النص المفهرس

صفحات 21-40

وفى حديث جَابِرٍ - رضى الله عنه: عِنْدَ ابن عايد، فقال رسولُ الله - صلَّى اللهُ
عليه وسلَّم :- احكمْ فيهم يا سعد، فقال: الله ورسوله أَحق بالحكم. قال: (( قَد
أَمَرَكَ اللهُ أَنْ تَحْكُمَ فيهم)) . وَقَالَت الأَوْسُ الَذينَ بَقُوا عند رسولِ الله - صلَّى الله
عليه وسلم : يا أَبا عمرو: إنَّ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم - قد وَلاك الحُكْم فى
أَمْرٍ مّوَاليك فَأَحْسِن فيهم، وأذكر بَلاءَهم عنْدَك(١)، فَقَالَ سَعْد: أَتَرَضَوْن حُكمى
لبنى قُرَيْظَة ؟ قالوا : نعم، قد رضينا بِحُكُمك ، وَأَنْتَ غائبٌ عنا ، اختياراً منا لك ،
وَرَجَاءَ أَنْ تمُنَّ علينا كما فعل غيْرُك بِحُلَفَائِه بنى قَيْنُقَاعِ، وأَثرنا عندك أَثَرُنا،
وأحوج ما كنا اليوم إلى مُجَازَاتك. فقال سعد : ما آلوكم جهداً، فقالُوا : مَا يَعْنى
بِقَوْلِهِ هَذَا؟ ثم قال سعد : عليكم عهدُ اللهِ وميثاقُه؛ أَنّ الحكم فيهم ما حكَمت ؟
قالوا: نعم، ثم قَالَ سَعْد لِلنَّاحية الَّى فيها رسولُ الله - صلَّى اللهُ عَلَيْه ؤَسلَّم - وهو
مُعْرضٌ عنها (٢) إِجْلاَلاً لرسولِ اللهِ - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - وَعَلَى مَنْ هاهنا مثل ذلك؟ / ١٥٢ ظـ
فقالَ رسولُ اللهِ - صلَّى اللهُ عليه وسلّم - ومنْ معه: ((نعم)) قَالَ سَعْد: فإِنِّى أَحكمُ
فيهم أَنْ يُقْتَل كلُّ مَنْ جَرَت عَلَيهِ الْمُوسَى، وتُسْبَى النِّسَاءُ والذُّرِّية، وتُقَسَّمَ (٣) الأموال
وتكون الدِّيارُ للمهاجرين دون الأَنْصار. فقالت الأَنْصار . إخواننا كنَّا معهم ، فَقَالَ :
أَحْبَبتُ أَنْ يَسْتَغْنُوا عنكم)) فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : لقد حكمْتَ
فيهم بِحُكْمِ الله الَّذِى حَكّم بِهِ من فوق سَبْعِ سَمَوات(٤).
١
:
(١) أى مناصرتهم ومعاونتهم لك قبل هذا اليوم ( شرح المواهب الزرقانى ٢ : ١٣٤).
(٢) كذا فى الأصول، وفى السيرة الحلبية ٢: ٣٦٢ ((وهو معرض عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إجلالا له)).
وفى شرح المواهب الزرقانى ٢ : ١٣٢ ((وهو معرض عنه)).
(٣) تقتل وتسبى وتقسم: بالبناء للمفعول : لأنه جواب لقومه الأنصار، وقيل بالبناء الفاعل ؛ لأنه جواب لقول
المصطفى صلى الله عليه وسلم احكم فيهم ياسعد (شرح المواهب الزرقانى ٢ : ١٣٥)،
(٤) فى ت ((من فوق سبعة أرقعة)) وفى السيرة الحلبية ٢: ٣٦٢ (( من فوق سبعة أرقعة)). والمراد أن شأن هذا الحكم
العلو والرفعة)) وجاء فى شرح المواهب الزرقانى ٢ : ١٣٥ ((سبعة أرقعة - بالقاف جمع رقيع بتذكير العدد على معنى السقف
كما قال ابن دريد - إذ السماء مؤنث سماعى فقياسه سبع أرقعة بتأنبث العدد)» وفى القاموس الرفيع كأمير: السماء أو السماء
الدنيا .
والحديث أخرجه النسائى وهو من رواية محمد بن صالح بن دينار المار المدنى مولى الأنصار، صدوق يخطىء . مات سنة
ثمان وستين ومائة .
- ٢١ -
٠

وذكر ابن إسحاق فى غير رِوايَةَ البَكَّائِى: أَنَّ رسُولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -
قَالَ فى حُكْمِ سَعْد: ((بِذَلِكَ طَرَقَنِى المَلَكُ (١) سَحَرًا، وَكَانَ سعدُ بنُ مُعَاذ فى الليلة التى
فى صبيحتها نَزَلَتْ بنو قُرَيْظَةً عَلَى حُكْمِ رَسُولِ الله - صَلَّى الله عليه وسلم - قَدْ دَعَا
فَقَال: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ أَبَقَيْتَ مِنْ حَرْبِ قُرَيْشٍ شَيْئًا فَأَبْقِى لَهَا فَإِنَّه لَا قَوْمَ أَحَبُ
إِلىَّ أَن أُقَاتِلَهُم مِنْ قَوْمٍ كَذَّبَوا رَسُولَك آذوه وَأَخْرَجُوه، وَإِنْ كَانَت الحربُ قَدْ
وَضَعَتْ أَوْزَارَهَا عَنَّا وَعَنْهُمْ فَأَجْعَلْها لى شَهَادَة، وَلَا تُمتنى حَتَّى تُقْر عينى مِنْ بَنِى
قُرَيْظَةِ ، فَأَقَرِّ اللهُ تَعَالَى عَيْنَه مِنْهُم
ذكر قتلهم وأخذ أموالهم وسبى ذراريهم
فلما حَكَم سعدُ ، بما حَكّمَ ، وأَنْصَرَفَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الخميس
لتسعِ(٢) ليالٍ كما ذكر محمد بن عمر وابن سعد، وجزم به الدّمياطى، وقيل
لخمسٍ - كما جُزُم به فى الإِشارة - خَلَوْن من ذى الحجة، وأَمَرَ بِهِم فأُدْخِلُوا المدينة ،
وأَمر رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بالسَّبِى فَسِيقُوا إِلى دَار أُسَامَة بْنِ زَيْد ، والنّساءُ
والذُّرِّيّة إِلَى دَارِ رَمْلَةِ (٣) بِنْتِ الْحَارِثِ، ويُقَال حُبسُوا جميعاً فى دار رمْلَة، وأَمر لهم
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأحمال تَمْر فنثرت لهم، فَبَاتُوا يَكْلِمُونَهَا كَدْم الحُمُر،
وَأَمَرَ بالسُّلاَحِ والْأَثَاث والْمَتَاعِ والثياب فحمل إلى دار [ ابنة الحارث(٤) ] وبالإِبل
والغنم ترعى هناك فى الشّجر، فَلَما أَصبح رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - غَدًا إِلى
السُّوق، فَأَمَرَ بِأُخْدود فخُدَّت(٥) فِى السُّوق مَا بَيْنَ مَوَضِع دَارٍ أَبِى الْجَهْمِ العدوى
(١) الملك: فى الأصلى الملك بكسر اللام كما جاء الضبط أيضا فى شرح الغريب.
(٢) فى شرح المواهب الزرقانى ٢: ١٣٦ ذكر الروايات المختلفة فى العدد. فروى عن ابن سعد ((لسبع)) وعن مغلطاى
((لخمس)) ولكن مؤلفنا يذكر ابن سعد فى القائلين ((لتسع)).
(٣) هى رملة بنت الحارث بن ثعلبة بن الحارث بن زيد زوجة معاذ بن الحارث بن رفاعة ( شرح المواهب
الزرقانى ٢ : ١٣٦)، ويقال إن اسمها نسيبة أو كيسة بنت الحارث بن كريز بن حبيب بن عبد شمس (الروض
الأنف ٢ : ١٩٨ ) .
(٤) بياض بالأصول، والإضافة عن (مغازى الواقدى ٢: ٥١٣).
(٥) كذا فى ت وفى مغازى الواقدى (٢: ٥١٣). وفى ط، م ((فخندق)).
- ٢٢ -
/

