النص المفهرس

صفحات 341-360

ووحْشِىُّ بن حرب، وتقدَّم شأنه فى غزوة أُحد ، فَهَرَبَ إلى الطائف ، فلما أسلم
أهلها جاءَ فَأَسلم .
وسارةُ مولاة عمرو بن(١) هاشم بن المطلب بن عبد مناف، وكانت مغَّنِيةً نوَّاحةً
بمكة، وكانت قَدِمَتْ على رسول الله - صَلَّى الله عليه وَسَلَّم - قبل الفتح، وَطَلَبَتْ
منه الصِّلة / وشكت الحاجة، فقالَ رسولُ اللهِ - صَلَّى الله عليه وسلَّم ((ما كان فى غنائِك ٢٣٩ ,
ما يُغْنيك؟ )) فقالت: إنَّ قُرَيْشًا منذ قتل من قتل منهم ببدر تركوا الغناءَ ، فوصلها
رسول الله - صَلَّى الله عليه وسلم - وأوقر لَهَا بعيراً طعاماً ، فرجعت إلى قريش . وكان
ابنُ خَطَلٍ يُلقى عليها هِجَاءَ رسولِ الهِ - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - فتغنى به . وهى التى
وُجِدَ معها كتابُ حَاطِب ابن أَبِى بَلْتَعَة ، فأَسلمت وعاشت إلى خلافة عمر بن الخطاب
وهند بنت عُتْبَة أمرأةُ أبى سفيان بن حرب، وهى الَّتِى شقَّت عن كَيدِ حَمْزَة
ابن عبد المطَّلب عمّ رسول الله - صلَّى اللّه عليه وسلم - فأَسلمتْ، فَعَفًا عنها:
وأَرنب مولاة ابن خَطَل، وقينتان لابن خطَل، كانتا تغنيان بهَجْو رسول اللهِ
- صلَّى الله عليه وسلَّم - اسم إحدهما فَرْتَنَى - بفتح الفاء، وسكون الرَّاء وفتح
الفوقية ، فنون ، فأَلف تأنيث مقصورة، والأُخرى قَرِيبَة - ضدّ بعيدة ، ويقال :
هى أرنب السابقة، فاستؤمن لإحداهما فأَسلمت ، وقتلت الأُخرى ، وذكر عن ابن
إسحاق أَن فَرْتَنَى هى التى أَسلمت ، وأَن قَرِيبة قتلت .
وأُم سعد قتلت فيما ذكره ابنُ إسحاق ، ويحتمل كما قال الحافظ - رحمه الله -
تعالى - أن تكون أرنب، وأُم سعد القينتان . واختلف فى اسمهما باعتبار الكُنبةِ
واللَّقَب .
(١) جاء فى شرح المواهب ٢: ٣١٤ ((وسارة مولاة لبعض بنى المطلب بن هاشم بن عبد مناف - كذا وقع بإيهام
البعض عند ابن إسحاق ، ويقال فى تعيين هذا البعض كانت مولاة عمرو بن صيفى بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف ، وهى التى
وجد معها كتاب حاطب)) وقيل كانت مولاة العباس وانظر السيرة الحلبية ٣ : ١٠٧ .
- ٣٤١ -

ذكر دخوله - صلى الله عليه وسلم - مكة وارسال طائفةٍ من أصحابه
أمامه وارادة بعض المشركين صدهم عن دخولهم ، وقتل المسلمين لهم
قال ابنُ إِسحاق - رحمه اللهُ تعالى - وغيرُه: لَمَّا ذَهَبَ أَبو سفيان إلى مكَّة بعد
ما عاين جنودَ اللهِ - تعالى - تمرّ عليه، فأنتهى المسلمون إلى ذى طوَّى، فوقفوا ينتظرون
رسولَ اللهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم - حَتَّى تلاحَقَ النَّاسُ، وأَقبلَ رسولُ الله - صلَّى
الله عليه وسلم - فى كتيبته الخضراء ، وهو على ناقته القصواء، مُعْتَجرا بشقّ بُرد
حِبرة حمراء .
وعن أنسٍ - رضى الله عنه - قال: لَمَّا دَخَلَ رسولُ الله - صَلَّى الله عليه وسلم -
استشرفه الناسُ، فَوَضَع رأسه على رحله متخشِّعًا، رواه الحاكم بسندٍ جيّد قوىٍّ،
ورواه أبو يَعْلَى من طريق آخر ، وعن أبى هريرة - رضى الله عنه - قال : دخل رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - يومئذ وعليه عمامة سوداء، ورايتهُ سوداء، ولواؤه أَسود حتّى
وقف بذى طوّى، وتوسَّطَ الناس، وإِنَّ عُثْنُونَهُ (١) لِيَمَسّ واسطة رحله، أَو يَقْرُبُ منها
تواضُعاً الله عزّ وجلّ حين رأى ما رأَى مِنْ فتح الله تعالى، وكثرة المسلمين ، ثم قال :
((اللَّهُمْ إِنَّ العَيْشَ عَبْشُ الأَخِرَةِ) قال: وجعلت الخيلُ تمعج بذى طُوى فى كل وَجْه ،
ثُمَّ ثابت وسكنت حين توسطهم رسولُ اللهِ - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - رواه محمد
ابن عمر .
وعن أنسٍ - رضى الله تعالى عنه: أَنَّ رسولَ الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - دخل مكَّة
٢٣٩ ـ وعليه عمامة سوداء بغير / إحرام ، رواه الإمام أحمد، ومُسلم ، والأربعة .
وعن عمرو بن حريث - رضى الله عنه قال: كأَنّى أَنظر إلى رسولِ الله - صلَّى
الله عليه وسلَّم يومَ فتح مكَّةَ، وعليه عِمَامَةٌ سوداء خَرْقَانِيَّةٍ(٢) ، وقد أرخى طرفها
(١) العثنون: الحمية (شرح المواهب ٢: ٣٣٠).
(٢) كذا فى الأصول بالخاء: نسبة إلى خرقان قرية من قرى همذان (ياقوت) وبالحاء المهملة كما فى شرح المواهب
٢ : ٣١٩ - نسبة إلى الخرقة بالضم ثم الفتح . ناحية بعمان (ياقوت).
- ٣٤٢ -

بين كتفيه ، رواه مسلم ، وعن عائشة - رضى اللهعنها - قالت : دخلَ رسولُ اللهِ -
صلَّى الله عليه وسلَّم - يومَ الفتح من كَدَاءَ من أَعلى مكّةُ ، رواه البخارى ، والبيهىُّ .
وعن جابرٍ - رضى الله عنه - قال: كان لواء رسولِ اللهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم -
يومَ دخل مكة أبيض ، رواه الأربعة .
وعن عائشة - رضى الله عنها - قالت: كان لواءُ رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -
يومَ الفتح أَبيض، ورايته سوداء تُسَمَّى العُقاب، وكانت قطعة مِرْط مُرَحّل ، رواه
ابن إسحاق .
وعن ابن عمر - رضى الله عنهما - قال: لَمَّا دخل رسولُ اللهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم -
مكة عام الفتح، رأَى النِّساءِ يَلطمْنَ وُجُوهَ الخيل بالخُمُر، فتبسّم إلى أبى بكرٍ ،
فقال : ((يا أبا بكر كيف قال حسان)) فأَنشده أبو بكر، قول حسَّان - رضى الله
عنهما :
تثير النَّقحَ من كتفى (١) كداء
علمت بُنَيِّى إِن لم تَرَوْهَا
يُلَطِّمُهُنَّ بالخُمُرِ النساءِ
ينازعن الأَعْنَّةِ مُسْرَجَات
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((ادخلوها من حيث قال حسّان)).
وفى الصحيح وغيره عن عروة: (( أَن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أَمر الزُّبَير
ابن العوّام أَن يَدْخُلَ مِنْ كَدَاء من أَعلى مكة، وأَن يغرِز رايته بالحَجُون ، ولا يبرح
حَتَّى يأْتِيه)». وفى الصحيح أيضاً عن العبّاس أَنَّه قال للزبير بن العَوَّام: يا أبا عبد الله
هَاهُنَا أَمرك رسولُ اللهِ- صَلَّى الله عليه وسلَّم - أَن تركز الراية ؟ قال : نعم.
(١) كذا فى الأصول: وفى ديوان حسان بن ثابت ص ١٢ ط السعادة:
عدمنا خيلنا إن لم تروها
ومطلع القصيدة :
تثير النقع موعدها كداه
عفت ذات الأصابع
فالجواء إلى عذراء منزلها خلاء
- ٣٤٣ -

