النص المفهرس

صفحات 81-100

ذكر مبايعته - صلى الله عليه وسلم - بيعة الرضوان وفضل مَن بايع
قالوا : لَمَّا بلغَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أَنَّ عثمانَ قَد قُتِلَ دَعَا النَّاسَ
إِلى البَيْعَة ،وقال: ((لا نَبْرَحُ حَتَّى نُنَاجِزَ القَوْمَ)) وأَتَى رسولُ الله - صلى الله عليه
وسلم - مَنَازلَ بنى مازن بن النجار ، وقد نزلت فى ناحية من الحُدَيْبِيَة ، فجلس فى رحالهم
تحت شجرة خضراءَ ثم قال: ((إِنّ الله - تعالى - أَمَرَنِى بِالبَيْعَة)) فأَقبل الناس يبايعونه
حتى تداكوا (١) فما بقِىَ لبنى مازن متاعٌ إلا وطئ ، ثم ليسوا السِّلاح وهو معهم قليل،
وقامت أم عمارة إلى عمود كانت تستظل به فَأَخذته بيدها وشدّت سكيناً فى وسطها
وروى ابن جرير وابن أبى حاتم عن سَلَمَة بن الأكوع والبيهقىّ عن عُرْوةَ، وابنُ
إسحاق عن الزُّهْرِىّ، ومحمدُ بنُ عمرَ عن شيوخه ، قال سلمةُ : بَيْنَا نحنُ قائِلون
إذ نادى منادِى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ((أَيِها النّاس البيْعة البيْعَة، نَزَلَ
روحُ القُدُسِ فأخرجوا على اسم الله)) قال سلمة: « فَسِرْنا إلى رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - وهو تحت شجرة سَمُرَةٍ(٢) فبايعناه . وفى صحيح مسلم عنه قال : فبايعتُه
أَوَّلَ الناس، ثم بايع وبايع حتى إذا كان فى وسط من الناس قال: (( بَايِعْ يا سَلَمة))
قال : قلتُ: قَدْ بَايَعْتُكَ يا رسولَ الله فى أَوّلِ الناس. قال: ((وأَيْضًا)) قال: ورآنى
رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عَزِلا فأَعطانى حَجَفَةً - أَو دَرَقَةً - ثم بايع حتى إذا
كان فى آخر النّاس قال: ((أَلا تبابعنى يا سَلَمة؟)) قال: قلت: يا رسول الله قد بايَعْتُك
فى أَوّل الناس، وفى وسط الناس، قال: ((وأَيضًا)) فبايعْته الثالثة، ثم قال لى: (( يا سلمة
أَيْنِ حَجَفَتُكَ - أَو دَرَقَتُك - التى أَعْطَيْتُك؟ )) قال: قلت: يارسول الله، لقينى عمّى عامر
عزلا / فأَعطيته إياها، قال: فَضَحِكَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: ((إِنك ١٦٧ و
كالذى قال الأول : اللهم ابغنى حبيباً هو أحب إلىّ من نفسى ، وفى صحيح البخارى
عنه قال : بايعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تحت الشجرة، قيل : على أى شىء
(١) تداكوا: أى تزاحموا (اللسان) وفى مغازى الواقدي ٢: ٦٠٣ (حتى تدارك الناس).
(٢) فى شرح المواهب ٢: ٢٠٧ ((شجرة سمرة أو أم غيلان كان - صلى الله عليه وسلم - نازلا تحتها يستظل
بها فبايعوه)).
(٦ - سبل الهدى والرشاد جـ ٥ )
- ٨١ -

كنتم تبايعون قال : على الموت(١) . وفى صحيح البخارى عن نافع قال: إِن ابن عمر أسلم قبل
أَبيه ، وليس كذلك ، ولكن عُمَرَ يومَ الحُدَيْبِيَة أُرسل عبد الله إلى فرس له عند رجل
مِنَ الأَنْصار يأتى به ليقاتل عليه ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يبايع عند الشجرة
وعمرُ لا يدرى بذلك ، فبايَعُه عبد الله، ثم ذَهَب إلى الفرس فجاءً به إلى عمر وعمر يستلئم (٢)
للقتال فأَخبره أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يبايعُ تحتَ الشجرة، قال: فأنطاق
فذهب معه حتى بَايَع رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فهى التى يتحدث الناس أن
ابن عمر أسلم قبل عمر .
وفيه أيضاً عن نافع عن ابن عمر أن الناس كانوا مع النبيّ - صلى الله عليه وسلم -
يوم الحُدَيْبِيَة تَفَرَّقُوا فى ظلال الشجر فإذا الناس مُحْدِقُون بالنبيّ - صلى الله عليه وسلم -
فقال(٣) عمر: يا عبد الله انظر ما شأن الناس أحدقوا برسول الله - صلى الله عليه وسلم (٣)-
فذهب فوجدهم يُبَايعونه فبايع ، ثم رجع إلى عمر فخرج فبايع .
وروى الطَبرانى عن عطاء بن أبى رباح قال : قلت لابن عمر : أَشَهِدْتَ بيعةً
الرِضوان مع رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم ؟ قال : نعم . قلت : فما كان عليه ؟ قال:
قميص من قطن ، وجبّة محشوة ، ورداء وسيف ، ورأيتُ النعمان بنَ مُقَرِّن ـ بميم
مضمومة فقاف مفتوحة فراء مشددة مكسورة - المازنىّ قائم على رأسه ، قد رفع أَغصان
الشجرة عن رأسه يبايعونه .
وفى صحيح مسلم عن جابر قال : بايَعْنَا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - وعمر آخذ
بيده تحت شجرة - وهى سَمُرَة فبايعناهُ غير الجَدّ بن قيس الأَنصارى اختفى تحت بطن
بعيره. وعند ابن إسحاق عن جابر [ بن عبد الله (٤)]: فكأَنِى أَنظر إليه لاصقاً بإبط ناقته
قد خَبَأَ إِليها يستتر بها من الناس بايعناه على أَلا نفر ، ولم نبايعه على الموت .
(١ - ١) ما بين الرقمين سقط فى ط، م والإثبات عن ت.
(٢) أى يلبس لأمته .
(٣ - ٣) ما بين الرقين ساقط من ط والإثبات من ت، م.
(٤) الإضافة من السيرة النبوية لابن هشام = ٢ بها مش الروض الأنف ص ٢٢٩
- ٨٢ -
م

وفيه - أيضاً - عنه: لقد رأيتنى يوم الشجرة والنبىّ - صلى الله عليه وسلم - يبايع
الناس وأنا رافع غصن من أَغصانها عن رأسه ولم نبايعه على الموت ولكن بايعناه على
أَلا نَفرّ .
وروى الطبرانىّ عن ابن عمر، والبيهقيُّ عن الشعبى ، وابن منده عن زر بن(١)
حبيش قالوا : لَمّا دَعَا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - الناسَ إلى البيعة كان أَولَ
من انتهى إليه أَبو سنَان الأَسدى ، فقال: ابسط يَدَك أُبايعك، فقال رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - ((علاَمَ تبايعنى)) قال: على ما فى نفسك. زاد ابنُ عمر: فقال
النبى : وما فى نفسى ؟ قال : أُضْرِبُ بسيفى بين يديك حتى يُظْهِرَكَ الله أَو أُقْتَل.
فبايعهُ ، وبايعه الناسُ على بيعة أَبِى سنان .
وروى البيهقى عن أنس وابنُ إِسحاق عن ابن عمر - رضى الله عنهما - قال : لما أُمر
رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ببيعة الرّضوان كان بعث عثمان - رسولُ الله - / صلى ١٦٧ ظا
الله عليه وسلم - إلى أهل مكة، فبايع الناس ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
«اللَّهُم إِنّ عثمانَ فى حاجتك وحاجة رسولك، فضرَبَ بإِحدَى يديه على الأُخرى،
فكانت يد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعثمان خيراً من أيديهم لأنفسهم .
وروى البخارىّ وابنُ مردويه عن طارق بن عبد الرحمن قال : انطلقتُ حاجًا
فمررتُ بِقَوْمٍ يُصَلُّون فقلت : ما هذا ؟ قالوا : هذه الشجرة حيثُ بايَعَ رسولُ الله
- صلى الله عليه وسلم - بيعة الرضوان . فأَتَيْتُ سعيد بْنَ المُسَيَّب فأخبرته ، فقال سعيد:
حدَّثَنى أبى أنه كان فيمن بايع رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - تحت الشجرة، فلمَّا
خرجنا من العام المقبل نسيناها فلم نقدر عليها ، فقال سعيد : إِنَّ أَصحاب محمد
لم يتعلموها وعلِمتموها أنتم ، فأَنتَم أَعلم .
(١) هو زربن حبيش بن حباشة من أوس الأسدى، من أسد بن خزيمة، يكنى أبا حريم أو قيل أبا مطرف.
أدرك الجاهلية ولم ير النبى - صلى اللّه عليه وسلم - وهو من كبار التابعين، روى عن عمر وعلى وابن مسعود - رضى
الله عنهم - وروى عنه الشعبى والنخعى، وكان فاضلا عالماً بالقرآن، توفى سنة ٨٣ هـ ( أسد الغابة ٢ : ٢٠٠).
- ٨٣ -