إِلَى أَحْجَار الزِّيت(١)، فكان أصحابه هناك يَحْفرون، وَجَلَسَ رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - ومعه علية (٢) أصحابه وَدعَا برجَالِ بنِى قُرَيْظَةٍ، فَكَانُوا يخرجُون أَرْسالاً ،
تُضْرَبُ أَعْنَاقُهُم فى تِلْكَ الْخَنَادِقِ ، فقالوا لكعب بن أسد - وهم يُذْهَبُ بِهِمْ إلى رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - أَرْمَالاً: يَا كَعْبُ، ما ترى محمدًا يَصْنْع بنا؟ قال :
ما يَسُوءُكُمْ، ويلكم! على كل حالٍ لَا تَعْقِلُون !! أَلَا تَرَوْنَ الدَّاعِى لا ينزِعِ، وَأَنَّه
مَنْ ذَهَبَ منكم لَا يَرْجِع ؟ هو والله السَّيف، قَدْ دَعَوْتُكُم إلى غَيْرِ هَذَا فَأَبَيْتُم عَلَىَّ
قالوا : لَيْسَ هذا بحين عِتَاب، لولا أَنَّا كَرِهْنَا أَن نُزْرى(٣) برأيك ما دخلنا فى نَفْض
الْعَهْدِ الَّذى كان بَبْنَنَا وَبَيْنَ مُحَمَّد، قَالَ حُبىّ بن أَخطب: أتركوا ما تَرَوْنَ من
الثَّلاَؤُم، فإنه لا يَوْدُّ عنكم شَيْئًا، وأَصْبِرُوا للسيف، وكان الذين يلون قَتْلُهُم علىّ
ابن أبى طالب والزبير بن العوام وَجَاءَ سَعْدُ بنُ عُيَادة والحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ، فَقَالا :
يا رسول الله، إن الْأَوْس قد كَرِمَتْ قَتْلَ بنى قُرَيْظَةَ لِمَكَانِ حلفهم ، فقال سعدُ بنُ
مُعَاذ: ما كرِهَه من الأَوْس أَحدٌ فيه خَيْرٌ، فَمَنْ كَرِمَهُ فَلاَ أَرضاه الله. فقام أُسَيْدُ
ابن الحُضَيْر - / رضى الله عنه - فَقَالَ: يَارَسُولَ الله: لا تُبْقينّ(٤) دَارًا منْ دُورِ الأَوْسِ ١٥٣٥
إِلَّ فَرَّقْتَهُم فيها، فَمَنْ سَخِطَ فلا يُرْغُمُ اللهُ إِلاَّ أَنْفَه، فَابْعَثْ إلى دَارِى أَوَّل دورهم ،
فَفَرَقَهُمْ فِى دُورِ الأَوس فَقَتَلُوهِمِ ثُمَّ أَتَى بِحُبِىّ بْن أَخْطَب (٥) مَجْمُوعَةٌ يَدَاه إلى عُنُقِهِ ،
عَلَيْهِ حُلَّة شُفْحِيَّةٍ(٦) . وقال ابن إسحاق : تُقَاجِيَّة قَدْ لَبِها للقتل ، ثُمَّ عمد إليها
فشَّقها أَنْمُلّةً أَنْمُلَة لِمِلاَّ بَسْلُبَه إِيَّاهَا أَحَدٌ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -
حين طلع: (( أَلَمْ يُمكِّن الله مِنَك يَا عَدُوَّ الله: قال بلى والله، أَمَا وَالله مَا لُمْتُ نَفْسِى
فِى عَدَاوَتك، وَلَقَدْ أَلْتَمَسْتُ العَزَّ فى مكانه فَأَبَى الله إِلاَّ أَنْ يُمكِّنَك. وَلَقَدْ قَلْقَلْتُ
(١) كذا فى ط، م وفى ت ((أحجار الزيت بالسوق)).
(٢) كذا فى ط. وهو المذكور فى شرح المفردات ص أما فى ت، م ومعه عامة)).
(٣) كذا قى ط، وفى ت، م (أن نردى) وفى مغازى الواقدى ٢: ٥١٣ (أن نزرى) بضم النون كما أثبتنا.
(٤) كذا فى ت، م وفى ط ((لا تبقى دار)).
(٥) هو حيي بن أخطب النضرى، جاهل من الأشداء العتاة، وكان ينعت بسيد الحاضر والبادى، آذى المسلمين
كثيراً (سيرة ابن هشام ٢: ١٤٨، ١٤٩) و (الإعلام للزركلى ٢: ٣٣١).
(٦) شقحية: بضم الشين كما سيرد فى شرح المفردات، وفى مغازى الواقدى ٢: ٥١٣ بفتح الشين وسنكون
القاف . وفسرت فى الهامش بالحلة الحمراء .
- ٢٣ -

كُلٌّ مُقَلْقِل ، ولكنه من يَخْذُل الله يُخْذَل. ثم أَقْبَلَ على النَّاس فقال: أَيُّهَا النَّاس،
لَا بَأْسَ بِأَمْرِ اللّه، قَدَرٌ وَكِتَابُ ومَلْحَمَة كتبت على بنى إسرائيل! ثمَّ جَلَسَ فضُرِبَتْ
◌ُنُقُه ، وَأَتى بنبَّاش بن قيس وَقَدْ جابذ الذى جاءَ به حَتَّى قَاتَله فدَقَّ الذى جاء به
أَنَفَه فَأَرْعَفَه . فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - للذى جَاءَ به (( لم صنعتَ هذا
به. أَمَا كَانَ فِى السَّيْف كفاية؟)) فَقَالَ: يَارَسُولَ الله، جَابَذَنى لأَن يهرب، فَقَالَ
نَبَّاش: كَذَبَ والتَّوراة يَا أَبَا القاسم، لَوْ خِلاَّتِى مَا تأخرت عَنْ مَوْطنٍ قُتِلَ فيه قَوْمِى
حَّى أَكُونَ كَأَحَدِهِم (١)، فَقَالَ رَسُولُ الله - صَلَّى الله عليه وسَلَّم: ((أَحْسِنُوا إِسَارَهُم
وَقَيِّلُوهُم وآسُقُوهُ، حَتَّى يُبْرَدُوا، فَتَقْتُلُوا مَنْ بَقِى، لا تَجْمَعُوا عَلَيْهِم حَرَّ الشَّمْسِ
وحَرَّ السَّلاَح)) وَكَان يَوْمًا صَائِفاً، فَقَيِّلُوهُم وَمَقَوهُم، فَلَمَا أَبْرُدُوا رَاحَ رَسُولُ الله
- صَلَّى الله عليه وَلَّم - فقتل مَنْ بقى، وأُتِى رَسُولُ الله - صَلَّى الله عليه وَسَلَّم - پِكَعْبِ
ابْنِ أَسَدِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى الله عليه وسلم: ((كعب))؟ قَالَ: نَعَمْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ
قَالَ : مَا أَنْتَفَعْتُمْ بِنُصْحِ ابْنٍ جَوَّاس(٢) لكُم، وكَان مُصَدِّقًا بى، أَمَا أَمَرَكم باتّباعى،
وَإِنْ رَأَيْتُمُونِى أَنْ تُقْرُونِى مِنْهِ السَّلاَمَ))؟ قال: بَلَى والتَّوراة يا أَبا الْقَاسمِ، ولَوْلاً
أَنْ تُعَيِّرنى يَهُودُ بالجزع من (٣) السَّي لَأَتَّبِعْتُك ولكنى(٤) عَلَى دين يَهُود، قَالَ رَسُولُ
الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلم ـ ((قَدِّعْه فاضْرب عُنُقَه)) فَأَّمَرَ رَسُولُ الله - صَلَّى الله عليه
وسَلَّم - بِقَتْلِ كلِّ من أَنْبَتَ منْهم .
وروى ابن إسحاق(٥)، والإمام أحمد ، وأبو داود ، والترمذى فى صحيحه ، والنسائى
عن عطية القرظِىّ قال: كنْتُ غُلاَماً فَوَجَدُونى لَمْ أُنْبت، فَخَلَّوا سبيلى .
وروى الطبرانى عَنْ أَسْلمِ الْأَنصارى قَالَ : جَعَلَنِى رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسَلَّم -
(١) فى ط ((أحدهم)) وماهنا من ت، م ومغازى الواقدي ٢ : ٥١٤.
(٢) جواس. كذا فى الأصول. وفى مغازى الواقدى ٢: ٥١٦ (( خراش)).
(٣) كذا فى ط، م ومغازى الواقدي ٢: ١٦٥، وفى ت ((تغير فى يهود الجزع)).
(٤) فى الأصول ((ولكنه على)) وما أثبته من مغازى الواقدى ٢ : ٥١٦.
(٥) انظر السيرة النبوية لابن هشام ٢ : ٢٤٤.
-- ٢٤ -