قال: وأَمَرَ رسولُ الله - صلى اللهُ عليه وسلَّم - خَالِدَ بنَ الوليد - وكان على المُجَنّبَةِ
الْيُمْنى، وفيها أَسْلَم، وسُلَيم، وغِفَار، ومُزَيْنَة، وجُّهَيْنة، وقبائل مِنَ العرب - أَن
يدخلوا من اللِّيط، وهو أسفل مكة ، وأمره أن يغرز رايته عند أدنى البيوت(١)
وأَمَّر (٢) أبا عبيدة بن الجراح - رضى الله عنه - على الحُسَّر (٣) ، كما عند الإِمام أحمد.
وفى صحيح مسلم عن [عبد الله بن رباح(٤)] أن أبا عبيدة كان على البياذقة(٥) ، يعنى
الرجالة .
وعند ابن إسحاق وعبد الله بن أبى نجيح أَن أَبا عبيدة بن الجراح أَقبل بالصَّفِ
من المسلمين يَنْصَبُّ لمكة بين يدّى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
قالُوا : وأَمر رسولُ اللهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم - أُمَراءَه أَن يكفوا أَيْدِيَهم ، ولا
يقاتلُوا إِلاَّ مَنْ قاتلهم ، قال ابن إسحاق ، ومحمد بن عمر رحمهما الله تعالى : إِنَّ
صَّفْوَان بنَ أُميّة وعِكْرِمة بن أَبِى جَهْل، وسُهَيْلَ بن عمرو ، - وأَسلموا بعد ذلك .-
دَعوا إلى قتال رسول اللّهِ - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - وَجَمَعُوا أُنَاساً بِالخَنْدَمَة وضوى إليهم
ناسٌّ مِنْ قريش، وناسُّ من بنى بكر ، وهُذَيْل، ولبسوا السلاح، يُفْسِمُون بالله
٢٤٠ , لا يَدْخُلُها محمد عَنْوةً أَبدا، وكان رجل من بنى الدِّيل يقال له جِمَاش (٦) / - بكسر
الجيم وتخفيف الميم - وبالشين المعجمة - بن قَيْس بن خالد لَمَّا سَمعَ بدخول رسولٍ
اللهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم - جعل يُصْلِحُ سلاَحَه، فقالت له امرأتُه: لمن تُعِدُّ هذا ؟
(١) بعد هذا بياض فى ت، ط، م بمقدار خمس كلمات. أما فى ص فلا يوجد أى بياض ٢: ٢٠٦ والكلام متصل
كما ترى .
(٢) كذا فى الأصول. وفى شرح المواهب ٢: ٣١٧ (( وبعث أبا عبيدة الخ)).
(٣) الحسر: الذين بغير سلاح أولا دروع لهم (شرح المواهب) ٢: ٣١٧، والسيرة الحلبية ٣: ٩٧).
(٤) بياض فى الأصول، والمثبت عن صحيح مسلم ٣: ١٤٠٧ تحقيق عبد الباقى .
(٥) البياذقة: كلمة فارسية معربة تعنى الرجالة (شرح المواهب ٢ : ٣١٧).
(٦) جماش - كذا هنا وهو يخالف ماسيرد فى شرح الغريب ص حيث جاء (( حماس بكسر الحاء المهملة وتخفيف
الميم وبعد الألف سين مهملة)) ويصحح الأخير ما ورد فى المغازى الواقدى ٢: ٨٢٧، ونهاية الأرب النويرى ١٧ : ٣٠٦،
والبداية والنهاية لابن كثير ٤ : ٢٩٦.
- ٣٤٤ -

قال : لمحمد وأَصْحَابِهِ، قالت: واللهِ ما أَرى يَقُومُ لمحمد وأصحابه شىء. قال: والله
إنى لأرجو أن أُخْدِمَكِ بَعْضَهُم فإنّك محتاجةٌ إِليه. قالت: وَيْلَك : لا تفعل ، ولا تقاتل
محمدا والله ليَضُلن عنك رأيُك، لو قد رأيتَ محمداً، وأصحابَه ، قال سترى ثم
قال :
إِنْ يُقْبِلُوا اليَوْمَ فَمَالِ عِلَّهْ هذا سلاح كَامِلٌ وَلَّة
وَذُو غِرَارَيْنِ سَرِيْعُ السَّلَّةِ
ثم شهد الخَنْدَمَة مع صَفْوَان، وسُهَيْل بن عمرو ، وعِكْرِمة ، فلما دخل خالدُ بنُ
الوليد من حيث أمره رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عليه وسلَّم - وجد الجمعَ المذكور ، فمنعوه
الدُّخولَ، وشهرُوا له السِّلاح، ورموه بالنبل ، وقالُوا: لا تدخلها عَنْوةٌ، فصاح فى
أصحابه فقاتلهم ، وقُتِلَ منهم أربعة وعشرون رجلاً مِنْ قُريش، وأربعةٌ من هُذَيل .
وقال ابن إسحاق : أُصيبَ مِنَ المشركين قريبٌ من أثنى عشر أَو ثلاثة عشر ،
وأنهزموا أقبح الانهزام، حتَّى قتلوا بالحَزْوَرَة، وهم مُوَلُّون فى كُلِّ وَجْه، وأنطلقَتْ
طائفةٌ منهم فوق رؤوس الجبال ، وأتبعهم المسلمون .
قال محمد بن عمر - رحمه الله تعالى - وجعل خَالِدُ - رضى الله عنه - يتمثَّلُ بهذه
الأبيات :
كَلُجَّةِ بحرٍ نالَ فيها سريرُها
إِذَا مَا رسُولُ اللهِ فِينَا رأيته
رُدَيْنِيَةٍ (١) يَهْدِى الأَصمَّ خَرِيرُها
إذا ما ارتدينا الفارسية فوقها
لها ناصِرًاً عزّت وعَزَّ نصيرُها
رأينا رسول الله فينا مُحَمَّدًا
قال ابن هشام : وكان شِعارُ المهاجرين من أصحاب رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -
يومَ فتح مكَّة وحُنَينِ والطَّائف: يا بَنِى عبد الرحمن، وشِعَارُ الخَزْرَج: يا بنى عبد الله،
وشِعَارُ الأَوْس : يا بنى عُبيد الله .
(١) الردينية: القناة والرمح الردينى. زعموا أنه منسوب لامرأة السهروى وتسمى ردينة، وكانا يقومان القناة بخط
هجر ( الصحاح ٢١٢٢)
- ٣٤٥ -
%

