب قومه، ما تدخلون على قوم غضب الله عليهم)) فناداه رجل منهم : تعجب
منهم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((ألا أنبئكم بأَعجب من ذلك ؟ رجل
من أنفسكم فينبئكم بما كان قبلكم وما هو كائن بعدكم فاستقيموا وسددوا ؛ فإن الله تعالى
لا يعبأ بعذابكم شيئا ، وسيأتى الله بقوم لا يدفعون عن أنفسهم بشىء، وإنها ستهب
عليكم الليلة ريح شديدة فلا يقومن أَحد ، ومن كان له بعير فليوثق عقاله ، ولا يخرجن
أحد منكم إلا ومعه صاحب له؛ [(١) ففعل الناس ما أمرهم به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
إلا رجلين من بنى ساعدة ، خرج أحدهما لحاجته والآخر فى طلب بعيره ، فأَما الذى خرج
لحاجته فإنه خنق على مذهبه - أى موضعه - وأما الذى خرج فى طلب بعيره فاحتملته
الريح حتى طرحته بجبلى طىء اللذين يقال لأحدهما أجا ويقال للآخر سلمى ، فأخبر
بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : ألم أنهكم عن أن يخرج منكم أحد
إلا ومعه صاحبه](١) ثم دعا للذى أُصيب على مذهبه فشفى، وأما الآخر فإن طيئا أهدته لرسول
الله - صلى الله عليه وسلم - حين رجع إلى المدينة .
*
ذكر استسقائه - صلى الله عليه وسلم - ربه حين شكوا اليه العطش ،
وما وقع فى ذلك من الآيات
روى البيهقى عن عبد الله بن محمد بن عَقِيل بن أبى طالب / رحمه الله تعالى - ١٣٣٤
قال : خرج المسلمون إلى تَبُوك فى حر شديد فأصابهم يوم عطش حتى جعلوا ينحرون
إبلهم ليعصروا أكراشها ويشربوا ماءها ، فكان ذلك عُسْرة فى الماء ، وعْسْرة فى النفقة ،
وعُسْرة فى الظهر ، وروى الإمام أحمد وابن خزيمة ، وابن حبان ، والحاكم عن عمر
(١ - ١) ما بين الرقين سقط فى الأصول، والمثبت عن شرح المواهب الزرقانى ٣: ٧٣، والبداية والنهاية لابن كثير
٥ : ١١، وتاريخ الخميس ٢ : ١٢٦.
- ٦٤٥ -

ابن الخطاب رضى الله عنه ، وابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة قال عمر : خرجنا
إلى تبوك فى يوم قيظ شديد ، فنزلنا منزلا وأصابَنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا
٥٧٧ت ستنقطع حتى أن كان الرجل يذهب يلتمس الرجل فلايرجع / حتى يظن أن رقبته ستقطع
حتى أَن كان الرجل لينحر بعيره فيعصر فَرْتَه فيشربه ويجعل ما بقى على كبده ، فقال
أبو بكر : يا رسول الله، إن الله عزّ وجل قد عوّدك فى الدعاء خيرا ، فادع الله تعالى لنا ،
قال ((أَتحب ذلك؟)) قال نعم فرفع يديه نحو السماء فلم يرجعهما حتى قالت السماء
فَأَظلت ثم سكبت ، فملئوا ما معهم ، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر ،
وروى ابن أبى حاتم عن أَبن حَرْزَة - رحمه الله تعالى - قال: نزلت هذه الآية فى رجل
من الأنصار فى غزوة تبوك .
ونزلوا الحجر فأَمرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم : أَن لا يحملوا من مائها شيئا
ثم ارتحل ، ثم نزل منزلا آخر وليس معهم ماء ، فشكوا ذلك إلى رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - فقام فصلى ركعتين، ثم دعا فأَرسل الله سبحانه وتعالى سحابةٌ فأمطرت
عليهم حتى استقوا منها ، فقال رجل من الأنصار لآخر من قومه يُتَّهَم بالنفاق : ويحك
قد ترى مادعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأَمطر الله علينا السماءَ ، فقال: إنما
أمطرنا بنوء كذا وكذا، فأنزل الله تعالى: (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُون)(١) ذكر
ابن إسحاق أن هذه القصة كانت بالحِجْر ، وروى عن محمود بن لبيد عن رجال من
قومه قال : كان رجل من المنافقين(٢) معروفٌ نفاقه يسير مع رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - حيثما سار ، فلما كان من أمر الحِجْر ما كان ، ودعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
حين دعا فأَرسل الله تعالى السحابة فأَمطرت حتى أرتوى الناس ، قالوا أقبلنا عليه نقول
ويحك ، هل بعد هذا شىء ؟ قال : سحابة مارة .
***
ذكر إضلال ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما وقع فى ذلك
من الآيات
٣٣٤ب / قال محمد بن إسحاق ، ومحمد بن عمر - رحمهم الله تعالی : ثم إِن رسول الله - صلی
الله عليه وسلم - سار حتى إذا كان ببعض الطريق متوجها إلى تبوك فأَصبح فى منزل
(١) سورة الواقعة آية ٨٢ .
(٢) فى المغازى الواقدى ٣: ١٠٠٩ ((هو أوس بن قيظى، ويقال زيد بن الصيت)).
- ٦٤٦ -
١
٠

