النص المفهرس

صفحات 101-120

رِجالٌ)) وفى لفظ له أَحد قال عُرْوَة ومحمد بن عمر: وَقَدّمَ سَلَبَ العامِرِىَّ لرسول الله
- صلى الله عليه وسلم - لِيخَمِسه، فقال: ((إنى إذا خمستُهُ رَأَوْنِى لَمْ أُوفِ لَهُمْ بِالَّذِى
عَاهَدْتُهُم عَلَيْهِ، ولَكِنْ شأُنْك بِسَلَب صَاحِبِك، وأَذْهَبْ حَيْثُ شِئْتَ)) وفى الصحيح
أن أبا بصير لما سمع قولَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (( وَيْلَ أمه مِسْعَر حَرْبٍ
لَوْ كَانَ مَعَهُ أَحدُ عَرَفِ أَنَّه سیرده ، فخرج أبو بصير ومعه خمسةٌ كانوا قدموا معه
مسلمين مِنْ مكة حين قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يكن طلبهم أحدٌ
حتى قدموا سِيفَ البحرِ ، وَلَمَّا بلَغَ سُهَيْلِ بن عمرو قَتْلُ أَبو بصيرٍ العامِرِىَّ اشتدّ عليه
وقال : ما صَالَحْنَا محمداً على هذا . فقالت قريشُ : قد برئ محمدٌ منه قد أَمكن
صاحبكم منه فقتله بالطريق، فما على محمد فى هذا ؟ فأَسند (١) سُهَيْلُ ظَهْرَهُ إِلى
الكَعْبةِ وقال: والله لا أُوَّخِّرُ ظَهْرِى حَتَّى يُودَى هذا الرجل ، قال أَبو سفيان بن حرب :
إِنَّ هذا لَهُوَ السَّفَه، والله لا يُودَى ثلاثا - وأَنّى (٢) قريش تديه وإِنما بَعَثَتْهُ بنو زُهْرَة ؟
فقال الأُخْنَس بن شريق : والله ما نديه، ما قتلناه ولا أمرنا بقتله، قتله رجلٌ مخالف(٣)
فأرسلوا إلى محمد يديه . فقال أبو سُفيان بن حرب : لا ، ما على محمد دِيَةٌ ولا غُرْمٌ
قد برئ محمدٌ . ما كان على محمدٍ أكثر مما صنع ، فلم تخرج له دِيَة فأَقام أبو بصير
وَأَصحابُه بِسِيف(٤) البحر ، وقال ابن شهاب: بين العِيص وذى المَرْوَةِ من أَرض جُهَيْنَة
على طريق عَيّرات قُريش .
قال محمد بنُ عمر(٥): لما خرج أَبو بصير لم يَكُن معه إلاَّ كَفُّ تَمْرٍ فأكله
ثلاثة أيام، وأصاب حِيتَاناً قَدْ أَلقاها البحر بالسّاحل فأَكلها ، وبلغ المسلمين الذين
قد حُبِسُوا بمكّة خبرُ أَبى بصير ، فتسللوا إِليه .
(١) كما فى رواية ابن إسحاق (السيرة النبوية بن هشام ٢: ٣٢٤).
(٢) ما بين الحاصرتين من (مغازى الواقدي ٢: ٦٢٨).
(٣) أى مخالف لديننا (مغازى الواقدى ٣ : ٦٢٨)
(٤) سيف البحر؛: أى ساحله (شرح المواهب ٢: ٢٠٣) وفى نهاية الأرب ١٧: ٢٤٦ ((حتى نزلوا بين
العيص وذى المروة من أرض جهينة على طريق عيرات قريش مما يلى سيف البحر )) وفى السيرة النبوية لابن هشام
طريق مكة إذا قصدوا الشام وهو يحاذى المدينة إلى جهة الساحل ( شرح المواهب ٢ : ٢٠٣).
(٥) انظر مغازى الواقدي ٢ : ٦٢٧ .
- ١٠١ -
٠

قال محمد بنُ عمر : كان عمر بنُ الخطاب هو الذى كَتَب إليهم بقول رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - لِأَبِى بصير ((وَيْلُ أَمّهِ مِحَش حَرْبٍ لو كان له رجال ))
١٧٣ و وأخبرهم / أَنه بالسّاحل، وأَنْفَلَت أَبو جَنْدَل بنُ سُهَيْل بن عَمْرو الذى رَدّهُ رسولُ الله
- صلى الله عليه وسلم - إلى المشركين بالحدَيْبِيَة، فَخَرَج هو وسبعون رَاكِبًا غَنْ أَسلموا
فلحقوا بأَبى بصير ، وكرهوا أَن يقدّمُوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى هُدْنَةِ
المشركين، وكَرِهُوا الثواءَ بين ظَهرانى قومهم، فنزلوا مع أبى بصير ، ولَمَّا قدم أَبو جَنْدَل
على أَبى بصير سَلَمَ لهُ الأَمرَ ؛ لكونه قُرَشِيًّا فَكَان أَبو جَنْدَل يوُّمُّهم، واجتمع إلى أَبى
جِنْدَل - حين سمِعَ بقدومه - نَاسُّ من بنى غِفَار وأَسْلَمَ وجُهَيْنَةِ، وطَوائِف من النَّاس
حتى بَلَغُوا ثلاثمائة(١) مقاتل - كما عند البَيْهَتِىّ عن ابن شهاب - لا تَمُرُّ بهم عير لقريش إلاَّ
أَخذوها وقتلوا مَن فيها، وضيَّقُوا على قريش ، فلا يظفرون بأَحدٍ منهم إلاَّ قتلوه .
ومما قاله أَبو جَنْدل بنُ سُهَيْل فى تلك الأيام :
أَنَّا بِذِى المَرْوَة فى السَّاحِل (٢)
أَبلغ قُرَيْشًا عن أَبِى جَنْدلِ
بالبيض فيها والقَنَا الدّابل (٣)
فى مَعْشرٍ تخفق راياتهم
من بَعْد إِسلامهم الوَاصِلِ
يأْبون أَن تَبقَى لَهُم رُفْقَة
والحَّقُ لَا يُغَلَبُ بالباطِلِ
أَوْ يَجْعَل الله لهم مَخْرَجاً
ويُقْتَلُ المرءُ وَلَمْ يَأْتَلِ
فَيَسْلِمِ المرءُ بَإِسْلاَمِهِ
فَأَرسلت قريشً إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أَبا سُفيان بن حرب يسألونه
ويتضرعون إليه أن يبعث إلى أَبِى بصير وأَبِى جَنْدَل ومن معهم ، وقالوا من خَرج منَّا
إليك فأَمسِكْه فَهُوَ لَكَ حلالٌ غيرُ حرج أَنت فيه . وقال : فإن هؤلاءَ الرّكب قد فَتَحُوا
(١) كذا جزم ابن عقبة فى مغازيه، ولابن اسحاق: بلغوا سبعين. ولأبى المليح: أربعين أو سبعين، وجزم
عروة بأنهم بلغوا سبعين، ولكن السهيلى زعم أنهم بلغوا ثلاثمائة رجل. وانظر (شرح المواهب ٢: ٢٠٣،
ونهاية الأرب ١٧: ٢٤٧ - وفى السيرة الحلبية ((بلغوا ثلاثمائة)) ٣: ٣٢.
(٢) انظر معانى مفردات قصيدة أبى جندل فى شرح المفردات.
(٣) فى نهاية الأرب ١٧: ٢٤٧ ((الذبل)).
- ١٠٢ -

عَلَيْنَا بَابًا لا يصلح إقراره ، فكتب رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أبى بَصِير
وأَبِى جَنْدَل يأُمرهما أَن يَقْدُما عليه ، ويأمر من معهما مِمَّن أَتْبَعَهُمَا من المسلمين أَن
يَرْجِعُوا إلى بلادهم وأهليهم فلا يتعرضوا لأَحدٍ مرَّ بهم مِنْ قريش وعَيَراتها ، فَقَدمَ
كتابُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أَبى بصير وهو يَمُوت . فجعل يقرؤه ،
ومَاتَ وهو فى يَدَيْهِ، فَدَفَنَهُ أَبو جَنْدَل مَكَانَه، وجعل عند قَبْرِه مسجداً .
وقدم أبو جندل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه ناس من أصحابه
ورجع سائرهم إِلى أَهليهم ، وأَمِنَت بعد ذلك عَيّرَاتُ قريش .
قال عُرْوَةُ : فَلمَّا كان ذلك من أَمرِهِم عَلِمَ الذين كانوا أشاروا على رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - أن يمنع أَبا جَنْدَل من أَبيه بعد القضيّة أَنَّ طاعَةَ رسولِ الله - صلى
الله عليه وسلم - خَيْرٌ لهم فيما أَحَبُّوا وفيما كرهوا من رأى مَنْ ظنّ أَن له قوّة هى أفضل
مما خصّ اللهُ تعالى به رسُولَه من الفوز والكرامة - صلى الله عليه وسلم - وليًّا
دَخَلَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عام القضية وحاق رأْسَه قال: ((هذا الَّذِى
وَعَدْتكُم )) .
ولَمَّا كانَ يوم الفتح أَخذ المفتاح وقال: (( أَدْعُوا لىّ عمرَ بنَ الخطاب . فقال :
((هَذَا الَّذِى قُلْتُ لَكُم )) .
ولمّا كان فى حِجَّةِ الوداع وقَفَ بعرفة وقال: ((أَى عمر هذا الذى قُلْتُ لكم إنى
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واللّه مَا كَان فَتْحٌ فى الإِسلام أعظم مِن صُلْحِ الحُدَيْبِيَة،
وكان الناس قَصُرَ رَأَيُهُم عمّا كان /، وكان أبو بكر - رضى الله عنه - يقول: ما كانَ ١٧٣ ظـ
فَتْحٌ فى الإِسلام أَعْظَمَ مِن صُلْحِ الحدَيبِيَة، وكان النّاسُ قصر رَأَيُهُم عمّا كانَ بَيْنَ
رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وبَيْنَ رَبِّهِ، والعِبَادُ يَعْجَلُون، والله - تعالى - لا يَعْجَلُ
لِعَجَلَةِ العبد(١) حتى يبلغ الأُمور ما أَراد، لقد رَأَيْتُ سُهَيْل بِنَ عمرٍو فى حِجَّةِ الوداع
(١) فى ت ((العباد)).
- ١٠٣ -