وجعل أَبُو سفيان بن حرب وحكيم بن حِزَام يصيحان: يا معشر قريش عَلَام
تَقْتُلُون أَنْفُسَكم؟! مَنْ دَخَلَ داره فهو آمن، وَمَنْ وضَعَ السَّلَاحَ فهو آمن ، فجعل النَّاسُ
يقتحمون الدُّور ويَغْلِقُون عليهم، ويطرحون السِّلاح فى الطُرق حَتَّى يأخذه المسلمون ،
ورجع حماس (١) مُنْهَزِمًا حتى انتهى إلى بيته ، فَدَقَّه ، ففتحت له آمرأَته ، فدخل وقد
ذهبت روحه ، فقالَتْ له : أَين الخادم الذى وعَدْتَنِى ؟ ما زلتُ منتظرةً لك منذ اليوم -
تسخر منه - فقال : دَعِى هذا عنك ، وأغلقى عَلَىَّ بابى ، ثم قال :
إِذْ فَرَّ صَفْوَانُ وَفَرّ عِكْرِمَةْ
إِنَّكِ لَوْ شَهِدْتِ يَوْمَ الخَنْدَمَةْ
واسْتَقْبَلَتْهُمُ بِالسُّيوفِ المُسْلِمَهْ
وَأَبُو يَزِيدٍ كالعجوز المُؤْتِمَهْ
ضَرْباً فَلاَ تُسْمَعُ إِلَّ الغَمْغَمَةْ /
يَقْطَعْنَ كُلَّ سَاعِدٍ وجُمْجُمَةْ
٢٤٠ طـ
لَمْ تَنْطِى فِىِ اللَّوْمِ أَدْنَى كَلِمَهْ(٢)
لَهُمْ نَهِيتُ خَلْفَنَا وَهَنْهَمَهْ
وأَقبل الزّبير - رضى الله عنه - بمن معه من المسلمين حتى انتهى إلى الحَجُون عند منزلٍ
رسولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عليه وسلَّم - ولم يُقْتَل من المسلمين إلاَّ رجُلاَن من أصحاب الزُبير،
أَخطُّ الطَّريق فسلكا غيره فَقُتِلاً، وهما كُرْزِ بن جابر (٣) الفِهْرِىّ، وحُبَيْش(٤) - بحاءِ
مهملة مضمومة ، فموحَّدَة مفتوحة ، فتحتية ساكنة فشين معجمة - بن خالد بن
ربيعة بن الأَشعر - بشين معجمة ، وعين مهملة - الكعبى - رضى الله عنهما - ومضى
رسول الله - صّلَّى الله عليه وسلم - فدخل مكة من أَذاخِر(٥) ، فلما ظهر على أَذاخِر ، نظرَ
إلى البارقة مع فَضَضِ المشركين، فقال: ((مَا هَذِهِ الْبَارِقة ؟! أَلَمْ أَنْهَ عَنْ القِتَال؟))
(١) أنظر التعليق فى الصفحة السابقة. فقد ورد أنه ((جماش)) بشين معحمة.
(٢) لم تنطقى فى اللوم أدنى كلمة. كذا فى الأصول وفى السيرة الحلبية ٢: ٢١٨ ط سنة ١٣٤٩ هـ (( لا تنطق)).
(٣) هو كزز بن جابر بن حسن بن لاحب بن حبيب بن عمرو بن شيبان بن محارب بن فهر بن مالك القرشى الفهرى
أسلم بعد الهجرة، ولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم الجيش الذى بعثه فى أثر العرينين الذين قتلوا راعيه. ( الاستيعاب فى أسماء
الأصحاب ٣: ٢٩٢، ٢٩٣).
(٤) هو حبيش بن خالد بن سعد بن منقذ بن ربيعة بن أصرم بن حبيش بن حرام بن كعب بن عمرو الخزاعى ،
يكنى أباصخر، وهو أخو أم معبد ( الإصابة ١ : ٣٠٩).
(٥) أذاخر: ثنية بين مكة والمدينة ((شرح المواهب ٢: ٣١٠، ويقال موضع قرب مكة ينسب إليه نبت أذاخر
( وفاء الوفا ٤ : ١١٢٣َ).
..-
- ٣٤٦ -
٠٫٠٠

قالوا : يا رسول الله، خالد بن الوليد قُوتل ولو لم يُقَاتَل ما قَاتَل ، وما كان يا رسول
اللهِ ليعصيك، وَلَا يخالف أَمرك، فقالَ رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عليه وسلَّم - ((قضَاءُ اللهِ
خيْر)) .
وروى الطَّبرانى عن ابن عبَّاسِ - رضى الله عنهما - أَن رسولَ اللهِ - صَلَّى الله عليه
وسلَّم - خطبَ، فقال: ((إِنَّ اللّهُ حَرَّمَ مَكَّةُ (١) )) الحديث، فقيل : هذا خالد يَقْتُل ،
فقال: ((قُمْ يَا فُلاَن فَقُلْ لَه فَلْيَرْفَعِ يَدَيْه من الْقَتْلِ)) فَتَاهِ الرَّجُل، فقال له: إِن
رسولَ اللهِ - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - يقولُ لك ، أُقْتُل مَن قَدَرْت عليه ، فقتل سبعين ،
فَأَى رسول الله - صَلَّى الله عليه وسلم - فَذُكِرَ له ذلك، فأرسلَ إلى خالد ((أَلم أَنْهَكَ
عن القتل؟! )) فقال: جاءنى فلان فأَمرنى أَن أَقْتُلَ مَنْ قَدَرتَ عليه، فأَرسلَ إليه
(((ألم آمُرك أَنْ تُنْذر خَالِدًا؟)) قال : : أَردتَ أَمرا فأَرَادَ اللهُ أَمرا، فكان أَمرُ الله فوقَ
أَمرِكَ، وما استطعت إِلَّ الذى كان ، فَسَكَتَ رسولُ الله - صَلَّى الله عليه وسلم - مارَدّ
علیه (٢)
وروى الإِمام أحمد ، ومسلمُ ، والبيهقيُّ ، وغيرهم عن أبى هريرة - رضى الله عنه -
قال : لَمَّا كان يومُ فتح مكَة، وَبَّشَت قريش أَوْبَاشًا لَهَا وأَتْبَاعًا، فقالوا : نُقَدِّم
هؤلاء ، فإن كان لهم شىء كنا معهم ، وإن أُصيبوا أُعْطِينَا الذى سُئلنا فرآئى رسولُ
الله - صَلَّى الله عليه وسلَّم - فقال: ((يَا أَبَا هُرَيْرَة)) قلتُ: لبيك، قال: ((اهْتِفْ
بِالْأَنْصَار، وَلَا يَأْتِينِى إِلَّ أَنْصَارِى)) قال: فَفَعَلْت ما أَمرنى به، فأَتوه، فقال: ((انْظروا
قريشاً وأَوْبَاشهم فأَحْصُدُوهُمْ حَصْدًا)) ثم قال بيديه إحداهُمَا عَلَى الْأُخرى، فأنطلقْنَا
فما أَحَدٌ يوجّه إلينا شيئاً ، وما منا أَحدُ يريدُ أحداً منهم إلاَّ أَخذه ، فجاءَ أَبو سفيان
(١) ونص الحديث ((أيها الناس، إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، فهى حرام بحرمة الله تعالى
إلى يوم القيامة، فلا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دما ، أو يعضد بها شجرة ، فإن أحد ترخص فيها
لقتال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقولوا إن اللّه أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أحلت لى ساعة من نهار، فليبلغ
الشاهد منكم الغائب)) شرح المواهب ٢ : ٣٢٧، ٣٢٨.
(٢) قيل: وهذا الرجل أنصارى فيحتمل أنه تأول، ويحتمل أنه سبق إلى سمعه ما أمر به خالداً كما قد يرشد إلى كل
من الاحتمالين قوله: ((وأراد الله أمراً)) الخ (شرح المواهب ٢ : ٣١١).
- ٣٤٧ -

