النص المفهرس

صفحات 321-340

وقال حسّان بن ثابت - رضى الله عنه تعالى - يُحرّضُ الناس ويذكر مُصَابَ(١)
رجال خزاعة :
رِجَالُ بَنِى كَعْبٍ تُحَزُّ رِقَابُهَا
عَنَانِى وَلَمْ أَشْهَدْ بِبطحاء مَكَّة
وَقَتْلَى كَثِيرٌ لَمْ تُجَنَّ ثِيَابُهَا
بأَيْدِى رجالٍ لم يَسُلُّوا سُيُونَهُمْ
سُهَيْلَ بِنَ عَمْرٍوٍ حَرُّهَا وَعِقَابُهَا
أَلاَ لَيْتَ شِعْرِى هَلْ تَنَالَنَّ نُصْرَتِى
إِذَا اخْتُلِبَتْ صِرْفاً وأَعْصَلَ نَابُهَا
فَلاَ تَأَّنَنْها يا ابنَ أُمِّ مُجَالِدٍ
لَهَا وَقْعَةٌ بِالْمَوْتِ يُفتَحُ بَابُهَا
وَلَا تَجْزَعُوا مِنْهَا فَإِنَّ سُيوفنا
قال ابن إسحاق: وقول حَسَّان - رضى الله عنه /: بأيدى رجالٍ لم يَسُلُّوا سيوفهم: ٢٣٢ ظ
يعنى قريشاً ، وابن أُم مُجَالِدٍ ؛ عِكْرِمَةُ بنُ أَبى جهل .
واستخلف رسولُ اللهِ - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - على المدينة أَبا رُهْم كُلْثُوم بن حُصَين
الغفارى، ويقال ابن أم مَكْتُوم ، وذكره ابن سعد ، والبَلاَذُرِى، والأَّل هو الصحيح،
وقد رواه الإِمام أحمد والطبرانى بسندٍ حسن عن ابن عباس - رضى الله عنهما .
***
ذكر خروجه - صلى الله عليه وسلم - من المدينة قاصدا مكة
قال محمد بن عمر - رحمه الله تعالى - خرج رسولُ اللهِ - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم -
يوم الأربعاء بعد العصر [لعشر خلون](٢) من رمضان، ونادى منادیه: (( مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ
فَلْيَصُمْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُفْطِرَ فَلْيُفْطِرِ)) وصام رسولُ اللهِ - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - فما
حَلَّ عُقْدَةً حَتَّى أَنتهى إلى الصُلْصُل(٣)، وخرج فى المهاجرين والأنصار ، وطوائف من
العرب، وقادوا الخيل، وامتطوا الإِبل، وقدَّم رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -
(١) وانظر الشعر فى سيرة النبى لابن هشام ٢: ٣٩٨، وشرح المواهب الزرقانى ٢: ٢٩٤، والبداية والنهاية لابن
كثير ٤ : ٢٨٣.
(٢) الإضافة عن الواقدى ٢: ٨٠١ .
(٣) الصلصل: موضع على سبعة أميال من المدينة، وهو جبل معروف اليوم فى أثناء البيداء على يمين المتجه إلى مكة شرق
عظم إلى القبلة ( وفاء الوفا ٢ : ٣٣٦ ط الآداب ) .
(٢١ - سبل الهدى والرشاد جـ ٥)
- ٣٢١ -

أمامه الزُّبَيْرِ بنَ العَوَّام فى مائتين من المسلمين، ولما بلغ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -
البيداءَ قال فيما رواه محمد بن عمر عن أبى سعيد الخُدْرِىّ: ((إنى لأَرَى السَّحَابِ يُسْتَهَل
بنصر بنی کعب )).
ولما دخلَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العَرْج(١) وهو صائِم ، صَبّ الماءَ على رأسه
ووجهه من العطش - كما رواه الإمام مالك، ومحمد بن عمر عن رَجُلٍ من الصحابة-
وروى الحاكم فى الإكليل بِسَندٍ صحيح عن أبى هريرة - رضى الله عنه - قال: ((رأيتُ
رسولَ اللهِ - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - بالعَرْجِ يَصُبُّ الماءَ على رأسه من الحرِّ وهو
صائم))، ولما سار رسولُ الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - عن العَرْج - وكان فيما بين العَرْجُ
والطَّلوب (٢) - نظر إلى كَلْبَةٍ تَهِرُّ عن أولادها، وهُنَّ حَوْلَا يَرْضَعْنَها، فَأَمَرَ جميل بن
سراقة - رضى الله عنه - أن يقوم حذاءها ؛ لا يعرض لهما أَحَدُ من الجيش ، ولا
لأولادها (٣).
وقدم - صلَّى الله عليه وسلَّم - بمائة جريدة(٤) تكون أمام المسلمين ، فلما كانوا بين
العَرْجِ والطَّلوب أَتوا بعَيْنٍ من هوازن، فأستخبره رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -
فَأَخبره أَنّ هوازن تَجْمَعُ لَهُ فقال: ((حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكيل)) فأَمر رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - خالد بن الوليد أن يحبسه لئلا يذهب فيحذر الناس، ولما بلغ قُدَيْدًا(٥)
لقيَته سُلَيْم هناك، فعقد الألوية والرّايَات، ودفعها إلى القبائل(٦)
(١) العرج: قرية جامعة على ثلاثين ميلا من المدينة (وفاء الوفا ٤ : ١٢٦٣).
(٢) الطلوب: ماء فى الطريق بين المدينة ومكة (معجم ما استعجم ٤٥٤).
(٣) وفى شرح المواهب ٢: ٣٠٢ ((روى البيهقى عن ابن شهاب: أن أبابكر قال: يارسول الله أرانى فى المنام وأراك
دنونا من مكة فخرجت إلينا كلبة تهر ، فلما دنونا منها استلقت على ظهرها فإذا هى تشخب لبناً . فقال صلى الله عليه وسلم :
ذهب كلبهم وأقبل درهم، وهم سيأوون بأرحامهم، وإنكم لاقون بعضهم فإن لقيتم أبا سفيان فلاتقتلوه، وسترد فى السياق
فيما بعد .
(٤) وعبارة الواقدى فى المغازى ٢: ٨٠٤ ((تقدمت أمامه جريدة من خيل طليعة تكون أمام المسلمين)).
(٥) قديد: قرية جامعة بين مكة والمدينة، كثيرة المياه (وفاء الوفاء: ١٢٨٧ - شرح المواهب ٢: ٢٩٩).
(٦) دفع لبنى سليم لواء وراية، وبنى غفار راية، وأسلم لواءين، وبنى كعب راية، ومزينة ثلاثة ألوية، وجهينة
أربعة ألوية، وبنى بكر لواء، وأشجع لواءين (شرح المواهب ٢: ٣٠٢ - السيرة الحلبية ٣ : ٩٠).
- ٣٢٢ - ٥