على أُسَارى قُرَيْظَةِ، فكنت أَنْظُر إلى فرج الغلام فَإِنْ رأيْتُه أَنْبَتَ ضربت عنُفَه ،
وإنْ لم أَرَه جعلته فى مغانم الْمُسْلمين .
وَكَانَ رِفاعةُ بن شِمْوال(١) القُرَظِىُّ رَجلاً قَدْ بَلَغْ، فَلاَذَ بِسَلْمَى بِنْتَ قيس
أم المنذر، أَخت سَليط بن قيس، وكانت إِحدى خَالَات(٢) النبى - صَلَّى الله عليه
وسَلم - قَدْ صلَّتِ الْقَبْلَتَيْن مَعَ رَسُول الله - صَلَّى الله عليه وَسَلَّم - وَبَايِعتْه مع بَيْعة
النِّسَاءِ ، فقالت: يا نِىَّ الله، بِأَبِى أَنتَ وَأَبِى، هَبْ لِى رِفَاعة، فَإِنَّه زَعَمَ أَنه سَيُصَلّ،
وَيَأْكِلُ لحمَ الجَمَلِ ، فَوَهَبَهُ لَهَا فاستحيته فَأَسلم بعد .
وَلم يزل ذلك الدأب حتَّى فرغ منهم رسول الله - صَلَّى الله عليه وسلم - فَقُتِّلُوا
إِلى أَن غَابَ الشَّفق، ثُمَّ رَدَّ عليهم التُّرَابِ فى الخندق ، كُلُّ ذَلِكَ بِعَيْنِ سَعْد بن مُعَاذ
فَأَسْتَجابَ اللهُ دَعْوتَهُ وَأَقَرَّ عيْنَه - رضى الله عنه /
١٥٣ ظ
وَلَمْ يُقْتَلْ مِن نسائهم إِلَّ امْرأَةٌ واحدَة منْ بنى النَّضِيرِ يُقَالُ لها نُبَاتَةِ(٣) تَحْتَ رجل
من بَنِى قُرَيْظَةَ يُقَالُ لهُ الْحَكَمِ، وَكَان يُحبُّهَا وتُحِبُّه، فَلَمَّا أَشْتَدَّ عَلَيْهِمِ الْحِصَارُ
بَكَتْ إِلَيْهِ وَقَالَتْ إِنَّك لمُفَارِقِى، فَقَالَ: هو والنَّوراة، مَا تَرِيْنِ فَأَنْتِ امرأةٌ، فَدَلَّى
عَلَيْهِمْ هَذِهِ الرَّحَى، فإِنَّا لم نَقْتُلْ مِنهم أَحَداً بعد، وَأَنْتِ آمرأَةُ، وَإِنْ يَظْهَرْ محمدٌ
عَلَيْنَا فإِنَّه لاَ يَقْتُل النِّسَاءَ، وَإِنَّمَا كَرِهَ أَنْ تُسْبَى؛ فَأَحَبَّ أَن تُقْتَل، وَكَانت فى
حِصْن الزُّبير بن بَاطَا فَدَلَّتْ رَحَّى مِنْ قَوْقِ الْحِصْن، وَكَان الْمُسْلِمُون رُبَّمَا جَلَسُوا
تَحتَ الْحصْنِ يَسْتَظِلُّون فى فَيْئِهِ، فَأَطْلَعَتْ الرَّحَى فَلَمَّا رَآهَا الْقَوْمُ أَنْفَضُوا، وَتُدْرِكُ
خَلَّدَ(٤) بن سُويد فَتَشْدَخُ رَأْسَه، فَحَذِرَ المسْلِمُون أَهْلَ الحصن، فَلَمَّا كَانَ اليومُ
(١) شموال: كذا فى الأصول، وفى مغازى الواقدى ٢: ٥١٤ ((سموال)).
(٢) أى إحدى خالات جده عبد المطلب. كما سيأتى فى شرح الغريب، وانظر السيرة الحلبية ٢ : ٣٧١.
(٣) نباته: كذا فى مغازى الواقدى ٢: ١٥٦، وفى السيرة الحلبية ٢: ٣٦٧، وفى البداية والنهاية لابن كثير
٤ : ١٢٦. وسيرد فى شرح الغريب أن اسمها ((بنانه)) بموحدة ونون وألف ثم نون - و((ثباته)) بالثاء المثلثة فوحدة
فألف فثناة من فوق .
(٤) هو خلاد بن سويد بن ثعلبة بن عمرو الخزرجى وانظر السيرة النبوية لابن هشام ٢: ٢٥٤، والبداية
والنهاية لابن كثير ٤ : ١٢٦.
- ٢٥ -

الَّذِى أَمَرَ بِهِمْ رَسُول الله - صَلَّى الله عليه وسلم - أَنْ يُقْتَلُوا فيه دَخَلَتْ عَلَى عَائِشَة -
رضى اللهُ عَنْهَا - فَجَعَلَتْ تَضْحَكَ ظَهْرًا لِبَطْن، وَهِىَ تَقول: سَرَاءُ بَنِى قَرَيْظَةٍ يُقْتَلُون
إِذْ سَمَعَتْ صَوْتَ قَائلٍ يا ((نباتة))، قالت أَنَا والله الَّتِى أُدْعَى ، قالت عَائِشَة وَلِمَ ؟
قَالَتْ : قَتَلَنِى زَوْجِى، وَكَانَتْ جَارِيَة حُلْوَةَ [الكلام](١) فَقَالَتْ عَائِشَةُ: وَكَيْفَ قَتَلكِ زوجُك؟
قَالت: فى حصْن الزّبير بن باطا فَأَمَرَنى فَدَلَّيْتُ رَحَى عَلَى أَصْحَابِ محمد فَشَدَخْتُ
رَأْسَ رَجُلٍ مِنْهم فمَات، وأَنَا أُقْتَلُ به ، فَأَنْطُلقَ بِهَا، فَأَمَرَ بِهَا رَسُولُ الله - صَلَّى
الله عليه وَسَلَّم - فَقُتْلَت، بِخَلَّد بن سُويد. فَكَانَتْ عَائشَةُ تَقُولُ: لَا أَنْسَى طيبَ
نَفْس نُبَاتَة، وَكَثْرَةٍ ضَحكَهَا، وَقَدْ عرفتْ أَنَّهَا تُقْتَل .
وروى أَبُو داود قصَّتها مختصرة .
ذكر خبر ثابت (٢) بن قيس ومَنّ الزبير بن باطا
كَانَ الزَّبِيرِ بنُ باطا منَّ عَلَى ثابت بن قَيْس بن شَمَّاس يَوْمَ بُعاث(٣) ، فأَتّى ثابتٌ
الزّبيرَ فَقَال: يَا أَبَا عبد الرَّحْمُنَ هَلْ تَعْرِفنى؟ قَال: وَهَلْ يجهلُ مِثلَكَ مِثْلِ ؟ قَالَ
ثَابت: إِنَّ لَكَ عِنْدِى يَدًا، وَقَدَرْتُ(٤) أَن أَجْزِيَكَ بِهَا، قَالَ الزَّبير: إِنَّ الكريم
يجزى الكريم وَأَخْوَجُ ما كنتُ إِلَيْكَ اليومَ، فَأَّتِى ثَابتٌ لِرَسُول الله - صَلَّى الله عليه
وَسَلَّم - فَقَال: يَارَسُول الله: إنه كان للزِّبير عندى يَدُ خير [جَزَّ(٥)] ناصيتى يَوْم بُعَاث،
فقال : أَذكر هذه النِّعْمَة عندك، وَقَدْ أَخْبَبْتُ أَنْ أَجزيه بِهَا، فَهَبْه لى، فَقَالَ رَسُولُ
الله - صَلَّى الله عليه وسلم -: ((هو لك)) فأَتَاه ثابت فَقَال: إِنَّ رَسُولَ الله - صَلّى الله عليه
وَلَّم - قَدْ وَهَبَكَ لِ ، قَالَ الزَّبير: شَيخ كبير لَا أَهْلَ لى وَلَا مَال بيثرب مَا أَصْنَع
(١) الإضافة من مغازى الواقدى ٢: ٥١٧.
(٢) هو ثابت بن قيس بن شماس بن زهير، خطيب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استشهد يوم اليمامة،
وهو ممن شهد له بالجنة ( جمهرة أنساب العرب لابن حزم ٣٧٤).
(٣) هى الحرب التى كانت بين الأوس والخزرج قبل قدومه - صلى الله عليه وسلم - المدينة، وكان الظفر فيها
للأوس على الخزرج فأخذه الزبير فجز ناصيته ثم خلى سبيله. وانظر البداية والنهاية لابن كثير ٤ : ١٢٥.
(٤) كذا فى الأصول. وفى مغازى الواقدي ٢: ٥١٨ ((وقد أردت)).
(٥) سقط فى الأصول والإثبات عن مغازى الواقدى ٢ : ٥١٩.
- ٢٦ -