وروى ابن سعد بسند جيّد عن نافع قال : خرج قومٌ من أصحاب رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - بعد ذلك بأعوام فما عَرَفَ أَحدٌ منهم الشجرةَ ، واختلفوا فيها . قال
ابن عمر : كانت رحمة من الله .
وروى ابن أبى شيبة فى المصنف وابنُ سعد عن نافع قال : بلغ عمرَ بنَ الخطاب .
أَن ناساً يأتون الشجرة التى بُويع تحتها فيصلُّون عندها فَتَوَعَّدَهُم، ثم أَمر فَقُطَعَت .
وروى البخارىّ وابن مردويه عن قتادة قال: قلتُ لسعيد بن المُسَيَّب : كم كان
الذين شَهِدُوا بيعةَ الرِّضْوَان ؟ قال : خمس عشرة مائة، قلتُ فإِنّ جابرَ بنَ عبد الله
قال : أَربع عشرة (١) مائة، قال: يرحمه الله تَوَهَّم، هو حدّثنى أَنهم كانوا خمس
عشرة مائة .
وروى الشيخان ، وابنُ جرير عن عبد الله بن أَبِى أَوْفَى قال : كان أصحاب الشجرة
ألفاً وثلاثمائة، وكانت أَسْلَمُ ثُمُنَ المهاجرين .
أَفادَ الواقدىُّ أَنَّ أَسْلَم كانت فى الحُدَيْبِيَة مائة رجل ،
وروى سعيد بن منْصُور والشيخان عن جابر بن عبد الله قال : كنَّا يومَ الحُدَيْبِيَة
ألفًا وأربعمائة فقال لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ((أنتم خير أَهل الأَرض)).
وروى الإِمام أحمد ، وأبو دارد ، والترمذىّ عن جابر بن عبد الله، ومسلمٌ عن أَبى
بشر - رضى الله عنهما - أَن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((لا يدخل النار
أَحدٌ بايع تحت الشجرة)) .
وروى الإِمام أحمد بسندٍ - رجاله ثقات - عن أبى سعيد الخُدْرى - رضى الله عنه -
قال : لمّا كان يوم الحُدَيْبِيَة قال لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((لا تُوقِدُوا
نارًا باللَّيْلِ)) فلمَّا كان بعد ذلك قال: ((أَوقدوا واصطنعوا فإنه لا يدرك قومٌ بعدكُم
صَاعُم ولا مُدَّكُم)) .
(١) وانظر الخلاف حول عدد أصحاب رسول الله فى هذه الغزوة والتوفيق بين الأراء فى شرح المواهب ٢ : ١٨٠
وفى سيرة النبى لابن كثير ٣ : ٣٢٥، ٣٢٦.
- ٨٤ -

فلمَّا نظر سُهَيْلُ بن عمرو وخُوَيْطبُ بنُ عبد العُزَّى، ومِكْرَزُ بنُ حَفْص ، ومن كان
معهم من عُيُون قريش مِنْ سُرْعَة النّاس إلى البيعة وتشميرهم إلى الحرب اشتَدَّ رُعْبُهم
وخوفُهُم ، وأسرعوا إلى القضية .
ثم أتى رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أَن الذى ذُكِرَ من أمر عثمان باطل)).
١٦٨ و
/ ذكر الهدنة وكيف جرى الصلح يوم الحديبية
روى ابن إسحاق وأبو عبيد وعبدُ الرزّاق والإِمام أحمد وعبد بن حميد والبخارى
وأبو داود والنسائى وابن جرير وابن مردويه ، ومحمدُ بنُ عمر عن المِسْوَر بن مَخْرَمة
ومروان من الحَكم، والشيخان عن سَهْيل بن حُنيْف أَن عثمان لمّا قَدم من مكة هو ومن
معه رجع سُهَيْلُ بن عمرو وحُوَيْطبُ ومِكْرَزُ إلى قريش فأخبروهم بما رأوا من سرعة
أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى البيعة وتشميرهم إلى الحرب اشتدّ رعبهم ،
فقال أَهل الرأى منهم : ليس خيرٌ من أَن نصالح محمدا على أَن يَنْصِفَ عنّا عامَه
هذا ، ولا يخلص إلى البيت حتى يسمع من سمع بمسيره من العرب أنَّا قد صددناه ،
ويرجع قابلا فيقيم ثلاثاً وينحر هَدْيَه وينصرف ، ويقيم ببلدنا ولا يدخل علينا ،
فَأَجمعوا على ذلك. فلما أَجمعت(١) قريشٌ على الصلح والموادعة بعثوا سُهَيْل بن عمرو
وحُوَيْطِبَ ومِكْرَزَ وقالوا لسهيل: ايْتِ محمدا فَصَالحه وليكن فى صلحك أَلَّ يدخل
عامَه هذا، فوالله لا تحدَّثُ العَرَبُ أَنه دخل علينا عَنْوَةً فَأَتَى سهيلٌ رَسُولَ الله - صلى
الله عليه وسلم - فلما رآه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((قَدْ أَرَادَ الْقَوْمُ الصُّلْحَ
حينَ بَعَثُوا هَذَا)) وفى لفظ: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((سَهُل أَمركم))
وجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متربعاً، وكان(٢) عَبَّد بن بِشْرِ وسَلَمَة بن أَسْلِم
بن حَرِيش على رأسهِ - وهما مُقَنَّعَان فى الحديد - فبرك سُهَيْلٌ على ركبتيه فكلم رسولَ
الله - صلى الله عليه وسلم - فأَطالَ الكلامَ وتراجعا، وارتفعت الأصوات وانخفضت ،
(١) فى ط ((اجتمعت)) والمثبت من ت، م. ويوافقه ما فى مغازى الواقدى ٢: ٦٠٥.
(٢) فى ط (وقام) والمثبت من ت ، م
- ٨٥ -

وقال عَبّاد بن بشْر لسُهَيل : اخفضْ منْ صَوْتك عند رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -
والمسلمون حول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جلوسُ، فجرى بين رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - وبين سُهَيْلٍ القولُ حتى وقع الصُّلِحُ على أَن تُوضَعَ الحربُ بينهما
عشر سنين، وأَن يأمَنَ الناسُ بعضهم بعضا ، وأن يرجع رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - عامَه هذا ، فإِذا كان العامُ المقبلُ قدمها فخلّوا بينه وبين مكُةُ ، فَأَقَامَ فيها
ثلاثاً فلا يدخلها إلا بسلاح الراكب والسيوف فى القُرُب لا يدخلها بغيره، وأَنَّه مَنْ
أَتَى محمدًا من قريش بغير إِذن وَليّه - وإن كان على دين محمد - ردّه إلى وليّه ،
وأنه من أَتى قريشاً ممن اتَّبَع محمدا لم يَرُدوه عليه، وأَن بينهم وبين رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - عيبة(١) مكفوفة، وأنه لا إِسْلاَلَ(٢) ولا إِغلال(٢)، وأنه من أَحَبَّ
أَن يَدْخُلَ فى عَقْد محمد وعَهْدِهِ دخل فيه ، ومن أَحبَّ أَن يدخُل فى عَقْدٍ قريش
وعهدهم دخل ، فتواثبت خزاعة فقالوا : نحن فى عقد محمد وعهده ، وتواثبت بنو
بكر فقالوا : نحن فى عَقْد قريش وعهدهم .
فكَرِه المسلمون هذه الشروط وأمتعضُوا منها، وأَبِى سُهيل إِلاَّ ذلك فلما أصطلحوا
١٦٨ ظ ولم يَبْقَ إِلَّ الكتاب وَثَبَ عمرُ بنُ الخطاب / إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالَ:
يا رسُولَ الله أَلَسْتَ نَبِىَّ اللّه حَقًّا ؟ قال: بلى. قال: أَلِسْنَا على الحقِّ وهم على الباطل؟
قال : بلى ، قال (٣): أَلَيْسَ قتلاَنَا فى الجنَّة وقتلاهم فى النار؟ قال : بلى. قال: عَلَمَ
نُعْطِى الدَّنِيَّةَ(٤) فى ديننا؟ ونرجع ولم يَحْكُم الله بيننا وبينهم ؟ فقالَ رسُول الله
- صلى الله عليه وسلم -: إنى عبدُ الله ورسوله ولستُ أَعْصيه ولن يُضَيِّعَنِى وهو ناصرى))
قال: أَو ليس كُنْتَ تُحدثُنَا(٥) أَنَّا سَنَّأْتِ البَيْتَ فَنَطُوفَ حَقًّا؟ قال: ((بلى، أَفَأَّخْبَرْتُكَ
أَنَّك تَأْتيه العَام؟ قال: لا: قال: ((فإِنَّك آتيه ومُطَوِّفُ به))، فذهب عُمَرُ إِلَى
(١) يريد أن تكف عنا ونكف عنك ( هامش مغازى الواقدي ٢: ٦١١ عن شرح أبى ذر ص ٣٤١).
(٢) الإسلال: السرقة، والإغلال: الخيانة (المرجع السابق).
(٣) سقط فى الأصول. والمثبت عن شرح المواهب ٢ : ٢٠٤.
(٤) الدنية: أصلها الدنيئة بالهمزة ولكن خففت، وهى صفة محذوف: أى الحالة الدنيئة الخسيسة (المرجع
السابق ) .
(٥) كذا فى ط، ت وكذا شرح المواهب ٢: ٢٠٤ - وفى م ((تحدثنى))
- ٨٦ -
١