وروى محمد بن عمر عن يزيد بن أسلم ، وأَبى الحويرث - رحمهما الله تعالى -
أن رسولَ اللهِ - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - لما آنتهى إلى قُدَيْدِ قيل له: يا رسول الله
هل لك فى بِيضِ النساء ، وأُدْم/ الإِبل؟ بنى مُدْلِج، فقال :- صَلَّى اللهُ عليه وسلَّم - : ٢٣٣ ,
(((إِن الله عَزَّ وَجَلَّ حَرَّمَهُن عَلَىَّ بِصِلَةِ الرَّحِم)). وفى لفظٍ ((ببر الوالد، ووَكْزهم فى
لبّات الإِبل)».
وقَدم العباس على رسولِ اللهِ - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - مُسْلِمًا . قال ابن هشام :
لقيه بالجُحْفَةِ(١) فأَرسل ثقله إلى المدينة، وسار مع رسولِ اللهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم.
قال البَلاذُرِى: وقال رسولُ الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((هِجِرَتُكَ يا عَمُّ آخِرُ هِجْرَةٍ ،
كما أَنْ نُبُوّتِى آخر نُبُوَّة)) وأَبو سفيان بن الحرث بن عبد المطلب ، وعبد الله بن أبى
أُميّة بن المغيرة لَقِيَاهُ بنَقْبِ العُقَاب (٢)، وستأَتَى قصة إسلامهما فى ترجمتهما.
ذكر فطره - صلى الله عليه وسلم - وأمره به
روى مسلم ، والترمذى عن جابر، والشيخان ، وأبو داود ، والنسائى ، والطحاوىّ
عن ابن عباس - رضى الله عنهم - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج من المدينة
فى غزوة الفتح فى رمضان يصوم ويصومون، حتى بلغ الكُدَيْد بين عُسْفَان وقُدَيْد ، وفى
روايةٍ بين عُسْفان وأَمَج(٣) ، وفى حديث جابر : كُرَاعِ الغميم، بلغه أَنَّ الناسَ
شقَّ عليهم الصيام ، وقيل له : إنما ينظرون فيما فعلتَ ، فلما استوى على راحلته بعد
. العصر دعا بإناء من لبن ، أَو ماء ، وجزم جابر بأنه ماء . وكذا ابن عباس ، وفى روايةٍ :
فوضعه على راحلته ليراهُ النّاسُ، فشرب فأَقطر، فناوله رجلاً إلى جنبه فَشَرِبَ
(١) الجحفة : أحد المواقيت، قرية كانت كبيرة ذات منبر على نحو خمس مراحل، وثلثى مرحلة من المدينة وعلى
نحو أربع مراحل ونصف من مكة، وكانت أولا تسمى ((مهيعة)) (وفاء الوفاء : ١١٧٤).
(٢) نقب العقاب. ويقال نيق العقاب: موضع قرب الجحفة (وفاء الوفا ٤: ١٣٢٥ - شرح المواهب ٢ : ٣٠١ -
سيرة النبى لابن هشام ٤ : ١٤ ).
(٣) أمج: بلد من أعراض المدينة، وقيل واد من حرة بنى سليم يصب فى البحر بعد خليص بجهة مكة بميلين. وبعده
بميل وادى الأزرق ( وفاء الوفا ٤ : ١١٣٠).
- ٣٢٣ -

فقيل له بعد ذلك: إِنَّ بعض الناس صَامَ، فقال: ((أُولئكَ الْعُصَاة، أولئك العُصَاةِ))
فلم يزل مفطراً حَتَّى انسلخ الشهر .
وروى مسلم عن أبى سعيد الخُدْرِى - رضى الله عنه - قال سافرنا مع رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - ونحنُ صِيَامٌ، فنزلنا منزلاً ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :
((إِنكم قَدْ دَنَوْتُم مِن عدوّكم، والفطرُ أقوى لكم)) وكانت رخصة؛ فَمِنَّا مَنْ صام ،
ومِنَّا مَنْ أَفطر، ثم نزلنا منزلاً آخر، فقال: ((إِنكم مصبحوا عدوّكم ، والفطْرُ أَقوى
لكم ، فافطروا )) فكانت عزيمة ، فأَفطرنا .
ذكر نزوله - صلى الله عليه وسلم - بمر الظهران
قالوا : ونزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم والمسلمون مرّ الظَّهْران عشاء، وأَمر
أصحابه أن يوقدوا عشرة آلاف نار ، وجعل على الحرس عمرَ بن الخطاب - رضى الله
تعالى عنه - قال عروةُ كما عند ابن عائذ، وبه جزم ابنُ عقبة وابنُ إِسحاق ، ومحمدُّ
ابن عمر وغيرهُ، وعُِّّيَت الأخبارُ عن قريش ، فلم يبلغهم حرفٌ واحدٌ عن
مسير رسولِ اللهِ - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - ولايدرُون ما هو فاعلٌ، وهم مُغْتَمُّونَ لما يخافون
من غزوه إِيّاهم ، فَبَعَنُوا أَبَا سفيان بن حرب .
وروى إسحاق بن راهويه ، والحاكم ، والبيهقىُّ بسند صحيح عن ابن عباس - رضى
الله عنهما - قال : مضى رسولُ اللهِ - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - عَامَ الفتح حتى نزلْ مرّ
٢٣٣ ط الظّهْران فى عشرة آلاف / من المسلمين، وقد عُمِّت الأخبار عن قريش فلا يأتيهم خبرٌ
عن رسولِ اللهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم - ولايدرون ما هو صانع.
وفى الصحيح عن عُرْوة قال : لمّا سار رسولُ اللهِ - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - عام
الفتح بلغ ذلك قريشاً ، فخرج أَبُو سفيان بن حربٍ يتحَّس الأخبار . وقالت قريش :
لأَبِى سفيان : إِن لقيت محمداً فُخذْ لنا منه أماناً ، فخرج هو وحكيم بن حزام ، فلقيا
بُدَيْل بن ورقاء ، فاستتبعاه ، فخرج معهما يتحسّسُون الأخبار ، وينظرون هل يجدون
- ٣٢٤ -

خَبراً، أَو يسمعون به، فلما بَلَغُوا الأَرَاكَ من مرّ الظَّهْران، وذلك عَشِيًّا رَأَوْا العسكرَ
والقِبَابَ والنِيرانَ كَّنها نيران عرفة (١)، وسمعوا صهيل الخيل، ورُغَاءَ الإِبل، فَأَفْزَعَهم
ذلك فَزَعَاً شديداً. قال عروة كما فى الصحيح - : فقال بُدَيْل بن ورقاءَ : هؤلاءِ
بنو كعب - وفى روايةٍ بنو عمرو: يعنى بها خزاعة - حَمَشَتْهَا(٣) الحرب . فقالَ أَبُوسُفيان :
بنو عمرو أَقلُّ من ذلك .
ذكر المنام الذى رآه أبو بكر الصديق - رضى الله عنه
روى البيهقيُّ عن ابن شهابٍ - رضى الله تعالى عنه - أَن أبا بكر قال : يا رسولَ
الله !! أُرَانى فى المنام وأُراك دَنَوْنَا من مكة، فخرجتْ إِلينا كلبةٌ تَهِرّ ، فلما دَنَوْنَا
منها اسْتلقَتْ على ظهرها، فإِذَا هى تشخُبُ لبناً ، فقالَ رسولُ الله - صلَّى الله عليه
عليه وسلَّم (( ذَهَبَ كَلَيُهم وأَقبل دُرُّهم، وهم سيأوون بأَرحامهم وإنكم لاقون بعضهم
فإن لقيتم أَبا سُفْيانَ فلا تَقْتُلُوه .
* *
* :
ذكر إعلامه - صلى الله عليه وسلم - بالليل بأن أبا سفيان فى الأراك
وأمره بأخذه
روى الطبرانىُّ عن أَبِى لَيْلَى - رضى الله عنه - قال: كُنّا مع رسولِ الله - صلَّى الله
عليه وسلَّم - بِمَرَ الظَّهْران، فقال: ((إِنَّ أَبَا سُفْيَان بالْأَرَاكِ فَخُذُوه)) فدخلنا ،
فأخذناه .
قال ابن عُقْبَة : فبينما هم ؛ يعنى أَبا سُفيان، وحكيم بن حزام، وبُدَيْلاً بن ورقاء
كذلك لم يَشْعُرُوا حتى أَخذهم نَفَرٌ كان رسولُ الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - بعثهم
عُيُوناً له ، فأخذوا بِخُطُمِ أَبعرتهم فقالوا: من أنتم؟ فقالوا: هذا رسولُ الله - صلَّى
الله عليه وسلَّم - وأصحابه ، فقال أبو سُفْيان : هل سمعتم بمثل هذا الجيش ، نزلوا
على أكباد قومٍ لم يعلموا بهم .
(١) نيران عرفة: إشارة إلى ما جرت به عادتهم من إيڤماد النيران الكثيرة ليلة عرفة (شرح المواهب ٢: ٣٠٣).
(٢) كذا فى الأصول - وجاء فى شرح الغريب: خمشتها: بالخاء والميم والشين، وفى شرح المواهب ٢: ٣٠٣،
((جاشت بهم الحرب)). وفى السيرة النبوية لابن كثير ٣: ٥٤٧ (( حمشتها الحرب)) بالحاء المهملة والشين المعجمة أى أحرقتها،
وقيل بالسين المهملة : أى اشتدت عليها . من الحماسة وهى الشدة - وكذلك فى السيرة الحلبية ٣ : ٩١.
- ٣٢٥ -