فضَلَّت ناقةُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - قال محمد بن عمر : هى القصواء -
فخرج أصحابه فى طلبها وعند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمارة بن حزم ، وكان
عقبيا بدريا ، قتل يوم اليمامة شهيدا ، وكان فى رحله زيد بن اللُّصَيْت ، أَحد بنى
قينقاع ، كان يهوديا فأُسلم فنافق، وكان فيه خبث اليهود وغشهم ، وكان مظاهراً لأَهل
النفاق ، فقال زيد وهو فى رحل عُمَارة بن حزم ، وعُمارة عند رسول الله - صلى الله عليه
وسلم : محمد يزعم أنه نبي وهو يخبركم عن خبر السماء وهو لا يدرى أين ناقته !!
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم وعمارة عنده: ((إن منافقا قال: هذا محمد يزعم
أنه نبي ويخبركم بأمر السماء ولا يدرى أين ناقته، وإنى والله لا أعلم إلا ما علمنى الله
تعالى ، وقد دلنى الله عز وجل عليها ، وهى فى الوادى فى شعب كذا وكذا - لشعب أَشار
لهم إليه- حبستها شجرة بزِمَامِها، فَانْطَلِقُوا حتى تأتونى بها)) فذهبوا فجائُوا بها . قال
محمد بن عمر - رحمه الله تعالى - الذى جاء بها الحارث بن خزيمة الأشهلى(١)، فرجع عُمَارة
إلى رحله فقال: والله، العجب لِشَىْءٍ حَدّثَناه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آنفا عن
مقالة قائل أخبره الله / تعالى عنه ، قال كذا وكذا للذى قال زيد ، فقال رجل ممن كان فى ٥٧٨
رحل عمارة - قال محمد بن عمر : وهو عمرو بن حزم أَخو عمارة - ولم يحضر رسول
الله - صلى الله عليه وسلم :. زيدٌ - والله - قائل هذه المقالة، قبل أَنْ تطلع علينا. فأَقْبل
عُمَارة على زيد يجأ فى عنقه، ويقول: يا عباد الله، إن فى رحلى لَدَاهِيَةٌ وما أشعر،
أخرج يا عدو الله من رحلى فلا تصحبنى . قال ابن إسحاق : زعم بعض الناس أن زيداً
تاب بعد ذلك ، وقال بعض الناس : لم يزل متهما بشرٌ حتى هلك .
* *
*
ذكر اقتدائه - صلى الله عليه وسلم - بعبد الرحمن بن عوف فى صلاة الصبح
روى ابن سعد بسند صحيح عن المغيرة بن شعبة - رضى الله عنه - قال: لما كنا
فيما بين الحِجْر وتبوك ذهب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لحاجته وكان إذا ذهب
أبعد ، وتبعته بماء بعد الفجر)) وفى رواية قبل الفجر)) فأسفر الناس بصلاتهم ، وهى
صلاة الفجر حتى خافوا الشمس ، فقدموا عبد الرحمن بن عوف - رضى الله عنه - فصلى
بهم فحملت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إداوة فيها ماء، وعليه جبة رومية/ ٣٣٥ ١
(١) فى المغازى الواقدى ٣: ١٠١٠ ((الحارث بن خزمة الأشهلى)).
- ٠٦٤٧ -

من صوف ، فلما فرغ صببت عليه فغسل وجهه ، ثم أراد أن يغسل ذراعيه فضاق كم
الجبة فأخرج يديه من تحت الجبة فغسلهما ، فأُهويت لأنزع خفيه، فقال: ((دعهما
فإننى أُدخلتهما طاهرتين)) فمسح عليهما، فانتهينا إلى عبد الرحمن بن عوف ، وقد
ركع ركعة ، فسبّح الناس لعبد الرحمن بن عوف حين رأوا رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - حتى كادوا يُفْتَنُون ، فجعل عبد الرحمن يريد أن ينكص وراءه ، فأَشار إليه
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أَن أَثْبتْ، فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خلف
عبد الرحمن بن عوف ركعة ، فلما سلم عبد الرحمن تواثب الناس ، وقام رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - يقضى الركعة [ الباقية](١) ثم سلم بعد فراغه منها ، ثم قال :
((أحسنتم، أَو - قد أصبتم - فغبطهم أَن صلوا الصلاة لوقتها - إنه لم يُتَوَفَّ نبِىُّ حتى
يؤمَّه رجل صالح من أُمته)) ورواه مسلم بنحوه .
ذكر حكومته - صلى الله عليه وسلم - فى رجل عض آخر فانتزع ثنيته
عن يَعْلى بن أُميّة - رضى الله عنه - أُتِىَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأجير
له نازَعَ رجلا من العسكر فعضه ذلك الرجل فانتزع الأَجير يده من فم العاض فانتزع
ثنيته . فلزمه العاضُّ فبلغ به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقمت مع أجيرى لأَنظر
ما يصنع ، فأَتَّى بهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال أبعمد أحدكم فَيَعَضُّ أَخاه
كما يَعَضُّ الفحل)) فأَبطل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما أصاب من ثنيته ، وقال
((أَفَيَدَعُ يَدَه فى فيك تقضمها كأَّها فى فم فحل يقضمها ؟)) رواه البخارى وغيره .
ذكر اردافه - صلى الله عليه وسلم - سهيل بن بيضاء
عن سهيل بن بيضاء - رضى الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أردفه
على رَحْله فى غزوة تبوك، قال سهيل ورفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صوته ((ياسهيل))
كل ذلك يقول سهيل : يا لبيك يارسول الله - ثلاث مرات - حتى عرف الناس أن رسول
٥٧٩ت الله - صلى الله عليه وسلم - يريدهم فانثنى عليه مَن أَمامه ولحقه مَنْ خَلْفَه مِنَ / الناس،
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((من يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له
حرمّه الله على النار)) رواه الإمام أحمد والطبرانى ومحمد بن عمر .
(١) الإضافة عن المغازى الواقدى ٣: ١٠١٢.
- ٦٤٨ -