أَبِى بكر (١) مُتَغَيِّظًا ولم يصْبرْ، فقال: يَا أَبَا بَكْر : أَلَيْسَ هَذَا نَبِىَّ الله حَقًّا ؟ قال :(
بلى. قال: أَلَسْنَا على الْحَقِّ وَهُم عَلَى الْبَاطل؟ أَليس قَتْلاَنَا فِى الْجَنَّة وَقَتْلَاَهُم فى
النَّارِ ؟ قال: بَلَى. قال: فَعَلَمَ نُعْطِى الدَّنيَّةِ فِي دِينَا ونَرْجَع ولم يَحْكُمُ اللهُ بَيْنَنَا
وبينهم ؟ قال : أَيُّهَا الرَّجل إِنَّهُ رسولُ الله ولَيْسَ يَعْصِى رَبَّه، وهُوَ نَاصِرُه فَأَسْتَمْسكْ
بِغَرْزُه(٢) حتى تَمُوت، فَوَالله إِنَّه لَعَلَى الْحَق. وفى لفظ فإِنَّه رسولُ الله . فقال عمر :
وأَنا أَشهدُ أنَّه رسولُ الله، قال : أَوَ لَيْسَ كَانَ يُحَدِّثُنَا أَنَّه سَنَّأْتِى الْبَيْتَ وَنَطُوفُ
به؟ قال: بلى أَفَأَخْبَرَكَ أَنَّكَ تأتيه العام ؟ قال: لا . قَالَ : فإِنَّكَ آتَيْه وَمُطَوِّفٌ (٣)
به . فَلَقِىَ عُمُرُ منْ هذه الشُّرُوطِ أَمْرًاً عظيماً . وقال كما فى الصحيح : والله ما شَكَكْتُ
مُنْذُ أَسْلَمْتُ إِلَّ يَوْمَئِذ، وَجَعَلَ يَرُدُّ على رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - الْكلامَ فقال
أَبو عبيدة بن الجراح - رضى الله عنه -: أَلاَ تَسْمَعُ يا ابن الخطاب رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - يقولُ مَا يَقُول، تَعَوَّذِ بالله من الشَّيْطَان واتَّهِم رأيك، قال عمر: فجعلت
أَتعوذ بالله من الشيطان حياء فما أُصابنى شىء قط مثل ذلك اليوم وعمِلْتُ بِذَلِكَ أَعَمْالاً
- أَى صَالِحَة - لتكفر عنى ما مضى من التوقف فى امتثال الأمر ابتداء كما عند ابن إسحاق(٤).
وابن عمر الأَسلمى . قال عمر: فما زِلْتُ أَتَصَدَّق وأَصُوم وأُصَلِّ وأَعْتِقُ مِنَ الَّذِى
صَنَعْتُ يومئِذٍ مَخَافَةً كَلاَمِ الَّذِى تكلمت به حتَّى رَجَوْتُ أَن يكون خيرًا .
وروى البزار عن عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - قال : اتهموا الرأى على الدين
فلقد رَأَيْتُنِى أَرُدُّ أَمْرَ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - برأيى، وما أَلوت على الحق ،
قال: فرضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأَبَيْتُ حَتَّى قال: ((يا عُمَر تَرَانِى رَضِيْتُ
وتأبَى )).
(١) قدم المصنف هنا سؤال عمر النبى - صلى الله عليه وسلم - على سؤاله لأبى بكر موافقاً بذلك مغازى الواقدى
٢: ٦٠٦ أما فى سيرة النبى لابن هشام ٢: ٣١٧. والبداية والنهاية لابن كثير ٤ : ١٦٨، فقد قدم فيها سؤاله
لأبى بكر على سؤاله النبى - صلى الله عليه سلم.
(٢) الغرز: الرحل بمنزلة الركاب للسرج والمراد: الزم أمره (هامش مغازى الواقدي ٢ : ٦٠٦ عن شرح
أبى ذر ص ٢٤١ ).
(٣) كذا فى ط ، ت. وفى م وتطوف به)»
(٤) عرض شرح المواهب ٢: ٢٠٥ موقف عمر - رضى الله عنه - وسببه وعذره وما قاله وعمله بسبب ذلك.
- ٨٧ -

فقال سُهيل: هَاتِ ؛ اكْتُبْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ كَتَاباً، فَدَعا رسولُ الله - صلى الله
عليه وسلم - عَلِيًّا - كما فى حديث البراء عند الْبُخَارى فِى كِتَابِ الصُّلْح وكتاب
الْجِزْية ، ورواه إسحاق بن راهويه من حديث المِسْوَر ومروان ، وأَحمد ، والنّسائى ،
والْبَيْهفى والحاكم - وصَحّحَه عن عبد الله بن مُغَفَّل(١)، فقال له رسول الله - صلى الله
عليه وسلم -: ((اكْتُبْ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم))، فَقَالَ سُهَيْل - وأَسْلَمَ بعد ذلك -
أَمَّا الرَّحْمنِ الرَّحيمِ فَوَالله ما أَدْرى مَا هُو، ولكن اكْتُبْ بَأْسِكَ اللَّهُم كمَا كُنْتَ تَكْتُبُ
اكْتُبْ(٢) فى قَضِيَّتِنَا مَا نَعْرف. فَقَالَ الْمُسْلِمُون: والله لا تكتبها إِلاَّ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمُن
الرَّحِيمِ. فَقَالَ النَّبِىُّ - صلَّى الله عليه وسلم - ((اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ)) ثُمَّ قَالَ: ((هَذَا
١٦٩ و مَا قَاضَىَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ / رَسُولُ اللهِ - صَلَّى الله عليه وسلم)) فقال سُهَيْل: واللهِ لَوْ كُنَّا
نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ الهِ مَا صَدَدْنَاكَ عَنِ الْبَيْتِ، وَلَا قَاتَلْنَاكَ، اكْتُبْ فِى قَضِيَّتِنَا
مَا نَعْرِف، اكْتُبْ مُحَمَّدَ بن عبد الله. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عليه وسلم - لِعَلَىّ
امحه، فَقَالَ على: مَا أَنَا بِالَّذِى ((أَمحاه))(٣) وفى لفظ ((أَمحاك)) وفى حديث محمد(٤)
ابن كَعْب القُرَظِىّ: فجعل عَلِيُّ يَتَلَكَّأُ، وأَبَى أَنْ يَكْتُب إِلَّ محمدٌ رسول الله، فَقَالَ
رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : اكْتُبْ فإِنَّ لَكَ مِثْلَهَا تُعْطِيْهَا وَأَنْت مضطهد (٥)
انتهى .
وَذَكَرَ محمد بن عمر أَن أُسَيْدَ بْنَ الحُضَيْرِ وسعْدَ بْنَ عُبَادةٍ أَخَذَا بِيَدٍ على (٦) ومنعاه
(١) هو عبد الله بن مغفل بن مقرن المزنى ذكره ابن فتحون فى ذيل الاستيعاب، ولم يذكره مستنداً لذكره
فى الصحابة. وقال ابن قتيبة: ليست له صحبة ولا إدراك . وذكره فى التابعين ابن سعد والعجلى والبخارى وابن حبان
وغيرهم ( الإصابة ٣ : ٢٤٢).
(٢) يوجد هنا بياض فى الأصول بمقدار ثلاث كلمات. ولكن السياق متصل ويتفق مع ما فى شرح المواهب
٢ : ٠١٩٥
(٣) فى شرح المواهب ٢: ١٩٦ ((وأمحاه بالألف لغة فى أمحوه بالواو، وفيه لغة ثالثة أمحيه كما فى المختار -
ولم يذكرها المصباح .
(٤) لفظ (محمد ) ساقط منم
(٥) فى شرح المواهب ٢: ١٩٦ (( وأنت مضطر: يشير إلى ما وقع لعلى يوم الحكمين، فإنه لما كتب الكاتب
هذا ما صالح عليه على أمير المؤمنين أرسل معاوية يقول لو كنت أعلم أنه أمير المؤمنين قلته امحها واكتب ابن أبى طالب
فقال على: الله أكبر مثل بمثل امحها)).
(٦) عبارة الواقدى فى المغازى ٢: ٦١١ (( أخذا بيد الكاتب فأمسكاها وقالا: لا تكتب إلا محمد رسول الله
وإلا فالسيف بيننا )) .
- ٨٨ -
٠٠
١