قائماً عند المنحر يُقَرِّبُ لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بُدْنَه ورسولُ الله - صلى الله
عليه وسلم يَنْحَرُها بيده، ودعا الحلاَّقَ فَحَلَقَ رَأْسَه، فَانْظُر إلى سُهَيْلٍ يلقط (١) من
شَعْرهِ ، وأَراه يَضَعُه على عَيْنَيه، وأذكرُ أمتناعه أَن يُقِرَّ يومَ الحُدَيْبِيَة بِأَنْ يُكْتَبَ :
((بسم الله الرحمن الرحيم )) فَحَمِدْتُ اللهَ - تعالى - الذى هَدَاهُ للإِسلام.
ذكر ما أنزل الله سبحانه وتعالى فى شأن غزوة الحديبية: قال الله
سبحانه وتعالى ((انا فتحنا لك فتحا مبينا))
بيِّنَا وظَاهِرًا، وهذا إخبارٌ عن صلح الحُدَيْبِيَةِ، وسمّاهُ فَتْحًا لأَنه كانَ بعد ظُهُورِهِ
على المشركين حَتَّى سَأَلُوهُ الصُّلْحَ ، وتسبب عنه فتح مكة ، وَفَرَغ به - صلى الله عليه
وسلم - لسائر العرب فَغَزَاهِم ، وفَتَحَ مواضعَ .
ورَوَى البخارىّ عن أنس - رضى الله عنه - فى الآية قال: الفتحُ صلحُ الحُدَيْبِيَة.
وَرَوَى أَيضاً عن البراء رضى الله عنه - قال: تَعُدُّونَ أنتم الفتحَ فتحَ مكة ، وقد
كان فتحُ مَّة فتحاً ، ونحن نعُدّ الفَتْحَ بَيْعَةَ الرّضوان يومَ الحُدَيْبِيَة.
قال الحافظ رحمه الله يعنى (٢) قوله تعالى: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبَيْنًا) وهذا
موضع وقع فيه اختلافٌ قديم : والتحقيق : أنه يختلف باختلاف المُراد من الآيات .
فقوله - تعالى: ( إِنا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا) المرادُ بالفتح هنا الحُدَيْبِيَة؛ لأَنها كانت
مَبْدَأَ الفتحِ المُبين على المسلمين لما تَرتَّبَ على الصلح الذى وقَعَ من الأَمن ورفع الحرب
وتمكِّنٍ مَنْ كان يَخْشَى الدخولَ فى الإسلام والوصول إلى المدينة من ذلك ، كما وقع
لخالد بن الوليد ، وعمرو بن العاص وغيرهم ، ثم تبعت الأسباب بعضها بعضا ،
إلى أن كمل الفتح .
(١) كذا فى الأصول - وفى السيرة الحلبية ٣: ٣٢ ((فانظر إلى سهيل كلما يلقط من شعره صلى الله عليه وسلم يضعه
على عينيه .))
(٢) ينظر قول الحافظ فى شرح المواهب ٢: ٢١٠.
- ١٠٤ -

قال الزُّهْرِىّ: لم يكن فى الإِسلام فتحٌ قبل فتح الحُدَيْبِيَة أَعظم منه(١) إِنما كان
الكفر حيث القتال(٢)، فلَمَّا أَمِنَ الناسُ كلُّهم، كلَّم بعضُهم بَعضًا ، وتفاوضوا
فى الحديث والمنازعة، ولم يُكَلَّم أَحدٌ بالإِسلام يعقِلُ شيئاً إِلاَّ بَادَرَ إلى الدخول فيه ،
فاتقد دَخَل فى تينك السَّنَتَيْن مثل مَنْ كان دَخَل فى الإسلام قبل ذلك أَو أَكثر .
قال ابن هشام : : ويدل عليه أنه - صلى الله عليه وسلم - خرج فى الحديبية فى ألف
وأربعمائة ، ثم خرج بعد سنتين إلى فتح مكَّة فى عشرة آلاف انتهى .
وأَما قولُه - تعالى - فى هذه السّورة: (وأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا) فالمرادُ به فتح خَيْبَر
على الصحيح ؛ لأنها وقعت فيها المغانم الكثيرة ، وقسمت خَيْبَر على أَهل الحُدَيْبِيَةِ، وأَما
قوله - تعالى: ( فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيباً) فالمرادُ به الحُدَيْبِيَةِ، وأَما قولهُ
- تعالى: ( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ) وقوله - صلى الله عليه وسلم ((لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ))
فالمرادُ به فتحُ مكَّة بأنّفاق (٣)، فبهذا / يرتفع الإشكال (٤) وتجتمع الأَّقْوالُ بعَوْنِ اللّه .
١٧٤ و
وقال فى موضع آخر : ومما ظهر من مصلحة الصلح المذكور غير ما ذكرهُ الزُّهْرِى،
أنه كان مقدمة بين يَدَى الفتح الأعظم الذى دَخَلَ الناسُ عَقِبَهُ فى دين الله أفواجا))
· فكانت الهدنة معناها كذلك ، ولَمَّا كانت قصة الحُدَيْبِيَة مقدمةً للفتح سُمِيّت فَتْحًا ؛
لأَنّ الفتحَ فى اللغةِ فتحُ مُغْلَقٍ، والصُّلْحُ كَانَ مُغْلَقًا حَتَّى فَتَحَهُ اللهُ - تعالى. وكان
من أسباب فتحه صدّ المسلمين عن البيت ، فكان فى الصورة الظاهرة ضَيْمًا للمسلمين ،
وفى الصورة الباطنةِ عِزَّاً لهم ؛ فإن الناس لأَّجل الأَمن الذى وقع بينهم اختاط بعضُهم
ببعض من غير نكير ، وأسمع المسلمونَ المشركين القرآن ونَاظَرُوهُم على الإِسلام جهرة
آمنين، وكانوا قبل لا يتكلمون عندهم بذلك إِلَّ خفية. وظَهَرَ مَنْ كان يُخْفى إِسلامه ،
(١) لفظ منه إضافة على الأصول من شرح المواهب ٢: ٢١١. والسيرة النبوية لابن هشام ٢: ٣٢٢.
(٢) كذا فى الأصول. وفى شرح المواهب ٢: ٢١١، والسيرة النبوية لابن هشام ٢: ٣٢٢ (( إنما كان القتال
حيث التقى الناس)) .
(٣) أى باتفاق الآية والحديث كما فى شرح المواهب ٢: ٢١١
(٤) قاله الحافظ ابن حجر كما فى المرجع السابق.
- ١٠٥ -