ما ذكر أن حية عظيمة عارضت الناس فى مسيرهم ان صح الخبر
ذكر محمد بن عمر ، وأقرّه أبو نعيم فى الدلائل ، وابن كثير فى البداية ، وشيخنا
فى الخصائص الكبرى قال : عارض الناس فى مسيرهم حَيّةٌ - ذُكِرٍ مِنْ عظمها وخَلْقِها / ٣٣٥ب
فانصاع الناس عنها ، فأقبلت حتى واقفت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو على
راحلته طويلا والناس ينظرون إليها ، ثم التوت حتى اعتذلت الطريق ، فقامت قائمة
[ فأُقبل الناس](١) حتى لحقوا برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: ((هل تَدْرُون
مَنْ هذا؟)) قالوا : الله ورسوله أعلم. قال هذا أَحد الرهط الثانية من الجن الذين وفدوا
إلى يستمعون القرآن، فرأى عليه من الحق - حين أَلَمّ به رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - أن يسلم عليه، وها هو يقرئكم السلام، فَسَلِّمُوا عليه)) فقال الناس جميعاً:
وعليه السلام ورحمة الله وبر كاته .
ذكر نزوله - صلى الله عليه وسلم - بتبوك وما وقع فى ذلك من الآيات
روى الإمام مالك، وابن إسحاق، ومسلم عن مُعَاذ بن جبل والإِمام أحمد برجال .
الصحيح عن حذيفة - رضى الله عنهما - قال معاذ : إنه خرج مع رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - عام تبوك قال : فكان يجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء ،
قال : فأَخر الصلاة يوما ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعا ، ثم دخل ثم خرج فصلى
المغرب والعشاءَ جميعا، ثم قال: ((انكم ستأتون غدا إن شاء الله تعالى - عين تَبُوكِ ،
وإنكم لن تأتوها حتى يضحى النهار ، فمن جاءها فلا يمسّ من مائها شيئا حتى آتَى ))
وفى حديث حذيفة (( بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أَن فى الماء قِلَّة، فأَمر مناديا
ينادى فى الناس أن لا يسبقنى إلى الماء أحد))، قال فجئناها وقد سبق إليها رجلان، والعين
مثل الشراك تَبِضّ بشىء من مائها، فسأَّهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ((هل
مَسَسْتُمَا من مائها شيئا)) قالا: نعم. فسبّهما وقال لهما (( ما شاءَ الله أَن يقول ، ثم غرفوا
من العين قليلا قليلا حتى اجتمع فى شَنٍّ ، ثم غسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيه
وجهه ويديه ومضمض ثم أعاده فيها ، فجرت العين بماء كثير . ولفظ ابن إسحاق
(١) الإضافة عن المغازى الواقدى ٣: ١٠١٥.
- ٦٤٩ -

فانخرق الماء حتى كان يقول من سمعه: إنّ له حِسًّا كحس الصواعق. وذلك الماء فوارة
تبوك. انتهى، فاستسقى الناس، ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ((يا معاذ يوشك
إِن طالت بك حياة أَن ترى ما هاهنا مُلِّ جنانا)).
وروى البيهقى وأبو نعيم عن عروة أن النبى - صلى الله عليه وسلم - حين نزل تبوك -
وكان فى زمان قلّ ماؤها فيه، فاغترف غرفة بيده من ماء فمضمض بها فاه ثم بصقه
فيهٍ ففارت عينها حتى امتلأَّت . فهى كذلك حتى الساعة .
وروى الخطيب فى كتاب الرواة عن الإمام مالك عن جابر - رضى الله عنه - قال :
٣٣٦ أ انتهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى تبوك وعينها تبضْ / بماء يسير مثل الشراك
فشکونا العطش ، فأمرهم فجعلوا فيها مادفعها إليهم فجاشت بالماء ، فقال رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - لِمُعَاذ: ((يُوشِكُ يَا مُعَاذ إِنْ طالَتْ بِكَ حَيَاةٌ أَنْ تَرَى مَا هَاهُنَا قَدْ مُلِىءَ
جنانا )).
ذكر نومه - صلى الله عليه وسلم - حتى طلعت الشمس
قبل وصوله الى تبوك
روى البيهقى عن عقبة بن عامر - رضى الله عنه - قال : خرجت مع رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - فى غزوة تبوك ، فلما كان منها على ليلة استرقد رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - فلم يستيقظ حتى كانت الشمس قيد رُمْح ((قال أَلم أَقُلْ لك يَا بِلالُ
اكْلاً لَنا الْفَجْرَ )) فقال : يارسول الله ذهب بى النومُ ، وذهب بى مثل الذى ذهب بك ،
قال : فانتقل رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - من منزله غير بعيد ، ثم صلى ، وسار
مسرعا بقية يومه وليلته فأَصبح بِتَبُوك.
*
ذكر نزوله - صلى الله عليه وسلم - تبوك واتخاذه مسجدا
قال شيوخ محمد بن عمر : لما انتهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى تبوك
وضع حجرا قبلة مسجد تبوك وأوماً بيده إلى الحجر وما يليه ثم صلى بالناس الظهر ،
ثم أقبل عليهم فقال: (( ما هاهنا شام، وما هاهنا يمن)).
وروى الإمام أحمد : خطب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام تبوك وهو مسند
ظهره إلى نخلة فقال :
- ٦٥٠ _
:

((ألا أخبركم بخير الناس وشر الناس، إن من خير الناس رجلا يحمل فى سبيل
الله على ظهر فرسه أَو على ظهر بعيره أَو على قدميه حتى يأتيه الموت . وإن من شر الناس
رجلا فاجراً [ جريئا ](١) يقرأ كتاب الله لا يرعوى إلى شىء منه)).
وروى البيهقى عن عقبة بن عامر - رضى الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه
وسلم لما أصبح بتبوك حمد الله تعالى وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: ((أيها الناس
أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأوثق العُرَى كلمة التقوى ، وخير الملل
ملة إبراهيم ، وخير السنن سنة محمد ، وأشرف الحديث ذكر الله ، وأحسن القصص (٢)
القرآن، هذا وخير الأُمور عوازمها، وشر الأمور محدثاتها، وأحسن الهدى هدى الأنبياء ،
وأشرف الموت(٣) قتل الشهداء، وأعمى العمى الضلالة / بعد الهدى، وخير الأعمال ما نفع(٤) ٣٣٦ب
وشر العمى عمى القلب، واليد العليا خير من اليد السفلى، وما قلّ وكفى خير مما كثُر
وأَلْهَى، وشرُّ المعذرة حين يَحْضُر الموت، وشر النَّدامة يوم القيامة ، ومن الناس من
لا يأتى الجمعة إلا دُبرا، ومنهم من لا يذكر الله إلا هُجْراً، ومن أَعظم الخطايا اللسان
الكذاب ، وخير الغنى غنى النفس ، وخير الزاد التقوى ، ورأس الحكمة مخافة الله عز
وجل ، وخير ما وَقَرَ فى القلوب اليقين ، والارتياب من الكفر ، والنِّياحة من أعمال
الجاهلية ، والغلول من جُثَى(٥) جهنم، والسُّكُرْجَة من النار ، والشعر من إبليس ، والخمر
جماع الإِثم ، والنِّساء حِبَالة الشيطان، والشَّباب شُعْبَة من الجنون، وشرّ المكاسب كَسْبُ
الرِّبا، وشر المأكل مال اليتيم ، والسعيد من وُعِظَ بغيره ، والشقى من شَقِى فى بَطْن أُمه ،
وإنما يصير أحدكم إلى موضع أربعة أذرع، والأمر إلى الآخرة ، وملاك العمل خواتمه ،
وشر الرؤيا رؤيا الكذب ، وكل ما هو آت قريب، وسباب المؤمن فسوق ، وقتال المؤمن
كفر، وأَكل لحمه من معصية الله عز وجل، وحرمة ماله كحرمة دَمِه ، ومن يَتَأَلَّ
(١) الإضافة عن البداية والنهاية ٥ : ١٣.
(٢) فى المرجع السابق ((وأحسن القصص هذا القرآن)).
(٣) فى المغازى للواقدى ٣: ١٠١٦ ((وأشرف القتل قتل الشهداء)) وماهنا يوافق رواية ابن كثير فى البداية والنهاية
٥ : ١٣ ٠
(٤) فى المرجعين السابقين ((وخير الأعمال مانفع، وخير الهدى ما اتبع)).
(٥) كذا هنا وفى شرح الغريب ص ٧٠٣ - وفى المغازى للواقدى ٣: ١٠١٦ (( والغلول من جمر جهنم)) وفى البداية
والنهاية ٥: ١٣ ((والغلول من حثاء جهنم)»
- ٦٥١ -

على الله يكَذِّبه ، ومن يَغْفِرْ يُغْفَرْ له ، ومن يَعْفُ يُعْفَ عنه ، ومن يكظم الغيظ بأجره
الله، ومن يصبر على الرَّزيّة يعوضه الله، ومن يبتغ السُّمعة يُسمِّع الله به ، ومن يصبر
يضعِّف الله له ، ومن يعص الله يعذبه الله. اللهم اغفر لى ولأُمتى - قالها ثلاثا - استغفر الله
لى ولكم))(١).
وذكر ابن عائذ - رحمه الله تعالى - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نزل تبوك
فى زمان قلّ ماؤها فيه ، فاغترف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غرفة بيده من مائها
فمضمض بها فاه ثم بصقه فيها ففارت حتى امتلأَّت ، فهى كذلك حتى الساعة .
***
ذكر من استعمله - صلى الله عليه وسلم - على الحرس بتبوك
قال شيوخ محمد بن عمر : استعمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على حرسه
بتبوك من يوم قدم إلى أن رحل منها عَبّاد - بفتح العين المهملة وتشديد الموحدة - بن بشر -
بكسر الموحدة - رضى الله عنه - فكان عَبّاد يطوف فى أصحابه على العسكر ، فغدا على
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوما فقال : يارسول الله ، ما زلنا نسمع صوت تكبيرٍ
من ورائنا حتى أصبحنا ،أُفولَّيْتَ أَحَدَنا يطوف على الحرس ؟ قال رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - (( ما فَعَلتُ، ولكن عسى أن يكون بعض المسلمين انتدب)) فقال سِلْكَان -
٣٣٧أ بكسر السين المهملة وسكون اللام - بن / سلامة : يارسول الله ، خرجتُ فى عشرة من المسلمين
على خيلنا فكنا نحرس الحرس. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ((رحم الله حرس
الحرس فى سبيل الله ، ولكم قيراط من الأجر على كل من حرستم من الناس جميعا
أو دابة)».
**
ذكر أكله - صلى الله عليه وسلم - من جبن أهداه له أهل الكتاب بتبوك
عن ابن عمر - رضى الله عنهما - قال: أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بجبنة
فى تبوك فدعا بالسكين(٢) فسمى وقطع ، رواه أبو داود .
(١) قال ابن كثير فى البداية والنهاية ٥: ١٤ ((وهذا حديث غريب وفيه نكارة وفى إسناده ضعف. والله أعلم
بالصواب .
(٢) والذى فى المغازى الواقدى ٣: ١٠١٩ (( وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بجبنة بتبوك فقالوا يارسول الله:
إن هذا طعام تصنعه فارس، وإنا نخشى أن يكون فيه ميتة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ضعوا فيه السكين واذكروا
اسم الله)) وهذا الحديث، والذى معنا لا يدلان على أكله صلى الله عليه وسلم من الجبن كما جاء فى العنوان.
- ٦٥٢ -