أن يكتب إِلَّ(«محمد رسول الله))، وإِلاَّ فَالسَّيْفُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهم، فَأَرْنَفَعتِ (١) الْأَصْوَات،
فَجَعَل رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يُخفضهم ويُومىْ بِيَدَه إليهم: اسْكُتُوا. فقال:
أَرِنِيه (٢)، فأَراهُ إِيَّه فَمَحَاهُ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بيده وقال: اكْتُبْ
محمدُ بنُ عبد الله . قال الزهرى : وذلك لِقَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم - لاَ يَسْأَّلُونِى
خُطَّةً يُعَظِّمُون بِهَا حُرُمَاتِ اللّهِ إِلاَّ أَعْطَيْتُهم إِيَّاهَا، فَقَالَ رسولُ الله - صلى الله عليه
وسلم - لسهيل عَلَى أَنْ تُخَلُّوا بَيْتَنَا وَبَيْنَ الْبَيْتِ، فَنَطُوفَ، فَقَالَ سهيل: لَا وَاللهِ
لا تَحَدَّثُ العربُ أَنَّا أُخِذْنَا ضُغْطَةٍ(٣)، وَلكِنْ لَكَ من الْعَامِ المُقْبِل، فكتب. فَقَالَ
سُهيل: عَلَى أَنَّه لَا يَأْتِيك مِنَّا أَحَدٌ بِغَيْرِ إِذْنٍ وَلِيِّه ◌ِ وإِنْ كَانَ عَلَى دِينِك إِلَّ رَدَدْته
إِلَيْنَا فَقَالَ المسْلِمُون: سُبْحَانَ الله، أَيُكْتَبُ هَذَا؟ كيْفَ يرد إلى المشركين وقد جاء مسلماً،"
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : نعم(٤) إِنه مَنْ ذَهَبَ مِنَا إِلَيْهم فأَبعده الله،
وَمَنْ جَاءَ مِنْهُمْ إِلَيْنَا سَيَجْعَلُ الله لَهُ فَرَجًا وَمَخْرَجًا .
وفى حديث عبد الله بن مُغَفَّل عند الإِمام أحمد ، والنسائى، والحاكم بعد أَنْ ذَكَرَ
نحو ما تَقَدَّم ، قال(٤) فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِك إِذْ خَرَجَ عَلَيْنَا ثَلاَثُونَ شَابًا عَلَيْهِمُ السِّلاَحِ
فثاروا (٥) إِلى وُجُوهِنَا، فَدَعَا عليهم رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَأَخَذَ اله بِأَهْمَتِهِم
- ولَفْظُ الْحَاكِم بِأَبْصَارِهِم - فَقُمْنَا إِلَيْهِم فَأْخَذْنَاهُمْ، فَقَالَ لَهُم رسولُ اللهِ - صلى
الله عليه وسلم - ((هَلْ جِئْتُمْ فِى عَهْد أَحد وَهَلْ جَعَلَ لَكُمْ أَحَدُ أَمَانًا)) ؟ فقالوا: لَا.
فَخَلَّى سبِيلَهم فَأَنْزَلَ اللهُ تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ(٦)).
وروى ابن أَبِى شَيْبَة، والإِمام أحمد ، وعبد بن حميد ، ومسلم ، والثلاثة عن أَنس
قال: لَمَّا كَان يومُ ((الحُدَيْبِيَة)) هَبَطَ عَلَى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابهِ
(١) فى ت، م ((وارتفعت)).
(٢) أى أرنى مكانها أى كلمة رسول الله - شرح المواهب ٤٢: ١٩٦.
(٣) ضغطه: أى قهرا. والضبط من شرح المواهب ٢: ١٩٩، وشرح المفردات.
(٤) ((قال)) هذا اللفظ من ط .
(٥) كذا فى ط، ت. وفى م ((فشاروا)).
(٦) آية ٢٤ من سورة الفتح.
- ٨٩ -

ثَمَانُونَ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ مَكَةً فِ السِّلاَحِ مِنْ قِبَلِ جَبَل التَّنْعِيمِ يُرِيدُون غِرّةَ رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - فَدَعَا عليهم، فَأُخِذُوا فعفا عنهم .
وروى عبد بن حميد ، وابن جرير عن قتادة قال: ذُكِرَ لنا أَنَّ رَجُلاً من أصحابٍ
رسول الله - صلى الله عليه وسلَّم - يُقَالُ له ابن زُنَيْم اطلع الثنية ((يوم الحديبية))
فَرَمَاهُ المُشْرِكُون فَقَتَلُوه ، فَبَعَثَ نِبُّ اللّهِ - صَلَّى الله عليه وسلم - خيْلاً، فأتوا بأثنى
عشر فَارِسًا، فقَالَ لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((هَلْ لَكُمْ عَهْدُ أَوْ ذِمَّة)) ؟
قَالُوا : لَا . فأَرسلهم .
١٦٩ ظ وروى الإمام أحمد / ، وعبد بن حميد، ومسلم ، عن سلمة بن الأكوع . رضى الله
عنه قال: إِنَّ المشركين من أَهل مكة أرسلونا فى الصُّلح فلما أصطلحنا وأخْتَلَطَ
بَعْضُنَا بِبَعْض أَتيت شجرةً فَأَضْطَجَعْتُ فِى ظلِّها، فَأَتَانِى أَربعةٌ من مُشركِى أَهْلِ مكة ،
فَجَعَلُوا يَقَعُون فى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأَبغضهم وتحوَّلْتُ إِلى شجرة
أُخْرِى، فَعَلَّقُوا سلاحهم واضطجعوا، فبينما هُم كذلك إذْ نَادَى منادٍ منْ أَسفل الوادى
بَالَلْمُهَاجِرين ، قُتلَ ابن زُنَيْم فأخْتَرَطْتُّ سيفى فَاشْتَدَدْت على أولئك الأَربعة وهُم
رُقُود، فأَخذت سلاَحَهم(١)، وجَعَلْتُهُ فِى يَدِى، ثم قلْت: والَّذِى كرَّمَ وَجْهَ مُحَمَّدٍ
- صلى الله عليه وسلم - لَا يَرْفَعُ أَحدٌ منكم رأْسَهُ إِلَّ ضَرَبْتُ الَّذِى فى عَيْنَيه، ثم جِثْتُ
بِهِم أَسُوقُهم إلى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - وجَاءَ عَمِّى عَامر برجلٍ من الْعَبَلَات
يقال له مِكْرَز مِنَ المُشركين يُقُوده حتَّى وقفْنَاه على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
فقال : دعوهم يكون لهم بدُ الفجور وثنياه فعفا عنهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
وأَنْزَلَ اللهُ تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِىِ كَفَّ أَيْدِيَهُم عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَعْنِ مَكَّةً مِنْ
بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِم(٢)) فَبَيْنَمَا النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ إِذْ أَبُو جَنْدَل(٣) - بِالْجِيم والنُّون
(١) فى ت ((بسلاحهم)).
(٢) الآية ٢٤ من سورة الفتح.
(٣) أبو جندل واسمه العاصى هو عبد الله بن سهيل بن عمرو، وإسلامه سابق على إسلام أبيه لأنه شهد بدراً
كما جاءفى السيرة الحلبية ٢ : ١٦.
- ٩٠ -