وروى ابن أبى شَيْبَة عن أَبِى سَلَمة ، ويحيى بن عبد الرحمن بن حَاطِب
- رحمهما الله تعالى - قالا: أُخِذَ أَبُو سفيان وأصحابه [وكان] (١) حَرَسُ رسولِ اللهِ
- صلَّى الله عليه وسلَّم - نفرٌ من الأَنصار ، وكان عمر بن الخطّاب - رضى الله عنه -
تلك الليلة على الحَرَس ، فجائُوا بهم إليه ، فقالوا : جئناك بنفرٍ أَخذناهم من أَهل
مكة ، فقال عمر وهو يضحك إليهم : والله لو جئتمونى بأبى سفيان مازدتم ، قالوا :
قد والله آتيناك بأبى سفيان . فقال : احبسوه فحبسوه حتى أصبح ، فغدا به على رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - وقال : ابن عقبة : لما دخل الحرس بأبى سفيان وصاحبيه،
لقيهم العبّاسُ بنُ عبد المطّلب ، فأَجارهم.
وروى ابنُ أبى شيبة عن عكرمة : أَن أَبا سفيان لما أَخذه الحرس قال : دلّونى على
العبّاس ، فَأَتَى العباسَ فأخبره الخبر، وذهب به إلى رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم.
وروى إسحاق بن راهويه - بسندٍ صحيح عن ابن عبّاسٍ - رضى الله عنهما - أَن
رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - لما نزل مرّ الظهران، رقَّت نفسُ العِبَّاس لأَهل مكّة
فقال: واصباحَ قريش، والله لئن دخلها رسولُ الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - عَنْوَة
قبل أن يأْتُوه فيستأُّمنوه قبل أن يدخلها عليهم عَنْوَة، [إنه](٣) لهلاك قريش إلى آخر
الدهر، قال العبّاسُ: فأخذتُ بغلةَ رسولِ اللهِ - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - الشَّهْبَاءَ
فركبتُها ، وقلتُ: ألتمس حَطَّاباً، أَو صاحبَ لبن ، أَو ذا حاجة يأتى مكّة فيخبرهم
بمكانِ رسُولِ الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - ليخرجوا إليه فيستأمنوه قبل أن يدخلها
عليهم عَنْوَة، فواللهِ إنِّى لفى الأَراك ألتمس مَا خَرَجْتُ إليه إِذ سَمِعْت كَلام أَبِى سُفْيَان ،
وبُدَيْل بن وَرَقَاء ، وهما يتراجعان ، وأبو سفيان يقول : ما رأيت كالليلة نيرانا
قط ولا عسكرا ! فقال بُدَيل بن ورقاء: هذه والله خُزَاعة خَمَشَتْهَا الحربُ ، فقال أَبُوسفيان :
خُزَاعَة أَقَلُّ وأَذَلُّ من أَن تكونَ هذه نيرانُها وعسكرها ، قال العباس : فعرفتُ صَوْتَ
أَبِى سُفيان ، فقلتُ: يا أَبا حَنْظَلَة ، فعرف صوتى، فقال: لَبَيْك يا أَبا الفضل،
(١) الإضافة عن شرح المواهب ٢: ٣٠٤.
(٢) الإضافة عن سيرة النبى لابن هشام ٢ : ٤٠٢ .
- ٣٢٦ -

مالك فِداك أبى وأَنِى !! وعرف صوتى، فقلتُ: وَيَلك !! هذا رسولُ اللهِ - صلَّى اللهُ
عليه وسلَّم - فى عشْرَةِ آلاف [فقال](١) واصبَاحَ قريش والله بأَبِى أَنت وأمى فما تأمرنى ،
هلْ من حيلة ؟ قلت: نعم، اركب عَجُزَ هذه البغلة، فَأَذْهَب بك إلى رسولِ اللهِ - صلَّى
الله عليه وسلَّم - فأَستَأمنه لك؛ فإِنه والله إن ظُفِر بك ثُونَ رسولِ الله - صلَّى اللهُ
عليه وسلم - لتُقْتَلَن ، فركب خلفى ، ورجع صاحباه- كذا فى حديث ابن عباس
وعند ابن إسحاق ، ومحمد بن عمر : أَنهما رجعا - وذكر ابن عُقْبَة ، ومحمد بن عمر
فى موضعٍ آخر: أنهما لم يرجعا، وأَنّ العباس قَدِمَ بهم إلى رسولِ الله - صلَّى اله
عليه وسلَّم - انتهى .
قال العبَّاس : فجئتُ بأبى سفيان ، كُلَّما مررتُ بنارٍ من نيران المسلمين قَالُوا:
من هذا؟ فإذا رأوا بغلةَ رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عليه وسلَّم - وأَنا عليها قالوا: عمّ
رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - على بغلته ، حتى مررت بنار عمر بن الخطاب - رضى
اللهُ عنه - فلما رآنى ، قام ، فقال : مَنْ هذا ؟ قلتُ: العباس، فذهب ينظر، فرأَى
أَبَا سُفيان خلْفِى، فقال: أَى عدوّ الله !! الحمدُ لله الَّذى أَمكن منك بغير عقد ولا
عهد ، ثم خرج يَشْتَدُّ نَحْوَ رسولِ اللهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم - ورَكضتُ البغلة فسبقته
كما تسبق الدَّابة البطيئةُ الرجلَ البطىء، فاجتمعنا على باب قُبَّةِ رسولِ الله - صلَّى
الله عليه وسلَّم - فاقتحمتُ عن البغلة فدخلتُ على رسول اللهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم
/ - ودخل عمر على أثرى، فقال عمر: يا رسولَ الله !! هذا أَبُو سُفيان قد [ أَمكن الله منه ٢٣٤ ط
بغير عقد ولا عهد ، فدعنى فلأضرب عنقه ، قال قلت : يا رسول الله إنى قد ](٣) أجرته،
ثم التزمتُ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فأَخذت برأسه ، فقلتُ: والله لا يُناجيه
اللَّيْلَة دونى رجلٌ، فلما أَكثر عمر فى شأنه ، فقلتُ : مَهْلاً يا عمر ، فواللهِ لو كان من
رجال بنى عدى بن كعب ما قلتَ هذا ، ولكنك قد عَرَفْتَ أَنه مِنْ رِجَالِ بنى عبد
مناف ؛ فقال: مَهْلاً يا عبَّاس، وفى لفظِ يا أَبا الفضل، فواللهِ لإِسلامُكَ يومَ أَسلمتَ
(١) الإضافة عن السيرة النبوية لابن كثير ٣ : ٥٤٧ .
(٢) سقط فى الأصول والإثبات عن سيرة النبى لابن هشام ٢: ٤٠٣، والسيرة الحلبية ٣ : ٩١.
- ٣٢٧ -

كان أَحبّ إِلى من إسلام الخطَّب لو أَسلم، وما بى إِلا أَنى قد عرفتُ أَن إِسلامَكَ كان
أَحَبَّ إلى رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - من إِسلام الخطاب لو أَسلم .
وذكر ابنُ عقبة ، ومحمدُّ بن عمر فى موضع آخر : قال العباس ، فقلتُ : يا رسولَ
الله !! أَبُو سُفْيان بن حرب، وحكيم بن حزام، وبُدَيْل بن ورقاء قد أَجَرْتُهُم ، وهم
يدخلون عليك، فقالَ رسولُ اللهِ - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ((أَدْخِلْهُم)) فدخلوا عليه،
فمكثوا عنده عامّة اللَّيل يَسْتَخْبِرهم (١) رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ودعاهم إلى
الإِسلام، فقالوا: نشهد أن لا إِله إِلاَّ اللّه، فقالَ رسولُ اللهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم -:
((( إِشهدُوا أَن لا إله إلا الله وأنى رسول الله، فشهد بُدَيْل، وحكيم بن حزام ، وقال :
أَبو سفيان: ما أَعلم ذلك ، واللّهِ إِنَّ فى النَّفْس من هذا لشئُ بعد ، فأرجئها .
وعند أبى شيبة عن أبى سلمة ، ويحيى بن عبد الرحمن بن حَاطِب: أَنَّه قيل لحكيم
ابن حزام: بَارِعْ، فقال: أَبايعك ولا أَخِرّ إِلاَّ قائِما . فقال رسولُ اللهِ - صلَّى الله عليه
وسلَّم - ((أَما مِنْ قِبَلِنا فَلَنْ(٢) تخِرَّ إِلا قائِما)). انتهى.
وقيل لأَّبِى سفيان ذلك ، فقال : كيْفَ أَصْنَعُ بِالَّلات والعُزَّى ؟ فقال عمرُ بنُ
الخطاب - وهو خارجُ القُبَّة: إِخراً عليها ، أَما والله لو كنت خارج القبة ما قُلتَها،
فقال أبو سُفْيان : مَنْ هذا ؟ قالوا : عمر بن (٣) الخطاب قال العبّاس! فقال رسولُ
أ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: ((اذهب به يَاعَبَّاس إِلَى رَحْلِك، فإذا أَصبحت فأْنى به))
قال : فذهبت به إلى رحلی .
وعند ابن عقبة، ومحمد بن عمر: فلما أَذَّنَ الصُّبْحُ أَذَّنَ العسكر كلهم ! أَى أَجَابُوا
المؤذن - ففزع أَبُو سُفْيَان من أَذانهم، فقال : ما يَصْنَع هَؤُلَاءِ ؟ قال العبّاس، فقلتُ :
الصَّلَاة. قال : كم يُصلون؟ قلتُ: خَمْسَ صَلَّواتٍ فى اليوم واللَّيْلَة، ثم رآهم
(١) أى عن أهل مكة (المغازى الواقدى ٢: ٨١٧).
(٢) كذا فى ت، ط، م. وفى ص ((فلاتخر)).
(٣) وفى رواية عبد بن حميد قفال أبو سفيان: ويحك ياعمر، إنك رجل فاحش، دعنى مع لين محى فإياء أكلم
( شرح المواهب ٢ : ٢٣١).
- ٣٢٨ -
------