بالحياة ؟ فَأَتِى ثَابِتُ لِرَسُول الله - صَلَّى الله عليه وسلم - فَقَالَ يَا رَسُولَ الله: اعْطِى
مَالَه وأَهْلَه ، فَقَالَ رسولُ اللهِ - صَلَّى الله عليه وسلم: ((هو لك)) فرجع إلى الزبير،
فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ الله - صَلَّى الله عليه وسلم - قَدْ أَعْطَانى وَلَدَك وأَهلَكَ وَمَالَك، فَقَالَ
الزبير: يا ثابت أَما أَنت فقد كافَأْتنى وَقَدْ قضيتَ الَّذى عَلَيْك يا ثابت: مَافُعِلَ
بِالَّذى كَأَن وجهه مرآةَ صِينيَّةٌ تَتَرَاءَى عَذَارَى الحى فى وجهه ؛ كَعْب بْن أَسَد ؟ قال :
قُتِل، قال : فَمَا فَعَلَ المجلسان ؟ يعنى بنى كَعْب بن قُرَيْظَة وبنى عمرو بن قُرَيْظَة.
قَالَ: قُتِلُوا ، قال: يا ثابت: مَا فِى العيش خَيْرٌ بَعْدَ هَؤُلاءِ، أَرْجِعُ إلى دارٍ قَدْ / كانوا ١٥٤,
حُلُولاً فيها فأَخلد فيها بعدهم ؟ لَا حَاجَةَ لى فى ذلك، ولكن يَاثَابت انْظُر إِلى أمرأَتى
ووَلدى [ فإنهم جزعوا من الموت(١)] فاطلب إِلى صَاحبك فيهم أَن يُطلقهم، وَأَنْ يَرُدَّ
أَمْوالَهم ، فَطَلَبَ ثَابت مِنَ النبى - صلى الله عليه وسلم - أَهْلَ الزبير وَمَالَه وولده ،
فَرَدَّ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أَهْلَه وَمَاله إلَّ السِّلاحِ. قَالَ الزُّبير: يَاثَابت
أَسْأَلَك بيدى عِنْدَكُ إِلاَّ أَلْحَقْتَنِى بِالْقَوْمِ فَمَا أَنَا بِصَائِرٍ لله فَتْلَة دَلْو نَاضِح حَتَّى أَلْقَى
الْأَحِبَّة، قال ابن إسحاق: فقدَّمهُ ثَابت فضُربت عُنُقه ، وقال محمد بن عمر : قَال
ثابت: ما كنتُ لِأَقْتُلَك، قَالَ الزَّبير : لَا أَبَالِى مَنْ قَتَلَنِى، فَقَتَله الزُّبَيْرِ بنُ العَوَّام.
ولَمَّ بَلَغَ أَبًا بكر الصِّديقَ قَوْلُه: ((أَلْقَى الأَحَبَّة)) قَالَ: يلقاهم وَالله فى نَارِ جَهَنَّم
خالدًاً مُخَلَّدا !
ذكر اصطفاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
ريحانة بنت زيد النضرية لنفسه
كَانَتْ رَيْحَانة (٢) بنت زيد بن عمرو بن خُنَافَة مِنْ بنى النضير مُتَزَوِّجَةً فِى بَنِى
قُرَيْظَةِ، إِصْطَفَاهَا رَسُولُ الله - صَلَّى الله عليه وسلم - لنفسه، وكانت جميلة، فَعَرَضَ
عليها رسُولُ الله - صَلَّى الله عليه وسلم - الْإِسْلَامَ فَأَّبَتْ إِلَّ اليهوديَّةِ، فَعَزَلَهَا رَسُولُ
(١) الإضافة من مغازى الواقدى ٢ : ٥٢٠.
(٢) وانظر البداية والنهاية لابن كثير ٤: ١٢٦، وشرح المواهب الزرقانى ٢: ١٣٧ والسيرة النبوية
لابن هشام ٢: ٢٤٥، ومغازى الواقدى ٢: ٥٢٠ ((وقد اختلف فى نسبها وفى اسمها)).
- ٢٧ -

الله - صَلَّى اللهُ عليه وسلم - وَوَجدَ فِى نَفْسه فَأَرْسَلُ إِلَى ابن سَعِيَّةٍ (١)، فَذَكَرَ لَهُ ذلك،
فَقَال أَبْنُ سَعِيَّةِ: فَدَاكَ أَبِى وَأَنِّى هى تُسْلِمِ؟ فَخَرَجَ حَتَّى جَاءَهَا، فَجَعَلُ يَقُولُ لَهَا :
لَا تَتَبعى قَوْمَك، فَقَدْ رَأَيْت مَا أَدْخَلَ عَلَيْهِم حُبَيٌّ بنُ أَخطب، فَأَسْمِى يَصْطَفيك
رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - لنفسه، فأَجابت إلى ذلك، فبينا رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - فى أَصْحَابِه، إذ سمع وَفْعَ نَعْلَيْنِ فَقَال: ((إِنَّ هَاتَيْنِ لنعلى ابن سَعِيَّةٌ
ليبشرنى بإِسلام رَيْحَانة، فجاءه، فَقَالَ: يَارَسُولَ الله، قَدْ أَسلمتْ رَيْحَانة، فَسُرَّ
بِذَلِك رَسُولُ الله - صَلَّى الله عليه وسلم - وسَيأتى فى ترجمتها نبذة مِنْ أَخْبَارِهَا
وَتَحْریر نسبها .
ذكر قسم المغنم وبيعه
لَمَّ اجْتَمَعت المغانمِ أَمَرٌ رَسُولُ الله - صَلَّى الله عليه وسلم - بالمتاع فبيع فيمن يُرِيدُ،
وبيع السَّبْىُ وقُسِّمَت النَّخْلُ أَسْهُمَا، وَكَانَت الخيلُ سنَّةً وَثَلاَئِينِ فَرَساً، فَأُسْهِمَ
لِلْفَرَسِ بَهْمَيْنِ، وَلَصَاحبه سَهْم، وَالرَّاجِلِ سَهْم، وَقَّاد رَسُولُ اللهِ -صَلَّى الله عليه
وَسَلَّم - ثَلاَثَة أَفْرَاسِ فَلَمْ يَضْرِبْ إِلَّ سَهْمًا وَاحِدًا. وَأَسْهَمَ لخلاَّد بن سُوَيْد وَقَدْ
قُتْلِ تَحْتَ الْحِصْنِ، وَأَسْهَمَ لَأَبِى سِنَان بن مِْصَنَ، مَات وَرسولُ الله - صلَّى الله عليه
وسلم - يُحاصرهم، وَكَان يُقّاتِلُ مَعَ المسلمين، وكان الْمُسْلِمُونَ ثلاثة آلاف، وكانت
سُهْمَان الخيل والرجال على ثلاثة آلاف واثنين وسبعين سهماً ، للفرس سهمان ، ولصاحبه
سهم وكان السَّى أَلغاً مِنَ النَّسَاءِ والصِّبيان، فأَخرجِ رَسُولُ الله - صَلَّى الله عليه وَسَلَّم -
حُمُسَهِ قَبْلَ بَيْع الْمَغْنَمِ، فَجزّأَ السَّبِّى خمسة أَجزاء، فَأَخَذ خُمساً ، وكان يَعْتَقُ منه
وَيَهب منه، ويُخْدِمِ منه مَنْ أَرَادَ وَكَذَلِكَ النخلُ عُزْل خُمسُه، وَكُلُّ ذلِكَ يُسهم
عليه خَيْسَةٍ أَجزاء ، ويكتبُ فى سَهْمٍ منها لله ثم يخرج السهم ، فَحَيْثُ صار سهمه
أَخذه وَلَمْ يَتَخَيِّر، وَصَارَ الخُمْسُ إِلى مُحْمِيةٍ بن جَزْءِ الزُّبَيْدى، ثم فَضَّ أَرْبَعَة
أسهم على الناس وأَحْذى رَسُولُ الله - صَلَّى الله عليه وَسَلَّم - النِّسَاءِ الَّتِى حَضَرْن الْقِتَال
(١) الضبط عن مغازى الواقديى ٢ : ٥٢٠ - وفى سيرة ابن هشام بفتح السين وسكون العين وفتح الياء المخففة.
- ٢٨ -٠