وزن جَعْفَر - بن سُهيل ابن عمرو يَرْسُفُ فى قُيُوده قد خَرَجَ مِنْ أَسْفَل مَكَّةَ حتى رَمى
بِنَفْسِه بَيْنَ أَظْهُرِ المُسْلمِينِ، وَكَانَ أَبُوه سُهيل قد أَوْثَقَه فى الْحَدِيد وسَجَنَه ، فخرج
من السِّجن وأجْتَنَبَ الطَّرِيقَ وَرَكِبَ الجبَال حتَّى أَتى ((الحُدَيْبِيَةِ - فقام إليه المُسْلِمُون
أَبُوه سُهيل قام إليه فَضَرَب وجهه(١) بغصن شوك
يُرَحِّبُونَ بِهِ وَيُهَنِّئُونَه ، فلما رآه
وأَخذ بتلبيبه(٢) ثم قال: يا محمد، هَذَا أَوَّلُ ما أُقَاضِيكَ عَلَيه أَن تَرُدَّه ، فَقَالَ رسولُ
الله - صلى الله عليه وسلم - (إِنَّا لَمْ نَقْضِ الْكِتَابَ بَعْد)) قَالَ فَوَالله إِذَا لا أُصُالِحُكَ
عَلَى شَىءٍ أَبْدًا. قال: ((فَأَجِزْهُ(٣) لِ)) قال: مَا أَنَا بِمُجِيزُهُ(٣) لَكَ. قال: ((بَلَى
فَأَفْعَلِ )). قال: مَا أَنَا بِفَاعل. فقال مِكْرَز وحُوَيْطبُ: بلى قد أَجَزْنَاهُ لَك. فَأَخذاه
فأَدخلاه فُسْطَاطًا فأَجازاه وكفّ عنه أَبوه . فقال أَبو جَنْدل أَى معاشر المسلمين
أُرَّدُّ إِلى المُشركين وقَدْ جِئْتُ مُسْلِمًا؟ أَلَا تَرَوْنَ مَا قَدْ لَقِيت؟ وكان قد عُذِّبَ عَذَابًا
شَديدًا، فرفع رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - صوته وقال: يا أَبَا جَنْدَل ، اصْبِرْ
واخْتَسِبْ فإِنَّ اللّهَ جَاعِلٌ لَكَ وَلَمَنْ مَعَكَ مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ فرجاً ومَخْرَجاً، إِنَّا قَدْ
عَقَدْنَا مَعَ الْقَوْمِ صُلْحًا وأَعْطَيْنَاهُمْ وأَعْطُونا عَلَى ذَلِكَ عَهْدًا، وإِنَّا لَا نَغْدِرُ)) ومشى
عمر بن الخطاب إِلى جَنْبِ أبِى جَنْدَل ، وقال له : اصْبِرْ واحْتَسِبْ فَإِنَّمَا هُمُ المُشْرِكُون
وإِنَّمَا دَمُ أَحَدِهِمْ دم كلب، وجَعَلَ عُمَرُ يُدْنِى قَائِمِ السَّيْف منه. قال عمر: رَجَوْتُ
أَن يَأْخُذَ السَّيْفَ فَيَضْرِبَ به أَبَاه. قال فَضَنَّ الرَّجُلُ بأَبيه .
وقد كان أَصحابُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد خَرَجُوا وَهُمْ لَا يَشُكُونَ
فِى الْفَتْحِ لرؤيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم / -، فَلَمَّا رَأَوْامَا رَأَوْا من الصُّلح والرجوع ١٧٠ هـ
وما تحمل عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى نفسه دَخَل على الناس من ذلك
(١) فى ط فضربه فى وجهه)) والمثبت عن ت، م ويوافقه ما فى شرح المواهب ٢: ٢٠١.
(٢) كذا فى الأصول. ويوافقه ما فى السيرة النبوية لابن هشام ٢: ٢٣١ بهامش الروض الأنف، ونهاية
الأرب للنويرى ١٧ : ٢٣٢. وفى مغازى الواقدي ٢: ٦٠٨ - وأخذ بلبته)) وفى شرح المواهب ٢: ٢٠١ ((وأخذ
بتليبه ، وقال البرهان أى جمع عليه ثوبه الذى هو لابسه وقبض عليه نحره )).
(٣) كذا فى الأصول. وفى مغازى الواقدى ٢: ٦٠٨ (( أجره لى قال ما أنا بمجيره وجاء فى شرح المواهب
٢ : ٢٠١ فاجزه بالجيم والزاى بصيغة فعل الأمر من الإجازة، أى امض لى فعلى فيه ولا أرده إليك أو استثنه
من القضية ووقع فى الجمع الحميدى بالراء ، ورجح ابن الجوزى الزاى)) .
- ٩١ -

أَمْرٌ عظيم حتَّى كَادُوا يَهْلِكُون . فَزَادَهُمْ أَمْرُ أَبِى جَنْدَلٍ عَلَى مَا بهمْ ، ونفذت القضية
وشَهِدَ على الصلح رجالٌ من المُسْلِمِين ورِجَالَ من المُشْرِكين: أَبو بكر وعمرُ ، وعبدُالرحمن
ابنُ عَوْف، وعبدُ الله بن سُهيل بن عمرو، وسَعْدُ بنُ أَبِىِ وَقَّاص، ومَحْمُود بن مَسْلَمَة
وعَلِيُّ بن أبى طالب - رضى الله عنهم - ويِكْرر بن حفص وهو مشرك .
فلما فَرَغَ من قَضِيَّة الكتاب قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((قُومُوا فَانْحَرُوا
ثُمَّ أَحْلقوا)) فوالله مَا قَامَ رَجُلٌ مِنْهم، حَتَّى قَالَ ذَلِكَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ ، فَأَشْتَدَّ ذلك عَلَيْه ،
فَدَخَلَ على أُمِّ سَلَمة فقال: ((هَلَكَ المُسْلِمُونَ، أَمَرْتهم أَنْ يَنْحَروا ويَحْلِقُوا فَلَمْ
يَفْعَلُوا)). وفى رواية: ((أَلَا تَرَيْنَ إِلى النّاس آمُرُهُم بِالأَمرِ فَلاَ يَفْعَلونَه - وَهُمْ يَسْمِعُون
كَلَمى وينظرُون وَجْهِى)). فقالت: يا رسولَ الله؛ لا تَلمْهم فإنَّهم قد دخلهم أَمْر عَظِيمِ
مِمَّا أَدْخَلْتَ على نَفْسِك من الْمَشَقَّة فى أَمْرِ الصُّلِحِ، ورُجُوعُهُم بِغَيْرٍ فَتْح يا نبى الله
اخْرُجْ وَلَا تكلِّم أَحَدًا كَلِمَةً حَتَّى تنحر بُدْنِك وتدعو حالقكَ(١) فَيَحْلِقَك فجلى(٢) الله
- تعالى - عن الناس بأُم سلمة - فَقَامَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وأَضْطبع (٣)
بثوبه، فخرج فأَخذ الْحَرْبَةِ ويَمَّمَ (٤) هَدْيَه وأَهْوَى بالحربةِ إِلى الْبُدْن رَافِعًا صَوْتَه
(( بِسْمِ اللهِ واللهُ أَكْبَر)) ونحر، فَتَوَاثَبَ المسلمُونَ إِلى الْهَدْى وازدحموا (٥) عليه يَنْحَرونَه
حتى كاد بعضهم يقع(٢) على بعض، وأشرك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين
أَصْحَابِهِ فِى الْهَدْى، فَنَحَرَ الْبَدَنَة عن سَبْعَة، وكان هَدْىُ رسول الله - صلى الله عليه
(١) فى ت، م ((بحالقك)) والمثبت من ط ويوافقه ما فى شرح المواهب ٢: ٢٠٨ .
(٢) كذا فى الأصول بالجيم واللام والياء وفى المرجع السابق ((فجلا)) باللام والألف.
(٣) اضطبع: أخذ ثوبه فجعل وسطه تحت إبطه الأيمن وألقى طرفيه على كتفه الأيسر من جهة الصدر
النهاية فى غريب الحديث ٣ : ١٢).
(٤) كذا فى ط، فى ت، م ((ينهم)) وكذا فى مغازى الواقدى ٢: ٦١٣. ونهم الرجل بمعنى زجرها (الصحاح
٢٠٤٧ ) .
(٥) فى ط ((وانجحموا)) والمثبت عن ت، م ويوافقه ما جاء فى مغازى الواقدي ٢: ٥١٣
(٦) كذا فى الأصول. وفى شرح المواهب ٢: ٢٠٩ (( حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً)) وفى مغازى الواقدى ٢: ٦١٣
((حتى خشيت أن يغم بعضهم بعضا)) وفى نهاية الأرب للنويرى ١٧: ٢٣٣ ((حتى كاد بعضهم يقتل بعضا عما)).
- ٩٢ -
١