ذكر دعائه - صلى الله عليه وسلم - على غلام مر بينه وبين القبلة وهو
فى الصلاة
روى الإمام أحمد ، وأبو داود عن يزيد بن نِمْرَان - بكسر النون - وسكون الميم -
قال : رأيت رجلا بتبوك مقعداً ، فقال : مررت بين يدى رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - وأنا على حمار، وهو يصلى فقال (( اللهم اقطع أثره)) فما مشيت عليها بعده(١) .
وروى أيضا عن سعيد بن غزوان - بفتح المعجمة وسكون الزاى عن أبيه - أنه نزل بتبوك
وهو حاج فإذا رجل مقعد قال : فسألته عن أمره فقال : سأحدثك حديثا فلا تحدث
به ما سمعت أَنى حى ، إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نزل بتبوك إلى نخلة فقال :
هذه قبلتنا ، ثم صلى إليها ، فأقبلت وأَنا غلام أَسعى حتى مررت بينه وبينها ، فقال :
((قطع صلاتنا قطع الله أثره)) فما قمت عليها إلى يومى هذا.
* *
*
ذكر الآية فى التمر والاقط الذى جاء بهما بلال بتبوك
روى محمد بن عمر عن شيوخه قالوا : قال رجل من بنى سعد(٢) هُذَيْم : جئت
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو جالس بتَبُوك فى نفرٍ فقال (( يا بلال أطعمنا)).
فبسط بلالُ نِطْعا ثم جعل يخرج من حميت له فأَخرج خرجات بيده من تمر معجون
بسمن / وأَفقط، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((كلوا)) فأَكلنا حتى شبعنا، ٥٨٢ت
فقلت : يارسول الله، إن كنتُ لآكل هذا وحدى ، فقال رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - ((الكافر يأكل فى سبعة أمعاء والمؤمن يأكل فى معاء واحد ))، ثم جئت فى الغد
متحينا لغدائه لأَزداد فى الإِسلام يقينا، فإذا عشرة نفرٍ حوله فقال: (( هات أَطعمنا
يا بلال)) فجعل يُخْرِج مِن جراب تمراً بكفه قبضةً قبضة فقال: ((أَخْرج ولا تَخْش
من ذى العرش / إِقلالا(٣) )) فجاءَ بالجراب ونثره. فقال: فحزرته مُدَّيْنٍ ، فوضع رسول ٢٣٧بـ
الله - صلى الله عليه وسلم - يده على النَّمْر وقال: ((كلوا باسم الله)) فأكل القوم وأكلت
معهم ، وأكلت حتى ما أَجد له مسلكا . قال : وبقى على النطع مثل الذى جاء به بلال
كأَّا لم نأكل منه نتمرة واحدة . قال : ثم غَدَوْتُ من الغدوعاد نَفَرٌ فكانوا عشرة
(١) فى الأصول ((فما مشيت عليه)) والمثبت عن البداية والنهاية ٥ : ١٤.
(٢) فى المغازى للواقدى ٣: ١٠١٧ ((قال رجل من بنى سعد بن هذيم)) بإضافة ابن من المحقق إلى الأصول.
(٣) فى ت، م ((ولا تخشين من ذى العرش إقتاراً)) والمثبت من ط وص.
- ٦٥٣ -
٠

:
أو يزيدون رَجُلاً أَوْ رَجُلين. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ((يا بلال أطعمنا))
فجاء بلال بذلك الجراب بعينه ؛ أَعرفه ، فنثره ، ووضع رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -
يده عليه وقال: ((كلوا باسم الله )) فأكلنا حتى نهلنا ثم رجع مثل الذى صُبّ ففعل ذلك
ثلاثة أيام .
قصة أُخرى : روى محمد بن عمر ، وأبو نعيم ، وابن عساكر عن عِرْبَاض بن سَارِية
- رضى الله عنه - قال : كنت أَلزم بَابَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى الحضر
والسفر ، فرأيتنا ليلة ونحن بتبوك وذهبنا لحاجة فرجعنا إلى منزل رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - وقد تعشى ومن مَعَه من أَضيافه ، ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -
يريد أن يدخل قبته - ومعه زوجته أم سلمة - فلما طلعتُ عليه قال : أين كنت منذ
الليلة؟ فأخبرته ، فطلع جِعَال بن سُرَاقة وعبد الله بن مُتَفَّل المُزَنِىّ فَكُنَّا ثلاثة كلنا
جائع إنما نغشى(١) بَاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدخل رسول الله - صلى الله
عليه وسلم [ البيت ](٢) فطلب شيئا نأكله فلم يجده، فخرج إلينا فنادى: (( يا بلال
هل من عشاء لهؤلاءِ النفر )) فقال: والذي بعثك بالحق لقد نفضنا جُرُبَنا وحُمُتنا ،
قال: ((انظر عسى أن تجد شيئا))، فأخذ الْجُرُبِ ينفضها جِرَابا جِرَابا، فتقع التمرة
والتمرتان حتى رأيت فى يده سبع تمرات ، ثم دعا بصحفةٍ فوضع التمر فيها ، ثم وضع
يده على النَّمرات، وسمّى الله - تعالى - فقال: ((كُلُوا باسْمِ الله)) فأَكلنا ، فحصيت
أربعا وخمسين تَمْرة، أَعُدُّهَا عَدَّا ونواها فى يدى الأُخرى، وصاحباى يَصْنَعَان مثل
ما أَصنع ، وشبعنا ، فأكل كل واحد منَّا خمسين تمرة ، ورفعنا أيدينا فإِذا التمرات
السبع كما هى. فقال: ((يَا بِلاَل ارْفَعْهَا فإِنَّه لا يَأْكُلُ منها أَحدُ إِلَّ نهل شبعا)) فلما
أصبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى صلاة الصبح ثم انصرف إلى فناء قُبّته
فجلس وجلسنا حوله، فقرأ من ((المؤمنون)) عشرا فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
(( هَلْ لَكُمْ فِ الغذَاءِ؟)) قال عِرْبَاض : فجعلت أقول فى نفسى أَى غداء ، فدعا بلالا
بالتمرات، فوضع يده عليهن فى الصحفة، ثم قال: ((كلوا بسم الله )) فأَكلنا - فوالذى
(١) فى المغازى للواقدى ٣: ١٠٣٦ ((إنما نعيش بباب رسول الله صلى الله عليه وسلم)).
(٢) الإضافة عن المرجع السابق.
- ٦٥٤ -