وَلَمْ يُسْهِمِ لَهُنَّ، وَهُنَّ صَفِيةُ (١) بنت عبد المطلب، وأم عمارة نسيبة، وأم سَلِيْط،
وأم العلاء الْأَنْصَارِيَّة، والسُّمَيْراء بنت قيس، وأم سعد بن معاذ، وَكَبْشَةٍ (٢) بنت
رافع
وَلَمَّا بيعت السَّبَايا وَالذُّرية، بَعَثَ رَسُولُ الله - صَلَّى الله عليه وسلم - بِطائِفة - قال
محمد بن عمر - إِلى الشَّام مع سعد(٣) بن عبادة يبيعهم ويَشْتَرِى بِهِمْ سِلاَحًا وَخَيْلاً .
وقال ابنُ إِسحاق وَغَيْرُه: بَعَثَ سعد بن زيد الأَنْصَارِى الْأَشْهَلَى بِسَبَايَا مِنْ بَنِى
قُرَيْظَةِ إِلى نَجْد، فَابْتَاعَ لَهُم بِهَا خَيْلاً وَسِلاَحًا، وَأَشْتَرَى عُثْمَانُ بن عفان وَعَبْدُ الرَّحْمُن
ابن عوف - رضى الله عنهما - طَائِفَةً فَاقْتسما، فَسَهَمَه عثمان بِمَالٍ كثير، وَجَعَلَ عثمان
على كل من اشتراه من سبيهم شَيْئًا موفيا (٤)، فَكَانَ يُوجد عِنْدَ الْعَجَائز المالُ وَلَا يُوجَدُ
عنْدَ الشَّوَاب فربح عُثْمَان مَالا كثيراً، وَذَلِكَ أَنَّ عثمان صَارَ فى سهمه الْعَجَائِزُ، وَيُقَال
لَمَّا قَسَّمَ جَعَلَ الشَّوَابَّ عَلَى حِدَةٍ وَالْعَجَائِزَ عَلَى حِدَة، ثُمَّ خَيَّر عبدُ الرحمن عثمانَ ،
فَأَخَذَ الْعَجَائِزِ .
قال ابن أَبِ سَبْرَة : وإنما لم يؤخذ ما جاءت به العجائِز فيكون فى الغنيمة لأَّنه لم
يُوجد مَعَهُن إلا بعد شهر أو شهرين، فَمن جاءَ منهن بالَّذِى وُقِّتِ لَهُنَّ عُثِقِ، فَلَمْ
يَتَعَرَّض لهن، وأَشْتَرَى أَبو الشَّحْم اليهودى أمرأَتين مع كل وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ ثَلاَثَةٍ أَطْفَال
بِمائةٍ وخمسين دِيْنَارًا، وَجَعَلَ يَقُول: أَسْتُم على دين يهود؟ فَتَقُولُ الْمَرْأَتَانِ: لَا نُفَارِقُ
دين قَوْمِنَا حَتَّى نَمُوتِ عليه ، وَهُنَّ يَبْكِين .
ونهى رَسُولُ الله - صَلَى الله عليه وَسَلَّم - أَنْ يُفرق فى القَسْمِ وَالْبَيْعِ بَيْنَ النِّسَاءِ
(١) هي عمته - صلى الله عليه وسلم - ((السيرة الحلبية ٢: ٣٦٣)).
(٢) فى ت ((وأم سعد بن معاذ كبشة بنت رافع. وفى مغازى الواقدي ٢: ٥٢٢، والسيرة الحلبية ٢: ٣٦٣
((وأم سعد بن معاذ)) ولم يذكرا كبشة بنت رافع لا منفردة ولا علماً للكنية التى سبقته.
(٣) مغازى الواقدي ٢ : ٥٢٣.
(٤) كذا فى ط، م. وفى مغازي الواقدى ٢: ٥٢٣، وشرحت فى هامشها بأنها الزيادة على الثمن الذي دفعه.
أما فى ت فاللفظ ((مؤقتاً)).
- ٢٩ -

والذّرية وَقَالَ : ((لا يُفَارقُ (١) بَيْنَ الْأُمّ وَوَلَدِها حَتَّى يَبْلِغ )). قيل يَارَسُولَ الله وَمَا بلوغه؟
قال (٢) تحيضُ الْجَارِيةُ وَيَحْتَلِمِ الْغُلاَم)) وَكَانَت الأُم وأولادها الصِّغَارُ تُبَاعِ مِنَ
الْمُشْرِكين منَ الْعَرَب ومن يَهُود . وَإِذَا كَانَ الْوَلَدُ صَغِيراً لَيْسَ مَعَه ◌ُمُّ لم يُبع منَ
المشركين وَلَا مِنَ الْيَهُودِ إِلَّ مِنَ المسلمين.
واسْتُشْهِدَ يَوْمَ بَنِى قُرَيْظَةَ خَلَّهُ بنُ سُويد ، ومنذرُ بن محمد .
***
ذكر بعض ما قيل من الأشعار فى هذه الغزوة
رَوَى البخارى والنِّسائى عَن البراء بن عَازِب - رضى الله عنه - أَنَّ رَسُولَ الله
- صَلَّى الله عليه وَسَلَّم - قَالَ لِحَسَّانَ يومَ قُرَيْظَةَ: اهجهم أَوْ هَاجِهِم وَجبْريل مَعَكَ .
وروى ابن مردويه عَنْ جابر - رضى الله عنه ، قَال: لما كان يَوْمُ الأَخْزَابِ ، وردّهُم
اللهُ بغيظهم. قَالَ النَّبِىُّ - صَلَّى الله عليه وَسَلَم - ((مَنْ يَحْمِى أَعْرَاضَى المسلمين؟))
فَقَامَ كَعْب، وابنُ رَوَاحة، وَحسَّان، فقال لِحَسَّان: ((اهجُهُم أَنْتَ فإِنَّ سَيُعينُكَ
عليهم رُوحُ القُدُس))، فَقَالَ حسَّان - رَضِىَ اللهُ عنه :
وَمَا وَجَدَتْ لِذُدِّ مِنْ نَصِيرٍ (٣)
لَقَدْ لَفِيَتْ قُرِيظةُ ما أَسَاهَا
.
سِوَى مَا قَدْ أَصَابَ بَنِى النَّضِير
أَصَابَهَمُ بَلاَّةٍ كَانَ فِيه/
١٥٥ و
رَسُولُ الله كالقمَرِ المُنِير
غَدَاة أَتَاهُمُ يَهْوى إِلَيهم
بفرسان عليها كالصُّفُورِ (٤)
له خيْلٌ مُجَنَبَّةٍ تَعَادَى
حِمَاؤُهُمُ عليهم كالعبير
تَرَكْناهٍ وَمَا ظَفِرُوا بِشىءٍ
كَذَاكَ يُدانُ ذو العَنَد الفجور
فَهُمْ صَرْعَى تَحُومُ الطيْرُ فيهم
مِنَ الرَّحْمُن إِن قَبِلَتْ نَذِيرى
فَأَنذِرِ مِثْلَهَا نُصْحًا قُرَيْئًا
(١) كذا فى ط، م. وفى ت ((لا يفرق)) وتوافقها مغازى الواقدي ٢: ٥٢٤.
(٢) سقط فى الأصول - والإثبات عن مغازى الواقدي ٢: ٥٢٤.
(٣) وانظر هذه القصيدة فى السيرة النبوية لابن كثير ٣: ٢٥٩، والبداية والنهاية له ٤: ١٣٥، ١٣٦.
(٤) هذا البيت من ت، م وهو وارد فى المرجعين السابقين وفى سيرة ابن هشام ٢: ٢٧١ .
- ٣٠ -

وقال أيضاً :
لَقَدْ لقيَتْ قُريظَةُ مَا أَسَاها
وَسَعْدٌ كَان أَنْذَرَهُم بِنُصْحِ
فَمَا بَرِحُوا بِنَقْضِ الْعَهْدِ حَتَّى
أَحَاطَ بُحِصْنِهِمْ مِنَّا صُفُوفٌ
وَقَال أَيضا :
تَفَاقَدَ(٣) معشرٌ نَصَرُوا قُرَيْشًا
هُمْ أُوتُوا الكتاب فَضَيَّعُوهُ
كَفَرَتُم بالقران وَقَد أُتیتمُ
فَهَانَ عَلَى سَرَاة بَنِى لُؤْىٌّ
وَقَالِ أَيْضًاً(٥)
لقَدْ سَجَمَتْ (٢) مِنْ مع عينى عَبْرَةٌ
قَتَيلُ ثَوَى فى مَعْرَكِ فُجِعَتْ بِه
عَلَى مَلَّة الرَّحْمُن وَارِثُ جَنَّةٍ
فَإِن تكُ قَدْ ودَّغْتَنَا وَتَرَكْتَنَا
فَأَنْتَ الَّذِى يَاسَعْدُ أَبْتَ بِمَشْهَدٍ
بِحُكْمِكَ فِى حَيِّئْ قُرَيْظَةَ بِالَّذِى
وَحَلَّ بِحِصْنَها ذُلَّ ذَلِيْلُ(١)
بِأَنَّ إِلْهَكُمْ رَبِّ جَليْلُ
فَلَهُمْ(٢) فِى بِلاَدِهِمُ الرَّسُولُ
لَهُ مِنِ حَرٌ وَفْعَتِهم صَلِيلٌ
وَلَيْسَ لَّهُم بَبَلْدَتِهِم نَصيرُ
وَهُمْ عُنْىٌ عن التَّوارةِ بُور
بِتَصْديقِ الَّذِى قَالَ النذير (٤)
حَرِيقٌ بِالْبُوَيْرةِ مُسْتَطِيرُ
وحُقَّ لعينى أَنْ تَفيضَ عَلَى سَعْد
عُيُونٌ ذَوَارِى (٧) الدمْع دائمةُ الوَجْد
مَعَ الشُّهَدَاءِ وَفْدَهَا أَكرمُ الوَقْدِ
وَأَمْسَيْتَ فِى غَبْراءَ مُظْلمة اللَحْد
كَرِيمٍ وَأَثْوابِ المكَارِم وَالْحَمْدِ
قَضَى الله فيهم مَا قَضَيْتَ عَلَى عَمْدِ
(١) وانظر هذه القصيدة فى السيرة لابن هشام ٢: ٢٧٢.
(٢) فلا هم: فلاه قتله بالسيف، تقول فليت رأسه إذا ضربته بالسيف (اللسان).
(٣) انظر القصيدة فى البداية والنهاية لابن كثير ٤: ١٣٦. وفى السيرة لابن هشام ٢: ٢٧٢.
(٤) النذير: المراد به الرسول - صلى الله عليه وسلم - والمعنى أن الله تعالى أخذ عليهم العهد فى التوراة أن
يؤمنوا بالرسول إذا بعثه الله تعالى فكفروا بالقرآن ولم يتبعوا حكم التوراة .
(٥) وانظر القصيدة فى السيرة لابن هشام ٢: ٢٦٩ - والبداية والنهاية لابن كثير ٤: ١٣٠.
(٦) مجمت : فاضت وسالت .
(٧) ذوارى : جمع ذارية وهى السائلة.
- ٣١ -