فَذَلَّ المشركون مِنْ حيث أَرادُوا العَزَّة، وقُهِرُوا مِنْ حيث أَرَادُوا الغَلَبَة، ( لِيَغْفِرَ لَكَ
اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأْخَّرَ) اللام للعلة الغائيّة، جعل الغفران علة للفتح من
حيث أَنّه سَبَبُ عن جهاد الكُفَّار والسَّعى فى إِعلاء الدين، وإزاحة الشَّرْك وتكميل
النُّفُوسِ النَّاقصة قَهْرًا؛ ليصيرَ ذلك بالتَّدْرِيجِ اخْتِيَارًا، وتخليص الضَّعَفَةِ من أيدى
الظَّمة، وَتَقَدَّم الكلامُ على هذه الآية فى أواخر تنبيهات المِعْرَاجِ، ويأتى له تَتِمَةٌ
فى الخصائص ( ويُتِمَّ) بالفتح المذكور ( نِعْمَتَهُ ) إنعامه بإعلاء الدين وضم المُلْكِ
إلى الثُّبُوّة ( عَلَيْكَ ويَهْدِيَكَ ) فى تبليغ الرسالة وإقامة مراسيم الديانة ( صِراطاً ) طريقاً
( مُسْتَقِيماً) يُثبُّكَ عليه، وهو دين الإِسلام (ويَنْصُرَكَ الله) به (نَصْراً عَزِيزاً ) ذا
عِزِ لاَ ذُلَّمَعَه ( هُوَ الَّذِى أَنْزَلَ السَّكِينَةَ) الثَّبَاتَ والطُّمأُنينة (فِى قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ )
حتى يثبتوا، حتى لا تقلق النفوس وتدحض الأقدام (لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً) يقيناً ( مَعَ
إِيمانِهِمْ ) يقينهم برسوخ العقيدة وأطمئنان النفس عليها ، أَو أَنزل فيه السّكون إِلى
ما جاء به رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم ( لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً) بالشرائع (مَعَ إِيمَانِهِمْ )
بالله واليوم الآخر (وِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ والْأَرْضِ) فلو أراد نصرَ دينه بغيركم لَفَعَلَ
( وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا) بخلقه ( حَكِيمًا) فى صنعه ، أَى لم يزل مُتَّصفًا بذلك ، ثم ذكر
- تعالى - القصة فى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفى أصحابه حتى انتهى إلى ذكر
البيعة فقال عزَّ وجَلَّ (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ) بيعة الرضوان بالحُدَيْبِيَة (إِنَّمَا يُبَايِعُونَ
اللهَ) أَى ما يبايعون أحداً إلا الله، أَى ليست تلك المبايعة مع رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - بل مع الله - تعالى - وَكَما رُوعِيتَ المُشَاكَلَةُ بين قوله: (إِنَّ الَّذِينَ
يُبَايِعُونَكَ) وبين قوله ( إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ) بنى عليها قولَه ( يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيِهِمْ)
على سبيل الاستعارة التخييلية تتميما لمعنى المشاكلة ، وهو كالترشيح للاستعارة ، أَى إِذا
كان الله - تعالى - مُبَايِعًا، ولابُدّ للمبايع - كما تقرَرّ وأَشْتَهَر - من الصّفقة لليد فتخيّل
اليد لتأكيدِ المُشاكلةِ، وإلاَّ، فَجَلَّ جَنَابُه الأَعْدَسُ عن الجارحة، والمعنى أَنّ الله
١٧٤ ظ - تعالى - مُطَّع على مبايعتهم فيجازيهم عليها / ( فَمَنْ نَكَثَ ) نَقَض البيعة ( فَإِنَّمَا
يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ) يرجعُ وبال نقضِهِ على نفسه (وَمَنْ أَوْفَى) ثبت (بمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ) فى
- ١٠٦ -

1
مبايعته ( فَسَنُؤْتِيه ) بالفوقية والنون ( أَجْرًا عَظِيماً ) وهو الجنة ، ثم ذكر تعالى
ما المنافقون يَعْتَلُّون به إذا لَقوا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فقالَ تبارك وتعالى :
( سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ ) من الأَعراب حول المدينة، الذين خلَّفهم الله - تعالى - عن
صحبتك لَمَّا طلبتهم لِيَخْرُجُوا معك إلى مكة، خَوْفًا من تَعَرُّضِ قريش لك عام
الحُدَيْبِيةِ إِذا رجعْتَ منها ( شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا) عن الخروج معك ( فَاسْتَغْفِرْ
لَنَا ) الله - تعالى - مِن ترك الخُروج مَعَك، قال سبحانه وتعالى مكذباً لهم (يَقُولُونَ
بأَلْسِنَتِهِمْ ) أَى من طلب الاستغفار والاعتذار ( مَا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ) فهم كاذبون
فى اعتذارهم ( قُلْ فَمَنْ) استفهام بمعنى النّفى، أَ لا أَحد ( يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللهِ شَيْئًا
إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا) بفتح الضَّاد - ما يضركم كقتل ، وخلل فى المال والأَهل وعقوبة
عن التخلف - وبضمها - أَى [الهزال وسوء الحال](١) (أَوْ أَرَاد بِكُمْ نَفْعًا) ما يضاد
ذلك؛ لأَّنهم ظنُّوا أَن تخلفهم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدفع عنهم الضّرر ،
ويعجّل لهم النَّع بالسلامة فى أنفسهم وأموالهم ، فأخبرهم تبارك وتعالى أنه إِن أَرادَ بهم
شيئاً من ذلك لم يقدر أحدٌ على دفعه ( بَلْ ) هنا وفيما يأتى للانتقال من غرض إِلى
آخر ( كَانَ الله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً) فيعلم تخلفَكم وقصدكم فيه (بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ
لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَ الْمُؤْمِنُونَ إِلىَ أَهْلِيهِمْ أَبَدًا) أَى ظننتم أن العدو يستأصلهم
فلا يرجعون ، ( وَزُيِّنَ ذَلِكَ ) عَدَمَ الانقلاب (فِى قُلُوبِكُمْ) فتمكنَّ فيها ( وظَنَنْتُمْ
ظَنَّ السَّوْءِ) هذا وغيره ( وَكُنْتُمْ قَوْماً بُورًا) بواو وراء جمع بائِرِ أَى هالِكين عند الله
- تعالى - بهذا الظَّن (وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا) أَعددنا وهيئنا(٢)
( لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا) نارًا شديدة ( وَلِ مُلْكُ السَّمَواتِ وَالْأَرْضِ) يديرهُ كيف يشاءَ
( يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ ويُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ) إِذ لا وُجُوبَ عليه ( وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا)
ولم يزل مُتَّصِفًّا بذلك ، ثم ذكر أَن النّبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابَه إِذا انطلقوا
(١) بياض فى الأصول بمقدار ثلاث كلمات. والمثبت من لسان العرب ٦: ١٢٣ وقد جاء فيه ((الضر بالضم الاسم
دون المصدر، وهو الهزال وسوء الحال ، وقوله عز وجل ( وإذا مس الإِنسان الضر دعانا لجنبه) وقوله ( كأن لم يدعنا إلى ضر مسه)
فكل ما كان من سوء الحال وفقر أوشدة فى بدن فهو ضر، وما كان ضد النفع فهو ضر)» .
(٢) بياض فى الأصول بمقدار كلمتين والمثبت من اللسان .
- ١٠٧ -

إلى مغانم لِيَأُخذوها الْتَمَسَ المخلفون الخروجَ لِعَرضِ مِنَ الدّنيا، فقال تباركَ وتعالى .
( سَيَقُولُ لك المخُلَّفُونَ) المذكورون (إِذَا انْطَلَفْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا) هى مغانم خَيْبَر؛
فإِنه - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا رجع من الحُدَيْبِيَةِ أَقَامَ بالمدينة مدة ثم غزا خَيْبَر
بمن شَهِدَ الحُدَيْبِيَةِ ففتحها، وغَنِمَ أَموالا كثيرة فخصّها بهم ( ذَرُونَا ) اتركونا
( نَتَّبَعْكُمْ) لنأُخذ منها (يُرِيدُونَ) بذلك ( أَنْ يُبَدِّلُوا كَلاَم اللهِ) وقرأَ حمزةُ والكسائىّ
بكسر الكاف ، وهو جمع كَلاَم - أَى مواعيده بغنائم خَيْبَرِ أَهْلَ الحُدَيْبِيَةِ خاصةً
( قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا) نفى بمعنى النهى (كَذلِكُمْ قَالَ اللهُ مِنْ قَبْلُ) أَى مِنْ قبل
عودنا ( فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُلُونَنَا) أَنْ نُصِيبَ معكم من الغنائم فقُلْتُم ذلك (بَلْ
كَانُوا لَا يَفْقَهُوُنَ ) يعلمون من الدين (إِلاَّ قَلِيلاً) منهم ( قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ )
١٧٥ , المذكورين أَخْتِيَارًا (سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِ بَأْس) أَصحاب ( شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ) / حالٌ
مُقَدَّرَةُ - هى المدعو إليها فى المعنى ( أَوْ) هم ( يُسْلِمُونَ) فلا يقاتلون ( فَإِنْ تُطِيعُوا )
إلى قتالهم ( يُؤْتِكُمُ الله أَجْرًا حَسَنًا ) هو الغنيمة فى الدنيا، والجنة فى الآخرة (وَإِنْ
تَتَوَّلَّوْا كَمَا تَولَّبْتُمْ مِنْ قَبْلُ) عن الحُدَيْبِيَةِ ( يُعَذِّبِكُمْ عَذَاباً أَلِيمًا) مؤلما ( لَيْسَ
عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ) إِنمٌ فى تركِ
الجهاد ( وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ) باليَاءَ والنّون ( جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا
اْأَنْهَارُ) فَصَّلَ الوَعْدَ وأَجْمَلَ الوعيد مبالغةً فى الوعد لِسَبْقِ رحمته ثم جمل(١) ذلك
بالتكرار على سبيل التّعميم فقال: (وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَلِّبْهُ) كذلك (عَذَابًا أَلِيمًا) إِذ
الترهيبُ هنا أَنفعُ من التَّرغيب .
ثم ذكر - تعالى - مَنْ بايَعَ تَحْتَ الشجرة فقال عَزَّ وجَلَّ ( لَقَدْ رَضِىَ اللهُ عن
الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايعونَكَ) بالحُدَيْبِيَةِ ( تَحْتَ الشَّجَرَةِ) هى سَمُرَة كما رواه ابن جرير
وابن أبى حاتم عن سلمة ، أَو سِدْرَة كما رواهُ مسلم عن جابر ( فَعَلِمَ ) الله تعالى ( مَا فِى
قلوبِهِمْ) من الصدق والوفاءِ ( فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ) الطمأنينة وسكونَ النفس بالتشجيع
( عَلَيْهِمْ ) ثم ذكر ما أَثابهم عن ذلك فقال: (وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا) هو فتحُ خَيْبَر
(١) كذا فى ت، م. وفى ط ((أجمل))
- ١٠٨ -