ابن حربٍ فقال: يا رسولَ اللهِ - أُبيدَت خَضْراءُ قريش، لاَ قُرَيْشَ بعد اليوم . فقال
رسولُ الله - صَلَّى الله عليه وسلَّم - ((مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِى سُفْيَانَ فَهُو آمن، ومَنْ أَلْقَى
السِّلاَحَ فَهُوَ آمَن)) فأَلَتِى الناسُ سِلاَحَهُم .
وروى محمد بن عمر عن جابر - رضى الله عنه- قال: كنت ممن لَزِمَ رسولَ الله
٢٤١ ٥ - صَلَّى / الله عليه وسلم - فدخلتُ معه يوم الفتح فَلَمَّا أَشْرِفَ رسولُ الله - صلَّى الله عليه
وسلَّم - من أَذَاخِر، ورأى بيوت مكَّة، وقف عليها فَحَمَد الله - وأثنى عليه، ونظر
إلى موضْعٍ قُبّته فقال: هَذَا منْزلنا يا جابر حَيْتُ تَقَاسَمَتْ(١) قُرَيْشٌ عَلَيْنَا فى كُفْرِهَا))
قال جابر : فذكرتُ حديثاً كنتُ سمعته منه قبل ذلك بالمدينة، ((مَنْزِلُنَا إِذَا
فَتَحَ الله علينا مكّة فى خَيْف(٢) بَنِى كِنَانَةً حَيْثُ تَقَاسَموا على الكُفْرِ )).
ذكر قراءته - صلى الله عليه وسلم - سورتى الفتح والنصر فى يومه
عن عبد الله بن مُغَفَّل - بضم الميم ، وفتح الغين المعجمة ، والفاء المشددة ، وباللام
- رضى الله تعالى عنه - قال: رأيتُ رسولَ اللهِ - صَلَّى الله عليه وسلَّم - يوم فتح مكّة
على ناقته ، وهو يقرأ سورة الفتح، يُرَجِّع صَوْتَه بالقراءة ، قال معاويةُ بن قُرَّة :
لولا أن يجتمع الناس حَوْلِ لرجَّعْتُ كَمَا رَجَّع عبدُ الله بنُ مُغَفَّل يحكى قراءة النَّبِى
- صَلَّى الله عليه وسلَّم - قال شعبة: فقلتُ لمعاوية : كيف كان ترجيعه ؟ قال : ثلاث
مرّات ، رواه البخارىّ فى التفسير وفضائِل القرآن والمغازى والتوحيد ، ومسلم فى الصّلاة ،
والنسائى ، والحاكم .
وروى الطبرانى عن أبى سعيد الخُدْرى - رضى الله عنه - قال: قال رسولُ اللهِ - صَلَّى
الله عليه وسلَّم - يوم الفتح ((هَذَا مَا وَعَدَنَى رَبِّى)) ثم قرأ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالفَتْحُ(٣))
(١) المراد تحالف قريش وكنانة على بن هاشم وبنى المطلب ألا يناكحوهم ولا يبايعوهم حتى يسلموا إليهم رسول الله
صلى الله عليه وسلم ( السيرة الحلبية ٣: ٩٨، شرح المواهب ٢ : ٣٢٦).
(٢) الخيف: هو ما انحدر من غلظ الجيل وارتفع عن مسيل الماء (شرح المواهب ٢: ٣٢٥).
(٣) سورة النصر آية ١ .
:.
- ٣٤٨ -

فكر منزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الفتح
روى محمد بن عمر عن أبى جعفرٍ - رحمه الله تعالى - قال : كان أَبو رافعٍ قد
ضَرَبَ لرسولِ اللهِ - صَلَّى الله عليه وسلَّم - قُبَّةً بالحَجُون من أدمَ، فَأَقْبل رسولُ اللهِ-
صَلَّى اللهُ عليه وسلَّم - حَتَّى انتهى إلى القُبَّة، ومعه أَمُّ سَلَمَة، ومَيْمُونَة زوجتاه .
وروى البخارىُّ وغيرهُ عن أُسامَةَ بنِ زيد - رضى الله عنهما - أَنه قال : يا رسولَ
الله : أنَّ تَنْزِل غَدَّاً ؟ تنزل فى دارك؟ قال: ((وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عقِيل مِنْ رِبَاعٍ.
أَوْ دَار )) وكان عَقِيل ورث أبا طالب هو وأخوه طالب ، ولم يرثه جعفر ولا على - رضى
الله عنهما - لأَنَّهُما كانا مسلمين ، وكان عَقِيل وطالب كافرين - أَسلم عقيل بعد .
وروى البخارى ، والإِمام أحمد عن أبى هريرة - رضى الله عنه - : أَن رسولَ الله
- صَلَّى الله عليه وسلم - قال: ((منزلنا إِنْ شَاءَ الله تعالى إذا فتح الله بِخَيْفِ بنى كِنَانة
حيث تَقَاسَمُوا على الكفر)) يعنى بذلك المُحَصّب، وذلك أَن قُرَيشًا وَكِنَانة تَحَالَفت
على بنى هاشم، وبنى المطلب أَن لا يناكحوهم ولا يُبَايعوهم حَتَّى يُسْلِمُوا إِليهم رسولَ
اللهِ - صَلَّى الله عليه وَسَلَّم .
وروى محمد بن عمر عن أبى رافع / - رضى اللهُ عنه - قال: قيل لِلنَّبِى - صَلَّى ٢٤١ ط
الله عليه وسلَّم - أَلاَ تنزل مَنْزِلَكَ مِنَ الشِّعْب؟ فقال: ((وهل تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مَنْزِلاً ؟))
وكان عَقِيل قد باع مَنْزِل رسُولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عليه وسلَّم - ومَنْزِلَ إِخوته من الرّجال
والنِّساء بمكة، فقيل لرسولِ الله - صَلَّى الله عليه وَسَلَّم - فانزل فى بعض بيوت مَكَّةً
غير منازلك، فَأَبِى رسولُ اللهِ - صَلَى اللهُ عليه وَسَلَّم - وقال: ((لا أَدْخُلُ الْبُيُوت))
ولم يزل رسولُ الله - صَلَّى الله عليه وسلَّم - مضطربا بالحَجُون لم يدخل بيتاً ، وكان
يأتى المسجدَ لكل صلاة مِنَ الحَجُون .
- ٣٤٩ -

... .
ذكر اغتساله - صلى الله عليه وسلم - يوم الفتح وصلاته وقت الضحى
شكرا لله تعالى
عن أم هانىء(١) - رضى الله عنها - قالت: لما كان عام يوم الفتح فَرَّإلىَّ رجلان
من بنى مخزوم فأَجرتهما ، قالت: فَدَخَلَ عَلَىَّ عَلِيُّ فقال : أَقتلهما ، قالت : فلما سَمِعْتُه
يقول ذلك أتيتُ رَسُولَ اللهِ - صَلَّى الله عليه وسلم - وهو بأَعلى مَكة، فَلَمَّا رآنى رَسولُ
الله - صلَّى الله عليه وَسَلَّم - رَحَّبَ وَقَال: ((مَا جَاءَ بِكِ يَا أُمَّ هَانِىُ، قالت : قلت
يا رسول الله، كُنْتُ أَمَّنْتُ رَجُلين(٢) مِنْ أَحمائى، فأَراد عَلِيُّ قتلهما، فقال رسولُ
الله - صَلَّى الله عليه وسلَّم - قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ))، ثم قام رسولُ الله - صَلَّى الله عليه
وسلم - إلى غُسله فَسَتَرته فاطمة، ثم أَخَذَ ثَوْباً فالتحف به، ثم صلَّى رسولُ الله - صلى
الله عليه وسلَّم - ثَمَانِ ركعاتٍ سُبْحَةَ الضُّحَى ، رواه مسلم والبيهقى .
وعنهما أَنَّ رَسُولَ الله - صَلَّى الله عليه وسلَّم - يوم فتح مكة أغتسل فى بيتها ،
وَصَلَّى ثمانِ ركعات، قالت: لم أَرَه صَلَّى صلاةٌ أَخف منها ، غَيْرَ. أَنَّه يتم رُكُوعَهَا
وَسُجُودَهَا . رواه البخارى والبيهقى .
*
ذِكْرُ رَنَّ ابليس وُحُزْنه وكيد الجن لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -
وزجرهم عنه ودعاء نائلة بالويل
روى أبو يَعْلى، وأَبو نُعيم عن ابن عبّاس - رضى الله عنهما - قال لَمَّا فتح رسولُ
الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - مَكَّة رَنَّ إِبليس رَنَّةً فاجتمعَتْ إِليه ذُرِّيَّتُه، فَقَال :
إِيأَسوا أَن تَردُّوا أُمَّةَ محمد إلى الشِّرك بعد يومكم هذا، ولكن أَفْشُوا فيها - يَغْنى
مكة - النَّوْحَ والشِّعر .
(١) هى بنت أبى طالب الهاشمية قيل اسمها فاختة، وقيل هند، وقيل فاطمة. أسلمت عام الهجرة ولها صحبة ولها أحاديث
وماتت فى خلافة معاوية وروى لها السبعة ( شرح المواهب ٢ : ٣٢٦).
(٢) الرجلان هما : الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم القرشى المخزومى أبو عبد الرحمن المكى.
شقيق أبو جهل . من مسلمة الفتح. استشهد فى خلافة عمر، روى له ابن ماجة . والثانى : هو زهير بن أبي أمية بن المغيرة بن
عبد الله بن عمرو بن مخزوم المخزومى أخو أم سلمة أم المؤمنين - ذكر فى المؤلفة قلوبهم . وقال عنه ابن إسحاق : كان من قام
فى نقض الصحيفة، وأسلم وحسن إسلامه كما قال ابن هشام عبد الملك، وقيل الثانى هو عبد الله بن أبى ربيعة . وقيل أنهما:
الحارث وهبيرة بن أبى وهب - وليس بشىء لأن هبيرة هرب عند الفتح. وقيل الثانى جعدة بن هبيرة ، وفيه أنه كان صغير
السن فلا يكون مقاتلا عام الفتح. ( شرح المواهب ٢ : ٣٢٧).
- ٣٥٠ -