وَلَم تَعْفُ إِذْ ذكَّرْتَ مَا كَانَ مِنْ عَهْدِ
فوافق حكمَ اللهِ حُكْمُكَ فيهِمُ
فَإِنْ كَانَ رَيْبُ الدَّهْرِ أَمْضَاكَ فى الأُلى شَرَوْا هَذِهِ الدُّنْيَا بِجَنَّاتِهَا الْخَلْدِ
إِلَى اللّه يَوْماً لِلْوَجَاهَةِ وَالْقَصْدِ
فَنِعْمَ مصيرُ الصَّادِقِينِ إِذَا دُعُوا
وقال أيضاً(١) يبكى سعد بن معاذ ورجالا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم:
وهَلْ مَا مَضَى من صالح العيش رَاجِعُ
أَلاَ يَا لَقَوْمِى هَلْ لِمَا حُمَّ(٢) دَافِعُ
بَنَاتُ(٣) الْحَشَا وَأَنْهَلَّ مِنِّى المدَامعُ
تذكرت عَصْرًاقد مَضَى فَتَهَافَتَتْ
وَقَتْلَى مَضَى فيها طُفَيْلٌ وَرَافِعُ
صَّبَابَةُ وَجْدٍ ذَكَّرَتْنِى أخوة
وسعْدٌ فَأَضْحَوا فى الْجِنَانِ وَأَوْحَشَتْ
مَنَازِلُهُمْ فَالْأَرْضُ مِنْهُم بَلَقع(٤)
ظلال الْمَنَايَا وَالسُّيُوفُ اللَّوَامِعُ
وَفَوْا يَوْمَ بَدْرٍ للرَّسُولِ وَفَوْقَهم
دَعَا فَأَجَابُوه بحق وَكُلُّهم
فَمَا نَكَلُوا حَتَّى تَوَالَوا (٥) جَمَاعَةً
لَأَنَّهُم يَرْجُون مِنْهُ شَفَاعَةٌ /
فَذَلِكَ بَا خَيْرَ الْعِبَادَ بَلَاؤْنا
لَنَا القدَمُ الأُولى إِليكَ وَخَلْفنَا
وَنَعْلَمُ أَنَّ الِمُلْكَ لِلّهِ وَحْدَهْ
مُطِيعٌ لَهُ فى كُلِّ أَمْرٍ وَسَامِعُ
وَلَا يَقطعُ الآجَالَ إِلا المصَارِعُ
إِذَا لَمْ يَكُنْ إِلَّ النَّبِيُّون شافعُ
إِجَابَتْنَا لِله والموتُ نَاقِعُ
لأَوَّلْنَا فِى مِلَّةِ اللّهِ تَابِ عُ
وَأَنَّ قَضَاءَ الله لَأَبُدَّ وَاقِعُ
١٥٥ ظ
(١) وانظر القصيدة فى السيرة لابن هشام ٢: ٢٧٠، والبداية والنهاية لابن كثير ٤ : ١٣٦.
(٢) حم: بالبناء للمجهول بمعنى قدر .
(٣) بنات الحشا: أراد بها قلبه وما يقرب منه: وذلك لأنها مستكنة فيه .
(٤) بلاقع: جمع بلقع وهو القفر الخالى .
(٥) كذا فى الأصول. وفى السيرة لابن هشام ٢: ٢٧٠ ((تولوا))
- ٣٢ -

تَنْبِيَهَاتٌ
الأول : قُرَيْظَةَ بضم القاف وفتح الراء وسكون التحتية وبالظاء المعجمة المشالة
فتاء تأنيث ، قال السمعانى هو اسم رَجُلٍ نَزَل أَولاده قَلْعَةً حَصِينَةً بقرب المدينة فنسبت
إليهم. وقريظة والنضير أَخَوَانِ مِنْ أَوْلَادٍ هَارون - عليه الصَّلاة والسَّلام.
الثانى : روى البخارى فى جميع الروايات عَنْ شيخه عبد الله بن محمد بن أَسْمَاء
قَالَ: حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَة بن أَسْمَاءِ عَنْ نافع عن ابن عمر - رضى الله عنهما - قال: قال
رَسُولُ الله - صَلَّى الله عليه وسلم: ((لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدُ الْعَصْرَ إِلاَّ فِى بَنِى قُرَيْظَةَ)). إلخ.
وَوَافَقَ الْبُخَارِى على لفظ الْعَصْر من طريق جويرية الإِسمَاعِيلىّ، وَأَبُو نُعَيم منْ طريق
أَبِى حَفْص السلمى عن جويرية وَأَصحاب المغازى. وَرَوَاهُ الطبرانىّ، والبيهقى فى الدَّلائل
بإِسْنَادٍ صحيح إلى الزهرى عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن عَمِّ
عبيد الله بن كعب . ورواه الطبرانى أَيْضًا مِنْ هَذَا الوجه مَوْصُولاً بذكر كعب بن مالك
والبيهنى عَنْ عَائِشة - رضى الله عنها - ورواه مسلم عن عبد الله بن محمد بن أسماء
بسنده وَقَال: ((لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدِّالظُّهْرَ إلاَّ فِى بَنِى قُرَيْظَةَ)) . وَوَافقه ابن سعد، وأَبو .
يَعْلَى، وابن حِبَّان، وأَبُو نُعَيْم من غير طريق أَبى حفص السابق، قَالَ الحافظ : ولم
أَره عن جويرية - مِنْ غَيْرِ طريق أَبِ حَفْصٍ السلمى إلاّ بلفظ الظهر ، وجمع بينهما
بِأخْتِمَالِ أَنْ يكون بَعْضُهُمْ قَبْلَ الْأَمْرِ كَانَ صَلَى الُّهْر، وَبَعْضُهُمْ لَمْ يُصَلِّها. فقيل
لِمَنْ لَمْ يُصَلُّها، لا يُصَلِّيَنَّ أَحَدُ الظُّهْرَ، وَلِمَنْ صَلَّهَا لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ . أَوْ أَنْ
طائفةً منهم راحت بعد طائِفة ، فقيل لِلطَّائفة الأُولى الظّهر ، والتى بعدها العصر .
قال الحافظ : وَهُوَ جمع لابأس به، لكن يُبْعده اتحاد مخرج الحديث، لأَنَّه
عند الشيخين كما بيناه بإسنادٍ وَاحِدٍ مِنْ مَبْدئه إلى مُنْتَهَاه ، فيبعد أنْ يكونَ كلٌّ
مِنْ رِجَالِ إِسْنَادِهِ حَدَّثَ به على الوجهين إذ لو كان كذلك لحمله واحدٌ منهم عن
بعض رواته ، وسبق الكلام على ذلك ، ثم قال : هذا كلُّه من حيث حديث ابن عمر ،
(٣ - سبل الهدى والرشاد جـ ٥)
- ٣٣ -