بعد انصرافهم من الحُدَيْبِيَةِ ( وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا) من يهود خَيْبر، وكانت خَيْبَرُ
ذات عقار وأَموال ، فقسّمها وسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بينهم ( وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا )
غالباً(١) ( حَكِيمًا) أَىْ لم يزل مُتَّصِفًا بذلك (وَعَدَكُمُ اللهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُلُونَها)
من الفتوحات التى تُفْتَحُ لكم إلى يوم القيامة ( فَعَجَّلَ لَكُمْ هُذِهِ ) غنيمة خيبر ، ثمّ
ذكَّرهم نعمته عليهم بِكَفِّ أَيدى العدوّ عنهم فقال تعالى: (وَكَفَّ أَيْدِىَ النَّاسِ
عَنْكُم) فى عيالكم لما خرجْتُمْ وهمَّت بهم اليهود، فقذفَ الله - عزّ وجل - فى قلوبهم
الرُّعب، وقِيلَ: كَفَّ أَيدى أَهلِ مكَّة بالصلح (ولِتَكُونَ ) هذه الكفَّة أو الغنيمة
المعجلة - عَطْفًا عَلَى مُقَدَّرٍ أَى لِتَشْكُرُوه ( آيَّةً) علامة (لِلْمُؤْمِنِينَ) يُعرفَون بها أَنهم
من الله - تعالى - بمكان، أَوْ صِدْقَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فى وَعْدِهِمٍ فَتْحَ
خَيْبَر حين رجوعِهِ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ (وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا) أَى طريقَ التّوكل عليه،
وتفويض الأَمر إليه - تعالى - ( وَأُخْرَى ) صِفَة مَغَانِم، فيقَدَّرُ مبتدأ (لَمْ تَقْدِرُوا
عَلَيْهَا ) بعد ، لما كان فيها من الجولة، والمراد: فارس والرّوم ( قَدْ أَحَاطَ اللهُ بِهَا )
علم أنها ستكون لكم ( وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَىءٍ قَدِيرًا) لأَن قدرته دائمة لا تختصّ
بشىءٍ دون شىء ( وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) بالحُدَيْبِيَة ولم يُصَالِحُوا (لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ )
لانهَزَمُوا ( ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا) يحرسهم (وَلَا نَصِيرًا) ينصرهم ( سُنَّةَ اللهِ) مَصْدَرٌ
مؤكَّدُ بمضمون الجملة قبله من هزيمة الكافرين ونصرِ المؤمنين ، أَى سَنَّ الله - تعالى -
ذلك سُنَّة (الَّتِى قَدْ خَلَتْ) مضتِ فى الأُمم كما قال - تعالى - ( لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلى (٢) ).
( مِنْ قَبْل وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً) تغييرا منه ( وهُوَ الَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهِمْ عَنْكُمْ)
أَى كفار مكة ( وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةً ) بالحُدَيْبِيَةِ ( مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِم )
فإن ثمانين طافوا بعسكركم ليصيبوا منكم غِرّة، فأُخِذُوا ، فأتى بهم رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - فَعَفَا عنهم، وخلَّى سبيلهم، فكان ذلك سبب الصّلح ( وَكَانَ اللهُ بِمَا
تَعْمَلُونَ ) من مقاتلتهم /، وقرأَ أَبو عَمْرو بالتحتية (بَصِيرًا) فيجازيهم عليه ( هُمُ ١٧٥ ــ
الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ) عن الوصول إليه (وَالْهَدْىَ مَنْكُوفا )
(١) كذا فى ت، م. وفى ط ((عالياً)»
(٢) الآية ٢١ من سورة المجادلة .
- ١٠٩ -

عليكم ، معكوفا : مَحْبُوسًا، حَالٌ ( أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ) الذى ينحر فيه عادة وهو الحرم
بدل اشتمال (وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُون وَنَسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ ) موجودون بمكة مع الكفار ( لَمْ
تعلمُوهُمْ ) بصفة الإيمان ( أَنْ تَطَثُوهُمْ) تقتلوهم مع الكفار لو أَذن لكم فى الفتح ، بدل
اشتمال ( فتصيبكم منهم) من جهتهم ( مَعَرةٌ ) مكروه ؛ بوجوب الدّية ، أو الكفارة
بقتلهم ، أو التأَسف عليهم ، أَو غير ذلك ( بِغَيْر عِلْمٍ ) منكم به ، وضمائر الغيبة
به للصنفين بتغليب الذكور ، وجواب لولا محذوف أَى لأُذِنَ لكم فى الفتح ولكِنْ
لَمْ يؤذن فيه حينئذ ( لِيُدْخِلَ اللهُ فِى رَحْمَتِهِ مَنْ يشَاءُ) كالمؤمنين المذكورين (لَوْ
تَزَيَّلُوا) تميزوا عن الكفار (لَعَنَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهِمْ) من أَهل مكة حينئذ بأَن
نَأْذَنَ لكم فى فتحها ( عَذَابًا أَلِيمًا) مؤلماً ( إِذْ جَعَلَ ) متعاق بعذبنا ( الَّذِينَ كَفَرُوا)
فاعل (فِى قُلوبهمُ الْحمْيَةَ) الأَنفة من الشئ ( حميَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ) بدَلٌ من حميّة، وهى
صدّهُم رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابَه عن المسجد الحرام (فَأَتْزَلَ اللهُ
سكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ) فصالحوهم، على أَن هذا (١) يعود مِنْ قَابِلِ،
ولم يلحقهم من الحميّة مَالَحِق الكفَّارَ حتَّى يقاتلوهم (وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ النَّقْوَى) لا إِله
إلا الله محمد رسول الله، وأضيفت إلى التقوى لأَّنها سببها ( وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا ) من
الكفار ( وَأَهْلَهَا ) عطفُ تفسير (وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَىءٍ عَلِيمًا) أَى لم يزل مُنَّصِفاً
بذلك ؛ ومن معلومه تعالى أَن المؤمنين أَهلها ( لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولُهُ الرؤيا بالحق )
رأَى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فى النوم عامَ الحُدَيْبِيَة قبل خروجه أنه يدخل
مكة هو وأصحابه آمنين يحلقون رؤوسهم ويقصرون ، فأخبر بذلك أصحابه فَفَرِحُوا ،
فلَّما خرجوا معه وصدَّهَم الكفَّارُ بالحُدَيْبِيَة ورجعوا ، وشقّ عليهم ذلك ، وراب بعض
المنافقين نزلت، وقوله تعالى: ( بِالْحَقِّ) متعلقٌ بصَدَقَ، أَو حال من الرُّؤْيَا،
وما بعدها تفسير لها ( لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللهُ آمِنِينِ مْحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ)
أَى جميع شعورها (وَمُقَصِّرِينَ) شعورها، وهما حالان مقدرتان (لَا تَخَافُونَ ) حالٌ
مُؤكده أَو استئناف: أَى لا تخافون بعد ذلك ( فَعَلِمَ) فى الصاحِ ( مَالَمْ تَعْلَمُوا) من
(١) المقصود: أن يعود المصطفى صلى الله عليه وسلم هذا العام ثم يعود بعد ذلك فى العام القادم.
- ١١٠ -