وسلم - سبعين بَدَنَة ، وكان الْهَدْىُ دُون الجبال التى تَطْلعُ على وَادى الثَّنيَّة، فلما
صَدَّه المشركون رَدَّ وَجُوه الْبُدْن.
قال ابن عباس: لما صُدَّت عن الْبَيْتِ حَنَّتْ كما تَحِنُّ إِلَى أَوْلَادِهَا . رواه
الإِمام أحمد والبيهقى . فَنَحَرَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بُدْنَه حيث حبسوه
وهى الحديبية ، وشرد جمل أبى جهل من الهدى وهو يرعى وقد قدّد وأشعر . وكان
نجيباً مهرياً فى رأسه بُرَة من فضة، أَهداه ليغيظ بذلك المشركين ، فمر من الحديبية
حتى انتهى إلى دَارٍ أَبِى جَهْل بمكة ، وخرج فى أَثره عمرو بن عَنَمة بن عدىِّ الأنصارى،
فَأَبَى سُفَهَاءُ مَكَّةَ أَن يُعْطوه حتَّى أَمرهم سُهَيل بن عمرو بدفعه إليه ، قيل: وَتَفَعُوا
فيه عِدَّة نِيَاق، فَقَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ((لَوْلَا أَنْ سَمَّيْنَاهُ فِىِ الْهَْى
فَعَلْنَا))، ونحره عن سَبْعَة، ونحر طلحة بن عبيد الله، وعبدُ الرحمن بن عَوْف ،
وعثمان بن عفان ، بُدْنَات سَاقوها .
وروى ابن سعد عن أبى سُفْيَان عن جَابر قال : نَحَرَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه
وسلم - سَبْعِينَ بَدَنَة عَامَ الحُدَيْبِيَةِ، الْبَدَنَةُ عن سَبْعَة، وكنَّا يومئذٍ أَلْفاً وأربعمائة.
ومن لم يضح أكثر ممن ضحى ، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مضطرباً(١) فى الحل
وإنَّما يُصَلِّى فى الحرم .. وَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - من هَدْيه بعشرين بَدَنَة ١٧٠ ظـ
لِتَنْحَرَ عَنْه عند ((الْمَروة)) مع رَجُلٍ من أَسْلِمٍ، فلمَّا فرغ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -
مِنْ نَحْرِ الْبُدْنِ دَخَلَ قبة له من أَدَم حمراءَ (٢) وَدَعَا بخِرَاش - بمعجمتين - بن
أُمَيَّة بن الفضل الكعبى، فَحَلَقَ رأْسه ورمى شَعْرَهُ على شجرةٍ كَانَتْ إِلى جَنْبِهِ من سَمُّرَة
خضراء ، فجعل الناسُ يأُخذونَ الشَّعْرِ من فَوْق الشَّجرة فيتحاصونه(٣)، وأَخَذَتْ
أُمُّ عمارة طَاقَاتٍ من شَعْره فكانت تَغْسِلُهَا للمريض وتَسْقِيه فيبرأ، وجَعَلَ بعضُهُم
يَحْلِقِ بَعْضًا حَتَّى كَادَ بَعْضُهُم يقتل بَعْضًا غَمًّا .
(١) مضطربا. فسرت فى هامش سيرة النبى لابن كثير ٣: ٣٢٢ أن خيامه كانت مقامة فى الحل)) وكذلك
فى هامش مغازى الواقدي ٢ : ٦١٤ وعزا التفسير لشرح أبى ذر ص ٣٤٢.
(٢) حمراء: كذا فى ت، م ومغازى الواقدي ٢: ٦١٥. وفى ط (( آدم أحمر)).
(٣) أى يتقاسمونه ( القاموس المحيط ).
- ٩٣ -

وَحَلَقَ بَعْضُ المسلمين وَقَصَّرَ بَعْض، فأَخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
رأسه من قبته وهو يقول : رحم الله المحلقين ، قيل : يا رسول الله والمقصرين قال :
(( رَحِمَ اللهُ الْمُحَلِّقِينِ ثَلاثًا)). ثُمَّ قالَ و((المقصرين).
وروى ابن أَبِى شَيْبَة عن ابنِ عبَّاس أنهم قالوا : يا رسول الله مَا بَالُ الْمُحَلِّقين
ظاهرت(١) عليهم الترحيم؟ قال: لأَنَّهُم لم يَشُكُّوا . ورواه البيهفى موقوفاً .
وبعثَ اللهُ تعالى رِيحاً عَاصِفةً فاحتملت أَشْعارَهُم فَأَلْقَتْهَا فِى الحرم كما رواه
ابنُ سَعْدٍ عن مجمع بن يَعْقُوب عن أبيه ، وأَقَامَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -
((بالحُدَيْبِيَةِ تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، ويقال عشرين ليلة، ذكره محمد بن عمر، وابن سَعْد.
قال ابن عائذ : وأَقَامَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فى غَزْوته هذه شَهْراً ونصفاً.
ذكر رجوع رسول الله - صلى الله عليه وسلم
روى مُسْلم عن سلمة بن الأكوع ، والبيهقى عن ابن عباس ، وابن سعد ، والبيهقى ،
والحاكم عن أبى عمرة الأنصارى ، والبزار ، والطبرانى ، والبيهقى عن أبى خنيس
الْغَفَارى ، ومحمد بن عمر عن شيوخه ، يزيدُ بعضُهم على بَعْض : أَنَّ رَسُولَ الله -
صلى الله عليه وسلم - لما أَنْصَرَفَ من ((الحديبية)) نزل بمَرّ الظَّهْرَان ثم نزل ((بِعُسْفَان))
وأَرْمَلُوا (٢) من الزّاد، فشكا النَّاسُ إِلى رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - أَنْهم قَدْ بَلَغُوا
من الجوع الْجَهْد، وفى الناس ظَهْر، فقالوا: ننحَرَهُ(٣) يارسولَ الله، ونَلَِّنِ مِنْ شُحُومه
ونَتَّخذ من جُلُوده أَحْلِيةٍ (٤) فأَذْنَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فأُخْبِرَ بذلك عمرُ
ابن الخطاب فجاءَ إِلىَ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله لا تَفْعَل ،
فإن يكن فِى النَّاسِ بقيَّةُ ظَهْرٍ يكن أَمْثَل، كيف بِنَا إِذا نَحنُ لقينا العدُوَّ خَداً
(١) أى أظهرت الترحم للمحلقين دون المقصرين (السيرة الحلبية ٣: ٢٧) وفى ت ((ظاهرت لهم)) وفى
نهاية الأرب ١٧: ٢٣٣ ((فلم ظاهرت الترحم على المحلقين دون المقصرين؟)).
(٢) أرملوا: نفد زادهم (الصحاح).
(٣) كذا فى ط. وفى ت، م ((ننحر)) وفى مغازى الواقدي ٢: ٦١٦ ((فنحر))
(٤) كذا فى ط. وفى ت، م ومغازى الواقدي ٢: ٦١٦ ((حذاء ))
- ٩٤ -

جيَاعاً رجالاً ؟! ولكن إِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَدْعُوَ النَّاسَ بِبَقَايَا أَزْوَادِهِم فتجمَعَهَا ثُمَّ تَدْعُو
فيها بالبركة فإنَّ الله سَيُبَلِّغُنَا بِدَعْوَتِك، وَدَعَا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - النَّاسَ
بِبَقَايَا أَزوادِهِمْ وَبَسَطَ نِطْعاً فَجَعَلَ النَّاسُ يجيئون بالحفنة من الطَّعَامِ وَفَوْقَ ذَلِكَ،
فكان أَعْلاَهُم مَنْ جَاءَ بصاع تَمْر ، فاجتمع زَادُ الْقَوْمِ على النِّطْعِ ، قال سلمة :
فتطاولت لأُحرِّرَ كَم هُو فحررته كربضة(١) عَنْزِ ونحن أربع عشرة مائة ، فقام رسولُ اللهِ
- صلى الله عليه وسلم - فَدَعَا بما شَاءَ اللهُ أَنْ يَدْعُوَ، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، ثم حَشَوا
أَوْعِيَتَهُم، وبَقِىَ مِثله، فضحك / رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِدُه، ١٧١ ,
وقال: ((أشهد أن لا إله إلاَّ الله وأَنِّى رَسُولُ الله، وَاللهِ لَا يَلْقَى اللهَ - تَعَالَى - عَبْدٌ
مُؤْمِنٌ بِهِمَا إِلَّ حُجِبَ مِنَ النَّار)).
ثم أَذَّنَ رَسولُ الله - صَلَّى الله عليه وسلم - فى (٢) الرَّحيل، فلما أرتحلوا أُمْطروا (٣)
ما شَاءُوا وهم صَائِفُون، فَنَزَل رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وَنَزَلُوا، فَشَرِبُوا مِنْ
مَاءِ السَّمَاءِ ،
ثم قَامَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فَخَطَبَهُم، فجاءَ ثلاثةُ نَفَرٍ فجلس أَثْنَان
مَعَ النبى - صلى الله عليه وسلم - وَذَهَبَ وَاحِدٌ مُعْرِضًا، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه
وسلم -: ((أَلاَ أُخْبِرُكُم عن الثَّلاَثَة؟ قالوا: بَلَى يَارَسُولَ الله. قال: أَمَا وَاحِدٌ
فاستحيا فاستحيا اللهُ مِنْه، وأَمَّ الآخر فَتَابَ فَتَابَ اللهُ عليه، أَمَّا الثَّالث فَأَعْرَضَ.
فَأَعْرَضَ اللهُ عنه » .
وروى البيهقى عن عُرْوَةَ قال : قفلَ (٤) رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - راجعًا
فَقَالَ رَجُلٌ من أَصْحابِ رسُولِ الله - صلى الله عنيه وسلم - مَاهَذَا بِفَتْح،لقد صُدِدْنَا
(١) أى كقدر العنز وهى رابضة (السيرة الحلبية ٣: ٥٨)، وشرح المفردات.
(٢) فى مغازى الواقدى ٢: ٦١٦ (( بالرحيل))
(٣) فى المرجع السابق ((مطروا)).
(٤) كذا فى ط، وفى ت، م ((أقبل)) ويوافقهما شرح المواهب ٢ : ٢١١.
- ٩٥ -