وروى ابن أبى شيبة عن مَکْحُول - رحمه الله - أن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلّم -
لَمَّ دَخَلَ مَكَّة تلقَّته الجنُّ يرمونه بالشَّرَر، فقال جبريلُ - صلَّى الله عليه وسلَّم -
تعوَّذْ يا محمد به ؤلاءِ الكلمات: ((أَعوذ بِكَلِمَاتِ الله النََّمَّاتِ الَّتِى لا يُجَاوِزِهُن بَرٌ
وَلَا فَاجِرٍ، من شر ما ينزلُ منَ السَّمَاءِ وَمَا يَعُرَجُ فِيها ، وَمِنْ شَرِّ مَا بُثَّ فِى الأَرْضِ،
وَمَا يَخْرُجُ مِنْها، وَمِنْ شَرِّ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وَمِنْ شَرِّ كُلِّ طَارِقٍ يَطْرُق إِلَّ بِخَيْرٍ
يَا رَحْمُن)) .
وروى البيهقى عن ابن أَبْزَى - بفتح الهمزة، وسكون الموحدة / وبالزاى، وأَلف ٢٤٢ ,
تأنيث مقصورة - رحمه الله تعالى - قال: لَمَّا فتح رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -
مَكَّةَ جاءت عجوزٌ حَبَشِيَّةٌ شمطاهٍ تَخْمِشُ وَجْهَهَا، وَتَدْعو بالوَيْل، فقال: ((تلك
((نَائِلَةٍ، أَيسَتْ أَنْ تُعْبَدَ بِبَلِدِ كُم هَذَا أَبَدًا)).
ذكر إسلام أبى قحافة عثمان بن عامر والد أبى بكر الصديق -
رضى الله عنهما(١)
روى الإِمام أحمد ، والطبرانى برجالٍ ثقات ، ومحمد بن عمر ، والبيهقى عن أَسماءً
بنت أبى بكر الصديق - رضى الله عنهما - قالت : لما كان عام الفتح ، ونزل رسولُ
الله - صَلَّى الله عليه وسلَّم - بذى طوّى، قال أَبو قُحافة لابنةٍ له - قال الْبَلَاذُرى -
- اسمها أسماءُ، قال محمد بن عمر تسمى : قَرِيبَة - ضدّ بَعِيدَة ، كانت مِنْ أَصغر
ولده : يا بنيّة ، أَشرفى بى على أَبِى قُبَيْس - وَقَدْ كُفَّ بَصَرُه - فَأَشْرَفَتْ بِهِ عليه ،
فقال: أَى بُنَيَّة !! مَاذا ترين؟)) قَالَت: أَرى سواداً مجتمعاً كثيراً، وأَرى رجُلا
يشتدُّ بين ذلك السواد مُقْبلاً ومُدْبِراً ، فقال : ذلك الرجل الوازع ، ثم قال : ماذا
ترين ؟ قَالَت : أَرى السواد قد انتشر وتفرَّق، فقال: والله إذن أنتشرت الخيل ، فأَسرعى
بى إلى بيتى ، فخرجتُ سريعاً حَتَّى إِذا هبطتُ به الأَبْطَحِ لَقِيَتِهَا الخيلُ، وفى عُنِقِهَا
طَوْقٌ لها من وَرِق ، فاقتلعه إنسانٌ مِنْ عُنُقِهَا ، فلما دخل رسول الله - صلَّى الله عليه
(١) أنظر إسلام أبى قحافة فى سيرة النبى لابن هشام ٢: ٤٠٥، والسيرة الحلبية ٣: ١٠٢، والمغازى الواقدى
٢: ٨٢٤، والسيرة النبوية لابن كثير ٣: ٥٥٧، ونهاية الأرب للنويرى ١٧ : ٣١٠.
- ٣٥١ -

وسلَّم - المسجد ، خرج أبو بكر بأَبيه - رضى الله عنهما - يقوده ، وكأن رأس أَبى
فُحَافة ثَغَامَة، فلما رآه رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: هلَّ تركْتَ الشيْخَ
فى بَيْتِه حَتَّى أَكُونَ أَنَا آتَيْه فيه))؟ فقال أبو بكر: يا رسولَ الله، هو أَحق أَن يمشى
إليك من أَن تَمْشِى أَنت إليه، فأَّجلسه بين يَدَى رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم -
فمسح رسولُ الله - صَلَى الله عليه وسلم - صدْرَه، وقال: أَسْلِمْ تَسْلَم، فأَسلم ، ثم
قام أبو بكر فأخذ بيد أَخته فقال: أَنشدكم بالله والإِسلام طَوْقَ أَختى" فوالله مَا جاءَ(١) به
أحد ، ثم قال الثالثة فما جاءَ به أَحد، فقال: يا أُخيَّة، احْتَسِبِى طَوْقك، فوالله إنَّ
الأَمانة فى الناس اليوم لقليل .
وروى البيهقى بسندٍ جيّد قوِىُّ قال: أَخبرنى ابن جُرَيج عن أَبى الزبير عن جابرٍ :
أَن عُمَرَ بن الخطاب - رضى الله عنه - أَخذ بيد أَبِى قُحافة، فَأَتَى به رسولَ الله - صلَّى
الله عليه وسلَّم - فلما وقف به على رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: غَيِّرُوه
وَلَا تُتْرِبُوه سوادا .
قال ابن وهب : وأخبرنى عمر بن محمد عن زيد بن أسلم : أن رسول الله - صلَّى
الله عليه وسلم - هناً أبا بكرٍ بإسلامِ أَبيه .
وروى الإمام أحمد ، وابن حِبَّان عن أنس - رضى الله عنه - قال: جاءَ أَبو بكر
بأَبيه أبى قحافة إلى رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يوم فتح مكة يحمله حَتَّى
٢٤٢ ط وضعه بين يديه فقال لأَّبى بكر /: ((لَوْ أَقْرَرْتَ الشَّيْخَ فِى بَيْتِهِ لَأَتَيْنَاه )» - تكرمةً
لأبى بكر - فأَسلم ورأسه ولحيته كالثَّغَامَة ، فقال غيروهما" قال قتادة هو أول مخضوب
فى الإِسلام . وروى مسلم عن جابر قال : أَتى بأبى قحافة عام الفتح ورأسه ولحيته
مثل الثغامة؛ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : غيروا هذا بشىء وجنبوه السواد
قال الْبَلَاذُرِىُّ: وَرَتَى بَعْضُ المسلمين أَبا قُحافة فشجّه، وأُخِذَت قِلاَدَةُ أَسماءً
ابنته ، فأَدركه أَبو بكر وهو يستدمى ، فمَسَح الدَّمَ عَنْ وجهه انتهى .
(١) كذا فى ت، ط، م. وفى ص ((فا أجابه أحد)).
- ٣٥٢ -