أَما بالنظر إلى حديث غيره فالاحتمالان المتقدمان فى كونه قال ((الظُّهْرَ)) لِطَائِفةٍ متجه(١)
فيحتمل أن رواية ((الظهر)) هى التى سمعها ابن عمر، ورواية ((العصر)) هى التى سَمِعَها
كعبُ بن مالك، وعائِشَةُ - رضى الله عنهما - وقيل فى وَجْه الجمع أَيْضًا أن يكون
- صلى الله عليه وسلم - قال لأَهل الْقُوَّة، أَو لمن كان منزله قريباً ((لا يُصَلِّيَن أَحَدٌ
الظُّهْرَ )) وقال لغيرهم: ((لَا يُصَلِّيَنْ أَحَدُ الْعَصْرِ(٢)).
الثالث: أَغْرَبَ ابن التين فَادّعى أَن الذين صلوا ((العَصْر)) صَلُّوا على ظُهُورِ
دوابهم ، وأَسْتند إلى أَن النزول إلى الصلاة يُنَافِى مقصودَ الإِسْراعِ فِىِ الوُصُول . قال :
فأما الذين لم يُصَلُّوها عَيِلُوا بالدليلِ الْخَاصِّ وهو الأمر بالإِسراعِ فَتَرَكُوا هُمُومَ
إيْفَاعِ ((العصر)) فى وقتها إلى أَن فات، والذين صلُّوا جَمَعُوا بين دَلِيلَىْ وَجُوب الصَّلاة
وَوُجُوبِ الإِسراعِ فصَلُّوا رُكْبَانًا، لأنهم لو صلُّوا نُزُولاً لكان مُضادًّا لما أُمروا به من
الإِسراع ، ولا يُظَن ذلك بهم مع ثُقُوبِ أَفْهَامِهِم قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأَّنه لم
يأمرهم بترك النُّزُول، فلعلهم فهموا أَن المراد بأَمرهم أَلا يُصَلُّوا العصر إلاَّ فى بنى قُرَيْظَةً
المبالغة فى الأَمر بالإسراع ، فبادَرُوا إلى امتثال أمره وخصوا وقت الصلاة من ذلك لما تقرر
عندهم من تأكيد أمرها فلا يمتنع أن ينزلوا فيصلوا ، ولا يكونُ فى ذلك مضادّةٌ لما أُمروا
به . ودَعْوَى أَنهم صلُّوا رُكْبَانًا يحتاج إلى دليل، ولم أَرَه صَريحاً فى شئْ من طُرُق
هذه القصة .
الرابع: يُسْتَفَادُ مِنْ حَدِيث ابْنِ عُمَر، وَكَعْب بن مالك، وعائشة ترَكِ تَعْنيف
مَنْ بَذَل وُسْعَه وأجتهد ، فيؤخذ منه عدم تأثيمه، وحاصل ما وقع فى القِصَّةِ أَن بعض
الصحابة حملوا النَّهى عَلَى حَقِيقتِهِ ، ولم يبالوا بخروج الوقت تَرْجِيحًا لِلنَّهِى النَّانِى
عَلَى الأَول "، وهُوَ تَرْك تَأْخِيرِ الصَّلاَةَ عَلَى وَقْتِهَا (٣) وَأَسْتَدَلُّوا بِجَوَازِ النَّخِيرِ لِمَنْ أَشْتَغَلَ
(١) عبارة الزرقانى فى شرح المواهب ٢: ١٣٠ ((فالاحتمالان فى كونه قال الظهر لطائفة والعصر لطائفة
مجيئها متجه)) ..
(٢) والزرقانى فى شرح المواهب ٢: ١٣٠ يوافق ما هنا ويضيف ((والجمع الأخير - أى هذا الجمع - ظاهر
أيضاً بالنظر لغير رواية ابن عمر)).
(٣) كذا فى ط، وفى ت، م ((عن وقتها)).
- ٣٤ -

بِأَمْرِ الْحَرْبِ(١) ، وَلَاسِيَّمَا الزَّمَانُ زَمَان التشريع، والبعضُ الآخَرِ حَمَلُوا النَّهْىَ على غير
الحقيقة وأنه كناية عن(٢) الحثِّ والاستعجال والإِسْراع إلى بنى قُرَيْظَةَ: وقال(٣) فى
((زاد المعاد )) ما حاصله: كل من الفريقين مأُجورٌ بقصده إلا أَنَّ من صلى حاز الفضيلتين:
امتثال الأمر فى الإِسراع ، وامتثال الأمر فى المحافظة على الوقت ولا سيَّمَا فى هذه القصة
بعينها من الحث على المحافظة عليها ، وأَن مَنْ فاتته حبط عمله ، وإنما لم يُعَنِّف الذين
أخروها لقيام عذرهم فى التمسك بظاهر الأَمر، ولأنهم اجتهدوا فأَخروا امتثالا(٤) للأَّمر ،
لكنهم لم يَصِلُوا إِلى أن يكونوا فى أَصوب من اجتهاد الطائفة الأُخرى .
الخامس: قال السهيلى: قوله ((من فوق سَبْع سموات)) معناه أَنَّ الحكم نزل من
فوق. قال : ومثله قولُ زينب بنت جحش، رضى الله عنها - : زَوَّجَنِى الله تعالى
مِن نَبِيَّهِ منْ فوْقِ سَبْعِ سَمَوَات، أَىْ أَنْزَلَ تزويجها مِنْ فَوْق(٥) ، فَالَ: وَلَا يَسْتَجِيلُ
وصفه - تعالى - بالْفَوْق، عَلَى الْمَعْنَى الَّذِى يَليق بِجَلَله لَا عَلَى الْمَعْنَى الَّذِى يَسْبِقُ
إلى الْوَهْمِ مِنَ النَّحْدِيدِ الَّذِى يُفْضِى إِلى النَّشْبِيه .
السادس: اخْتُلِفَ فى مُدَّةِ الْحِصَارِ (٦) فَقَالَ ابْنُ عُقْبَةَ: بضع عشرة لَيْلَة ، وَقَالَ ابْنُ سَعْد:
خمس عشرة لَيْلَةً، وَرَوَى أَبْنُ سَعْدٍ عَنْ عَلْقَمَةَ بن وَقَّاص خمساً وَعِشْرِين لَيْلَة :
وَرَوَاهُ ابْنِ إِسْحَاق عَنْ أَبيه عَنْ مَعْبد بن كعب، وَرَوَّاهُ الْإِمَامِ أَحْمَدُ والطبرانى عَنْ
عَائِشَةَ - رضى الله عنها .
(١) يعقب الزرقانى فى شرح المواهب ٢: ١٢٩ بقوله: ((بنظير ما وقع فى الخندق وأنهم صلوا العصر بعد
غروب الشمس: لشغلهم بأمر الحرب. فجوزوا عمومه بكل شغل تعلق بالحرب)) .
(٢) فى ت، م ((على الحث)).
(٣) أى ابن القيم الجوزى.
(٤) فى ت، م (( لامتثال الأمر)).
(٥) قال الزرقانى فى شرح المواهب ٢: ١٣٥ ((وهذا نحو يخافون ربهم من فوقهم)) أى عقاباً ينزل من فوقهم
وهو عقاب ربهم)).
(٦) وذكر الزرقانى فى شرح المواهب ٢: ١٣٠ أنه يمكن الجمع بين الروايتين بأن شدة الحصار كانت
خمس عشرة ليلة - وترد إليها رواية بضع عشرة ، وأن مدته كلها خمس وعشرون .
- ٣٥ -

السابع : اختُلف فى عدد من قُتلَ من بنى قُرَيْظَةَ : فعند ابن إسحاق : أنهم كانوا
١٥٦ ـ سمائة، وَبَه جَزَمَ أَبُوعُمَر فى ترجمة سعد بن مُعَاذ، وعند ابن عائذ من مُرْسَل / قتادة :
كانوا سبعمائة . وقال السُّهَيْلى: المكْثِرُ يَقُول: إِنَّهُمْ مَا بَيْنَ الثمانمائة إلى التسعمائة،
وفى حديث جابر عند الترمذى والنسائى وابن حِيَّان بإسنادٍ صحيح أنهم كانوا أربعمائة
مقاتل ، فيحتمل فى طريق الجمع ، أن يقال إن الباقين كانوا أَتباعاً (١)، وقد حكى
ابن إسحاق أنه قيل : إنَّهم كانوا تسعمائة .
الثامن : فى شرح غريب القصة .
((رَجَّلَ رَأْسَه)) بفتح الراء والجيم المشددة: سَرَّحَه
المِجْمَرة - بكسر الميم الأولى : المبْخَرَة .
عَذِيرَك - بفتح الْعَيْنِ المُهْمَلَة وَكَسْرِ الذَّال المُعجَمةِ وَسُكُون التّحْتِيَّةِ وَفَتْح
الرَّاءِ أَى هَات مَنْ يعذرك، فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِل .
دِحْيَة - بكسر الدَّال المهملة وفتحها : وهو الريش.
إِثْرَه - بكسر الهمزة وسكون الثاء المثلثة ويجوز فتحها ، وحكى تثليث الهمزة .
الأَعْتِجَار بالعمامة : هو أَن يلفها على الرأس ، ويرد طرفها على وجهه ولا يَعْمَلِ
منها شيئاً تحت ذقنه .
أُرَى - بضم الهمزة : أظن
الرِّحَالَةُ - بكسر الراء وتخفيف الحاء المهملة: سَرْجُ(٢) مِنْ جُلُودٍ ليس فيه خَشَب ،
كَانُوا يَتَّخِذُونَه لِلرَّحْضِ الشَّدِيد ، والجمع الرَّحَائِل.
(١) قال ذلك الحافظ بن حجر كما فى شرح المواهب الزرقانى ٢ : ١٣٧ .
(٢) يقال هى أكبر من السرح وتغشى بالجلود وتكون ميل والنجائب (لسان العرب ر.ح.ل)
- ٣٦ -