الصلاح ( فَجَعَلَ مِنْ دُون ذَلِكَ) أَى الدخول ( فَتْحًا قَرِيبًا) هو فتح خَيْبَر، وتحقَّقْت
الرُّؤيا فى العام القابل، ويأتى الكلام على تفسير بقيّة السّورة فى الخصائص إن شاءً
الله تعالى .
تَنْيَهَاتٌ
الأول : الحُدَيْبِيَة : بحاء مهملة مضمومة ، فدال مهملة مفتوحة فموحدة مكسورة
فتحتية مَفْتُوحة. قال الإِمام الشافعى - رحمه الله - وأهل اللغة وبعض أهل الحديث - رحمهم
الله - النَّحْتِيَّة مخففة(١). وقال أكثر أهل الحديث / مُشَدَّدَةَ. قال النووي - رحمه الله - ١٧٦ م
فهما وَجْهَان مشهوران .
وقال فى المطالع : ضبطنا التخفيف عن المُتُقِنِين وأَما عامة الفُقَهاء والمُحَدِّثين
فيشدِّدُونَها . وقال البكرى - رحمه الله - أَهلُ العراقِ يُشَدِّدُون، وأَهْلُ الحجازِ يخَففون.
وقال النحاس - رحمه الله - سأَلت كلَّ مَنْ لقيتُ مِمَّن أَثقُ بعلمه عن ((الحديبية))
فلم يختلفوا عن قراءتها مخففة .
قال أحمد بن يحيى(٢) - رحمه الله - لا يجوزُ فِيهَا غيره، ونصّ فى البارع على
التخفيف. وحكى التَّشْدِيدَ ابن سيده - رحمه الله - فى المحْكَم ، قال فى تهذيب المطالع :
ولم أَره لغيره، وأشار بعضُهم إلى أَنَّ التثقيل لم يُسْمَع حتى يَصح(٣)، ووجهُهُ أَن الَّثْقِيل
إنما (٤) يكون فى المنسوب، نحو الإِسْكندريّة فإنها منسوبة إلى الاسكندر وأَمَّ الحُديبية)»
(١) أنظر الخلاف حول تخفيف ياء الحديبية الثانية وتشديدها فى شرح المواهب ٢: ١٧٩، والسيرة الحلبية ٣: ١٠
وهو لا يخرج عما هنا .
(٢) احمد بن يحى هو ثعلب كما فى شرح المواهب ٢ : ١٧٩.
(٣) كذا فى ط. وفى ت وم ((لم يسمع فى فصيح)).
(٤) كذا فى ط ، وفی ت ، م ( بأنه یکون فى المنسوب )»
- ١١١ -

فلا تعقلُ فيها النِّسْبَة ، وياءَ النسبة فى غير مَنْسُوب قليلة ، ومع قلته موقوف على
السماع. والقياسُ أن يكون أصلها حَدْبَاءَ بزيادة ((ألفٍ للإلحاق ببنات الأَربعة، فلما
صغرت أنقلبت الألفُ ياء ، وقيل: حُدَيْبَة ، وشهد لصحة هذا أَقوالهم لُيَيْلَة بالتّصغير ،
ولَمْ يَرِدْ لَها مُكَبَّر فَقَدَّره الأَئِمة ليلة لأَن المُصَغَّر فرعُ المُكَّرِ ، ويمتنعُ وجودُ فرعٍ
بدون أَصْلِه .
قال المحب الطبرى - رحمه الله - : هى قريبة من مكة أَكثرها فى الحرم .
وفى صحيح البخارى عن البراء ((الحديبية)) بِئْر. قال الحافظ - رحمه الله - يُشِيرُ
إِلى أَنَّ المكان المعروف بالحُدَيْبِيَة سمى ببئرٍ كانت هنالك ، هذا أسمها ، ثم عُرِفَ
المكانُ كُلُّهُ بذلك، وَبَيْنَهَا وبين مكة نحو مرحلة واحدة، وبين المدينةِ تِسْعُ(١) مَرَاحل
الثانى : قَالُوا كانت سَنَّةً ستّ ، قاله الجمهور ، فى ذى القِعْدة، وقال هِشَامُ
ابْنُ عُرْوَةً عن أَبيه - رحمهما الله - فى شوال، وشَذَّ بِذَلِكَ هِشَامُ عن الجمهور . وقد
وافق أَبو الأَسود عن عُرْوَة الجمهور . وفى البخارى عن عائشةَ - رضى الله عنها - قالت:
مَا أَعْتَمَرَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إلاَّ فِى ذِى القِعدَة، وفيه عن أَنَسٍ - رضى
الله عنه - أَعْتَمَرَ رَسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أَرْبَعَ عُمَرٍ كُلُهُن فِى ذِى الْفِعْدَة،
فذكر منها عُمْرَةَ ((الحُديبية .
الثالث: أَخْتَلَفَت الرواياتُ فى عِدَّةِ مَنَ كَان مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
فيها ، فَفِى رِوَايَةٍ عبد العزيز الأَفاقى عن الزُّهْرِى فى حديث الْمِسْوَر، ومروان: أَلف
وثمانمائة .
وفى رواية إِسْرَائيلَ عن أَبِ إِسْحَاقَ عن البراءِ : كُنَّا أَربع عشرة مائة .
وفى رواية زهير بن معاوية عن أبى إِسْحَاق كانوا ألفًا وأربعمائة أو أكثر .
(١) انظر الخلاف حول المسافة التى بين الحديبية وكل من مكة والمدينة فى شرح المواهب ٢ : ١٧٩.
- ١١٢ -

وفى رواية لسالم بن أَبِى الْجَعْد عن جابر: أَنهم كانوا خَمْسَ عَشْرة مائة ، وكذلك
رواية سَعِيدِ بنِ المُسَيَّب عنه، وكذلك رواية(١) ابن أَبِى شَيْبَة عن مُجَمّع بن جارية .
قال الحافظ - رحمه الله - والجمْعُ بين هذا الاختلاف أنهم كانوا أكثر من ألف
وأربعمائة، فَمَنْ قال ألف وخمسمائة جبر الكسر ، ومن قال ألف وأربعمائة أَلغاه .
ويؤيده قول البراء فى رواية عنه: كُنَّا أَلفًا وأربعمائة أَو أَكثر ، وأعتمد على هذا
الجمع النووى - رحمه الله / . وأَما البيهقى - رحمه الله - فَمَالَ إِلى التَّرْجيح، وقال : ١٧٦ ظـ
إِن رِوَايَةَ مَنْ قال أَلفاً وأربعمائة أَرجح ، ثم روى مِنْ طريق أَبى الزبير ومن طريق
سفيان بن عمر بن دينار ، كِلاَهُمَا عَن جابر كذلك .
ومن رواية مَعْقل بن يَسَار عن سَلَمَةَ بنِ الأَكوع ، والبراء بن عازِب ومِنْ طريق
قَتَادَة عن سَعِيدٍ بنِ المُسَيَّب عن أبيه ، ومعظم هذه الطرق عن مسلم .
ووقع عند ابن سعد - رحمه الله - فى حديث مَعْقل بن يَسَارِ : زُهَاءَ ألف وأربعمائة ،
وهو أَيْضًا فى عدم التّحْدِيد .
وأَما قولُ عبد الله بن أَبِى أَوفى - رحمه الله -: كُنَّا ألفاً وثلثمائة كما رواه البخارى ،
فَيُمْكِن حَمْلُه على ما أَطَّلَعَ عليه، وأطلع غيْرَه على زيادة أُنَاسٍ لم يَطَّعْ هو عليهم ،
والزيادة مِنَ الثِّقَة مقبولة. أَو الْعَدَد الَّذِى ذَكَرَهُ عَدَدِ الْمُقَاتِلة. والزِّيَادَةُ عليها من
الأَنْبَاعِ من الْخَدَمِ والنِّسَاءِ والصِّبْيَان الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الخُلُم .
وأَمَّا قَوْلُ ابن إِسْحاقٍ - رحمه الله - إِنَّهُم كانُوا سبعمائة فَلَمْ يُوَافِقِه [أَحد(٢)] عَلَيه ؛
لأَنَّ قَالَهُ أَسْتِنْباطاً من قَوْلِ جَابر - رضى الله عنه - : نحرنا الْبَدَنَةَ عن عَشْرَةِ، وكَانُوا
نَحَرُوا سَبْعِينَ بَدَنَة . وهذا لَا يَدُلُّ على أَنَّهُم لم ينحروا غير الْبُدْن، مَعَ أَنَّ بَعْضَهُم
لم يكن أَحْرَمَ أَصْلاً. وقال ابنُ الْقَيِّم: مَا ذَكَرَه ابنُ إِسْحَاق غَلَطٌ بَيِّن، واسْتَدَلَّ
به مِنْ أَنَّهم نَحَرُوا سَبْعين بدنة ، والبدنة جاءَ إِجزاؤها عن سبعة وعن عشرة ، وهذا
(١) كذا فى ط، ت، م ((رواه)).
(٢) سقط فى الأصول. والإضافة من شرح المواهب ٢: ١٨٠.
(٨ : - سبل الهدى والرشاد جـ ٥ )
- ١١٣ -
٠٠.