قالوا : وجاءَ خالد بن الوليد إلى رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فَقَال له :
((لِمَ قاتَلْتَ، وَقَدْ نهيت عَنِ القِتَال))؟ قال: هم يارسول الله بَدَكُونَا بالقتال، وَرَشَقُونَا
بالنَّبْل، وَوَضَعُوا فينَا السلاح، وَقَدْ كَفَفْتُ ما استطعت، وقد دَعَوْتُهُم إلى الإِسلام ،
وأن يدخلوا فيما دَخَلَ فيه الناس، فَأَبوا، حَتَّى إِذا لم أَجد بُدَّا قاتلتهم فَظَفَّرنا الله
- تعالى - عليهم، فهربوا فى كُلِّ وجه يا رسول الله؛ فقال رسولُ الله - صلَّى الله عليه
وسلَّم -: ((كُفَّ عَنِ الطََّب)) قال: قد فعلت: فقال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -
((قضاءُ اللهِ خير)) ثم قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم: كُفُّوا السِّلاَحَ إِلا خُزَاعَةَ
عَنْ بَنِى بَكْرٍ إلى صلاة العصر، فَخَبَطَوهُم ساعة، وهى الساعةُ التى أُحِلَّتْ لرسول الله
- صلَّى الله عليه وسلَّم - ولم تَحِلَّ لِأَحدٍ قبله .
*
ذكر دخوله - صلى الله عليه وسلم - المسجد وطوافه وما وقع
فى ذلك من الآيات
قالوا: مكث رسولُ الله - صَلّى الله عليه وسلَّمٍ فى منزله ساعة من النَّهار حَتَّى أطمأَن النَّاس،
فاغتسل ، ثم دعا براحلته القصواء ، فأُدنيت إلى باب قُبَّته، وعاد لِلُبْسِ السِّلاح
والمغفَر على رأسه ، وقد حَف الناس به ، فركب راحلته والخيل تمعج بين الخندمة
إلى الحَجُون ، ومَرَّ رسولُ الله صََّى الله عليه وسلم - وإلى جنبه أَبو بكر الصِّديق يسير
معه يحادثه، فَمَرَّ ببَنَاتِ أَبِى أُحَيْحَة وَقَدْ نَشَرْن شُعُورَهُنَّ - يَلطمن وُجُوهَ الخيل بالخُمُر،
فنظر رسول الله صَلَى الله عليه وسلم إلى أبى بكر فتبسم وذكر بَيْتَ حسان بن ثَابِتْ،
فأَنشده أبو بكرٍ رضى الله عنه :
مُتَمَطِّرَاتٍ
تَظَلُّ چِيَادُنَا
يُلَطِّمُهُنَّ بِالخُمُرِ النِّساءِ(١)
فلما انتهى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ إلى الكعبة فرآها ومعه المسلمون تقدَّم
على راحلته، واستلم الركن بمحْجنه ، وكبر ، فكِبَّر المسلمون بتكبيره ، فرجَّعُوا التكبير
(١) وفى شرح المواهب ٢: ٣٠٩ فتبسم إلى أبى بكر وقال: يا أبا بكر كيف قال حسان. فأنشد، قوله:
تشير النقع موعدها كداء
عدمت بنيتى إن لم تروها
يلطمهن بالخير النساء
يناز عن الأعنة مسرجات
والبيت المذكور يختلف فى شطره الأول عن المذكور فى شرح المواهب وعن السابق ذكره فى ص ٣٤٣ .
(٢٣ - سبل الهدى والرشاد جـ ٥) - ٣٥٣ -

حَتَّى آرتجَّت مكة تكبيراً حَتَّى جَعَل رسولُ الله صَلَى الله عليه وسلم يُشيرُ إليهم
أَن اسكتوا - والمشركون فوق الجبال ينظرون - وطَافَ رسولُ الله - صَلّى الله عليه وسلم
بالبيت ، آخذًا بزمام النَّاقة محمد بن مسلمة ، فأَقْبل على الحَجَرِ فاستلمه ، ثم طاف
بالبيت .
٢٤٣,
وروى أبو نعيم ، والبيهقى مِنْ طريق / عبد الله بن دينار ، وأبو نعيم من طريق
نافع كِلاَهُمَا عن ابن عمر - رضى الله عنهما - وأَبو نُعيم والبيهقى من طريق سعيد بن
جبير وابن اسحاق والبيهقى وأبو نعيم ، وابن مندة ، ومحمد بن عمر عن ابن عباس -
رضى الله تعالى عنهما - أَن رسول الله - صَلَى الله عليه وسلم - دخل مكَّةَ يوم فتح مكة ،
وحَوْلَ الكعبة ثلاثمائة وستون صَنَماً مُرَصَّعة بالرَّصَاص، وكان هُبَلُ أَعظمها وهو وجاه
الكعبة ، وإِساف ونائلة حيث ينحرون ويذبحون الذَّبائح ، وفى یَدِ رَسُولِ الله صلَّى الله
عليه وسلم - قَوْسُ وقد أَخذ بِسِيَةِ القوس، فجعل رسول الله صَلّى الله عليه وسلم كُلَّمَا مَرَّ
بصنم مِنْهَا يشير إليه وَيَطْعَنُ فى عينه ويقول: (جَاءَ الحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ
زَهُوقً(١)﴾ فَمَا يُشِير إلى صَنْم إلا سقط لوجهه. وفى لفظٍ لقفاه، من غير أَن يَمَسَّه. وفى ذلك
يقول تميمُ بن أسد الخزاعى :
فَفِى الْأَصْنَامِ مُعْتَبِرٌ وَعِلْمٌ
لِمَنْ يَرْجُو الثَّوابِ أَو الْعِقَابَا
قال أئمة المغازى - رحمهم الله تعالى ـ : فطافَ رسولُ الله - صَلَى الله عليه وسلم سبْعاً
على راحلته يَسْتَلِمِ الرُّكنَ الأَسْوَدَ بِمِحْجَنِه كل طواف ، فلما فرغ من طوافه نزل عن
راحلته .
وعند ابن أبى شيبة عن ابن عمر ، قال : فما وجدنا مَنَاخاً فى المسجد حَتَّى أُنزل على
أيدى الرجال، ثم خرج بها، قالوا: وجاءَ مَعْمَر بن عبد الله بن نَضْلَة - بالنون، والضاد
المعجمة - فأخرج الرَّاحلة فأَناخها بالوادى، ثم انتهى رسول الله صَّى الله عليه وسلم،
إلى المقام - وَهُوَ لاَصِقٌ بالكعبة، والدِّرع عليه والمِغْفَرُ وعمامته بين كتفيه، فَصَّى
(١) سورة الإسراء آية ٨١.
- ٣٥٤ -
عے

ركعتين ثم انصرف إِلى زَمْزَم فاطلع فيها وقال: (( لَوْلا أَنْ تُغْلَبَ بَنُو عَبْدِ المُطَّلِبِ (١) لَنَزَعْتُ
مِنْهَا دَلْواً)) ، فنزع له العباس بن عبد المطلب - ويقال الحرث بن عبد المطلب - دَلْواً ،
فشرب منه وتوضأً والمسلمون يبتدرون وَضُوءَ رسولِ الله - صَلَى الله عليه وسلم - يصبُّونه
على وُجُوههم ؛ والمشركون ينظرون إليهم ويتعجّبون ويقولون: ما رأَيْنَا مَلِكاً قط أَبلغ
من هذا ولا سمعنا به .
وأَمر بهبَل فَكُسِر وهو واقف عليه، فقال الزُّبير بن العَوَّام لأَّبِى سُفْيَان بن حرب : يا أباسفيان
قد كُِرِ هُبَل، أَما إِنك قَدْ كنت منه يَوْمَ أُحُد فى غُرُور حين تزعم أنه أَنعم ، فقال
أبو سفيان : دع عنك هذا يابن العوام ؛ فقد أَرى لو كان مع إِله محمد غيره لكان غير
ما كان ، ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس ناحية من المسجد والناس حوله .
وعن أبى هريرة رضى الله عنه - قال : كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلم يوم الفتح
فَاعِداً ، وأَبو بكرٍ قائم على رأس رسول الله - صَلَى الله عليه وسلَّمَ بالسيف. رواه البزار.
ذكر أكله ــ صلى الله عليه وسلم - عند أمّ هانىء رضى الله عنها (٢)
روى الطبرانى عن ابن عباس - رضى الله تعالى عنه أَنَّ رَسُولَ الله - صَلَى الله عليه وسلم -
قال لأُم هانى يوم الفتح: هَلْ عِنْدَكِ / مِنَ طَعَامٍ نأُكله)»؟: قالت: ليس عندى إِلَّا كِسرٌ
يابِسَة، وإنى لأُستحِى أَن، أُقدِّمها إِليك. فقال: ((هَلُمِّى بِهِنَّ)) فكسَّرُهُن فى ماء، وجاءت
بملح، فقال: ((هَلْ مِنْ أدم )) ؟ فقالت: ما عندى يارسول الله إِلا شىء من خَلّ، فقال :
هَلُمِّيه))، فَصبه عَلَى الطَّعَام وأَكَلَ مِنْه ثُم حَمِدَ اللّه ثم قال: ((نِعْمَ الْأُدُمُ الخَل، يأُمَّ هَانِىء
لَا يَفْقَرُ بَيْتُ من أدم فيه خل »
٢٤٣ ظ
ذكر اطلاعه - صلى الله عليه وسلم - على ماهم به
فضالة بن عمير بن الملوح
قال ابن هشام : حدثنى بعض أهل العلم أَنَّ فَضَالةَ بن عُمَيْر بن المُلَوَّحِ اللَّيْى أراد
قَتْلَ رسولِ الله - صَلَى الله عليه وسلَّمَ وهو يَطُوفُ بالبيت - عام الفتح - فلما دَنَا منه
(١) أى يغلبهم الناس على وظيفتهم، وهى النزع من زمزم (السيرة الحلبية ٣ : ١٠١).
(٢) ورد هذا العنوان فى ت، ط، م قبل ((ذكر اطلاعه صلى الله عليه وسلم على ما هم به فضالة الخ)) وفى ص ورد بعد العنوان
المذكور .
- ٣٥٥ -
/