· بعثه بالحق - حتى شبعنا وإنا لعشرة ، ثم رفعوا أيديهم منها شبعا وإذا التمرات كما
هى، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم (( لولا أنى أَستحى من ربى لأَكلنا من هذا
التمر حتى نردَ المدينة عن آخرنا ، وطلع عليهم غلام من أَهل البدو فأخذ رسول الله
- صلى الله عليه وسلم التّمْرات بيده فدفعها اليه فَولى الغلام يلوكهن .
***
ذكر طوافه - صلى الله عليه وسلم - على الناس بتبوك
قال شيوخ محمد بن عمر : كان رجلٌ من بنى عذرة يقال له عَدِى يقول : جئت
رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - بتبوك فرأيته على ناقة حمراء يطوف على الناس ، يقول
((يا أيها الناس، يد الله فوق يد المعطى ويد المُعْطِى الوسطى، ويد المُعْطىَ السُّفْلَى،
أيها الناس فتغنوا(١) ولو بِحَزْم الحطب، اللهم هل بلغت)) ثلاثا فقلت: يارسول الله إن
امرأتىَّ اقتتلتا، فرميتُ إِحداهما فرمى فى رميتى - يريد أنها ماتت - فقال رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - ((تعقلها ولا ترثها)) فجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى
موضع مسجده بتَبُوك فنظر نحو اليمين ، ورفع يده يشير إلى أهل اليمن فقال [ الإيمان
يمانٍ)) ونظر نحو الشرق فأَشار بيده ((إِن الجفاءَ وغلظ القلوب فى الفدادين(٣) أَهلِ الوبر
من نحو المشرق حيث يُطْلِعِ الشيطانُ قرنيه .
ذكر اخباره - صلى الله عليه وسلم - بموت عظيم من المنافقين
4 هبت ريح شديدة
قال محمد بن عمر رحمه الله تعالى : وهاجت ريح شديدة بتبوك فقال رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - ((هذا لموت منافق عظيم النفاق)) فقدموا المدينة فوجدوا منافقا
عظيم النفاق قد مات
وروى محمد بن عمر عن شيوخه، قالوا: ((قدم على رسول الله - صل الله عليه وسلم -
نفرٌ من سعد هُذَيم فقالوا : يارسول الله ، إِنا قدِمنا إليك وتركنا أَهلنا على بئر لنا قليل
ماؤها ، وهذا القيظ ، ونحن نخاف إن تفرقنا أَن نُقْتَطع ؛ لأَن الإِسلام لم يَفْشُ حولنا
(١) كذا فى الأصول، وفى المغازى للواقدى ٣: ١٠١٧ ((أقنعوا ولو بحزم الحطب)).
(٢) الفدا دون: الذين تعلوا أصواتهم فى حروثهم ومواشيهم، واحدهم فداد ( النهاية فى الغريب ٣: ١٨٧).
- ٦٥٥ -

بعْدُ ، فادع الله تعالى لنا فى مائها ؛ فإِنا إِنْ رَوينا به فلا قوم أَعز منّا، لا يَعْبُر بنا أَحد
مخالف لديننا . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إِبْغُوا لى (١) حصيات، فتناول بعضهم
ثلاث حصيات فدفعهن إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ففر كهن بيده ثم قال :
((اذهبوا بهذه الحصيات إلى بئركم فاطرحوها واحدة واحدةً وسموا الله تعالى)) فانصرف
القوم من عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ففعلوا ذلك ، فجاشت بئرهم بالرواء ،
ونَفَوْا مَن قاربهم من أهل الشرك ووطِئوهم فما انصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
إلى المدينة حتى أوطئوا من حولهم غلبة ودانوا عليه بالإِسلام .
** *
ذكر قوله - صلى الله عليه وسلم - بتبوك أعطيت خمسا ما اعطيهن أحد قبلى
روى محمد بن عمر عن عبد الله بن عمر - رضى الله عنهما - قال : كنا مع رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - بتَبُوك، فقام من الليل يصلى ، وهو كثير التهجد من الليل
ولا يقوم إِلا استاك ـ فقام ليلةً فلما فرغ أقبل على من كان عنده فقال: (( أُعطيت الليلة
خمسا ما أُعْطِيهُنَّ أَحَدٌ قبلى: بُعِثْتُ إِلى الناسِ كافة - وكان النبيُّ يُبْعَثُ إِلى قومِهِ - وجُعِلَت
◌ِيَ الأَرْضُ مَسْجداً وطَهُوراً، أَينما أدركتنى الصلاة تيمَّمْتُ وصلَّيْتُ ، وكان من قبلى
لم يُعْطوا ذلك، وكانوا لا يصلُّون إلا فى الكنائس والبيع، وأُحِلَّت لِيَ الغنائِم آكلها ، وكان
من قبلى يحرمونها ، والخامسة هى ما هى ، هى ما هى ، هى ما هى )) ثلاثا - قالوا :
يا رسول الله، وما هى؟ قال: ((قيل لى سَلْ فَكُلُّ نى قد سأَّل ، فهى لكم ولمن شهِد
٨٤ ٥ت أَنْ لا إله إلا الله . /
ذكر صلاته - صلى الله عليه وسلم - على معاوية بن معاوية المزنى (٢)
فى اليوم الذى مات فيه بالمدينة
روى الطبرانى - فى الكبير والأوسط - من طريق نوح بن عمر الطبرانى فى الكبير -
من طريق صدقة بن أبى سهيل عن معاوية بن أبى سفيان ، وابن سعد والبيهقى من طريق
العلاء أبى محمد الثقفى ، وابن سعد وابن أبى يعلى والبيهقى عن طريق عطاء بن أبى
(١) فى ت ٢: ٥٨٣ ((ابغونى)) وفى المغازى الواقدى ٣: ١٠٣٤ ((أبلغونى)) والمثبت عن بقية نسخ الكتاب.
(٢) فى الأصول ((الليثى)) والمثبت عن الإصابة لابن حجر ٣: ٤١٦. وفى البداية والنهاية لابن كثير ٥: ١٤
ذكره مرة بالليثى ، ومرة بالمزنى .
- ٦٥٦ -