لا يدل على ما قاله فإنَّه قَدْ صَرَّحَ أَن البَدَنَة فى هذه العُمْرَة عن سَبْعَة، فلو كانت
السَّبِعُونَ عنْ جَمِيعِهِمْ كانوا أَربعمائة وتسعين رجلا، وقد قَالَ فِى تَمَامِ الْحَدِيثِ
بعَيْنِه: إِنَّهم كَانُوا أَلْفًا وأربعمائة .
وأَمَّا مَا وَقَعَ فِى حَدِيثِ المِسْوَر ومَرْوَان عن البُخَارى أنهم خرجُوا مع رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - بضع عشرة مائة، فَيُجْمَعُ أَيْضًا بأَنَّ الَّذِين بَايَعُوا كَانُوا كما تقدم.
وَأَمَّا الَّذِينَ زَادُوا على ذَلِكَ فَكَانوا غَائبين عنها، كَمَنْ تَوَجَّه مع عثمان - رضى الله عنه -
إِلى مَكَة ، على أَنَّ لَفْظَ الْبِضْعِ يَصْدُق على الخمس والأَربع ، فلا تخَالف .
وَجَزَمَ ابنُ عقبة (١) بأنّهم كَانُوا أَلْفًا وسمائة، وفى حديث سَلَمة بن الأكوع
عند ابن أَبِى شَيْبَةَ أَلْفًا وسَبْعَمَائة. وحكى ابنُ سَعْد: أنهم كانوا ألفًا وخمسمائة وخمسة
وعشرين. وهذا(٢) إِنْ ثَبَتَ تَحْرِيرٌ(٣) بالغ .
وزاد ابن مَرْدَويه عن ابن عبّاس، وفيه ردٌّ على ابن دِخْية، حَيْثُ زَعَمَ أَنَّ سَبَبَ
الاختلاف فى عددهم ، أَنَّ الَّذِى ذَكَرَ عَدَدَهُم لم يَقْصِد التَّحْديد، وإِنما ذكره بالْحَدْسِ
والنَّخْمِين .
الرابع: فى أَخْذِهِ - صلى الله عليه وسلم - ذَاتَ الْيَمِين عَنْ خَالِدٍ وجَيْشِه ، جواز
الاسْتِتَارِ عَنْ طلائِع المشركين ومُفَاجَأَنَهُم بِالْجَيْش طَلَبًا لِغِرّتهم.
الخامس : فى استشارته - صلى الله عليه وسلم - أَصْحَابَه، استحباب مشوُرَةِ الإِمام
رَبِيَّتَهِ وَجَيْشَهِ اسْتِخْراجاً لِوَجْه الرأى، واستطابة لِنُفُوسِهِم، وأَن يخَصِّصَ بِهِ بَعْضَهم
دُونَ الْبعض . .
السادس : فى قوله - صلى الله عليه وسلم -: مَا خَلاَّت وَمَا ذَاكَ لَهَا بِخُلُق، جَوَازُ
الحُكْمِ عَلَى الشَّىء بِمَا عُرِفَ من عَادَته، وإِن جَازَ أَنْ يَطْرَأْ عليه، وإِذَا وَقَعَ مِنْ
(١) هو موسى بن عقبة كما جاء فى المرجع السابق.
(٢) فى شرح المواهب ٢: ١٨٠ ((قال الحافظ وهذا إن ثبت تحرير بالغ)).
(٣) فى ط ((تحديد)) والمثبت عن ت، م. ويوافقه ما فى شرح المواهب.
- ١١٤ -
+

شَخْصِ هَفْوَة لَا يُعْهَدُ مِثْلُهَا مِنْه لا تنسب إليه وَيُردُّ على مَنْ نسبه إليها مِمَّن، لَا يَعْرِفُ/
/ صورة حَاله، لأَن خَلَأَّ القصواء لوْلَا خَارِقُ الْعَادَةِ لَكَانَ مَا ظَنَّهِ الصَّحَابَةُ جَمِيعًا صَحِيحًا، ١٧٧ ,
ولم يُعَاتبهم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِعُذْرِهِم فى ظَنِّهم .
السابع: قوله - صلى الله عليه وسلم - حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ: أَى حبسها اللهُ عَزَّ
وَجَلَّ عن دخول مكة كما حَبَسَ الفيلَ عن دُخُولها ، وقصة الفيل مشهورة ، وتقدَّمت
الإِشارة إِلَيْهَا. ومناسبةُ ذكرها أَن الصَّحَابَة لو دَخَلُوا مَكَّةَ على تِلْكَ الصُّورَةِ وصدَّتْهُمْ (١)
قريشٌ عن ذلك لَوَقَعَ بَيْنَهم قِتَال قَدْ يُفْضِى إِلَى سَفْكِ الدِّمَاءِ ونَهْبِ الْأَمْوَال ، كما
لو قُدِّرَ دُخُولُ الفيل وأَصْحَابه مكة، لكن سَبَق فى عِلْمِ الله - تعالى - فى الْمَوْضِعَيْن
أَنَّه سَيَدْخُل فى الإِسْلَامِ خَلْقٌ منهم، وسَيَخْرُجُ من أَصْلَابِهِم ناسٌ يُسْلِمُون ويُجَاهِدُون .
وكان بمكة فى الحُدَيْبِيَة جمعٌ كثيرٌ مُؤمنون مِنَ الْمُسْتَضْعَفِين من الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ
والْوِلْدَان، فَلَوْ طَرَقَ الصحابةُ مَكَّةَ لَمَا أُمِنَ أَنْ يُصَابَ مِنْهُمْ نَاسِ بِغَيْرِ عَمْد (٢) كما
أَشَارَ إِلى ذَلِكَ تَبَارَكَ وتعالى - فى قوله: (وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ )(٣) الآية.
الثامن: اسْتَبَعْد المهلبُ جَوَازَ إِطْلاَقِ حَابِسِ الفِيلِ عَلَى الله عز وجل ، وقال: المرادُ
حَبَسَهَا أَمرَ الله سبحانه وتعالى. وتُعقِّبَ بأَنه يَجُوزُ إِطلاقُ ذلك فى حقِّ الله - تعالى -
فيقال: حَبَسَهَا اللهُ حَابِسُ الفيل، وإِنما الذى يمكن أَن يُمْنَع تَسْمِيَتُه - تَعَالى - حَابس
الفِيل ونحوه ، كما أَجاب به ابن المنير ، وهُوَ مَبْنِىُّ عَلَى الصَّحيح من أَنَّ الأَسْماءَ
تَوْقِيفِيَّة .
وقد تَوَسَّطَ الغَزالىُّ وطائِفَةٌ فَقَالُوا: مَحَلُّ المَنْعِ مَالَمْ يَرِدِ نص بما يُشْتَقُّ منه
بشَرْطِ أَّ يكون ذلك الأسْمُ المُشْتَقُّ منه مُشْعِرًا بنَقص، فيجوزُ تَسْمِيَتُهُ بالواقى ( وَمَنْ
(١) كذا فى ط، وفى ت، م ((وصدهم)) ويتفق شرح المواهب ٢ : ١٨٤ مع ط .
(٢) كذا فى ط وشرح المواهب ٢: ١٨٤. وفى ت، م ((بغير عهد)).
(٣) الآية ٢٥ من سورة الفتح.
٤
- ١١٥ -
٠

تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَه) (١) ولَا يَجُوزُ تَسْمِيَتُهُ الْبَنَّاءَ(٢) وإِنْ وَرَدَ فى قوله
تعالى: ( وَالسَّمَاءَ بَنَيْنُهَا بِأَيْدٍ)(٣).
التاسع: فى قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((حَبَسَهَا حَابِسُ الفيل)) جَوَازُ النَّشْبِيه
من الجهة العَامَّة، وإِن أَخْتَلَفت الجِهَةُ الخاصَّة، لأَن أَصْحابَ الْفِيلِ كَانُوا عَلَى بَاطِلٍ
مَحْضٍ ، وَأَصْحَاب هَذِهِ النَّاقة كانُوا على حَقِّ محضٍ ، ولكن جَازَ النَّشْبِيهُ من جِهَة
إِرَادَةِ الله - تعالى - مَنْعِ الْحَرم مُطْلقًا، أَمَا مِنْ أَهْلِ الْبَاطِلِ فَوَاضِحِ، وأَمَّا مِنْ أَهْل
الحَقِّ فَلِلْمَعْنَى الَّذِى تَقَدَّمَ ذِكْره فى الرابع .
العاشر: قولُه - صلَّى الله عليه وسلم -: ((والَّذِى نَفْسِى بَيَده لَا يَسْأَّلُونى اليَوْمَ
خُطَّةً .... إلى آخره)). قال السُّهيلى رحمه الله: لَمْ يَقَعْ فى شىءٍ من طُرُقِ الحديث، أَنه قالَ
إِنْ شَاءَ اللهُ - تعالى - مع أنَّه مأمورٌ فى ذَلِكَ فِى كُلِّ حَال .
قال : والجوابُ عن ذَلِكَ أَنه كَانَ أَمْرًا واجِبًا حَتْمًا، فلا يُحْتَاجِ مَعَه للاسْتِثْنَاء ،
وتعقب بأَنَّه - تعالى - قَالَ فى هذه الْقِصَّة ( لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللهُ
آمِنِينَ ) فَقَالَ: إِنْ شَاءَ الله، مَعَ تَحْقِيق وقُوعٍ ذَلِكَ تعليماً وإِرْشَادًا، فالأولى أَن
يُحْمَلَ على أَنَّ الاسْتِثْنَاءَ سَقَطَ مِنَ الراوى، أَو كَانَت القِصَّةُ قَبْلَ نزول الأَمر بذلك ،
ولا يُعَارِضُه كون الكَهْف مَكِّيَةً، إذْ لَا مَانع من أَن يَتَأَخَّرَ نُزولُ بَعْضِ السُّورةِ، وفى
١٧٧ ل قوله - صلى الله عليه وسلم - (( وَالَّذِى نَفْسِى بَيَدِه)) الخ / تأْكيدُ القَوْلِ باليمين ليكونَ
أَدْعَى إلى القَبُول. وقد حُفِظَ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الْحَلِف فى أَكْثَر مِنْ
ثَمَانِين (٤) موضعاً ، كما سيأتى بَسطُ ذَلِك فى بابه .
الحادى عشر : فى حديث البراء فى شفير بئر الحديبية أنَّه - صلَّى الله عليه وسلم -
تَوَضَّأَ فَمَضْمَضَ وَدَعَا ثم صَبَّه فيها ، وفى حديث المسْوَرِ، ومَرْوَان أَن رسولَ الله - صلى
(١) الآية ٩ من سورة غافر.
(٢) كذا فى ط. وشرح المواهب ٢: ١٨٤. وفى ت، م ((بالبنا)).
(٣) الآية ٤٧ من سورة الذاريات .
(٤) قاله ابن القيم كما فى شرح المواهب ٢ : ١٨٥.
- ١١٦ -