١
عن الْبَيْت وَصُدَّ هَدْيُنَا. وَرَدَّ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - رَجُلَيْنِ من المُؤْمِنِين
كَانَا خَرَجًا إليه، فبلغ ذَلِكَ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: ((بِئْسَ الكلام،
بَلْ هُو أَعْظَم الْفَتْحِ ، قَدْ رَضِى المُشرِكون أن يدفعوكم بالراح عن بلادهم. ويسألوكم
الْقَضِيَّةِ، ويَرَغَبُون إليكم فى الأَمان؛ ولقد رأَوا مِنْكُمْ مَا كَرِمُوا، وأَظْفَرَكُم الله - تعالى -
عَلَيْهِمْ وَرَدَّكُمْ سَالِمِين مَأْجُورِين فَهُو أَعْظَم الفتحِ، أَنَسِيْتُمْ يَوْمَ أُحُد ؟؟ إِذْ تُصْعِدُونَ
وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ ، وأَنَا أَدْعُوكُم فِى أُخْرَاكُمْ !! أَنَسِيْتُمْ يَوْمَ الْأَحْزَابِ ؟ إِذْ
جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمُ وَمِنْ أَسْفَل مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرِ
وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُُّونَا !! فقال المسلمون: صدق اللهُ ورسُولُه، فهو أَعْظَمُ الْقُتُوح، والثِ
يَانَبِىِّ اللهِ مَا فَكّرْنَا فِيمَا فَكّرْت فيه، وَلَأَنْتَ أَعْلَمُ بالله وبالأُمور(١) منا .
*
ذكر نزول سورة الفتح ومرجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم
وما ظهر فى ذلك من الآيات
روى الإِمام أحمد ، والبخارى ، والترمذى ، والنسائى، وابن حِبَّان وابن مَرْدويه
عن عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - قال: كُنَّا مع رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -
فى سفر يعنى ((الحديبية)) فَسَلْتُه عَنْ شَىءٍ ثَلاثَ مَرَّات، فلم يَرُدَّ عَلَىَّ، فقلتُ فِى نَفْسِى:
شَكِلَتْكَ أُمُّكَ يا ابن الْخَطَّابِ، نَزَّرْت(٢) رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم - ثلاث مرات
فَلَمْ يَرُدَّ عليك، فحرَكْتُ بَعِيرِى، ثم تَقَدَّعْتُ أَمامَ النَّاس، وخَشِيتُ أَنْ يَنْزِلَ
فِىِّ الْقُرآن، فَمَا نَشِبْتُ أَن سَمِعْتُ صَارخًا يَصْرُخُ بى، فرجعتُ وَأَنَا أَفُّ أَنَّهُ نَزَلَ
فِىَّ شىءٍ، فَقَالَ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - ((لَقَدْ أَنْزِلَتْ عَلَىَّ اللَّيْلَةِ سُورَةٌ هِى
أَحَبُ إِلَىَّ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيَّهَا ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً * لِيَغْفِرَ لَكَ اللهِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ
وَمَا تَأْخَّرَ﴾(٣).
(١) رواية شرح المواهب ٢: ٢١١ (( ولأنت أعلم بالله وبأمره منا)).
(٢) الضبط من شرح غريب رجوعه - صلى الله عليه وسلم - ونزول سورة الفتح. وقد ضبط اللسان بفتح
الزاى مع التخفيف. والمعنى ألححت عليه فى المسألة إلحاحاً (اللسان ٧: ١٢١ وفى مغازى الواقدي ٢: ٦١٧ ((نذرت))
بالذال أخت الدال .
(٣) الآيتان ١، ٢ من سورة الفتح. والمراد كما فى السياق إنزال السورة كلها .
- ٩٦ -
١

وروى ابنُ أَبِى شَيْبَة والإِمام أحمد ، وابن سعد ، وأبو داود ، وابن جرير ، وابن
المنذر، والحاكم - وَصححَه - ابن مَرْدَويه، والبيهقى فى الدَّلَائِل /، عن مُجَمِّع(١) بن ١٧١ ظـ
جَارِيَةَ الأَنصارى - رضى الله عنه - قال: شَهدْنَا ((الحديبية)) مع رسُولِ الله - صلى
الله عليه وسلم - فَلَمَّا انْصَرَفْنَا عَنْهَا إِلى كُرَاعِ الغَميم إِذا الناس يوجِفونَ(٢) الأَباعر ،
فقال النّاسُ بعضَهم لِبَعْض : ما للنَّاسِ؟ قالوا: أُوحِىَ إِلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه
وسلم - فَخَرَجْنَا مع الناس نوجف، فإِذَا رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - على رَاحِلَته
عند ((كُرَاعِ الغميم )) فأجتمع النَّاسُ إِليه فقرأَ عليهم ( إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِيْنًا)
فقال رجُلٌ(٣) من أَصْحَابِ النبى - صلَّى الله عليه وسلم - أَو هو فتح؟ فقال: ((أَى والَّذِى
نَفْسِى بَيَده إِنَّه فتح)) زاد ابن سَعْد: فلما نزل بها جِبْريلُ قال : ليهنئك يا رسول
الله، فلما هَنَّأَه جبريل هنَّأَهُ النَّاس .
وروى عبد الرازق والإِمام أحمد، وابن أبى شَيْبَة، وعبد بن حُميد ، والشيخان
والترمذى ، وابن جرير ، وابن المنذر ، والحاكم عن أنس - رضى الله عنه - قال :
لما رجعنا من ((الحديبية)) قال رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ((أُنْزِلَتْ عَلَىَّ ضُحَّى (٤)
آية هى أَحَبُّ إِلَىَّ مِنَ الدُّنْيَا جَميعًا » ثَلَاثًا - قُلْنَا - وفى لَفْظِ قَالُوا - هنيئًا مَريثًا
لك يا رسول الله ،قد بين الله لك مَاذَا يَفْعَل بِك، فماذا يفعلُ بنا ؟ فنزلت، وفى لفظ
فنزلت عليه: ﴿ لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارِ ﴾(٥)
حتَّى بلغ (فَوزًا عَظِيمًا) )).
(١) مجمع بضم الميم وفتح الجيم وتشديد الميم المكسورة - ابن جارية - بالجيم والراء - ابن عامر الأنصارى
الأوسى المدنى الصحابى . المتوفى فى خلافة معاوية . روى له الترمذى وأبو داود وابن ماجه وانظر شرح المواهب
٢ : ٠٢١٠
(٢) يوجفون: يسرعون السير، وفى نهاية الأرب ١٧: ٢٣٤ ((يهزون الأباعر ينشطونها بالحداء لتخف
وتسرع فى سيرها )).
(٣) فى نهاية الأرب ١٧: ٢٣٥ ((فقال عمر: ((أو فتح هو يا رسول الله)).
(٤) وفى رواية الموطأ ((أنزلت على الليلة سورة)) شرح المواهب ٢: ٢١٠.
(٥) آية ٥ من سورة الفتح .
(٧ - سبل الهدى والرشاد جـ ٥)
- ٩٧ -

وروى ابنُ أَبِ شَيْبَة ، والإِمام أحمد ، والبخارى فى تاريخه ، وأبو داود والنسائى ،
وابن جرير ، وغيرهم عن ابن مسعود رضى الله عنه، قال: ((أَقْبَلْنَا مِنَ الْحُدَيْبِيَة)»
مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فَبَيْنَا نَحْنُ نسير إِذْ أَتَاهُ الوحى، وكَانَ إِذَا أَنَاهُ
اشْتَدَّ عَلَيْهِ ، فَسُرِّىَ عَنْهِ وَبهِ من السُّرُورِ مَا شَاءَ الله، فَأَخْبَرنا أَنَّه أُنْزِلَ عليه ( إِنَّا فَتَحْنَا
لَكَ فَتْحًا مُبِيناً).
١٧٢ و
وروى البيهقى من طريق المسعودى عن جامع بن / شداد عن عبد الرحمن بن أبى
علقمة عن ابن مسعود - رضى الله عنه - قال : لما أَقْبَلَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -
من ((الحديبية)) جَعَلَتْ ناقَتُه تَثْقُل فأنزل الله تعالى (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا)
فأَدركنا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - من السُّرور ما شاءَ، فَأَخبرنا أنها أُنْزِلَتْ
عليه ، فَبَيْنَا نَحْنُ ذَاتَ ليلة إِذْ عَرَّس بِنَا ، فقال رسُولُ اللهِ - صلَّى الله عليه وسلم -
((من يَحْرُسُنَا))؟ فقلتُ أَنَا يا رسُولَ الله، فقال: ((إِنَّك تنام)) ثُمَّ قال: ((مَنْ يَحْرُسُنَا))
فقلتُ: أَنَا. فقال: أَنت، فحرستُهُم، حتَّى إِذَا كان وَجْهُ الصبْحِ أَدْرَكَنِى قَوْلُ
رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - إِنَّكَ تنام، فما استَيْقظتُ إِلَّ بالشمس، فلما أُسْتَيْقَظْنَا
قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: ((إِنَّ اللهَ لَوْ شَاءَ أَن لا تناموا عنها (١) لا تناموا،
ولكنّه أَرَادَ أَن يكون ذلك لِمَنْ بعدكم ، ثم قام فصنع كما كان يصنع ، ثم قال :
(( هكذا لِمَنْ نَامَ أَو نَسِىَ مِنْ أُمَّتِى)) ثم ذهب القومُ فى طلبهم رواحلهم فجاءُوا بهن
غير راحلة رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: فقال لى رسولُ اللهِ - صلَّى الله عليه
وسلم - ((اذهَبْ هَاهُنَا)) ووجّهنى وَجْها فذهبتُ حيث وجَّهنِى فوجدتُ زِمَامَهَا قَد الْتَوَى
بشجرة ما كانت تحلها الأَيدى . قال البيهقى : كذا قال المسعودى عن جامع بن شدَّاد :
إن ذلك كان حين أَقبلوا من الحُدَيْبِية ، ثم روى من طريق شعبة - وناهيك به
عن جامع بن شداد عن عبد الرحمن بن أبى علقمة عن ابن مسعود قال : أَقبلنا مع رسولِ
الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - من غزوة تَبُوك قال البيهقى: يحتمل أن يكون مراد المسعودىّ
(١) فى ت، م ((لن تناموا)) والمثبت من ط.
- ٩٨ -
٥
...
- -