يتلَّقوْن وضُوءَ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال: ما رأيت ملكاً قط
كاليوم لا ملك كسرى ولا قيصر، قال العبّاس: فلمَّ صلَّى رسولُ اللهِ - صلَّى اللهُ
عليه وسلَّم - الصُّبحَ غدوتُ به . وعند ابن عقبة ، ومحمد بن عمر : أَن أَبا سُفيان
سأَل العبّاس فى دخوله على رسول اللهِ - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم -، وعند ابن أبى شيْبَةً
عن أبى سلمة ، ويحيى بن عبد الرحمن بن حَاطِب: فلمَّا أَصْبَحُوا قام المسلمونَ إلى
/ طَهُورهم، فقالَ أَبُو سُفيان: يا أَبا الفضل !! مَا للنَّاس، أُمروا فىَّ بشىء ؟ قال: ٢٣٥ ,
لا ولكنهم قامُوا إِلى الصَّلاة، فأَمره العبّاس فتوضأً، وذهبَ به إلى رسول الهِ - صلَّى
الله عليه وسلَّم - فلمَّا دخلَ رسولُ اللهِ - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - الصلاةَ كبّر وكبّر
النّاس، ثم ركع ، فركعُوا، ثُمَّ رَفَعَ ، فرفعوا ، ثم سَجَد فسجدُوا، فقال أَبُو سُفيان :
ما رأيتُ كاليوم طاعة، قوم جمعهم مِنْ هُهنا وهُهنا ، ولا فارس الأكارِم ، ولا الرّوم
ذات القرون بأَطوع منهم له، يا أَبا الفضل أَصْبَح ابنُ أَخيك والله عظيمَ المُلْكِ ،
فقال العبَّس : إنه ليس بِمَلِك، ولكنها النبوة ، قال: أَو ذاك . قال العبَّاس: فلما فرغَ
رسولُ الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - قال: ((يَا أَبَا سُفْيَان! ألم يأْنِ لَكَ أَنْ تَعْلَمَ أَنْ
لَا إِلهَ إِلَّ الله ؟! قال: بأَبِى أَنت وأمى !! ما أَحلمك وأكرمك وأعظم عفوك! إِنَّه لو كان
مع اللّهِ إِلّهُ لقد أَغنى عَنِّى شَيْئًا بعد ، لقد استنصرتُ إِلَّى، واستنصرتَ إِلَهَكَ، فَوالِ
ما لقيتُك مِنْ مرةً، إلا نُصِرْتَ عَلَىّ، فلو كان إِلَى مُحِقًّا وإِهْك مُبطلا لقد غلبتُكَ،
فقال: ((ويْحَكِ يَا أَبَا سُفْيَان أَمْ يأْن لك أَنِ تَعْلَمَ أَنِّى رسول الله ؟ قال : بأَبِى
أنت وأمى ما أحلمك وأكرمك وأعظم عفوك! أَمَّ هذه فوالله إِنَّ فى النَّفْس منها شيئاً
حتَّى الآن ، فقال العبّاس: ويحك! أَسْلِم قبل أَن تُضرب عُنُقُك " فشهِدَ شهادة الحقّ،
فقال: أَشهدُ أَن لا إله إلاَّ الله، وأشهدُ أَنَّ محمَّدًا رسولُ الله. وظاهر كلام ابن عقبة
ومحمد بن عمر فى مكان آخر أن أبا سفيان قال : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا
رسول الله من غير أن يعرض ذلك عليه أَحدٌ . قال : قال أبو سفيان ، وحكيم بن حزام :
يا رسول الله جِئْتَ بأَوباش النَّاس من يُعْرَفُ ومن لا يُعرف إلى أهلك وعشيرتك !
فقالَ رسولُ الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - ((أَنْتُمْ أَظْلَم وَأَفْجَر؛ قَدْ غَدَرْتُمْ بِعَهْدِ الحُدَيْبِيَة،
وظَاهَرْتُمْ عَلَى بَنِى كَعْب بِالْإِثْمِ والْعُدْوَان فى حَرمِ الله - تعالى - وَأَمْنِهِ))، فقال حكيم
- ٣٢٩ -
1

وأبو سُفيان : صدقت يا رسولَ الله: ثُمَّ قالا : يا رسولَ الله !! لو كنت جعلت جِدَّك
ومكيدتك لَوَازِن، فهم أَبْعَدُ رَحماً ، وأَشد عداوة لك ؟ فقال رسولُ الله - صلَّى الله عليه
وسلَّم - : ((إِنِّى لَأَرْجُو مِنْ رَبِّى أَنْ يَجْمَعَ لَى ذَلِكَ كله. فتح مكة ، وإِعزاز الإِسْلاَم
بها، وهَزِيمَة هَوَازِن، وَغَنيمة أَمْوالهم وَذَرَارِيهِم؛ فَإِنِّى أَرْغَبُ إِلَى الله - تعالى - فى ذلك)).
قال ابن عقبة : قال أَبُو سفيان، وحكيم بن حزام : يا رسولَ الله ادعُ النَّاس بالأَمان،
أَرأيت إِن اعتزَلَتْ قريشٌ وكفَّتْ أَيديها آمنون هم؟ فقالَ رسولُ الله - صلَّى الله عليه
وسلَّم ــ ((نَعَم )) قال العبَّاس ، قلتُ: يا رسولَ الله !! قد عرفت أبا سفيان وجه الشرف
والفخر ، فأجعل له شيئاً .
وعند ابن أبى شيبة عن أبى سلمة ، ويحيى بن عبد الرحمن : أَن أَبا بكر قال :
٢٣٥ ط يا رسولَ الله / إِن أَبا سُفيان رجلٌ يحبُّ السَّمَاعِ؛ يَعْنِى الشَّرَف - انتهى. فقال ((مَنْ
دَخَلَ دَارَ أَبِى سُفْيَانَ فَهُو آمن)) فقال: وما تَسَعُ دارى؟ زاد ابن عقبة ((ومَنْ
دَخَلَ دارَ حكيم بن حزام فَهُو آمن )) ودار أبى سفيان بأَعلى مكَّة ، ودار حكيم بأسفلها
((ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دَخَلَ المسجد فهو آمن)) فقال أَبُو سُفْيان : وما يسع المسجد ؟
قال: ((وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَه فَهُو آمن)) فقال أَبو سفيان: هذه واسعة .
ذكر ارادة أبى سفيان ، وحكيم بن حزام الانصراف إلى قومهما ليعلماهم بذلك
ووقوفهما ليريا جنود الله تبارك وتعالى
قال ابنُ عقبة : لما توجهوا ذاهبين ، قال العبّاس: يا رسول الله إنى لا آمن أبا سُفيان
أن يرجع عن إسلامه فاردده حتى يفْقُه ، ويرى جنود الله - تعالى - معك .
وروى ابن أبى شيبة عن أبى سلمة ، ويحيى بن عبد الرحمن بن حَاطب : أَن أَبا سفيان
لما وَلَّى، قال أبو بكر : يَارسولَ الله، لو أَمرت بأبى سفيان فحبس على الطريق ؟
وقال ابنُ إسحاق ، ومحمد بن عمر : إِنَّ أَبا سفيان لَمَّا ذهب لينصرف ، قالَ
رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - لِلْعَبَّاس: ((اخْبِسْه بِمَضِيقِ الْوَادِى)). قال ابن عقبة،
- ٣٣٠ -
١