الله عليه وسلم - أنتزع سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ ثُمَّ أَمرهم أَنْ يَجْعَلُوهُ فيها ، ويمكن الجمعُ
بِأَنَّ الأَمرَين وَقَعَا مَعَّا، ويُؤْيِّدُ ذلك مَا رَوَاهُ محمَّدُ بنُ عُمر من طريق أَوْس بن خَولى
أَنَّه - صلَّى الله عليه وسلم - تَوضَأَ فى الدِّلْو ثُمَّ أَفْرَغَه فِيهَا وَأَنْتَزَعَ السَّهْمَ ثُمَّ وضَعَهُ
فِيها ، وهكذا ذكر أَبُو الأَسْود عن عُرْوَة أَنه - صلى الله عليه وسلم - تَمَضْمَضَ فى الدّلْو
وَصَبَّه فى الْبئر ، ونزع سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ فَأَلْقَاهُ فِيهَا ففارت .
الثانى عشر: اخْتُلِفَ فى النَّازِلِ بِالسَّهمِ، فعند ابن إِسْحَاق عَنْ رِجَال مِنْ أَسْلَم :
أَنَّه نَاجِيَةُ بْنَ جُنْدُب. قال ابنُ إِسْحَاق: وَزَعَمَ بَعْض أَهْلِ العِلْمِ أَنَّ الْبَرَاءُ بن
عَازِب .
وروى مُحَمَّدُ بن عمر عن خالد بن عبادة الْغَفَارِىُّ قَالَ : أَنَا الَّذِى نَزَلْتُ بِالسَّهْم ،
ويمكن الجَمْعُ بِأَنَّهُمْ تَعَاونُوا عَلَى ذلك(١).
الثالث عشر : فى حَدِيثِ جَابِر - رضى اللهُ عنه - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه
وسلم - كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ بالحُدَيْبِيَةِ رَكْوَةٍ فَتَوَضَّأَ فِيْهَا ثُمَّ أَقْبَلَ النَّاسُ نَحْوَهُ فَقَالَ
((مَالَكُمْ ؟ فَقَالُوا : يَارَسُولَ الله: لَيْسَ عِنْدَنَا مَا نَتَوضَّأُ وَلَا نَشْرَب إِلا مَا فِى رَكْوَتِك .
قَالَ: فَوَضَعَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَدَهُ فى الركْوَةَ، فجعل الماءُ يفورُ
مِنْ بَيْنَ أَصَابِعِهِ كَأَمْثَالِ الْعُيُون ، قَالَ: فَشَرِبْنَا وتوضَّأْنًا .
وجَمَعَ ابنُ حِبَّانِ بَيْنَ حَدِيثِ جَابِرِ هَذَا وبين مَا تقدم بأَنَّ ذلك وَقَعَ مَرَّتَيْن
فى وقتين ، وقال مَا تقدَّمَ فِى حَدِيث الْبَرَاءَ والْمِسْوَرِ وَمَرْوَان غير مَا فِى حَدِيث جَابر ،
وَكَانَ حَدِيثُهُ قَبْل قصَّة البِئر، وقال فِى مَوْضعٍ آخر فى حديث جابر فى الأَشربة [ مِنْ
كتاب البخارىّ](٢) أَنَّ نَبْعَ الماءِ كَان حين حضرت صَلاةُ العَصْرِ عِنْدِ إِرَادَةِ الْوضوءِ ،
(١) جاء فى شرح المواهب ٢: ١٨٥ (( قال الحافظ فى المقدمة: روى ابن سعد من طريق أبى مروان، حدثنى أربعة
عشر رجلا من الصحابة الأنصار : أن الذى نزل البئر ناجية بن الأعجم ، وقيل هو ناجية بن جندب ، وقيل البراء بن عازب،
وقيل عبادة عن خالد - حكاه عن الواقدى - ووقع فى الاستيعاب خالد بن عبادة وقال فى الفتح يمكن الجمع بأنهم تعاونوا على
ذلك بالحفر وغيره )) .
(٢) ما بين الحاصرتين من شرح المواهب ٢ : ١٨٦.
- ١١٧ -

وحديث البراءِ كان لإِرَادَةِ ما هو أَعَمّ من ذلك، ويحتمل أنَّ الماءَ أنفجر من أَصَابعه ويَده فى الركوة
وتَوَضَّأَ كلهُم وَشَرِبُوا، وَأَمَرَ حينئذٍ بِصَب الماءَ الَّذِى فى الركوةِ فِ البئر فَتَكَاثَرِ المَهُ فِيهَا .
الرابع عشر : اقْتَصَر بديل بن ورقاءً على قوله: تَرَكتُ كَعْبَ بن لُوَّىّ، وَعَامِرَ
ابْنَ لُؤَىّ ؛ لكون قريش الذين كانوا بِمَّةٍ أَجمع تَرْجِعُ أَنْسَابُهم إِلَيْهما، وَبَقِىَ
مِنْ قُرَيْشِ بَنُو سَامَة بن لُوَّى، وَلَمْ يكُن بِمَكَّةَ منهم أَحد ، وكذلك قُرَيْشُ الظَّوَاهِر،
وتَقَدَّمَ بَيَانَهُم فى [ من](١) اسمه القريشى.
قال هشام بن الكلبى: بنو عامر بن لُوَّى وكعب بن لوَّى هما الصريحان لاَشَكَّ
فيهما ، بِخِلاَفِ سَامَة وَعَوف ؛ أَى فَفِيهِمَا خِلاَف، قال: وَهُمْ قُرَيْشٌ الْبِطاح،
بِخِلاَف قُرَيش الظَّوَاهر وفى موالاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم.
الخامس عشر: قوله - صلى الله عليه وسلم - ((إِنْ أَظْهَر فإِن شائُوا)) إلخ إِنَّمَا رَدَّدَ
١٧٨ , - صلى الله عليه وسلم - الْأَمْرَ مَعَ أَنَّهُ جَازِمٌ بِأَنَّ الهَ سَيَنْصُرُهُ / ويُظْهِرُهُ؛ لِوَعْدِه - تعالى -
لَهُ بِذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ النَّنَزَّل مَعَ الخصم وَفَرَضَ الأَمْرَ عَلَى مَا زَعَمَ الخَصم ، وَلِهَذِهِ
النكتة حَذَفَ الْقَسَمَ الأَوَّلَ وَهُوَ التَّصْرِيحِ بِظُهُورٍ غَيْرِهُ، وقوله - صلى الله عليه وسلم -
بعد ذلك ((وليُنْفِذَنَّ(٢) اللهُ أَمْرَه)) - بِضِمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الفَاءِ ؛ أَىْ لَيُمَضِيَنَّ الله - تعالى -
أَمْرَهُ فِى نَصْرِ دِينِهِ ، وحسن الإِتيان بِهَذَا الجزم بعد ذلك التَّردِيد للتنبيه على أنَّه
لم يُورِده إِلَّ عَلَى سبيل الفَرْض، ووقع التصريح بذكر القَسَم الأول فى رواية ابن
إسحاق (٣) كما فى القصة، فالظَّاهر أَنَّ الحَذْف وقع من بعض الرُّواة .
السادس عشر: قَوْلُ عُرِوَةَ لقريش أَلسَّتُم بالوالدِ وأَلَسْتُ بالوَلَدِ هُوَ الصَّواب ،
ووقع لبعض رُوَاةِ الصَّحيحِ عَكِسُ (٤) ذلك، وَزَعَم (٥) أَن كلّ واحدٍ منكم كالولد ،
(١) إضافة يقتضيها السياق. وفى شرح المواهب ٢: ١٨٧ (( إنما اقتصر على هذين لرجوع أنساب قريش الذين بمكة
أجمع إليهما ، وبقى من قريش بنو سامة بن لؤى وبنو عوف بن لؤى وهم قريش البطاح ولم يكن بمكة منهم أحد ،
وكذلك قريش الظواهر الذين منهم بنوتيم بن غالب ومحارب بن فهر)) .
(٢) وضبطها الزركشى والدمامينى بفتح النون الأولى وشد الفاء المكسورة، انظر شرح المواهب ٢ : ١٨٨.
(٣) رواية ابن اسحاق ((فوالله لا أزال أجاهد - الخ)) السيرة النبوية لابن هشام ٢: ٣٠٩.
(٤) يقصد المصنف رواية أبى ذر: ألستم بالولد وألست بالوالد؟، انظر شرح المواهب ٢ : ١٨٩.
(٥) فى ت، م ((ووهم)) والمثبت من ط .
- ١١٨ -