ميمونة كلاهما عن أنس - رضى الله عنهم - قالوا كنّا مع رسول الله - صلى الله عليه
وسلم بتبوك ، قال أنس : فطلعت الشمس بضياءٍ وشعاع ونور لم أرها طلعت بمثلهم فيما
مضى فأَتى جبريل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - : يا جبريل مالى أرى الشمس اليوم طلعت بضياء وشعاع ونور لم أرها طلعت بمثلهم فيما
مضى ؟ قال: ((ذلك معاوية بن معاوية المزنى مات بالمدينة اليوم ، فبعث الله تعالى سبعين ألف
ملك يصلون عليه، فهل لك فى الصلاة عليه؟ قال: ((نعم))، فخرج رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - يمشى ، فقال جبريل بيده هكذا يفرج له عن الجبال والآكام ، ومع جبريل
سبعون ألف ملك ، فصلىّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصفّ الملائكة خلفه صفَّين،
فلما فرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لجبريل ((بِمَ بلغ هذه المنزلة)) قال :
((بحبه ( قل هو الله أحد) يقرؤها قائما أو قاعدا ، أو راكباً أَو ماشياً وعلى كل حال ))
قال الحافظ فى لسان الميزان فى ترجمة محبوب بن هلال : هذا الحديث علم من أعلام ١٣٣٩
النبوة ، وله طرق يقوى بعضها ببعض ، وقال فى فتح البارى ، فى باب الصفوف على
الجنازة : إنه خبر قوى بالنظر إلى مجموع طرقه ، وقال فى اللسان فى ترجمة نوح بن عمر
طريقه أقوى طرق الحديث - انتهى. وأورد الحديث النووى فى الأذكار فى باب ((الذكر
فى الطريق )) فعلم من ذلك ردّ قول من يقول، : إِن الحديث موضوع لا أصل له (١).
* *
*
ذكر ارساله - صلى الله عليه وسلم - دحية إلى هرقل يدعوه الى الاسلام
وقدوم [ رسول ] هرقل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
وما وقع فى ذلك من الآيات
لما وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم - تبوك كان هرقل بحمص، ولم يكن يهم
بالذى بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنه من جمعه ، ولا حدثته نفسه بذلك .
وروى الحارث بن أسامة عن بكر بن عبد الله المزنى - رحمه الله تعالى - قال :
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ((من يذهب بهذا الكتاب إلى قيصر وله الجنة)) ؟
فقال رجل: وإِن لم يقبل؟ قال: ((وإِن لم يقبل)) فانطلق الرجل فأَّتاه بالكتاب ، فقرأه
فقال : اذهب إلى نبيكم فأخبره أَنى متَّبِعُه ، ولكن لا أُريد أَن أَدع ملكى ، وبعث معه
(١) يقول ابن كثير فى البداية والنهاية ٤: ١٤ ((وهذا الحديث فيه غرابة شديدة ونكارة)).
(٤٢ - سبل الهدى والرشاد جـ ٥)
- ٦٥٧ -

بدنانير إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرجع فأخبره، فقال رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - (( كذب)) وقسم الدنانير .
وروى الإمام أحمد ، وأبو يعلى بسند حسن لا بأس به عن سعيد بن أبى راشد
قال : لقیت النُّهُوخِی رسول مِرفْل إلی رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحمص، و كان
جارا لى شَيْخاً كبيرا قد بلغ(١) ..... أَو قَرُبَ، فقلت: أَلا تحدثنى(٢) عن رسالة رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - إلى هِرَقْل؟ فقال: بلى، قدم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -
تَبُوكَ ، فبعث دِخْيَة الكلبى إلى هِرَقل ، فلما أَن جاءَ كتاب رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - دعا قِّيسِى الروم وبَطَارِقتها، ثم أُغلق عليه وعليهم الدار فقال: قد نزل هذا
الرجل حيث رأيتم ، وقد أرسل يدعونى إلى ثلاث خصال : أَن أَتبعه على دينه ، أَو أَن
أعطيه مَالَنَا على أرضنا والأرض أرضنا ، أَو نلقى إليه الحرب. والله لقد عرفتم فيما
تقرأون من الكتب ليأخذن [ أرضنا ](٣) فهلم فلنتبعه على دينه، أَو نعطه مالنا(٤) على
أرضنا ، فنَخَّرُوا نَخْرَة رجلٍ واحد حتى خرجوا من بَرَانِسِهم وقالوا : تدعونا أَن نذر
النصرانية أَوْ نكون عبيداً لأَعرابى جاءَ من الحجاز ؟ فلما ظن أنهم إذا خرجوا من عنده
أفسدوا عليه الروم رَفَّهٍ(٥) ولم يكد وقال : إنما قلت ذلك لأَعلم صلابتكم على أمركم ،
ثم دعا رجلا من عرب تَجِيب- كان على نصارى العرب قال : ادع لى رجلا حافظاً للحديث
عربيّ اللسان أَبعثه إلى هذا الرجل بجواب كتابه ، فجاءَنى فدفع إِلىّ هِرَقل كتاباً ، فقال :
اذهب بكتابى هذا إلى هذا الرجل ، فما سمعته من حديثه فاحفظ لى منه ثلاث خصال :
هل يذكر صحيفته التى كتب بشئ ؟ وانظر إذا قرأ كتابى هذا هل يذكر الليل ؟
وانظر فى ظهره هل فيه شئ يَرِيبُك ؟ قال : فانطلقت بكتابه حتى جئت تبوكا فإِذا
هو جالس بين ظهرى أصحابه مُخْتَبِياً على الماء ، فقلت : أين صاحبكم ؟ قيل: ها هو ذا .
(١) بياض بالأصول بمقدار كلمة، ولعلها ((المائة)).
(٢) فى ت ٢: ٥٨٥ (( ألا تخبرنى)).
(٣) بياض فى الأصول بمقدار كلمة. والمثبت عن شرح المواهب ٣ : ٧٩ .
(٤) كذا فى الأصول، وفى المرجع السابق ((أو نعطه مالا)) وفى البداية والنهاية لابن كثير ٥ : ١٥ مطابق لما هنا.
(٥) كذا فى الأصول وفى شرح الغريب ص ٧٠٤ وقال من الرقى وهو الصعود. وفى البداية والنهاية لابن كثير ٥ : ١٥
((رقاه)) من رقأ الدمع سكن - أو رفاء - بالفاء - التأم وقرب .
- ٦٥٨ -