قال رسول الله صَلَى الله عليه وسلم ((أَفَضَالَةً؟ قال: نعم. قال: ((مَاذَا كُنْتَ تُحَدِّثُ بِهِ
نَفْسَكَ؟ )) قال: لاشىء، كُنْتُ أَذكر اله، فَضَحِكَ رسولُ الله - صَلَى الله عليه وسلَّمَ ثم
قَالَ: ((اسْتَغْفِرِ الله)). ثم وضع يده على صدره فسكن، وكان فضالَةُ يقول: والله مارفع
يَدَه عن صدرى حتَّى ماخُلِقَ شِئْ أَحبّ إِلىّ منه، ورجع فَضَالَة إِلى أَهله ، قال : فمررت
بامرأة كنتُ أَتحدث إليها ، فقالت : هلُمَّ إِلى الحديث ، فقال لا . وانبعث فضالة
يقول :
قالت هَلُمَّ إِلى الحديث فقلت لَا
الله والإِسْلَامُ
يأبى عَلَّ
إِذ(١) ما رأَيْتِ محمّداً وقبيلَه
بالفتح يَوْمَ تُكَسَّرُ الأَصْنَامُ
لرأَيتِ دِين الله أَضحى بيِّناً
والشِّركَ يَغْثَى وَجْهِهِ الإِظْلَامُ
ذكره أبو عمر فى الدُّرر ، ولم يذكره فى الاستيعاب ، وهو على شرطه ، وذكره القاضى
فى الشفاء بنحوه .
ذكر الآية فى رفعه - صلى الله عليه وسلم - على بن أبى طالب
رضى الله عنه - لالقاء صنم قريش
روى ابْن أبى شيبة، والحاكم عن على - رضى الله عنه - قال : انْطلق رسولُ
الله صلَّى الله عليه وسلم حَتَّى أَتى بى الكعبة، فقال: ((اجْلِس)) فَجَلَسْتُ بجنب
الكعبة، فَصَعِدَ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - على منكبى فقال: ((انهض)) فنهضت ،
فَلَمَّا رأى ضعفى تحته قال: ((أُجْلِس)) فجلست، ثم قال: ((يَاعَلَىّ، اصْعَد عَلَى منكى)»
ففعلت ، فلما نهض بى خُيِّل إِلى لو شئتُ نِلْتُ أُفق السماء ، فصعدتُ فوق الكعبة ،
٢٤٤, وتنحَّى رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - فقال: ((أَلْقِ صَنَمَهُمْ / الأَكْبَر)) وكان من
(١) كذا فى الأصول، وفى شرح المواهب ٢: ٣٣٤ (( لو ما رأيت محمداً وقبيله .. )).
- ٣٥٦ -
1

نحاس موتّدٍ بأوتادٍ من حديد إِلى الأَرض، فَقَالَ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم :
((عَالِجْه)) ويقول لى: ((إِيه إِيه)) ((جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقا)).
فلم أَزَلْ أُعالجُهُ حتَّى استمكنتُ منه
ذكر طلبه - صلى الله عليه وسلم - المفتاح من عثمان بن طلحة
رضى الله عنه
١
روى محمد بن عمر عن عبد الله بن عمر ، وابن أبى شيبة عن أبى هريرة - رضى.
الله عنهما - ومحمد بن عمر عن علقمة بن أبى وَقَّاص اللَّيْثى - رحمه الله تعالى - ومحمد
ابن عمر عن شيوخه يزيد بعضهم على بعض ، قال عبد الله : كان عثمان قد قدم على
رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - بالمدينة مُسْلِمًا مع خالد بن الوليد ، وعمرو بن العاص
قبل الفتح ، فلَمَّا فرغ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلم من طوافه أرسل بِلاَلاً إِلى عثمان
ابن طلحة يأتيه بمفتاح الكعبة، فجاء بلال إلى عُثْمان ، فقال: إِن رسول الله - صلَّى
الله عليه وسلم - يأمُرُك أَن تأتى بالمفتاح، فقال: نعم هو عند أبى سُلاَفة(١)، فرجع بلال
إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره أنَّه قَالَ نعم، وأَن المفتاح عِنْدَ أُمِّه،
فبعث إليها رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - رسولاً فجاء، فقالت: لا، واللَّت والعُزَّى،
لَا أَدفعه إِليك أَبدا، فقال عثمان يا رسول الله أَرْسِلْنى أُخلصه لك منها، فأَرسله، فقال :
يا أُمه ادفعى إلى المفتاح، فإِن رَسُولَ الله - صَلَى الله عليه وسَلَّم - قَد أَرسل إلىّ،
وأَمرنى أَن آتيه به، فقالت أُّه: لا. واللَّت والعُزَّى لا أَدفعه إليك أبدًا. فقال :
لا لات ولا عزى إِنَّه قَد جاءَ أَمرُ غير ما كُنَّا عليه، وإِنَّك إن لم تَفْعَلى قُتِلْتُ أَنَا وَأَخِى
فأَنت قَتَلْتِينَا، فوالله لَتَدْفَعِنَّه أَو ليأْتِينَّ غيرى فيأخذه مِنك، فأَدخلته فى حُجْزتها،
وقالت : أَى رجل يدخل يده ههنا ؟ .
قال الزهرى فيما رواه عبد الرَّزاق، والطبرانى: فَأَبطأَ عثمان ورسولُ الله - صلَّى الله
عليه وسلم قائِمٌ ينتظره حَتَّى إِنه لينحدر منه مثل الجمان من العرق، ويقول: ((مَايَحْبِسُه
(١) هى سلافة بنت سعيد الانصارية الأوسية، أسلمت بعد عثمان (شرح المواهب ٢: ٣٣٨) «وفى المغازى الواقدى
٢ : ٨٣٣ وسلافة بنت شيبة))
- ٣٥٧ -