بذكر الحُدَيْبِيَة تاريخ نزول السّورة حين أَقْبَلُوا من الحُدَيْبِيَة فقط ، ثم ذكر معه
حديث النّوم عن الصّلاة ، وحديث الراحلة ، وكانا فى غزوةٍ تَبُوك قلت لم يَنفردْ
المسعودىّ بذلك، قال ابن أَبِى شَيْبَة فى المصنَّف : حدثنا منذر عن شعبة عن جامع بن
شداد به ، ولا مانع من التعدد .
ذكر قدوم أبى بصير على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
ورده اليهم وما حصل له ولأصحابه من الفرج
رَوَى عبدُ الرّزاق والإِمام أحمد وعبدُ بنُ حُمَيْدِ والْبُخَارِىُّ وأَبو داود والنسائىُّ
عن المِسْوَر بن مَخْرَمَة، والبيهقىُّ عن ابن شهاب الزُّهْرِىّ: أَنَّ رسولَ الله - صلَّى الله
عليه وسلَّم - لَمّا قدِمَ المدينة من الحُدَيْبِيَةِ أَتاه أبو بَصِير عُثْبَةُ - بضم العين المهملة - .
ابن أَسِيد - بوزن أَمير - بن جارية - بجيم - الثقفى، حليف بنى زُهْرة - مُسْلِمًا قد
أَفلت من قومه - فسارَ على قدميه سعْياً، فكتب الأُخْنَس بن شَرِيقِ، وأَزْهَرُ بنُ
عبد عَوْف الزُّهْرِىّ إلى رسولِ الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - كتاباً وبعثا خُنَيْسَ - بمعجمة
ونون وآخره مهملة - مُصَغَّر - ابن جابر من بنى عامر بن لُؤْىّ ، استأُّجراه بِبَكْر ابن لَبُون،
وحملاه على بعير ، وكتبا يذكران الصّلحَ الذى بينهم ، وأَن يَردّوا إليهم أبا بصير ،
فخرج العامرىُّ ومعه مولىّ له يقالُ له كَوَثَرُ دليلا ، فقدما بعد أَبى بصير بثلاثة أيام
فقرأَ أَبِىُّ بنُ كَعْب الكتاب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإذا فيه : قد عرفتَ
ما شَارَطْنَاك عليه، وأَشهدنا بينك وبيننا مِنْ (١) ردِّ مَنْ قدِمَ عليك مِنْ أَصحابنا فابْعَثْ
إلينا بِصَاحبنا. فأَمر رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أبا بصير أَن يرجع معهم، ودفعه إليهما
فقال : يا رسولَ الله تَردُّنى إلى المشركين يفتنوننى فى دينى؟ فقال: ((يَا أَبَا بَصِير
إِنَّا قَدْ أَعْطَيْنَا هَؤُلاءِ القَوْمَ مَا قَدْ عَلِمْتَ، وَلَا يَصْلُحُ لَنَا فِي دِينِنَا الْغَدْرُ، وَإِنَّاله - تَعَالَى
جَاعِلٌ لَكَ وَلِمَنْ مَعَكَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَرَجاً وَمَخْرَجاً، فقال: يا رسولَ الله تَرُدُّنَّى إِلى
(١) بعد هذه الكلمة بياض بمقدار كلمتين، ولكن الكلام متصل كما فى مغازى الواقدى ٢ : ٦٢٥.
- ٩٩ -

المشركين؟ !! قالَ: ((انْطَلِقْ يَا أَبَا بَصِيرٍ، فإِنَّ اللّهُ سَيَجْعَلُ لَكَ فَرَجاً وَمَخْرَجاً)) فخرج
معهما ، وجعل المسلمون يُسِرُّون إِلى أَبى بصير: يا أَبا بصير أَبْشر فإن الله جاعلٌ لَكَ
فَرَجاً ومخرجاً ، والرّجُلُ يكونُ خَيْراً من ألف رجل ، فأَفعَلْ وافْعَل: يأُمرونه بقتل
اللذين معه، وقال له عمَرُ: أَنت رَجُل ، ومعك السيف ، فأنتهيا به عند صلاة الظهر
بذى الحُلَيْفَةِ ، فصَلّى أَبُو بَصِيرٍ فى مسجدها ركعتين ؛ صلاة المسافر ، ومعه زادٌ له
من تَمْر يحمله ؛ يأْكُل منه . ودعا العامرى وصاحبه ليأُكلا معه فقدما سُفْرَة فيها
كِسَرٌ فَأَكلوا جميعاً، وقد علّق العامِرىُّ سيفه فى الجدار وتحادثا . ولفظ عروة : فَسَلَّ
العامرىُّ سيفه ثمَّ هزّه فقال: لأَضربَنَّ بسيفى هذا فى الأَّوْسِ والخَزْرَجِ يَوْماً إِلى الليل .
١٧٢ ظ فقال له أبو بصير / : أَصَارِمُ سيفُك هذا ؟ قال: نعم ، قال: ناولنيه أَنظر إليه إِن
شئت، فناوله إِيَّاه ، فلَمَّ قبض عليه ضَربه به حتى بَردَ . قال ابن عقبة: ويقال
بل تناول أَبو بصير السَّيْفَ بِفيهِ وصاحبهُ نائمٌ، فقطع إِساره ثمّ ضَربه به حتَّى
بَرد، وطلب الآخر فجمز(١) مَذْعُوراً مستخفيا ، وفى لفظ: وخرج كوثرُ هَارِبا يعدو
نحو المدينة وهو عَاضُّ على أَسفل ثوبه قد بدا طرفُ ذكره، والحَصَى يطيرُ مِنْ تَحْتِ
قَدَميه مِن شِدَّةِ عَدْوِهِ، وأَبو بَصِيرٍ فى أَثَرَه، فَأَعجزه وأَتَى رسولَ الله - صلَّى الله عليه
وسلَّم - وهو جالس فى أَصحابه بعد العصر ، فقال رَسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -
حين رآه : ((لقَدْ رأَى هذا ذُعْرًا فلما انتهى إلى رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم قال : .
(( وَيْحَكَ مالك)) قال: قتل والله صاحِبُكُم صَاحِبِى وَأَفْلَتُّ مِنْه ولم أَكَد ، وَإِنى المقتول .
وَاستغاث برسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فَأَمَّنَه، وأَقبل أبو بصير فَأَناخ بعير
العامرىّ. ودخل متوشِّحًا سيفه. فقال: يا رسول الله قد وَفَت ذِمَّتُكَ وَأَدَّى اللهُ عنك ،
وقد أَسلمتنى بيد العدو ، وقد امتنعت بدينى مِنْ أَنْ أُقْتَن ، فقال رسولُ الله - صلى
الله عليه وسلم: ((وَيَل أمّه مِسْعَرُ(٢) حَرْبٍ)) وفى لفظ ((مِحَشّر (٣) حَرْب، لَوْ كَانَ مَعَه
(١) فجمز: أى عدا وأسرع (نهاية الأرب ١٧ : ٢٤٦).
(٢) مسعر حرب: موقدها، يتعجب النبى - صلى الله عليه وسلم - من شجاعته وجرأته وإقدامه (نهاية الأرب
١٧ : ٢٤٦، وانظر شرح غريب قدوم أبى بصير .
(٣) محش الحرب: مسعرها ومهيجها (مغازى الواقدى ٢ : ٦٢٦، وشرح المفردات).
- ١٠٠ -