ومحمد بن عمر : فأَدركه العبَّاسُ فحبسه ، فقال أَبُو سفيان أَغدراً يا بنى هاشم ؟
فقال العبّاس: إِن أَهْلَ النُّبَوَّةِ لا يغدِرُون. ولفظ ابن عقبة: إِنَّا لَسْنَا بغدر، ولكن(١)
أَصْبِح حتَّى تنظر جنود الله، وإلى ما أَعَدَّ الله للمشركين ، قال ابنُ عقبة فحبسهم
بالمضيق دون الأراك إلى مكَّة حتَّى أَصبحوا .
وروى ابن عساكر عن عطاء قال: لا أحسبه إلا رفعه إلى ابن عباس - رضى
الله - تعالى - عنهما - قال: قالَ رسولُ اللهِ - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - ليلةَ قُربه من
مكَّة فى غزوة الفتح ((إِنَّ بمكة لأربعة نفرٍ من قريش أَرْبَأُ بِهِم عن الشِّرْك، وأَرغبُ
لهم فى الإِسلام )) قيل: ومن هُم يا رسولَ الله؟ قال: ((عَتَّاب بن أَسِيد، وجُبَيْر بن
مُطْعِم ، وحكيم بن حِزَام ، وسُهَيْل بن عمرو )).
ذكر تعبئة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصحابه رضوان الله عليهم
ومرورهم بأبى سفيان ، وما وقع فى ذلك من الآيات
قال ابنُ عقبة - رحمه الله تعالى - وأمر رسولُ اللهِ - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - منادياً
يُنادى ؛ لتصبح كل قبيلةٍ قد أَرْحَلت ، ووقفت مع صاحبها عند رايته ، وتظهر ما معها
من الأَدَاة والعدّة. فأَصبح النَّاسُ على ظهر، وقَدَّم بين يديه الكتائبَ. قالوا: وَمَرَّتْ
القبائل على قادتها . والكتائبُ على راياتها .
قال محمد بن عمر : وكان أوّل من قَدَّم رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - خالد
ابن الوليد / فى بنى سُلَيم - بضم أوله، وفتح ثانيه، وسكون التحتية، وهم ألف، ويقالُ: ٢٣٦ ,
تسعمائة ، ومعهم لواءان وراية ، يحمل أَحد اللواءين العباسُ بن مِرْدَاس بكسر الميم ،
والآخر يحمله خُفَاف - بخاء معجمة مضمومة - بن نُدبة - بنون مضمومة ، فدال
مهملة - ويحمل الراية الحجاج بن عُلاط - بعين مضمومة فطاء مهملتين ، فلمّا مرّوا
بأَبِى سُفيان ، كَبَّرُوا ثلاث تكبيرات ، ثم مضوا ، فقال أَبُو سُفيان : يا عبَّاس !! من
(١) وفى شرح المواهب ٢: ٣٠٤ ((ولكن لى إليك حاجة فتصبح فتنظر)).
- ٣٣١ -

هُوَّلَاءَ ؟ فقال : هذا خالدُ بن الوليد ، قال : الغلام ؟ قال : نعم قال : ومن معه ؟
قال : بنو سُليم ، قال: ما لى وبنى سُلَيم !
ثم مَرَّ على أَثَرِهِ الزُّبير بن العوّام فى خمسمائة من المهاجرين وَأَفْنَاءِ العرب ، ومعه
رايةٌ سوداء . فلما مُّوا بأَبِى سُفْيان كبَّرُوا ثلاثاً، فقال أَبُو سُفْيان: مَنْ هَؤُلَاءِ ؟ قال :
هذا الزّبير بنُ العَوَّام ، قال : أبن أُختك ؟ قال: نعم، ثم مَرَّت بَنُو ◌ِفَار - بكسر
الغين المعجمة - فى ثلاثمائة، يحمل رايتهم أَبو ذَرُّ، ويقال : إِيماء - بكسر الهمزة ،
وفتحها ، وسكون التحتية ؛ ممدود مصروف، وقد يقصر مع الفتح - بن رَحضَة -
بحاءٍ ، فضاد معجمة مفتوحات، وَأَجاز ابن الأثير : سكون الحاء ، واقتصر النَّوَوَىُّ
على الفتح ، وقال السهيلى : بضم الرّاء - فلمَّا حاذوه، كَبَّرُوا ثَلاثاً ، فقال أَبو سُفْيَان
مَنْ هؤلاء ؟ قال : بنو غِفار ، قال : مالى ولبنى غِفَار ؟ ثم مرت أسلم فى أربعمائة ،
فيهما لواءان يحملُ أَحدهما بُرَيْدَة - بلفظ تصغير البرد - بن الحُصَيب - بضم الحاءِ ،
وفتح الصاد المهملتين ، فتحتية فموحدة - والآخر ناجية - بالنون ، والجيم - بن
الأَعجم(١) ، فلما حاذوه كبّرُوا ثلاثاً ، فقال : من هؤلاء ؟ قال العباس : أَسلم ، قال :
مالى ولأَسلم ؟ ثم مرت بنو كَعْب بن عمرو فى خمسمائة ، يحمل رايتهم بُسْر - بضم
الموحدة ، وسكون السين المهملة - بن سفيان فلما حاذوه ، كبّرُوا ثَلَاثاً ، فقال : مَنْ
هؤلاء ؟ قال العباس : بنو عمرو بن كعب بن عمرو ، إِخوة أَسلم ، قال : نعم ، هؤلاء
حلفاء محمد ، ثم مُرت مُزَيْنَة - بضم الميم ، وفتح الزاي ، فى أَلفٍ فيها ثلاثة ألوية
ومائة فرس ، يحمل أَلويتها النعمان بن مُقْرِن - بضم الميم ، وسكون القاف، [وبالراء] (٢)
والنون ، وعبد الله بن عمرو بن عوف ، وبلال بن الحارث ، فلما حاذوه كبّروا ثلاثاً ،
قال : من هؤلاء ؟ قال : العباس : مُزَيْنَة ، قال : مالى ولمزينة ؟ قد جاءتنى تقعقع
مِنْ شواهقها، ثم مرَّت جُهَيْنَة - بضمِّ الجيم ، وفتح الهاء وسكون التحتيّة، وبالنُّون -
فى ثمانمائة، فيها أربعة أَلْوِيَة ، يحملها أَبو رَوْعة - بفتح الراءِ، وسكون الواو - معبد
i
١
(١) انظر ترجمته فى الإصابة ٣ : ٥١١
(٢) إضافة يقتضيها السياق .
- ٣٣٢ -