اللُّمة - بالهمزة : الدِّرع، وقيل: السلاح، ولامة الحرب آلته، وقد يترك الهمز
للتخفيف .
الإِسْتَبْرَق : ضربٌ من التيباج غليظ .
الدِّيْبَاجِ : فارسِىُّ معرّب ، وقد تكسر الدال وقد تفتح .
القطيفة : كساءُ له خَمْل
الماجِشُون - بكسر الجيم وضم الشين المعجمة : ومعناه الورد.
الثَّنَايَا - جمع ثنية: وهى الثَّتِى(١)
حمراء الأسد : تقدمت فى غزوتها .
الْجَهْد: المشفَّة والتَّعَب .
الصَّفَا - بالقصر: الحِجَارَةُ، وَيُقَالُ: الْحِجَارَةُ الْمُلْسِ(٢)
لأُضَعْضِعَنَّها : لأُحركنَّها وأُزلزلتها .
ساطعاً : مرتفعاً .
الزُّقَاق .. بضم الزاى وتخفيف القاف وَبَعْدَ الْأَلِفِ قَافٍ أُخْرَى .
بَنِى غَنْم - بغين مُعْجَمَة مفتوحة وسكون النُّون: بَطْنُ من الخزرج مِنْ وَلَدِ
غَنْمِ بْنِ مَالِك بن النجار .
كَّى أَنظر إلى الغُبار: أى أنه مُسْتَحْضِرَ القصة حتَّى كأنه ينظر إليها مُشَخَّصة له
بعد تلك المدّة الطويلة .
(١) وهى موضع على ثمانية أميال من المدينة (ياقوت . معجم البلدان )
(٢) فى ت ((الحجارة المليس)).
- ٣٧ ==

موكِبُ جبريل - بتثليث الباء ؛ الْفَتح بتقدير انظر ، والجرُّبَدَل مِنَ الْغبار ،
والضَّمُّ خَبَر مُبَتَأْ مَحْذُوف تَقْدِيرُه هَذَا مَوْكب جِبْرِيل ، والموكب : نَوْعٌ مِنَ السَّيْر ،
وَجَمَاعَة الفرسان أو جماعة يسيرون (١) وكان السير برفق .
يَا خَيْلَ اللهِ اُرُكَبِى)) فيه حذف مضاف تقديره : يا فرسان خيل الله اركبى .
شرح غريب ذكر مسير رسول الله - صلى الله عليه وسلم
لواء الجيش : عَلَمُه ، وهو دون الراية .
(( ابتدره الناس : سارعوا إليه
المِغْفَرُ - بكسر الميم : ما يلبسُ تحت البَيْضَةِ(٢)
القَنَاةُ : الرُّمْحِ .
اللُّحَيْف (٣): بالضم: يأتى الكلام عليه فى خيله - صلى الله عليه وسلم .
.الْبَهِى - بفتح الْبَاءِ وكسر الهاء وتشديد الياء : لقبُ عبد الله بن يسار لبهائه .
يَعْفُور : يأتى الكلام عليه فى حُمُرهِ - صلى الله عليه وسلم
الصَّوْران - تثنية صَوْر - بالفتح ثم السكون . اسم للنخل المجتمع الصغار موضع
فى أَقَصى بقيع الغَرْقد(٤) مما يلى طريق بنى قُرَيْظَةَ.
(١) إضافة يقتضيها السياق. ويعززها ما جاء فى شرح المواهب للزرقانى ٢ : ١٢٨.
(٢) المغفر: زرد ينسج من الدروع على قدر الرأس يلبس تحت القلنسوة، وقيل هو رفرف البيضة، وقيل :
هو حلق يتقنع به المتسلح ، قال ابن شميل : المغفر حلق يجعلها الرجل أسفل البيضة تسبغ على العنق فتقيه ، قال :
وربما كان المغفر مثل القلنسوة غير أنها أوسع يلقيها الرجل على رأسه فتبلغ الدرع ( لسان العرب غ. ف.ر).
(٣) الحيف: ضبطه هنا بالضم أى ضم لامه - وفى لسان العرب ((اسم فرسه صلى الله عليه وسلم - لطول ذنبه،
وهو فعيل بمعنى فاعل ، كأنه يلحف الأرض بذنبه : أى يغطيها .
(٤) لم يرد هذا اللفظ فى سياق المتن. والغرقد كبار العوسج، وهو مقبرة أهل المدينة داخل المدينة بأعلى
أودية العقيق ( ياقوت . معجم البلدان ) .
- ٣٨ -

يقذف الرعب : يرميه ويجعله فى قلوبهم(١)
الصَّيَاصِىّ : الحُصُون .
بثرأْنَا - بالضَّم وتخفيف النون كَهُنَا، وقيل بالفتح وبالتَّشديد كَحَتَّى وقيل كحتى
لكن بالموحدة / بدل النون ، وقيل(٢) غير ذلك.
١٥٧ و
الْحَرَّة: أرض ذات حجارة سود نخرة كأنها أَحرقت بالنار
الأَخابِيثُ : جمع أَخبث
أُسَيْد - بضم الهمزة وآخره دال مهملة .
الحُضَيْر - بضم الحاءِ المهملة
الجُحر - بضم الجيم : الثقب .
خَارُوا : ضَعُفُوا وجَبُنُوا .
((الطاغوت)): ما عُبِدَ مِنْ دُونِ الله .
** *
شرح غريب ذكر محاصرة المسلمين لبنى قريظة
(( النَّبْل)): السِّهام.
يَتَعَاقَبُون : يتناوبون .
الْحِلْقَة - بفتح الحاءِ وسكون اللاّم : السلاح كله .
إِلَّ أَنْ ينزلُوا على حكمه: على قَضَائه فيهم .
(١) فى الأصول ((يرميه يجعله)) مكرراً العبارة السابقة والمثبت يقتضيه السياق.
(٢) وفى القاموس المحيط: بئر بالمدينة لبنى قريظة وواد بطريق حاج مصر. وانظر نهاية الأرب للنويرى
١٧ : ١٨٧، وشرح المواهب الزرقانى ٢ : ١٢٨.
- ٣٩ -
.

شرح غريب ذكر اعتراف كعب بن أسد بصدق رسول الله
صلى الله عليه وسلم
خِلاَلاً - بكسر الْخَاءِ المُعْجمة، وتخفيف اللَّم: أَى خِصَالاً، جمع خَلَّة بفتح
المعجمة وتشديد اللاَّم .
إِسْرَائيل : يعقوب .
حُبَىّ - بضم الحاءِ المهملة وتكسر وتحتيتين ثانيهما مشددة .
أَخْطَب - بفتح الهمزة فخاء معجمة ساكنة ، فطاء مهملة فموحدة .
((عَلَىّ هذه)) - بتشديد التحتية، وهذه: اسم إشارة ، محلها النصب مفعول أَبَيْتم .
جَوَّاس ـ بچِيمٍ فواو مُشَدَّدة فأَلف فسين مهملة .
النَّسْل : الولد .
لَعَمْرى - بفتح اللَّم والعين : أَى وحياتى .
غِرَّةً - بكسر الغين المعجمة وتشديد الرَّاءِ : الْغَفْلَة.
مُصْلِتِينَ - جمع مُصْلِت بِكَسْرِ اللَّم، وبالصَّاد المهملة الساكنة : أَى مُجَرِّدين
السيوف من أغمادها .
أُسَيْد - بفتح الهمزة وكسر المهملة، وقيل إنه بضم الهمزة وبفتح السين .
سَعْيَة - بسين فَعين ساكنة مهملتين فتحتية مفتوحة ، فتاء تأنيث .
الْهَيِّبَان - بفتح الهاء وكسر التحتية المشدّدة بعدها موحدة ،
هَدْل - بفتح الهاء وإِسكان الدال المهملة وباللام .
الْخَرْج - بفتح الخاء المعجمة وسكون الراء بعدها جيم والخراج : ما يُؤدَّى كل سنة .
- ٤٠ سـ