فَيَسْعَى إِلَيْهِ رَجُل)) انتهى. فبينما هما على ذلك وهو يكلمها إِذ سمعت صوت أبى بكر
وعمر - رضى الله عنهما - فى الدَّار، وَعُمَرُ رافعٌ صوته حين أَبطأً عثمان ... يا عثمان
آخرج ، فقالت أمُّه : يا بنىّ خذ المفتاح، فإِن تأخذه أَنت أَحب إِلَّ مِنْ أَن يأخذه
تيم وعدى ، فأَخذه عثمان، فخرج يمشى به حَتَّى إِذا كان قريباً مِن وجه رسولِ الله
- صلَّى الله عليه وسلم - عثر عثمان فسقط منه المفتاح، فقام رسولُ الله - صلَّى الله عليه
وسلم - إِلى المفتاح فحنى عليه بِثَوبه .
وروى الفاكهى عن ابن عمر : أَن بنى أبى طلحة كانوا يقولون : لا يفتح الكعبة
إِلَّ هم ، فتناول رسولُ الله - صَلَّى الله عليه وسلم - المفتاحَ ، ففتح الكعبة بيده.
٢٤٤ ظ وروى ابن أبى شيبة بسندٍ جَيِّدٍ عن أَبى السفر - رحمه الله تعالى - قال /: لما دخل
رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - مكة دعا شيْبَةَ بن عثمان بالمفتاح - مفتاح الكعبة -
فتلكأً، فقال لعمر: قُمْ فاذْهَب مَعَه فإِن جَاءَ بِهِ وإلاَّ فَأُجْلد رَأْسَه (١) )) فجاءَ به
فأَجاله (٢) فى حجره .
ذكر أمره - صلى الله عليه وسلم - بازالة الصور عن البيت
قبل دخوله اياه
روى أبو داود، وابن سعد، ومحمد بن عمر، واللفظ له: أَن رسول الله - صلَّى
الله عليه وسلَّم أَمر عمر بن الخطاب - وهو بالبطحاء - أَن يأتى الكعبة فيمحو كُلَّ
صورةٍ فيها ، فلم يدخلها حتَّى مُحِيَت الصُّور ، وكان عمر قد ترك صورة إبراهيم فلما
دخل رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - رأَى صورةَ إبراهيم، فقال يا عمر: ((أَلَم
آمُرُك أَلَّ تَدَعْ فِيهَا صُورَةً؟ ، قَاتَلَهُم الله، جَعَلُوه شَيخًا يَسْتَقِسِمُ بِالأَزْلاَم)) . ثم رأَى
صورة مريم، فقال: ((امسَحُوا مَا فِيهَا مِنَ الصُّور، قَاتَلَ اللهُ قَوماً يُصَوِّرُونَ مَالَا يَخْلُقُون)).
وروى البخارى عن ابن عباس - رضى الله عنهما - وابن أبى شيبة عن عكرمة أَن رسول
الله - صَلَّى الله عليه وسلم - لَمَّا قَدِمَ مَكَّةً أَبِى أَن يَدخُلَ البيت وفيه الآلهة يعنى الأصنام،
(١) كذا فى الأصول، وفى شرح المواهب ٢: ٣٣٩ ((فأخله رأسه)).
(٢) كذا فى الأصول، وفى شرح المواهب ٢: ٣٣٩ (( فوضعه فى حجره)).
- ٣٥٨ -

فَأَمَرَ بها فأُخرجت صورة إبراهيم وإسماعيل فى أيديهما الأَزْلام ، فقال رسولُ الله - صَلَّى
الله عليه وسلم - : ((قَاتَلَهُمُ اللّه لَقَد عَلِمُوا أَنَّهُمَا لَمْ يَسْتَقْسِمَا بهمَا قَطْ)). زاد ابن أَبى
شَيبَةَ : ثم أَمر بثوبٍ فَبُلَّ وَمَحا به صورهما .
وعند ابن أبى شيبة عن ابن عمر : أَن المسلمين تَجَرَّدوا فى الأُزر وأَخذوا الدِّلَاءِ،
وانجروا على زمزم يغسلون الكعبة ظَهْرَهَا وبطنها ، فلم يدعوا أَثَرًا من المشركين إِلا
محوه وغَسَلُوه .
ذكر دخول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - البيت وصلاته فيه
روى البخارى فى الصَّلاة، ومُسْلم فى الحج ، عن الإِمام مالك بن أنسٍ، والبخارى
فى الصَّلَاةِ والمغازى عن جُوَيْرِيَة بن أَسماءَ، والبخارى فى الصَّلاَةِ، ومسلم فى الحج عن يونس
ابن يزيد عن أيوب، والبخارى فى الصَّلاة والمغازى عن موسى بن عُقْبة ، والبخارى فى
المغازى عن فُلِيح بن سليمان ، ومسلم فى الحج عن عبد الله بن عمر ، ومسلم فى الحج ،
والنسائى فى الصَّلاة عن خالد بن الحرث عن ابن عون، وابن عَوَانة ، وابن ماجة فى الحج
عن حَسَّان بن عطية كلُّهم عن نافع ، والبخارى فى الحج عن سالم بن عبد الله بن عمر ،
وفى كتاب الصَّلاة عن مجاهد ، والإِمام أحمد عن ابن عمر ، وابن دينار ، والإِمام أحمد
والنسائى عن ابن أبى مُلَيْكَة، والإِمام أحمد ، والطبرانى عن أَبى الشعثاء كلهم عن عبد الله
ابن عمر بن الخطاب ، وابن أبى شيبة بسندٍ حسن ، وأَبو جعفر الطحاوى عن جابر بن
عبد الله، وابن قانع عن أبى بشرٍ / ومُسَافِع بن شيبة عن أبيه شيبة بن عثمان، وأَبو جعفر ٢٤٥ ,
الطحاوى مِن طريقين عن عبد الله بن الزجاج ، والإِمام أحمد ، والأَرْرقى عن ابن أَبى
مليكة عن عبد الله بن الزبير ، والطبرانى برجال الصحيح عن عبد الرحمن بن صفوان،
والإِمام أحمد والطحاوى ، وابن قانع بسندٍ حسنٍ ، وأبو داود بسندٍ ضعيفٍ عن
عمر بن الخطاب . والبزار بسندٍ ضعيفٍ عن أبى هريرة ، والحاكم فى صحيحه ، والبيهقى
عن عائشة - رضى الله تعالى عنها - قال يُونس بن يزيد: إِن رسول الله - صلَّى اللهُ عليه
وسلم - أقبل يوم الفتح من أَعلىِ مَّة على راحلته، زاد فُليح : القصواء - وهو مُرْدِفٌ
- ٣٥٩ -

أسامة، ومعه بلال، وعثمان بن طلحة ، حتى أَناخ فى المسجد . ولفظ فُلَيْح : عند البيت.
وقال اعثمان : ائتنى بالمفتاح ؛ قال أيوب: فذهب إِلى أُمِّه. فأَبت أن تعطيه المفتاح
فقال: والله لَتُعْطِيَنه أَو لَأُخرِجنَّ هذا السَّيْفَ من صُلى ، فلما رأت ذلك أَعطته إياه ،
فجاءَ به ، ففتح عثمانُ له الباب ، ثم اتفقوا ، فدخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
وأسامة وبلال(١) وعثمان بن طلحة وقال ابن عوف - كما عند النسائى - والفضل بن عباس،
ولأَحمد نحوه عن ابن عباس - بعد أن ذكر الثلاثة الأول - ولم يدخلها أحد معهم ،
زاد مسلم فأَغلقوا عليهم الباب .
وعند محمد بن عمر عن شيوخه: فأَمر رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - بالكعبة
فأُغلقت . ولفظ الإمام مالك: فأَغلقاها عليه ، وفى رواية ابن عوف : فأَجاف عليهم
عثمان الباب . زاد حسّان بن عَطِيَّة : من داخل .
وفى حديث صفية بنت شيبة عند ابن إسحاق ، فوجد رسولُ الله - صَلَّى الله عليه
وسلم - فى البيت حمامةً من عَيدانٍ ، فكسرها بيده ، ثم طرحها .
وفى حديث جابر أَن رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - لمَّا دخل البيْتَ رأَى فيه
تمثال إِبراهيم ، وإِسماعيل ، وإِسحاق ، وقد جعلوا فى يد إبراهيم الأَزْلام يَسْتَقسِمُ بها ،
فقال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - : ((قَاتَلَهُم الله، لَقَد عَلِمُوا مَا كَانَ إِبرَاهِيمُ
يَسْتَقْسِمُ بِالأَزْلَامِ )). ثُمَّ دَعَا رسولُ الله - صَلَّى الله عليه وسلَّم - بزعفران فلطخَه بتلك
التماثيل .
وعند ابن أبى شيبة عن أبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ، ويحيى بن عبد الرحمن
ابن حاطب - رحمهما الله تعالى - قالا: إِن رسول الله - صَلَّى الله عليه وسلم - لما دخل
الكعبة كبّر فى زواياها وأرجائها، وحمد الله تعالى ، ثم صَلَّى ركعتين بين أسطوانتين ،
قال يونس : فمكث نَهَاراً طويلاً، ولفظُ فُلَيْح: زماناً طويلاً، ولَفُظ جويرية : فأَطال،
ولفظ ابن عوف : فمكث فيها مليًّا ، ولفظ أيوب : فمكث فيها ساعة . وفى رواية ابن
(١) سقط فى الأصول. والإثبات عن شرح المواهب ٢: ٣٤١.
- ٣٦٠ -