ابن خالد ، وسويد بن صخر ، ورافع بن مَكِيث - بفتح الميم ، وكسر الكاف ، وبالمثلثة
- وعبد الله بن بدر - بالموحدة - فلما حاذوه كبّرُوا ثلاثاً، فقال مَنْ هؤلاء ؟ قال :
جُهَيْنَةِ ، قال : مالى ولجُهَيْنَة؟ ثم مَرَّتْ كِنَانة - بكسر الكاف - بنو ليث وضَمْرَة،
وسعد بن بكر فى مائتين، يحمل / لواءهم أَبو واقد - بالقاف - اللَّيْثى، فلمَّا حَاذُوه ٢٣٦ ١
كَبَّروا ثلاثاً ، فقال : مَنْ هؤلاء ؟ قال العبّاس: بَنُو بكر ، قال : نعم ، أَهل شُؤْمٍ
والله ! هؤلاء الَّذِين غزانا محمَّدٌ بسببهم، قال العبّاس: قد خَارَ الله - تعالى - لكم
فى غَزْوِ محمد - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - أَتاكم أَمنكم، ودخلتم فى الإِسْلام كَافة (١) ، ثم
مَرَّت أَشجع - بالشين المعجمة ، والجيم - وهم آخر من مَرّ ، وهم ثلاثمائة معهم لواءان ،
يحمل أحدهما معقل - بالعين المهملة، والقاف - ابن سنان، والآخر : نعيم بن مسعود .
فَلَمَّا حاذوه كَبَّرُوا ثلاثاً قال أَبُو سفيان: من هؤلاء ؟ قال العبَّاس: هؤلاءَ أَشجع ، قال
أبو سفيان: هؤلاء كانُوا أَشدّ العرب على محمد ، قال العبَّاس وأدخل الله - تعالى -
الإِسلامَ فى قلوبهم ، فهذا فضلٌ من الله، ثم قال أَبُو سُفيان: أَبَعْدُ ما مضى محمد ؟ فقال
العبَّاس: لا ، لم يمض بعد ، لو أتت الكتيبة التى فيها محمد رأيت فيها الحديدَ
والخيل والرجال ، وما ليس لأحدٍ به طاقة ، قال : ومن له بهؤلاء طاقة ؟ وجعل الناس
يمرّون ، كل ذلك يقولُ أَبُو سُفيان ما مرّ محمد ؟ فيقولُ العِبَّاسُ: لا، حتَّى طلعت
كتيبةُ رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - الخضراء(٢) الَّتِى فيها المهاجرون والأنصار،
وفيها الرَّايات والأَّلوية، مع كلِّ بطنٍ من بُطون الأَنْصَار لواء وراية ، وهم فى الحديد
لا يُرَى منهم إلا الحَدَق، ولِعُمَر بن الخطاب - رضى الله عنه - فيها زَجَلَ (٣) بصوتٍ
عال وهو يَزَعُهَا ويقولُ : رويداً [حتى ](٤) يلحق أولكم آخركم - يقال : كان فى تلك الكتيبة
ألفا دارع، وأَعطى رسولُ اللهِ - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - رايته سعدَ بن عُبَادة ، فهو
(١) زاد الواقدى فى المغازى ٢: ٨٢٠ (( وحدثنى عبد الله بن عامر عن أبى عمرة بن حماس قال: مرت بنو ليث وحدها
وهم مائتان وخمسون ، يحمل لواءها الصعب بن جثامة، فلما مروا كبروا ثلاثاً. فقال: من هؤلاء؟ قال: بنوليث)).
(٢) سميت الخضراء للبسهم الحديد. والعرب تطلق الخضرة على السواد كما تطلق السواد على الخضرة (السيرة الحلبية
٣: ٩٤) .
-
(٣) الزجل: التطريب (اللسان).
(٤) إضافة عن السيرة الحلبية ٣ : ٩٤ .
- ٣٣٣ -

أَمام الكتيبة ، فلما مَرَّ سعدٌ برايةِ رسول اللهِ - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - نادى أبا سفيان
فقال: اليومُ يومُ الملحمة(١)، اليومُ تُسْتَحَلُّ الحرمة (٢) اليومُ أَذلَّ اللهُ قريشا قال
أبو سفيان: يا عباس، حبَّذَا يوم الدِّمَار (٣). فمرت القبائِل، وطلع رسول الله - صلَّى
الله عليه وسلَّم - وهو على ناقته الْقَصْوَاء . قال محمد بن عمر: بينَ أَبى بكر الصِّدِّيق،
وأُسيْد بن الحُضير، وهو يحدثهما - فقال العبّاس: هذا رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم.
وفى الصحيح عن عُرْوَة أَنَّ كتيبة الأَنْصارِ جاءت مع سعد بن عبادة ، ومعه الرَّاية ،
قال: ولم يُرَ مثلها ، ثم جاءَت كتيبةٌ هى أَقل الكتَائِب، فيهم رسولُ اللهِ - صلَّى
الله عليه وسلَّم - وأصحابه، وراية رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - مع الزُّبير، قال
فى العُيُون: كذا وقع عند جميع الرّواة. ورواه الحُمَيْدِىُّ فى كتابه : هى أَجلّ الكتائب ،
وهو الأظهر انتهى .
فقال أَبُو سفيان: لقد أَصْبَحَ مُلكُ ابن أَخيك اليوم عظيما . قال العباس : قلت :
يا أبا سفيان إِنها النُّبُوّة، قال: فنعم إِذّا .
وروى الطبرانى عن العباس - رضى الله عنه - قال: لمّا بعث رسولُ اللهِ - صلَّى
٢٣٧ و / الله عليه وسلَّم - قلتُ لأَبى سُفيان بن حرب: أَسلم بنا ، قال: لا والله حتَّى أَرى الخيل
تطلعُ من كَدَاء ، قال العباس : قلتُ ما هذا ؟ قال شىء طلع بقلبى ، لأَنَّ اللّه لا يطلع
خيلا هُناك أَبدا ، قال العبَّاس: فلما طلع رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - من هناك
ذكَّرْتُ أبا سفيان به فذكره .
(١) الملحمة: قال الحافظ: بالحاء المهملة - أى يوم حرب لا يوجد منه مخلص، أو يوم القتل، ويقال: لحم فلانا
إذا قتله ( شرح المواهب ٢ : ٣٠٥) .
(٢) الحرمة: المقصود بها الكعبة (المرجع السابق ٢: ٣٠٦).
(٣) يوم الذمار: أى تمنى أن تكون له قوة فيحمى قومه ويدفع عنهم، وقيل المعنى: حبذا يوم الغضب لحريم والأهل
والانتصار لهم لمن قدر عليه، وقيل معناه : هذا يوم يلزمك فيه حفظى وحمايتى لقربك للمصطفى وحبه لك وإقباله عليك
( شرح المواهب ٢ : ٣٠٦).
- ٣٣٤ -
١
4

فلما مَرَّ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - بأبى سفيان، قال: يا رسول الله أمرت
بقتل قومك ؟! أَلمْ تعلمْ ما قال سعدُ بنُ عبادة قال: ((ما قال)) قال : كذا وكذا ،
وإنى أَنشدك الله فى قومك، فأَنت أَبرّ الناس ، وأَوصل الناس ، وأَرحم الناس ، فقال
رسولُ اللهِ - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم (( كَذَبَ سَعْد يَا أَبا سُفْيَان ، اليوم يوم المرحمة ، اليوم
يوم يُعظم الله فيه الكعبة، اليوم يوم تُكْسَى فيه الكعبة ، اليوم يوم أعز الله فيه قريشا)).
وعند ابن إسحاق : أَن سَعْدًا لما قال ما قال ، سمعه رَجُلٌ مِنَ المهاجرين ، قال ابن
هشام : هو عمر بن الخطاب ، فقال : يا رسول الله ما نأمن أن يكون له فى قريش صَوْلَة :
واستبعد ذلك الحافظ من عمر هنا لكونه كان معروفاً بشدة البأس عليهم .
وعند محمد بن عمر : أن عبد الرحمن بن عوف ، وعثمان بن عفان ، قالا ذلك لرسول
الله - صلى الله عليه وسلم .
وقال ضِرارُ - بضادٍ معجمة - بن الخطاب الفهرى - فيما ذكره محمد بن عمر ،
وأَبو عثمان سعيد بن يحيى بن سعيد الأموى - شعراً يستعطف(١) رسول الله - صلَّى
الله عليه وسلم - على أهل مكة حين سمع قول سعد ، قال أبو الربيع وهو من أجود
شعر قاله .
وعند ابن إسحاق وعند ابن عساكر من طريق أبى الزبير عن جابر - رضى الله
عنه - أن امرأة من قريش عارضت رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - بهذا الشِّعر،
فكأَنّ ضِرَاراً أَرسل به المرأة ليكون أَبلغ فى أنعطاف رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلَّم -
على قريش (٢):
يا نبيَّ الهُدَى إليك لَجَا حِىُّ قريش وَلَاتَ حِينَ لَجَاءِ(٣)
حِينَ ضَاقَتْ عَليْهِم سَعَةُ الأَرْ ضِ وعادَاهم إله السماءِ
(١) كذا فى ت، ط، م - وفى ص ((يتعطف)).
(٢) وهذا القول الذى ذهب إليه ابن إسحاق وابن عساكر موافق لما فى شرح المواهب ٢ : ٣٠٦.
(٣) انظر القصيدة فى شرح المواهب ٢ : ٣٠٦، ٣٠٧، والسيرة النبوية لابن كثير ٣ : ٥٥٩، ٥٦٠.
- ٣٣٥ -

والْتَقَتْ حِلْقَتَا البِطَان عَلَى الْقَوْ مِ وَنُودُوا بِالصَّيْلِمِ الصّلْعَاءِ
رٍ بِأَهْلِ الحَجُون وَالْبَطْحَاءِ
ظـ رَمانا بالنَّسر والعَوَّاءِ(١)
غير سَفْكِ الدِّمَا وَسَبِى النِّسَاءِ
عَنْهُ مِنْدٌ بِالسَّوْءَةِ السَّوْآءِ
وابن حَرْب بِذَا مِنَ الشُّهدَاءِ
يَا حُمَاةَ الْأَدْبَارِ(٣) أَهلِ الَّواءِ
رج والأَّوْس أَنْجُمُ الْهِيْجَاءِ
فِقِعَةُ الْقَاعِ فِى أَكُفِّ الْإِمَاءِ
إِنَّ سَعْدًا يُرِيدُ قَاصِمَةَ الظَّهْ
خَزْرَجِّ لَوْ يَسْتَطِيعُ من الغيـ
وغِرُ الصَّدْرِ لَا يَهُمُّ بِشَىءٍ
قَدْ تَلَظَّى عَلَى الْبِطَاحِ وَجَاءَتْ
إِذْ يُنَادِى بِذُلِّ حَىّ قُرَيْشِ(٢)
فَلَئِنْ أَفْحَمَ اللَّواءَ وَنَادَى
ثُمَّ ثَابَتْ إِلَيْهِ من بُهَم الخز
لتكونن بالبطاح قريشٌ
/ فأنْهيَنْه فإنه أَسدُ الأُسِْ د لَدَى الْغَاب والغ فِى الدِّمَاءِ(٤)
إِنَّه مُطْرِقٌ يُرِيدُ لَنَا الأَمْـ رَ سكوتاً كَالْحَيَّةِ الصَّماءِ
٢٣٧ ط
فأَرسل رسولُ اللهِ - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - إِلى سعد ، فنزع اللواءَ من يده ، وجعله
إلى ابنه قيس بن سعد ، ورأى رسولُ اللهِ - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - أَن اللواءَ لم يخرجْ
من یدٍ سعد ، حتى صار إلى آبنه .
قال محمد بن عمر: فأَبى سعد أَن يسلم اللَّوَاءَ إلّ بأَمارةٍ مِنْ رسولِ الله - صلِى
الله عليه وسلَّم - فأَرسلَ النَّبِىُّ - صَلَّى اللهُ عليه وسلَّم - بعمامته ، فدفع اللَّاءَ إِلى آبنه
قيس ، ويقالُ : إِنَّ رسولَ اللهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم - أَمر عليًّا فَأَخذ الرَّاية، فذهب
بها إلى مكة حتى غرزها عند الركن .
(١) فى الأصول ((خزرجى لا يستطيع من البغض رمانا بالنسر والعوام
والمثبت عن شرح المواهب ٢ : ٣٠٦ وسيرة ابن كثير ٣ : ٥٦٠ وشرح المواهب ٢ : ٣٠٧.
والمثبت عن المرجع السابق
(٢) فى الأصول : إذ ینادی یاذل حی قریش
(٣) كذا فى الأصول. وفى السيرة النبوية لابن كثير ٣: ٥٦٠ ( .. ياحماة اللواء أهل اللواء)
(٤) فى السيرة النبوية لابن كثير ٢ : ٥٦٠
سود والليث والخ فى الدماء
فانهينه فإنه الأسد الأسـ
- ٣٣٦ -

قال أبو عمر - رحمه الله تعالى - : قد رُوِىَ أَنَّ رسولَ اللهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم -
أُعطى الرَّايةَ للزبير إِذْ نزعها من سعد .
وروى أبو يعلى عن الزبير - رضى الله تعالى عنهما - أَن رسولَ الله - صلى الله عليه
وسلَّم - دَفَعهَا إِليه فدخل بلواءين ، وبه جزم موسى بن عقبة .
قال الحافظ : والذى(١) يظهر فى الجمع أَنَّ رسولَ اللهِ - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - أُرسل
عليًّا لينزعها، وأَن يدخل بها. ثم خَشِىَ تغيّر خاطر سعد، فأَمر بدفعها لآبنه قيس ،
ثم إِنَّ سعداً خشى أن يقع من ابنه شىء يكرهه رسول الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم -
فسأل رسولَ اللهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم - أَن يأُخذها، فحينئذٍ أَخذها الزبير، ويؤيّد
ذلك ما رواه البزار بسند على شرط البخارى عن أَنَسٍ - رضى الله عنه - قال : كان
قيسُ فى مقدمة رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - لَمّا قَدِمَ مكة، فكلم سعدٌ النبى
- صلى الله عليه وسلَّم - أن يصرفه عن المَوْضِع الذى هو فيه مخافة أن يقدم على شىء
فصرفه عن ذلك . انتهى .
وروى ابن أبى شيبة عن أبى سَلَمة ، ويحيى بن عبد الرحمن بن حَاطِب ، والطبرانى
عن عُرْوة : أَن العبّاس قال: يا رسولَ الله !! لو أَذنت لى فأَتيتهم . أَى أَهل مكة -
فدعوتهم فأَمنتهم، فركبَ العباسُ بِغْلَةَ رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عليه وسلَّم - الشهباءِ،
وانطلق، فقال رسولُ الله - صَلَّى الله عليه وسلم: ((ردُّوا عَلَىَّ أَبِى، رُدُّوا عَلَىَّ أَبى،
فإِن عَمَّ الرجل صِنْوُ أَبيه - ((إِى أَخافُ أَن تَفْعل بِهِ قُرِيْثُ مَا فَعَلَتْ ثَقِيفٌ بِعُرْوَةَ
ابن مسعود ؛ دَعَاهُم إلى الله - تعالى - فَقَتَلُوه، أَمَا واللَّهِ لَئِنِ رَكِبُوهَا مِنْه لأَضر مَّها
عَلَيْهِمْ نَارًا)) فكره عباسُ الرجوع ، وقال : يا رسولَ الله، إن تُرْجع أبا سفيان راغبا
فى قلَّةِ النَّاس، فيكفر بعد إِسلامه فقال ((احْبسْه)) فَحَبَسَه، فذكر عرْضَ القبائل
(١) وقد ورد فى المواهب الدينة وعليها شرح الزرقانى ٢: ٣٠٧ ((فهذه ثلاثة أقوال فيمن دفعت إليه الراية التى نزعت
من سعد ، والذى يظهر فى الجمع - كما قال الحافظ - أن عليا أرسل لينزعها ويدخل بها ثم خشى تغير خاطر سعد فأمر بدفعها
إلى ابنه قيس . ثم إن سعداً خشى أن يقع من إبنه شىء ينكره النبى صلى الله عليه وسلم فسأل النبى صلى الله عليه وسلم أن يأخذها منه
فحينئذ أخذها الزبير )) ويستمر السياق على ما هنا فى المتن .
(٢٢ - سبل الهدى والرشاد جـ ٥)
- ٣٣٧ -

ومرورها بأَبى سفيان ، وفيه فقال أبو سفيان : امض يا عبّاس . فانطلق العباسُ حتى
دخل مَكَّة فقال : يا أهل مكة ! ! أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا قد استبطنتم بأَشهب بازل . انتهى .
٢٢٨ و
وفى حديث عُرْوَة عند الطبرانى/: وكفهم اللهُ عزّ وجل - عن العباس - انتهى . قال
العبّاس ، فقلت لأَبى سفيان بن حرب : أَنْجُ ويحك - فأُدرك قومَك قبل أن يدخل
عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فخرج أبو سفيان ، فتقدمٌ الناس كلَّهم حتَّى
دخل مكَّةَ من كداء فصرخ بأعلى صوته : يَامَعْشَرَ قُريش ، هذا محمد قد جاءَكم .
بِمَا لا قِبَل لكم به، أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا، مَنْ دخل دَارَ أَبِ سُفيان فهو آمن. قالُوا : قاتلك
الله! وما تُغْنِى دارك ؟! قال: وَمَنْ أَغْلَق بابَه فهو آمن، ومَنْ دخل المسجد فهو آمن .
فقامت إليه هندُ بنتُ عُثْبَة زوجتُه، فأَخذت بشاربه، وقالت : أَقْتُلُوا الحَمِيتَ (١)
الدَّسِمِ الأَحْمَس، قُبِّحَ مِنْ طِلِعَةٍ قَوْمٍ. فقالَ أَبُو سُفيان : ويلكم! لا تغرّكُم هذه
مِنْ أَنفسكم ، فإنَّه قد جاءَكم مالا قِبَلَ لكم به .
* * *
ذكر من أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقتله يوم الفتح،
ولا يدخل فيما عقد من الأمان (٢)
هم عبد العزى ابن خَطَل - بفتح الخاء المعجمة، والطّاء المهملة، وآخره لام وكان
قد أَسلم ، وسماه رسولُ اللهِ - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - عبد الله وهاجر إلى المدينة ، وبعثه
رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - سَاعِياً، وبعثَ معه رَجُلاً مِنْ خُزَاعة ، وكان يصنع
له طعامه ويخدمه فنزلا فى مجمع - والمجمع حيث تجتمع الأعراب يؤدون فيه الصدقة -
فأمره أن يصنع له طعاماً ، ونام نصف النهار ، واستيقظَ ، والخزاعى نائم ، ولم يصنع
له شيئا، فَعَدَى عليه فضربه فقتله، وارتدَّ عن الإِسلام ، وهربَ إلى مكة ، وكان يقول
الشعرَ يهجو به رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وكان له قينتان ، وكانتا فَاسقتين،
فيأمرهما ابن خَطَل أَن يغنيا بهجاء رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم .
(١) الحميت: زق السمن - والدسم: الكثير الودك. والأحمس: الذى لاخير عنده (نهاية الأرب ١٧: ٣٠٢)،
وشرح المواهب ٢ : ٣١٣، وسترد المعانى فى شرح الغريب .
(٢) وانظر شرح المواهب ٢: ٣١٣، والسيرة النبوية لابن كثير ٣: ٥٦٣، ونهاية الأرب للنويرى ١٧ : ٣١٧
والمغازى الواقدى ٢: ٨٢٦، وسيرة النبى لابن هشام بشرح الروض الأنف ٢ : ٢٧٣.
- ٣٣٨ -

وعن [ أنس (١)] قال: دَخَلَ رسولُ الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - مكة يومَ الفتح
على رأسه المغفر ، فلما نزعه جاءَ رجلٌ فقال : ابن خَطَل متعلِّق بأَسْتَار الكعبة ، فقال
رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم: ((اقْتُلُوه)) رواه الإِمام مالك والشَّيخان.
" ..
قال محمد بن عمر: لَمَّا دخل رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - إِلَى ذِى طُوى،
أَقْبل ابنُ خَطَلٍ مِنْ أَعلى مكة مُتَجَّجًا فى الحديد على فرسٍ وبيده قناة، فَمَرَّ ببنات
سعيد بن العاص فقال لهن: أَما والله لا يدخلها محمدٌّ حتى تُريْنَ ضربا كأَفواه(٢) المزاد ،
ثم خرج حتى انتهى إلى الخَنْدَمة، فرأَى خَيْلَ الله ، ورأى القتال فدخله رُعْبُ، حَتَّى
ما يَسْتَمْسِكُ مِنَ الرّعدة، فرجع حتَّى انتهى إلى الكعبة، فنزل عن فرسه، وَطَرَحَ
سِلاَحَه وأَتى البيت فدخل تحت أَستاره، فَأَخذَ رَجُلٌ من بنى كعبٍ سِلاَحَهَ وَأَدْرَكَ
فرسه عَائِراً فاستوى عليه، ولحق برسولِ اللهِ - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالحَجُون .
وعبد الله بن سعد / بن أبى سَرْح - بفتح السِّين، وإِسكان الرَّاء، وبالحاء المهملات - ٢٢٨ ط
كان أَسْلَم ، ثمَّ ارتد ، فشفع فيه عُمانُ يومَ الفتح ، فحقن دمه ، وأُسلم بعد ذلك فقبل
إسلامه، وحَسُنَ إِسْلاَمُهَ بعد ذلك، وَوَلَّه عمرُ بعْضَ أَعماله، ثُمَّ وَلَّه عُمان ، ومات
وهو ساجد فى صَّلاَةِ الصُّبح، أَو بعدَ انْقِضَائها ، وكان أَحد النُّجباء الكرماء العُقلاء من
قريش ، وكان فارس بنى عامر بن لؤى المقدم فيهم ، وسيأتى خبره مبسوطاً فى أبواب
کتابه - صلى الله عليه وسلم .
وعكرمَة بن أبى جهل ، أَسلم فَقُبِل إسلامه .
(١) سقط فى الأصول، والإثبات عن شرح المواهب ٢: ٣٢١؛ فإن هذا الخبر من حديث مالك عن ابن شهاب عن
أنس رضى الله عنه .
(٢) الكلمة غير واضحة فى الأصول، والإثبات عن المغازى الواقدى ٢: ٨٢٧. وشرح محققه المزاد بقوله
المزاد جمع مزادة وهى الراوية . قال أبو عبيد: لاتكون إلا من جلدين تفأم بجلد ثالث بينهما لتتسع ( الصحاح ٤٧٩ ) وفى وفاء
الوفا ٤: ١٣٠٢ ((المذاد - بالفتح وذال معجمة وآخره مهملة من ذاده، إذا طرده، اسم أطم لبنى حرام من بنى سلمة.
غربى مسجد الفتح به سميت الناحية ، عنده مزرعة تسمى المذاد ، قال كعب بن مالك يوم الخندق : -
بعضاً كمعمعة الإناء المحرّق
من سره ضرب يرعبل بعضه
بين المذاد وبين جزع الخندق
فليأت مأسدة تسل سيوفها
- ٣٣٩ -

والحُويْرث - بالتصغير - بن نُقَيْدر بضم النون، وفتح القاف، وسكون التّحتية،
فدال مهملة ، فراء مهملة، كان يُؤْذِى رسولَ الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - ونَخْس
بزينت بنت رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - لما هَاجَرَت إلى المدينة، فأَهدر دمه . فبينما
هو فى منزله قد أغلق عليه بابه ، فسأَل عنه على بن أبى طالب - رضى الله عنه - فقيل
هو بالبادية، فأُخْبِرِ الحويرث أَنَّه يُطْلَب، فَتَنَحِى عَلِيُّ عن بابه ، فخرج الحويرث
يريد أَن يَهْرب من بَيْتٍ إلى آخر ، فَتَلَفَّاه علىَّ، فضرب عنقه .
قال ابن هشام : وكان العباسُ بنُ عبد المطلب حمل فاطمة، وأم كلثوم بنتى
رسولِ اللهِ - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - مِنْ مَّة يُريدُ بهما المدينة، فَنَخَسَ بِهِمَا الحويرثُ
فرمى بهما الأرض .
قال البلاذرى - رحمه اللهُ تعالى - وكان يُعْظِمُ القولَ فى رسولِ الله - صلَّى اللهُ
عليه وسلَّم ، وينشدُ الهجاءَ فيه ، ويكثرُ أَذاه وهو بمكة .
ومِقْيَسُ . بميم، فقاف ، فسين مهملة - بنُ صُبَابة ، بصادٍ مهملة ، وموحدتين ،
الأُولى خفيفة - ، كان أسلم ، ثم أتى على رجلٍ من الأَنصار فقتله ، وكان الأَنصارى
قتل أَخاه هِشَاماً خَطَاً فى غزوة ذى قَرد، ظَنَّه مِن العدوّ، فجاءَ مِقْيَس، فأَخذ الدّية،
ثم قَتَلَ الْأَنْصَارى ، ثم ارتد ، فقتله نُمَيْلَة - تَصغير نملة - بن عبد الله يوم الفتح .
وهَبَّار - بفتح الهاء، وتشديد الموحدة بن الأسود ، أَسلم، وكان قَبْلَ ذَلك شديدَ
الأَذِى للمسْلِمِين، وعرَضَ لزينبَ بنت رسولُ الله - صَلّى اللهُ عليه وسلَّم - لَمَّا هاجرت
فنخسَ بها ، فإِسقطت، ولم يزل ذلك المرضُ بها حتَّى ماتت ، فَلَمَّا كان يومُ الفتح ،
وبلغه أَنَّ رسولَ اللهِ - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - أَهْدَرَ دَمَه ، فَأَعلن بِالإِسلام ، فقبله منه
رسولُ اللهِ - صَلَّى الله عليه وسلَّم - وعَفَا عنه.
والحُويْرث بن الطلاطل الخُزَاعِى، قتله علىّ - رضى الله عنه - ذكره أَبو معشر.
وكعب بن زهير، وجاءَ بعْدَ ذلك فأسلم ، ومَدَحَ . ذكرَهُ الحاكمُ .
- ٣٤٠ -
١