وقيل : معناه أَنْتُم حَى قَدْ وَلَدَنِى، لكون أُفِى مِنْكُم، وهذا هو الصحيح ، لأَّنه كَانَ
لِسُبَيْعَةَ بنْت عَبْد شَمْس.
السابع عشر : فى قِيام المغيرة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالسَّيْف، جَوَازُ
الْقِيَامِ على رأْس الْأَمين لَهُ بِقَصْدِ الْحِرَاسَةِ، وَنَحْوِها من تَرْهِيْبِ الْعَدُوِّ وَلَا يُعَارِضُه
النَّهْىُ عَنِ الْقِيَامِ عَلَى رَأْسِ الْجَالِسِ، لأَن مَحَلَّه إِذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ العَظَمَةِ والكُبْر.
الثامن عشر : كَانَتْ عَادَةُ الْعَرَبِ أَنْ يَتَنَاول الرجل لحْية من يكلمه وَلَا سِيَّمَا
عند المُلاَطَفَةِ، وفى الغَالِبِ إِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ النظير، بالنظير لَكِنْ كَانَ الرَّسُولُ - صلى
الله عليه وسلم - يُغْضِى لِعُرْوَةً عن ذَلِكَ أَسْتِمَالَةً لَهُ وَتَأْلِيفًا لَه، والمغيرةُ يَمْنعه إِجْلَالاً
لِرَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وتعظيما.
التاسع عشر : فى تعظيم الصحابة -رضوانُ اللّه عَلَيْهم - رَسُولَ الله - صلى الله عليه
وسلم - مَا ذِكْرُه يعد إِشارة منهم إِلَى الرَّدِّ على ما خَشِيَهُ عُرْوَةُ مِنْ فِرَارهم، وَكَأَنَّهُم
قَالُوا بِلِسَانِ حَالِهِم: مَنْ يُحِبُّ إِمَامَه هَذِهِ الْمَحَبَّة يُعَظِّمُه هَذَا النَّعظيم كيْفَ يُظَنُّ
بِهِ أَنَّه يَفِرُّ عنه وَيُسْلِمُهُ لِعَدُوِّ بل هُمْ أَشَدُّ اغْتِبَاطًا بِهِ وَبِدِينِهِ ونَصْرِهِ مِنَ الْقَبَائل
التى يُرَاعِى بَعْضُها بَعضًا بمجَّرد الرحم .
العشرون: استشكل قَوْلُه - صلى الله عليه وسلم - فى مِكْرَز هَذَا رَجُلٌ فَاجِرٍ أَو غَادِرِ
مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ فِى قِصَّةِ الحُدَيْبِيَةِ فُجُور ظاهِرٍ ، بَلْ فيها ما يُشْعِرُ بِخِلاَفِ ذَلك
كَمَا سَبَقَ فِى الْقِصَّة، وفى إِجَازَبِّهِ أَبَا جنْدَل لأَجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
لَمَّا امتنعِ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرو - رضى الله عنه - قبل إِسلامه ، وَأُجِيب : قال محمد بنُ عمر
فى مَغَازيه فى غزوة ((بدر)) إِنَّ عُثْبَة بن ربيعة قال لقريش كَيف نخرج من مكة
وبَنُو كِنَانة خَلْفَنَا لَا نأْمنهم عَلَى ذَرَارِينَا ؟ قَالَ: وَذَلِكَ أَنَّ حَفْص بن الأخْف -
بِخَاء مُعْجَمَةٍ فَتَحْتِيَة وَبِالفَاءِ - والد مِكْرَز كان لَهُ وَلَدٌ وَضِىءٌ فَقَتَلَه رَجُلٌ مِنْ بَنِى بَكْر
ابْن عَبْدِ مَنَةٍ بِدَمٍ لَهُم، كَانَ فِى قُرَيْش، فتكلَّمَتْ قُرَيْش فى ذَلِكَ، ثُمَّ اصْطَلَحُوا ،
فَعَدَا مِكْرَزُ بْنُ حَفْصِ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى عَامِرِ بْنِ يَزِيدِ ، سيِّدِ بَنِى بَكْرٍ غِرَّةً فَقَتَلَه ،
- ١١٩ -

فنفرت مِنْ ذَلِكَ كِنَانَة، فجاءَت وَقْعَةُ بَدْرٍ فِى أَثْنَاءِ ذَلِكَ، وَكَانَ مِكْرَزِ مَعْرُوفً
١٧٨ ط بالْغَدْر / وتقدَّم فِى الْقِصَّةِ أَنه أَرَادَ أَنْ يُبَيِّتّ الْمُسْلِمِينَ بِالْحُدَيْبِيَةِ، فَكأَنَّه - صلى الله
عَلَيْهِ وسلَّم - أَشَارَ إلى هذا.
الحادى والعشرون: فى صحيح مسلم عَنْ سَلَمَة بن الأَكْوَع - رضى اللهُ عَنْه: أَنَّهُ
أول [ من ] (١) بايع .
وروى الطَّبَرَانىُ وغيره كما فِى الْقِصَّةِ عن الشَّعْبِى [ورواه ](١) ابن مندة عن زِرٌبن
حبيش - رحمهما الله - أَن أَوَّلَ مَنْ بَايَع أبوسنان (٢) الأَسدى، والجمع [ممكن] (٣)
بينهما .
'۔۔
الثانى والعشرون: فى حديثٍ سَلَمة بن الأكوع - رضى الله عنه - أَنهم بَايَعُوا رسولَ
الله - صلى الله عليه وسلم - على الموت ، وفى حَديث جَابِرٍ وَغَيْره : على أنه لا يَفِرُّ ،
وَقَالَ الحافظ: لَا تَنَافِى بَيْنَهُمَا؛ لأَن المُراد بالْمُبَايَعَةِ عَلَى الْمَوْت أَلَّ يفِرُوا وَلَو
مَأْتُوا، وليْسَ المُرَادُ أَن يَقَعَ الْمَوْتُ وَلَأَبُدّ، وهو الَّذِى أَنكره نافع وَعَدَلَ إِلَى قَوْلِهِم،
بَلْ بَايَعَهُمْ عَلَى النَّصْرِ، أَىْ عَلَى النَّبَات، وَعَدَمِ الْفِرَار، سَوَاءٌ أَفْضَى ذَلِكَ إِلى الْمَوْتِ
أَمْ لَا . وَقَالَ فِى مَوْضِعٍ آخر : مَنْ أَطْلَق أَن بَيْعَتِه كَانَتْ عَلَى الْمَوْتِ أَرَادَ لَازِمَهَا
لأَنَّهُ إِذا بَايَعَ عَلَى أَلَّ يَفِرُوا لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَثْبت ، وَالَّذِى يَثْبْتُ إِمَّا أَنْ يَغْاب
وَإِمَّا أَنْ يُؤْسَر، والذى يُؤْسَر إِمَّ أَنْ يَنْجُو وإِما أَنْ يموت، وَلَمَّا كَانَ الْمَوْتُ لَا يُؤْمَنُ
فِى مِثْلِ ذَلِكَ أَطْلقَهُ الرَّاوى، وحاصِلُه أَنَّ أَحَدَهما حَكَى صُورَةَ الْبَيْعَةَ وَالآخَرِ حَكَى
ما تؤول إليه .
(١) سقط فى الأصول، والإضافة من شرح المواهب ٢ : ٢٠٧، ٢٠٨.
(٢) وقيل ابنه سنان لأن أباه مات فى حصار بنى قريظة. قاله الواقدى وضعفه بعض الحفاظ (شرح المواهب ٢٠٧:٢.
(٣) سقط فى الأصول، والمثبت من شرح المواهب ٢: ٢٠٨ حيث قال ((والجمع ممكن وكلهم بايع مرة إلا ابن عمر
فبايع مرتين مرة قبل أبيه ومرة بعده كما فى الصحيحين وإلا سلمة بن الأكوع فبايع مرتين كما فى البخارى ، وثلاثا كما فى
مسلم ، قال ابن المنير : والحكمة فى تكراره البيعة لسلمة أنه كان مقداماً فى الحرب فأكد عليه العقد احتياطاً ، قال الحافظ :
أو لأنه كان يقاتل قتال الفارس والراجل فتعددت البيعة بتعداد الصفة)).
- ١٢٠ -