فأقبلت أمشى حتى جلست بين يديه فناولته كتابى، فوضعه فى حجره ثم قال: ((ممن
أَنت ؟)) فقلت: أَنا أَخو تُنُوخ، فقال: ((هل لك فى الإِسلام . الحنيفية ملة أَبيك
إبراهيم؟)) فقلت: إنى رسول قوم وعلى دين قوم [ لا أَرجع عنه ](١) حتى أَرجع إليهم .
فضحك وقال ( إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء وهو أعلم بالمهتدين ﴾(٢)
يا أُخا تَنُوخِ، إِنى كتبت بكتاب إلى كِسْرى فمزقه، واللهُ مُمَزِّقُه ومُمَزِّقُ ملكه ، وكتبت
إلى النجاشى بصحيفة فمزقها ، والله مُمَزّقُه ومُمَزِّقُ ملكه . وكتبت إلى صاحبك بصحيفة
فأمسكها فلن يزال الناس يجدون منه بأُسا مادام فى العيش خير )) قلت : هذه إِحدى
الثلاث التى أوصانى بها صاحبى ، فأَخذت سهماً من جعبتى فكتبتها فى جفن سيفى ،
ثم ناول الصحيفة رجلا عن يساره ، قلت : من صاحب كتابكم الذى يقرأ لكم ؟ قالوا :
معاوية . فإذا فى كتاب صاحبى : تدعونى إلى جنة عرضها السموات والأرض أعدت
للمتقين، فأَين النار؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ((سبحان الله أين النهار
إِذا جاءَ الليل))(٣) قال: فأَخذت سهماً من جُعْبتى فكتبته فى جفن سيفى ، فلما فرغ
من قراءة كتابى قال: ((إن لك حقا ، وإنك لرسول ، فلو وجدتُ عندنا جائزة جوزناك
بها، إِنا سَفْرٌ مرملون)) قال قتادة فناداه رجل من طائفة الناس قال: أَنا أُجوزه ففتح
رحله فإِذا هو بحلة صفورية فوضعها فى حجرى ، قُلت من صاحب الجائزة ؟ قيل لى :
عثمان، ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((أيكم يُنْزِلُ هذا / الرجل؟ فقال ١٥٨٦
فتّى من الأنصار: أَنا ، فقام الأَنصارى وقمت معه حتى إذا خرجت من طائفة المجلس نادانى
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: (( تعال يا أَخا تَنُوخ)) فأقبلت أَهوى حتى كنت
قائماً فى مجلسى الذى كنت بين يديه، فحل حبوته(٤) وقال: ((ها هنا امضٍ لما أُمِرتَ له ،
فَجُلْتُ فى ظهره فإِذا أَنا بخاتم النبوة فى موضع غضروف الكتف /مثل المحجمة الضخمة (٥) . ٣٤٠ ب
(١) سقط فى الأصول، والإثبات عن البداية والنهاية لابن كثير ٥ : ١٥.
(٢) سورة القصص آية ٥٦.
(٣) فى المرجع السابق ٤: ١٦ ((سبحان الله أين الليل إذا جاء النهار)).
(٤) كذا فى الأصول، وفى البداية والنهاية لابن كثير ٥: ١٦ ((فحل حبوته)) والحبوة الاشمال بالثوب (اللسان)
أما الجوبة فمن الجوب وهو كل مقور من درع ونحوه ( اللسان ) ولم يرد لها ذكر فى شرح الغريب . فى الأصول جوبتة
تصحيف والمثبت من البداية والنهاية لابن كثير ٥ : ١٦ والحبوة الاشمال بالثوب (اللسان ) .
(٥) قال ابن كثير فى البداية والنهاية ٥: ١٦ ((هذا حديث غريب، وإسناده لا بأس به، تفرد به الإمام أحمد)).
- ٦٥٩ -

قال محمد بن عمر : فانصرف الرجل إِلى هِرَقل فذكر ذلك له . فدعا قومه إلى
التصديق بالنبى - صلى الله عليه وسلم - فأبوا حتى خافهم على ملكه ، وهو فى موضعه
بحمص لم يتحرك ولم يزحف ، وكان الذى خبر النبى صلى الله عليه وسلم - من تعبئة
أصحابه، ودنوِهِ إِلى وادى الشام لم يرد ذلك ولا همّ به .
وذكر السهيلى : أَن هرقل أَهدى لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - هدية - فقبِلَ
رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - هديته وفرقها على المسلمين .
ثم إِن هرقل أمر منادياً ينادى: أَلا إِن هِرَقْل قد آمن بمحمد واتبعه، فدخلت الأجناد
فى سلاحها وطافت بقصره تريد قتله ، فأرسل إليهم : إِنى أردت أن أَختبر صلابتكم
فى دينكم ، فقد رضيت عنكم ، فرضوا عنه . ثم كتب إلى رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - كتاباً مع دحية يقول فيه: إنى ◌َعَكم(١) ولكنى مغلوب على أَمرى، فلما قرأَ
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتابه قال: ((كذب عدو الله، وليس بمسلم بل هو
على نصرانيته )) .
*
ذكر صلاته - صلى الله عليه وسلم - على ذى البجادين رضى الله عنه
روى ابن إسحاق ، وابن مندة عن ابن مسعود - رضى الله عنه - ومحمد بن عمر
عن شيوخه قالوا : كان عبد الله ذو البجادين من مُزَيْنة، مات أبوه وهو صغير فلم يورّثه
شيئا، وكان عمه مَيِّلاً فأَخذه فكفله حتى كان قد أَيْسَرَ ، وكانت له إِبل وغنم ورقيق ،
فلما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة جعلت نفسه تتوق إلى الإِسلام ولا يقدر
عليه من عَمِّه ، حتى مضت السنون والمشاهد كلُّها، فانصرف رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - من فتح مكة راجعاً إلى المدينة ، فقال عبد الله ذو البجادين لعمه : يا عم
قد انتظرتُ إِسلامك فلا أَراك تريد محمداً ، فائذن لى فى الإِسلام ، فقال : والله لئن
اتبعتَ محمدا لا تركتُ بيدك شيئا كنتُ أَعطيتكه إلا انتزعته منك حتى ثوبيك ،
فقال: وأنا والله متبعٌ محمدا ومسلمٌ وتاركٌ عبادة الحجر والوثن ، وهذا ما بيدى
فخذه ، فأَخذ كلَّ ما أعطاه حتى جرَّده من إزاره، فجاءَ أُمَّه فقطعت بجاداً لها باثنين
(١) فى شرح المواهب ٣: ٧٨ ((إنى مسلم ولكنى مغلوب)).
-٦٦٠ -
: