النص المفهرس
صفحات 81-100
فكر انقلاب العرجون سيفا
روى ابن سعد عن زيد بن أسلم ویزید بن رُومان ، وغيرهما ، والبيهقىّ وابن إسحاق :
أَن عُگّاشة بن محْصَن رضى الله عنه قاتل يوم بدر بسيفه حتی انقطع ، فأتى رسول الله صلى
اله عليه وسلم فأعطاه جِذْلاً مَن حطب وقال: قاتلْ بهذا يا عُكَّاشة. فلما أَخذه من رسول الله
صلى الله عليه وسلم هَزَّه فعاد سيفاً فى يده طويل القامة ، شديد(١) المتن ، أَبيض الحديدة،
فقاتل به حتى فتح الله على المسلمين ، وكان ذلك السيف يسمى العَوْنَ ، ثم لم يزل عنده
يشهدُ به المشاهدَ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قُتِلَ فى أَيام الرِّدّة، قتله طلحةُ بنُ
خُوَيْلِدِ الأَسدى .
وروى البيهقىّ عن داود بن الحُصَيْن عن رجال من بنى عَبْد الأَشْهل عِدَّة، قالوا : انكسر
سَيْفُ سَلَمة بن أَسْلَم بن الحَرِيش - بفتح الحاء المهملة وكسر الراء وبالشين المعجمة - يوم
بدر فبقى أَعْزلَ لا سلاحَ معه ، فأَعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم قَضِيبًا كان فى يده
من عَراجِين نخل ابن طاب فقال: اضرِبْ به ، فإذا هو سيف جيِّد، فلم يزل عنده حتى قتل
یوم جسر أبي عُبَيْدة .
(١) فى النسخ: ((مديد المتن)). والمثبت من ابن هشام ٢٩٠/٢ والبداية والنهاية ٢٩١/٣
- ٨١ -.
( ٦ - سبل الهدى والرشاد جـ ٤ )
ذكر بركة أثر ريقه ويده صلى الله عليه وسلم
روى البيهقىّ عن ابن إسحاق قال: حدثنى خُبَيْبُ بن عبد الرحمن قال: ضُرِب خُبَيب -
يعنى بن عُدّ - يوم بدر، فمال شِقُّه، فَتَفَل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأَّمه وردّه
فانْطَبَق .
وروى(١) البیھتیّ عن قتادة بن النعمان أنه أُصيبت عينُه يوم بدر، فسالت حدقتُه على وچنته،
فأرادوا أن يقطعوها، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لا ، فدعا به فغَمزَ حدقتَه براحَتِهِ،
فكان لا يدرى أَىَّ عَيْنَيْه أُصِيبت .
وروى أيضاً (١) عن رفاعة بن رافع بن مالك قال: لما كان يوم بدر رُمِيتُ بسهم فَفُقِئتْ
عَيْنِى، فَبَصَق فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا لى ، فما آذانى منها شىء .
قال ابن إسحاق : ووضع المسلمون أيديهم يأسرون ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم فى
العريش ، وسعد بن معاذ قائم على باب العريش فى نفرٍ من الأنصار ، يحرسون رسول الله
صلى الله عليه وسلم ؛ يخافون عليه حرَّة العدوّ ، ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى وجه
سعد الكراهةَ لِمَا يَصنَع الناس، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله لكأَنِّبك ياسعد
تكره ما يصنع القوم . قال : أجل يا رسول الله؛ كانت هذه أول وقعة أوقعها الله بأهل
الشِّرك ؛ فكان الإِثخان فى القتل أَحبَّ إِلىَّ من استبقاء الرجال .
ذكر انهزام المشركين
قال ابن سعد(٢): ورجعتْ قريشُ إلى مكة منهزمين، ورُزِىَ رسول الله صلى الله عليه
وسلم فى إثرهم مُصْلِتًا بالسيف ، يتلوهذه الآية ( سيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونِ الدُّبُر ﴾(٢).
(١) البداية والنهاية ٢٩١/٣
(٢) الطبقات ١٦/٢، ١٧ والبخارى ٥/٥ والبداية والنهاية ٢٧٦/٣
(٣) سورة القمر : الآية ٤٥
- ٨٢ -
:
:
وروى عبد الرزّاق وابن أبى شيبة وإسحاق بن راهَوَيْه وعَبْد بن حميد وابنُ جَرِير
وابن المنذر ، عن عِكرمة - زاد ابن جرير فى رواية عنه : عن ابن عباس ، وابن أبى حاتم
والطَّبرانىّ وابنَ مَرْدَوَيْه ، عن أبى هريرة رضى الله عنهم: أَنزل الله تعالى على نبيِّه صلى الله
الله عليه وسلم بمكة قبل يوم بدر ﴿ سيُهْزَمُ الجَمعُ ويُوَلُّون الدُّبُر). قال عمر بن الخطاب:
قلت: يارسول الله ؛ أَىّ جمع يُهزم ؟ فَلَمّا كان يوم بدر وانهزمت قريش نظرت إلى رسول
الله صلى الله عليه وسلم فى آثارهم، مُصْلِتًا بالسيف وهو يَئِبُ ويقول: ﴿سَيُهزَم الجَمعُ ويُوَلُّونَ
الدُّبُر﴾ فعرفْتُ تَأْويلها ، وكان انهزام القوم حين زالت الشمس من يوم الجمعة .
وروى الفِرْيابيّ وابن أَبِى شَيْبة والإِمام أحمد والترمذى وحسَّنَه ابن سعيد عن
عكرمة قال : قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما فرغ من أهل بدر: عليك بالعِير ليس
دونها شىء ، فناداه العباس وهو أسير فى وثاقه: إنه لا يصلح ذاك لك، قال: لمه ؟ قال :
لأَن الله تعالى وعدك إحدى الطائفتين ، فقد أعطاك ما وَعَدك ، قال : صدقت .
وذكر الأُموىّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف هو وأبو بكر بالقتلى ورسول الله
صلى الله عليه وسلم يقول :
نُفَلَّقُ هامًا ...
فيقول أبو بكر :
... من رجالٍ أَعِزْةٍ علينا، وهم كانوا أَعَقَ وأَظلما(١)
وروى(٢) البخارىّ عن جُبير بن مُطعِم أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فی أسارى بدر :
((لو كان المطعمُ بن عَدِىّ حَيَّ، ثم كَلَّمنى فى هؤلاءِ النَّتْىَ لتركتُهم له))؛ أَى تركتهم
أحياء ، ولما قَتلتُهم من غير فداء؛ إكرامًا له وقَبولاً لشفاعته، فإنه كان ممنَّ قام فى نَفْض
الصَّحِيفَة .
(١) البداية والنهاية ٢٩٢/٣
(٢) البخارى ٢٠/٥ وجاء فى سنده: ((وعن الزهرى، عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه)).
- ٨٣ -
-----------
ذكر سحب (١) كفار قريش الى قليب بدر وما وقع فى ذلك من الآيات
روى مسلم والنَّسائىّ عن عمر بن الخطاب ، والشيخان عن أبى طلحة ، وابن إسحاق ،
والإِمام أحمد ، ومسلم عن أنس، والشيخان من طريق عروة ، عن ابن عمر، والطبرانىّ برجالٍ
الصحيح ، عن ابن مسعود، والإِمام أحمد برجال ثقات، عن عائشة: أَن رسول الله صلى الله
عليه وسلم كان يُريهم مصارع أهل بدر بالأمس، يقول: هذا مصرع فلان غداً إن شاء الله
ووضع يده بالأرض . وهذا مصرع فلان غداً إن شاء الله، وهذا مصرع فلان غداً إن شاء الله.
قال عمر : فو الذى بعثه بالحق ما أخطأُوا الحدود التى حَدَّها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
وجعلوا يُصْرَعُون عليها فجُعِلُوا(٢) فى طَوِىٌّ من أَطواء بدر، خَبِيثٍ مُخْبثٍ بَعضُهم على
بعض .
قال أبو طلحة : وكانوا بضعة - وفى رواية أربعة - وعشرين .
قالت عائشة : إلا ما كان من أمية بن خلف فإنه انتفخ فى درعه فملأها ، فذهبوا
ليحرِّكوه فتزايل ، فأَقْرُّوه وألقوا عليه ما غيَّبه من التراب والحجارة . وقال أبو طلحة :
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أَظْهَره الله على قوم أَقام بالعَرصة ثلاث ليال .
وقال أنس: ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم قَتْلى بدر ثلاثاً، ثم أتاهم. قال أبو طلحة:
فلما كان(٣) ببدر اليوم الثالث أمر رسول الله صلى الله علية وسلم براحلته فشدَّ عليها رحلها ،
ثم مشى وتَبِعه أصحابه ، وقالوا : مانُرَى ينطلقُ إلا لبعض حاجته، حتى قام على شفًا البئر،
وفى لفظ على شَفِير(٤) الرَّكِىِّ. وفى بعض الروايات عن أنس: أن ذلك كان ليلا ، فجعل
يُنادِيهم بأسمائهم وأسماء آبائهم : يافلانُ بنَ فلان، ويافلانُ بنَ فلان ، ويافلانُ بنَ فلان ،
وفى رواية : يا أبا جهل بن هشام ، يا أمية بن خلف ، ياعتبة بن ربيعة، ياشيبة بن ربيعة ؛
أيسرُكم أنكم أَطعتم الله ورسوله؟ هل وجدتم ما وعد الله ورَسُولُه حقًّا ، فإنى قد وجدت ماوعَدّنى
ربِّ حَقًّا ، بِئْس ◌َثِيرة النَّبِىِّ كنتم لنبيّكم، كذَّبتمونى وصدقنى الناس، وأخرجتمونى وآوانى
(١) ص: ((ذكر كب قريش إلى قلیب بدر )).
(٢) البخارى ٨/٥: ((فقذفوا فى طوى)).
(٣) كذا فى البخارى ٨/٥ وفى النسخ: ((فلما كان يوم بدر اليوم الثالث)).
(٤) البخارى ٨/٥: ((على شقة الركى)).
- ٨٤ -
الناس ، وقاتلتمونى ونَصَرَفى الناس، فجزاكم الله عنى من عصابة شَرًّا، خَوَّنْتُمُونِى أَمينًا ،
وكذَّبتمونى صادقاً. فقال(١) عمر: يا رسول الله، أَتُناديهم بعد ثلاث، كيف تُكلِّم أجسادًا
لا أرواح فيها؟ وفى لفظ: كيف يَسْمَعُون أَو أَنَّ يُجيبُون وقد جَيَّفُوا؟ فقال: ما أنتم(٢) بأسمعَ
لِمَا أَقول منهم ، إنهم الآن يسمعون ما أقول لهم، غير أنهم لا يستطيعون أَن يَرُدُّوا عليناشيئاً .
قال قتادة : أَحياهم الله تعالى حتى أَسمعهم قوله؛ تَوْبِيثًا لهم، وتَصْغِيراً ونِقْمَةً وحسرةً
وندامة(٣).
قال عروة: فبلغ عائشة قولُ ابن عمر(٤)، فقالت: ليس هكذا قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم؛ إنما قال: إِنهم لَيَعْلَمُون الآن الذى كنت أقول لهم حقًّا، إنهم تَبَوَّرُوا مقاعدهم من جهنم،
إن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّكَ لاَتُسْمِعُ المَوْنَى)(٥) ﴿وما أَنت بِمُسْمِعٍ مَنْ فى القُبُور، إِن أَنتَ إِلَنَذِر)(٦)
وفى رواية عند الإمام أحمد من طريقين رجالهما ثِقات ، عن عائشة : فقال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: (ما أَنْتُم بِأَفْهَمَ لِقَوْلىِ منهم))، أَو ((لَهُمْ أَفهمُ لِقَوْلى منكم)) .. وروى البَزَّار والطَّرانىّ
عن ابن مسعود رضى الله عنه قال: لما جِىءَ بأَّبِى جهل يُجُرُّ إلى القَلِيب قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم : لو كان أبو طالب حَيَّ لَعَلِمَ أَنَّ أَسيافَنا قد التبستْ بالأَماثِل، ولَفْظُ الطبرانىّ
وغيره . ولذلك يقول أبو طالب :
كذبتُم وَبَيْتِ اللّه نُخْلِ(٧) مُحمدًا ولمَّا نُطاعِنْ حوله ونُناضلٍ
(١) ابن هشام ٢٩٢/٢: ((فقال المسلمون: يا رسول الله، أتنادى قوماً قد جيفوا)).
(٢) البخارى ٩/٥: ((والذي نفس محمد بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم)).
(٣) البخارى ٩/٥ والبداية والنهاية ٢٩٣/٣
(٤) البداية والنهاية ٢٩٣/٣: قال البخارى: حدثنا عبيد بن إسماعيل: حدثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه،
قال : ذكر عن عائشة: أن ابن عمر رفع إلى النبى صلى الله عليه وسلم أن الميت يعذب فى قبره ببكاء أهله فقالت: رحمه الله
إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه ليعذب بخطيئته وذنبه، وإن أهله ليبكون عليه الآن.
قالت : وذلك مثل قوله : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على القليب وفيه قتلى بدر من المشركين فقال لهم ما
قال، قال: إنهم ليسمعون ما أقول، وإنما قال: إنهم الآن ليعلمون أنما كنت أقول لهم حقاً، ثم قرأت: ((إنك لا تسمع
الموتى)) ((وما أنت بمسمع من فى القبور))، تقول حين تبوؤوا مقاعدهم من النار، وقد رواه مسلم عن أبى كريب ، عن أبى
أسامة، وقد جاء التصريح بسماع الميت بعد دفنه فى غير ما حديث . وانظر الحديث رقم ٤٨٦٤ من مسند أحمد ط دار
المعارف وشرحه .
(٥ ) سروة النمل : ٨٠.
(٦) سورة فاطر : ٢٣،٢٢
(٧) ط: ((نبرى محمداً)). والمثبت من باقى النسخ والواقدى ٧٠/١
- ٨٥ -
١
-----
ونُسْلِمُه حتى نُصَرِّعَ حولَه
وينهضَ قَوم فى الحديد إليكمُ
وحتى يرى ذا الضِّغن يركب دِرْعَه
وإِنَّا لعمرُ الله إِن جدّ ما أرى
قال ابن إسحاق : وقال حسان بن ثابت (١):
عَرَفْتُ دِيارَ زَيْنَبَ بِالكَثِيبِ
تَداولها الرِّيساحُ وكلُّ جَوْنٍ
فأمسى رَسْمُها خَلَقًا وأَمْسَتْ
فدَعْ عنك التذكُّرَ كلَّ يوم
وخَبِّرْ بالذى لا عيبَ فيه
بما صَنع المليكُ غداةً بدرٍ
غداةَ كأَنّ جمعَهمُ حِراءٌ
فلاقيناهمُ(٥) منّا بِجَمْع
أَمامَ محمد قد وازرُوه (٦)
بأيديهم صوارِمُ مُرْهَفَاتٌ
بَنُو الأوس الغَطَارِفُ وازرتْها (٧)
فغادرنا أبا جهلٍ صريحًا
ونَذْهَلَ عن أبنائنا والحَلائلِ
نهوضَ الرَّوايَا تحت ذات الصَّلاصلِ
من الطَّعن فعلَ الأنكب المتحامل
لِتَلْتَيِسَنْ أَسياقُنا بالأُماثل
كَخَطِّ الوَحْىِ فىِ الوَرَقِ القشِيبِ
من الوسمىِّ منهمٍ(٢) سَكُوبٍ
يَبَابًا بعد ساكنِها الحَبيبِ
ورُدَّ حرارةً(٣) الصدرِ الكَئيسبِ
بِصدقٍ غير إِخْبار الكَذُوب
لنا فى المشركين من النَّصِيب.
بدتْ أَركانُه جُنْحَ الْغُروبِ(٤)
كأُّسْدِ الغاب مُرْدانٍ وشِيسبٍ
على الأعداء فى لَفْحِ الحُروبِ
وكُلُّ مُجَرَّبٍ خَاضِى الْكُعودِ
بنو النَّجّار فى الدِّينِ الصَّليبِ
وعُتْبَةَ قد تَرِكْنا بالجُبُوبِ
(١) هذه القصيدة ساقطة من جميع النسخ، ولكن المؤلف أثبت شرحها فأثبتناها من البداية والنهاية ٢٩٤/٣ والديوان/١٤
ط الرحمانية .
(٢) الديوان / ١٤ ط الرحمانية: ((تعاورها الرياح ... منهم سكوب)).
(٣) الديوان /: ((حزازة الصدر)).
(٤) الديوان: ((الغيوب)). وفى الشرح: وجنح الغيوب أظنه أراد الغيوب جمع الغيب من الأرض، وهو ما اطمأن
منها .
(٥) الديوان: ((فوافيناه)).
(٦) الديوان: ((آزروه)).
(٧) الديوان: ((آزرتها)).
- ٨٦ -
1
ذوى حَسَبِ إِذا نُسِبُوا حَسيبٍ(١)
وشَيْبةَ قد تركنا فى رجال
قذفناهٍ كَبَاكِبِ فى القَلیبِ
يناديهم رسول اللهلا
وأَمرُ الله يأْخُذُ بالقلوب
ألم تجدوا كلامى كان حقًّا
صدقْتَ وكنتَ ذا رأى مُصِيبٍ
فما نطقوا ولو نَطَقُوا لقالوا
قال ابن إسحاق: ولما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم أَن يُلْقَوْا فى القليب أُخِد
عُتْبَةُ بنُ ربيعة فسُحِب إلى القَليب، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغنى - فى وجه
أبى حُذِيفَةَ بنِ عُتبة فإذا هو كثِيب قد تغيَّر فقال: يا أَبا حُذَيفة، لعلك قد دَاخَلك من شأن
أبيك شىء - أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - فقال: لا، والله يا رسول الله ما شككتُ
فى أبى ولافى مَصْرَعه، ولكن كنت أَعرِف من أبى رَأْيًا وحلمًا وفَضْلاً، فكنتُ أَرجو أن
يَهْدِيَه ذلك إلى الإِسلام ، فلما رأيتُ ما أصابه ، وذكرتُ ما مات عليه من الكفر بعد الذى
كنتُ أَرجو له أَحزَننى ذلك ، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير ، وقال له خيراً .
ذكر ارسال رسول الله صلى الله عليه وسلم
زيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة بشيرين لأهل المدينة بوقعة بدر : الأول
لأهل السالة والثانى لأهل العالمية
روى الحاكم عن أسامة بن زيد، والبيهقىّ عن محمد بن عمر الأَسلمىّ، والبَيْهِىَ
أيضاً ، عن ابن إسحاق : قال أسامة بن زيد رضى الله عنه: خَلَّف رسول الله صلى الله عليه وسلم
عُثمان بن عفان وأسامة بن زيد على رُقَّة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام بدر ،
وقالوا: وقدَّم(٢) رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة من الأُنثَيْل
فجاءًا يوم الأحد حين اشتَدَّ الضُّحَى، وفارق عبدُ الله بن رواحة زيد بن حارثة بالعقيق(٣)،
فجعل عبد الله يُنادِى على راحلته : يا معشر الأنصار أبشروا بسلامة رسول الله صلى الله عليه
وسلم وقَتْل المشركين وأَسْرِهِم، قُتِل ابنا ربيعة، وابنَا الحَجَّاجِ ، وأَبو جهل ، وزمْعَةُ بن
الأسود، وأُميَّةُ بن خلف، وأُسِرِ سُهَيْل بن عمرو ذو الأنياب. قال عاصم بنُ عَدىّ: فقمت
(١) الديوان: ((نسيب)).
(٢) الواقدى ١١٤/١.
(٣) البداية والنهاية ٣٠٤/٣: ((من العقيق)).
٠٠
- ٨٧ -
ه
إليه فنحوّتُه، فقلت: أَحقًّا ما تقول يا ابن رواحة ؟ فقال: إِى والله، وَغَدًا يَقْدَم رسول
الله صلى الله عليه وسلم بالأسرى مُقَرِّنين، ثم اتَّبع(١) دور الأَنصار بالعالية يُبَشِّرهم داراً داراً
والصبيان يَشْتَدُّون(٢) معه ويقولون: قُتل أبو جهل الفاسق، حتى انتهى إلى بنى أمية بن زيد.
وقَدِمِ زِيدُ بن حارثة على ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم القَصْواء - قال الواقدىّ :
وقال أسامةُ: العضْباء - يُبَشِّرِ أَهلَ السافلة(٣)، فلما أَن جاءَ المُصَلَّى صاح على راحلته:
قُتِل ◌ُتْبَةُ وَشَيْبة ابنا ربيعة ، وابنا الحجاج ، وقُتِل أَبو جَهْل، وأَبو البَخْترِى، وزَمْعَةُ
ابن الأسود ، وأمية بن خلف ، وأُسِرِ سُهَيْل بن عمرو ذو الأَنْياب في أسرى كثير ، فجعل
[ بعض ](٤) الناس لايُصدِّقون زيد بن حارثة ويقولون: ما جاء زيد إلَّا فَلاَّ، حتى غاظ
ذلك المسلمين وخافوا .
قال أسامة : فسمعتُ المَيْعة ، فخرجت فإذا زيد على العضباءِ جاءَ بالبشارة ، فوالله
ما صَدَّقْتُه حتى رأيت الأُسارى ، وقدم زيد حينَ سَوَّوْا على رُقَيَّة بنت رسول الله صلى الله عليه
وسلم التراب بالبَقيع ، فقال رجل من المنافقين لأَبى لُبابة بن عبد المنذر : قد تفرّق أصحابكم
تَفرِّقًا لايَجْتَمِعُون بعده أبدا، وقد قُتِل عِلْيَةُ أَصحابه ، وقُتِل محمد، وهذه ناقَتُه نَعرِفُها ،
وهذا زيدٌ لايدرى ما يَقولُ من الرُّغْب، وجاءَ فَلاَّ. قال أبو لُبابة: يكذِّب الله تعالى
قولَك . وقالت اليهود: ما جاء إِلا فَلَّ . قال أسامةُ بن زيد : فجئتُ حتى خلوتُ بأبى ،
فقلت : يا أَبَهْ ، أَحقٌّ ما تقول ؟ قال: إِى واللهِ حَقًّا ما أقول يابنىّ ، فقَوِيتُ فى نَفْسِى
ورجعتُ إلى ذلك المنافق فقلتُ: أَنت المُرْجِفُ برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالمسلمين ،
لتُقَدِّمَنَّك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قدم فليضربنَّ عنقك، فقال: يا أبا محمد
إنما هو شىءٌ سمِعتُه من الناس يقولونه .
(١) البداية والنهاية ٣٠٤/٣: ((ثم تتبع)).
(٢) المصدر السابق ٣٠٤/٣: ((ينشدون معه)).
(٣) المصدر السابق ٣٠٤/٣: ((أهل المدينة)).
(٤) تكملة من البداية والنهاية ٣٠٤/٣
- ٨٨ -
قال : فجىءَ بالأسرى وعليهم شُقْران مولى النبى صلى الله عليه وسلم .
ذكر اختلاف الصحابة رضى الله عنهم فى الفىء
روى سعيد بن منصور والإِمام أحمد وابن المنذر وابن حِبّان والحاكم والبيهقى فى السنن
عن عبادة بن الصامت رضى الله عنه: ((فالتقى الناس فَهَزَم الله تعالى العدوَّ فانطلقت طائفة
فى آثارهم يأُسرون ويقتلون، وأُكبِّتْ طائفة على الفىْءٍ(١) يَجُوزُونه ويجمعونه، وأَحدقتْ
طائفةٌ برسول الله صلى الله عليه وسلم خوفًا من أَن يصيب العدوُّ غِرّةً ، حتى إذا كان الليل
واَ (٢) النَّاسُ بعضُهم إلى بعض ، قال الذين جمعوا الغنائم : نحن حويناها وجمعناها
فليس لأحد فيها نَصِيب ، وقال الذين خرجوا فى طلب العدوّ : لستُم بأَحقَّ بها منا ، نحن
نَفَيْنَا عنها العدوّ وهزمناهم. وقال الذين أَحدَقُوا برسول الله صلى الله عليه وسلم : لستم بأَحق
بها مِنَّا، نحن أَحدَقْنا برسول الله صلى الله عليه وسلم وخِفْنا أَن يُصِيبَ العدوُ منه غِرّةً،
فاشتغَلْنا به. فنزلت: ﴿ يَسْأَلُونَك) يا محمد ( عن الأنفال): الغنائم، لمن هى؟ ﴿قُل)
لهم: ﴿الأنفالُ لله والرَّسُول) يجعلانها حيث شاءا، ﴿فاتَّقُوا اللهَ وأَصلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكم) أَى
حقيقة ما بينكم بالمودّة وترك النزاع ﴿ وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين)(٣) حَقًّا
وروى ابن أبى شيبة وأبو داود والنَّسائيّ وابن حِبّان وعبد الرزّاق فى المصنف ، وعبد بز
حميد، وابن عائذ ، وابن مَرْدَوَيْه ، وابن عساكر ، عن ابن عباس رضى الله عنهما قال :
لما كان يوم بدر قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم من قَتَلَ قَتِيلاً فَلَهُ كذا وكذا، ومَنْ أَسَر
أَسِيرًا فله كذا وكذا. ولفظ ابن عائذ: ((مَنْ قَتَل قتيلاً فله سَلَّبُه ؛ ومن أَسر أَسِيرًا فله
سَلَبِه »(٤). فأمّا المشيخة فثَبَتُوا تحت الرَّابات. وأَما الشُّبّان فسارعوا إلى القَتْل والغنائِم ،
فقالت المشيخة للشبان: أَشرِكونا معكم، فإنَّا كنًّا لكم رِدْءا ولو كان منكم شىء للجأثم
إلينا. فاختَصَموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاءَ أَبو اليَسَر بأَسِيرَبن فقال :
ت، م .: العسكر. وفى البداية والنهاية ٣٠٢/٣: ((المغنم)).
(١)
(٢)
البداية والنهاية ٣٠٢/٣: ((وفاء)) .
.... (٣) سورة الأنفال: الآية ١
(٤) سنن أبي داود ٢٧١/١ برواية: ((من قتل كافرا فله سلبه)).
- ٨٩ -
يا رسول الله ، إنك قد وعدتنا، فقام سعدُ بن معاذ فقال : يا رسول الله إنك إن أعطيتَ
هؤلاء لم يبقَ لأَصحابك شىء ، وإنه لم يمنعنا من هذا زهادة فى الآخرة ، ولا جبن عن
العدوّ ، ولا ضَنَّ بالحياة ، أن نصنع ما صنع إخواننا، وكلُّنا رأيناك قد أُفْرِدْتَ فكرهنا
أن تكون بمضيعة ، وإنما قُمنا هذا المقام محافظة عليك أَن يأُتوك من ورائك . فتشاجروا
فنزلت : ﴿ يسألونك عن الأنفال ) الآية ، فنزعه الله تعالی من أيديهم ، فجعله إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم فقسمه صلى الله عليه وسلم بين المسلمين، كما سيأتى على بَوَاءِ أَى سواء،
فكان ذلك تقوی لله تعالى وطاعته ، وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإصلاح ذات البين.
وروى ابن أبى شيبة ، والإمام أحمد ، وعبدُ بن حُميد، وابن مَرْدَوَيْه ، عن سعد
ابن أبى وقاص رضى الله عنه قال : لما كان يوم بدر قُتِلِ أَخى عمير وقَتَلْتُ سَعِيدَ بن
العاص وأخذت سيفَه وكان يسمى ذا الكَنِيفة ، فأَّيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم به
فقلت : يا رسول الله قد شفانى الله تعالى اليوم من المشركين فنَفِّلْنِى هذا السيف، فأَنَا
مَنْ قد عَلِمْتَ ، قال: إن هذا السيفَ لا لك ولالى، ضَعْه، فوضَعْتُه ، ثم رجعتُ فقلت :
عسى أن يُعْطَى هذا السيف اليوم مَنْ لايُبْلِ بلائِى فرجعتُ به فقال : اذهبْ فاطرحْه فى
القَبْض، فرجعت وبى ما لا يعلمه إلا الله تعالى من قتل أَخى وأَخْذ سلبى ، حتى إذا أردتُ
أَن أُلْقِيَه لامتْنِى نفسى فرجعتُ إليه ، فقلت: أعطنيه، فَشَدّنى صَوتُه فما جاوزتُ
إلا يسيرًا حتى نزلت سورة الأنفال، فقال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اذهب
فخُذْ سيفك)).
وروى النحاس فى تاريخه عن سعيد بن جُبَيْرِ أَن سعدًا ورجلاً من الأنصار خرجا
يتنفَّلان فوجدا سيفًا مُلقَى فخرًا عليه جميعا ، فقال سعد: هولى، وقال الأنصارىُّ : هولى
لا أُسلمه، حتى آتِى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتياه فقصًا عليه القصة ، فقال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: ليس لك يا سعد ولا الأنصارىّ ولكنه لى، فنزلت: ﴿ يسألونك
عن الأنفال) الآية، ثم نُسخت هذه الآية فقال تعالى: ﴿ واعلموا أنما غَنِمتم من شَىْءٍ فَأَن
الله خُمُسَه والرسولِ ولِذِى القُربَى واليتامى والمساكينِ وابنِ السبيل(١)).
٠
(١) سورة الأنفال : الآية ٤١
- ١٠ -
وروى ابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم والبيهقىّ فى السُّنن عن ابن عباس قال :
الأنفال : المغانم كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خالصة ليس لأحد منها شىء ،
ما أصاب من سرايا المسلمين من شىءٍ أَتَوْه به ، فمن حبس منه إبرة وسِلكا فهو غُلُول(١)،
فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطيهم منها شيئًا، فأنزل الله تعالى: ﴿يسألونك
عن الأَنْفال﴾ قل: الأنفال لى (٢)، جعلتها لِرُسُلى(٣)، ليس لكم منه شىء، فاتقوا الله ،
وأصلحوا ذاتَ بينكم ، إلى قوله: ﴿إن كنتم مؤمنين) ثم أنزل الله تعالى: ﴿ واعلموا أنما
غَنِمتم من شىءٍ ) الاية ، ثم قسم ذلك الخمس لرسول الله صلى الله عليه وسلم والذى القربى
واليتامى والمساكين وابن السبيل والمهاجرين وفى سبيل الله، وجعل أربعة أخماس الناس فيه
سواء : للفَرَسِ سَهْمان ، ولصاحبه سهم ، وللراجل سَهم . واستعملَ رسولُ الله صلى الله عليه
وسلم على الغنائم عبد الله بن كعب رضى الله عنه .
ذكر اختلاف الصحابة رضى الله عنهم فيما يفعل بالأسرى
روى الإمام أحمد عن أنس ، وابن مردويه عن أبى هريرة . وابن أبى شيبة ، والإِمام
أحمد ، والترمذىّ وحسّنه ، وابن المنذر ، والطبرانىّ ، وغيرهم ، عن ابن مسعود . وابن
مردويه ، عن ابن عباس . وابن المنذر ، وأَبو الشيخ ، وابن مردويه ، وأبو نعيم ، عن
ابن عمر : أنه لما كان يوم بدر جِىءَ بالأسرى وفيهم العباس ، أَسَره رجل من الأنصار :
وقد وعدته الأَنصار أن يقتلوه ، فبلغ ذلك النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى
الله عليه وسلم : لم أَنم الليلةَ من أَجل عَمِّى العباس ، وقد زعمت الأَنصارُ أَنهم قاتلوه، فقال
له عمر : أفآتيهم؟ قال: نعم ، فأتى عمر الأنصار فقال لهم: أُرسِلوا العباس، فقالوا :
لا والله لا نرَسله ، فقال لهم عمر: فإن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رَضِى . قالوا :
فإن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رضى فخذه، فأخذه عمر ، فلما صار فى يده ، قال
له : يا عباسُ أَسلِمْ، فوالله لئن تُسلمٍ أَحبّ إلىّ من أَن يُسلم الخَطَّب، وما ذاك إلَّا لما رأيتُ
(١) القاموس: ((غل غلولا: خان)).
(٢) م: ((للّه)).
(٣) ص، ط: ((لرسولى)).
- ٩١ -
!
رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعجبُهُ إِسلامُك. فاستشار (١) رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس.
فقال : ماترون فى هؤلاء الأسرى؟ إنَّ الله قد أَمكنكم منهم ، وإنما هم إخوانكم بالأمس .
فقال أبو بكر: يا رسول الله أَهلُك وقومُك، قد أعطاك الله الظَّفَر ونَصَركَ عليهم ،
هؤلاء بنو العمّ والعَشِيرة والإخوان استبقِهم ، وإنى أرى أن تأخذ الفداء منهم ، فيكون
ما أخذنا منهم قُوَّةً لنا على الكفَّار ، وعسى الله أن يهدِيَهم بك ، فيكونوا لك عضدا .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما تقول يابنَ الخطاب ؟
قال: يا رسول الله قد كذَّبوك وأخرجوك وقاتلوك ، ما أرى ما رأى أبو بكر ، ولكن
أرى أن تمكِّننى من فلان - قريب لعمر - فأضرب عنقه وتُمكِّن عليًّا من عقيل فيضرب
عنقه ، وتمكن حمزة من فلان- أخيه .. حتى يضرب عنقه ، حتى ليعلم الله تعالى أنه ليست
فى قلوبنا مودةٌ للمشركين ، هؤلاء صناديد قريش وأئمتهم وقادتهم فاضرب أعناقهم ؛
ما أَرَى أَن يكون لك أسرى ، فإنما نحن راعون مؤلّفون .
وقال عبد الله بن رواحة : يا رسول الله أَنظرُ واديًا كثير الحطب فأَضرمه عليهم
نارًا. فقال العبّاس وهو يسمع ما يقول : قَطعتَ رحمك. قال أبو أيوب : فقلنا - يعنى
الأَنصار - إنما يَحمِل عُمرَ على ما قال حَسَدُ لنا .
فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت ، فقال أُناس : يأُخذ بقول أبى بكر ، وقال
أُناس: يأُخذ بقول عمر، وقال أُناس: يأُخذ بقول عبد الله بن رواحة، ثم خرج فقال: إنَّ الله
تعالى لَيُلَيِّنُ قُلُوب أَقوام فيه حتى تكونَ أَلينَ من اللَّبَن(٢)، وإن الله تعالى ليشدّ قلوب أقوام فيه
حتى تكون أشدَّ من الحجارة. مَثلُك يا أَبا بكر فى الملائكة مثلُ مِيكائِيل ينزل بالرحمة ، ومَثلُك
فى الأنبياءِ مثل إبراهيم قال: ﴿ فَمَن تَبِعَنِى فإِنَّه مِنِّى ومَنْ عَصانِى فإِنَّك غفورٌ رحيمٌ﴾(٣) ومثلك
يا أبا بكر مثل عيسى بن مريم إذ قال: ﴿ إِن تُعَنِّيْهم فإنهم عبادك وإن تغفرْ لهم فإِنك أَنت
العزيز الحكيم(٤) )، ومثلك ياعمر فى الملائكة مثل جبريل ينزل بالشدة والبأس والنقمة على
(١) مسند أحمد: الأحاديث ٣٦٣٢ - ٣٦٣٤ مع اختلاف فى بعض العبارات.
(٢) الواقدى ١١٠/١: ((ألين من الزبد)).
(٣) سورة إبراهيم: الآية ٣٦
(٤) سورة المائدة : الآية ١١٨
- ٩٢ -
أعداء الله تعالى، ومثلك فى الأنبياء مثل نوح إذ قال: ﴿ ربِّ لا تَذَرْ على الأَرضِ من
الكَافِرِين ◌َيَّارًا﴾(١) ومثلك فى الأنبياء مثل مُوسى، إذ قال: ﴿رَبَّنَا الْمِسْ على أموالِهم
واشْدُد على قُلوبِهِم فلا يُؤْمِنُوا حتى يَروا العَذابَ الأَلِيمَ﴾(٢) لو اتَّفقتما ما خالفتكما، أنتم
عَالَةٍ(٣) فلا يُفْلِتَن مِنهم أَحدٌ إلا بغداءٍ أَو ضرب عُنُق ، فقال عبد الله بن مسعود : يا رسول
الله إلا سُهيلَ بْنَ بَيضاء فإنى سمعتُه يذكر الإِسلام ، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم
فقال عبد الله : فما رأيتُنِى فى يوم أَخاف أن تقع علىَّ الحجارةُ من السماءِ مِنِّى فى ذلك
اليوم حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إِلَّ سُهَيلَ بنَ بيضاء٤) . فلما كان من الغد
غدا عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر
وهما يبكيان ، فقال : يا رسول الله ما يبكيكما ؟ فإن وجدتُ بكاءً بكيتُ وإِلَّا تباكَيْتُ
لبكائِكما ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن كاد لَيمسُّنا فى خلاف ابن الخطاب
عذابٌ عظيم ، ولو نزل العذاب ما أَفلتَ منه إلا ابنُ الخطاب ، لقد عُرض علىَّ عذابكم
أدنى من هذه الشجرة - لشجرة قريبة منه - وأنزل الله تعالى: ﴿ ما كان لنبيِّ أَن تَكُون﴾
بالتاء والياءِ - ﴿ له أَسْرَى حتى يُثْخِنَ فى الأَرضِ﴾ يبالغ فى قتل الكفار { تُرِيدُون ﴾ أيها
المؤمنون ﴿ عَرَضَ الدُّنيا) حُطامَهَا بأَخْذِ الفداء ﴿ والله يُرِيدُ﴾ لكم ﴿الآخرة ) أَى ثوابها
بقتلهم (والله عزيز حكيم)(٥) ثم نُسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿فإما مَنَّا بعدُ وإِمَّا فِداءٍ﴾(٦).
﴿ لولا كِتَابٌ من الله سَبَق) بإحلال الغنائم والأُسارى لكم ﴿ لمسَّكم فيما أَخذتُم) من الفِداء
(عذابٌ عَظِيمٍ، فَكُلُوا مِمّا غَنِمتُم حلالاً طَيِّبً واتقوا الله إنَّ الله غفورٌ رَحِيمٌ ﴾(٧).
(١) سورة نوح: الآية ٢٦
(٢)
سورة يونس : الآية ٨٨
(٣) الواقدى ١٠٩/١: ((وإن بكم عيلة)).
(٤) المغازى ١١٠/١: ((قال ابن واقد: هذا وهم، سهيل بن بيضاء من مهاجرة الحبشة ما شهد بدرا إنما هو أخ
له یقال له سهل » .
(٥) سورة الأنفال : الآية ٦٧
(٦) سورة محمد : الآية ٤
(٧) سورة الأنفال : الآيتان : ٦٨، ٦٩
- ٩٣ -
واستعمل صلى الله عليه وسلم على الأَسْرى شُقْرانَ غُلامَه، فأَحْذَوْه(١) من كل أسير
مالو كان حُرًّا ما أصابَه فى المَقْسَمِ .
وروى ابنُ أَبِى شَيْبَة والتِّرمذىّ وحسَّنه ، والنَّسائىّ، وابن سعد ، وابنُ جَرِير ، وابنُ حِبّان،
والبيهقىّ ، عن علىّ رضى الله عنه قال : جاءَ جبريلُ إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقال :
يا محمد ، إن الله تعالى قد كَرِه ما صنع قومُك فى أخذهم فداء الأسرى ، وقد أَمرك أن
تُخيِّرهم بين أَعْريْن: إِما أَن يُقدّموا فتُضرب أعناقُهم وإما أَن يَأْخُذُوا منهم الفِداء ، على
أن يقتل منهم عِدَّهم ، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فذكر لهم ذلك ، فقالوا:
يا رسول الله عشائرنا وإخواننا تأخذ منهم الغداء، فتتقوَّى به على قتّال عدوّنا ، ويستشهد
منا عِدَّتهم فليس فى ذلك ما يكره ، وأقام صلى الله عليه وسلم بالعرصة ثلاثا .
ذكر رحيل رسول الله صلى الله عليه وسلم الى المدينة
وقسمة الغنائم وقتل جماعة من الأسرى
وارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلا إلى المدينة وهو مؤيَّد منصور ، قرير العين
بنصر الله تعالى، ومعه الأُسارى من المشركين ، فيهم عقبة بن أبى مُعَيْط ، والنَّضر بن
الحارث ، ومعه النَّفَل الذى أُصيب ، فلما خرج من مَضِيق الصفراءِ نزل على كَثِيب بين
المضيق وبين النازِيَّةِ(٢) يقال له: سَيَرَ - إِلى سَرْحَة به(٣)، فَقَسَّم هناك النَّفَلَ الذى أَفاءه
الله على المسلمين من المشركين [ على السواء(٤) ]، وقيل: بل استعمل عليها خَبّابَ بن
الأَرتّ ، وكان فيها مائة وخمسون من الإبل ومتاع وأنطاع وثياب وأدم كثير ، حمله
المشركون للتجارة ، فغنمه المسلمون ، وكانت الخيل التى غنمها عَشْرة أَفراس ، وأَصابوا
سِلاحًا كثيرًا، وجَمَلَ أَبِى جَهْل ، فصار النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فلم يزل عنده يضرب
فى إبله ويغزو عليه، حتى ساقه فى هَدْى الحُدَيْبِيَة. ولمَّا أَمر رسول الله صلى الله عليه وسلم
(١) أحذوه : أعطوه.
(٢) فى النسخ: ((البادية)) وهو تحريف، والتصويب من ابن هشام ٢٩٧/٢
(٣) فى النسخ: ((يقال له إلى سرجة به)) وهو تحريف، والتصويب من ابن هشام ٢٩٧/٢
(٤) بياض فى النسخ، والمثبت من ابن هشام ٢٩٧/٢
- ٩٤ -
أن تُقَسِّمِ الغنائم على السّواء قال سعدُ بنُ معاذ : يا رسول الله أَتُعطِى فارسَ القوم الذى
يحميهم مثلَ ماتُعطِى الضعيف؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ثَكِلتْك أُمُّك ، وهل
تُنْصَرُون إلا بضُعَفائكم؟! ونادى مناديه صلى الله عليه وسلم: (( مَن قَتَل قتِيلًا فله سلَبُه
ومن أسر أَسيرًاً فهو له )). وكان يُعْطِى مَنْ قَتَل قتِيلًا سلبه، وأَمر بما وُجِد فى العسكر
وما أخذُوا بغير قتال فقسمه بينهم . وكانت السُّهمانُ على ثلاثمائة وسبعة (١ عشر سهما،
والرجال ثلاثمائة وثلاثة عشر، والخيل ١) فرسان لهما أربعة أسهم. وثمانيةُ نَفَرٍ لم يَحضُرُوا
القِتَالَ ، ضرب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهامهم وأجورهم ، ثلاثة من المهاجرين،
وهم عثمان بنُ عَفَّان - خَلَّفَه رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابنته رُقَيَّةٍ فماتَتْ يوم قُدُوم
زَيْدِ بنِ حَارِثة ، وطلحةُ بنُ عُبِيْد الله ، وسَعِيد بن زيد، بعثهما رسول الله صلى الله عليه
وسلم يتَحَسَِّان خبر العِيرَ، ومن الأَنْصار أبو لُبَابة بن عبد المنذر ، خَلَّفَه على المدينة ،
وعاصِمِ بْن عَدِىّ خَلَّفه على أهل قُباءَ وأَهل العَالِية، والحارِثُ بن حَاطِب أَمَرَه بأَمْر فى
بنى عَمْرو بنِ عَوْفٍ، وخَوَّات بن جبير كُبِرِ بِالرَّوْحَاءِ ، والحارث بن الصُّمَّةِ كُسِر
بالرَّوْحَاءِ أيضا . ورُوى أنه ضَرب لسَعْد بن عُبادة وسَعْد بن مالك السَّاعدىّ، ورجلين آخرين
من الأَنصار بسهامِهم وأُجُورِهِم .
وروى الحارث بن أبى أسامة ، والحاكم ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه : أَن جعفر بن أبى
طالب رضى الله عنه عَمّن ضُرب له بسهمه وأجره ، وضرب لأربعة عشر رجلا قتلوا ببدر ،
وأَخْذَى مماليك حضروا بدرًا ولم يقسم لهم(٢) .
روى البَزَّار والطبرانيّ عن ابن عباس رضى الله عنهما قال : شهد بدراً مع النبيُّ صلى الله
عليه وسلم عشرون رجلا من الموالى، وتَنَفَّل صلى الله عليه وسلم سيفَه ذا الفَقَار، وقال لِنُبَيْهِ (٣) من
الحجّاج وكان من صَفِىٌّ رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أخذ سهمه مع المسلمين ، وفيه جمل
أبى جهل وكان مَهْرياً .
(١ -١) بياض بالأصول، والتكملة من الواقدى ١٤٠/١ والإمتاع ٩٤/١
(٢) الإمتاع ١ /٩٥: (( ولم يسهم لم)).
(٣) الإمتاع ٠٩٥/١ ((لمنبه بن الحجاج)).
١ - ٩٥_
وبالصفراء توفى عُبَيْدة بن الحارث رضى الله عنه من مصاب رِجْله ، فقالت هند بنت
أثاثة بن عباد بن (١) عبد المطلب تَرْفيه :
وحِلْماً أَصِيلاً وافرَ اللَّبّ والعَقْلِ
لقد ضُمِّن الصَّفْراءِ مَجْداً وسُؤدُداً
وأرملةٍ تَوِى لأُشعثَ كالجِِِذْلِ
عُبَيْدةُ فابكيه لأَّضيافِ غُرْبَةٍ
وبَكِّيه للأَّبْرام (٢)فى كل خَشْوة
إذا احمرّ آفاق السَّماء معن المَخْلِ
وتَشْبِيبٍ قِدْرٍ طالما أَزبدتْ تغلى
وَبَكِّيه للأَّيتْامِ والريحُ زَفَزَفْ
فقد كان يذكِيهنَّ بالحَطَبِ الجَزْلِ
فإن تُصبح النِّيران قد مات ضَوْءُها
لِطارقٍ لَيْلٍ أَو المُلتمس المِلرَى
ومُسْتَنْيِحٍ أَضحى لديه على رِسْل
وبها قُتِلِ النَّضْرُ بن الحارث بنِ كَلَدَة ، قتله علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه صَبْراً بالسيف
بالأُثَيْلِ. وقالت قُتَيْلة(٣) بِنْتُ الحارث - كذا قيل، والصواب أنها بنت النَّضر لاأُخته - تَرثِيه ،
وأسلمتْ بعد ذلك. نقله أبو عمر وأبو الفتح فى منهج (٤) المدح، ولم يستحضر ذلك الحافظ فقال
فى الإصابة: لم أر التصريح بإسلامها ، لكن إن كانت عاشت إلى الفتح فهى من جملة
الصَّحابيات :
من صُبْح خامِسَةٍ وأَنْتَ مُوَفِّقُ
يا راكبًا إِنَّ الأُنَيْلَ مَظِنَّةٌ
أَبلغْ بها مَيْتاً بأَنَّ تحيَّةً
ما إِن تزال بها الر كائب(٥) تخْفِقُ
جادت بِواكِها(٦) وأُخْرى تَخْنُقُ
مِنِّى إليك وعَبرةً مَنْفُوحةً
أَم كيف يَسْمَعَ مَيِّتُ لا يَنْطِِقُ
هَلْ يَسْمَعَنِّى(٧) النَّضْرُ إِن ناديتُهُ
فى قومها والفحلُ فَحِلُ مُعْرِقُ
أَمحمدٌ يا خيرَ ضِنْءٍ كَريمَةٍ
مَنَّ الفَتَّى وهو المَغِيظ المُحْنَقُ.
ما كان ضَرَّك لو مَنَنْتَ ورُبَّمَا
(١) تكملة من ابن هشام ٣ / ٤٣
(٢) ابن هشام ٣ / ٤٤: ((للأقوام)). وفى ت: ((أو ابكيه للأبرام)).
(٣) الشعر فى السيرة لابن هشام ٣ / ٤٥ والبداية والنهاية ٣/ ٣٠٦
(٤) ت، م: ((فى منح الملح)) وهو تحريف.
(٥) ابن هشام ٣ / ٤٥ - البداية والنهاية ٣٠٦/٣: ((النجائب)).
(٦) البداية والنهاية ٣/ ٣٠٦ (( جادت بوابلها).
(٧) البداية والنهاية ٣/ ٣٠٦: ((هل يسمعن)).
-٩٦ -
بأعَز ما يغسلو به ما ينفق(١)
أو كنتَ قابلَ فِدْيَةٍ فَلْيُنْفِقَنْ
وأحقّهم إِن كان عتقٌ يسعتق
فالنَّضْر أقربُ من وصلْت (٢) قرابةً
ظَلّت سُيوفُ بنى أبيهَ تنوشُه لله أَرحامُ هناك تشقَّق
صِبْرًا يُقَاد إلى المنيَّة مُتعباً رَسْفَ المُقَيَّد وهو عانٍ مُوُثْقَ(٣)
فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم بكى حتى اخضلَّت لِحيته ، وقال : لو بلغنى
شِعِرُها قبل أن أقتله ما قتلته .
قال أبو عمر: هذالفظ عبد الله بن إدريس، وفى رواية الزبير بن بَكَّار: فَرَّق لها
رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دَمِعَتْ عيناه، وقال لأَبى بكر: يا أَبا بَكْر، لو سَمعتُ
شِعرَها لم أَقْتُل أَباها .
قال الزبيرُ بن بكّار: سمعتُ بعضَ أَهل العلم يغمِزُ هذه الأَّبيات ويقول إنها مصنوعة ،
وذكر الجاحظ فى آخر كتاب البيان أن اسمها ليلى، وأَنها جَذَبت رداء النبيِّ صلى الله عليه
وسلم وهو يطوف، وأَنشدتْه الأَبيات المذكورة .
ولمّا بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم عِرْقَ الظَّْيَةِ أَمر بقتل عُقْبةَ بن أَبِى مُعَيط ، فقال :
يا محمد مَنْ للصِّبية . قال: النار. فقال: أَأُقْتَل من بنى قريش صبرا؟! فقال عمر: حَنّ
قِدحٌ ليس منها ، فقتله عاصِمُ بن ثابت بنُ أَبى الأَفْلِح (٤)الأَنصارىّ فى قول ابن إسحاق ،
وقال ابن هشام : قتله علىّ بن أبى طالب ، فالله أعلم. والذى أَسره عبد الله بن سَلِمة
- بكسر اللام - وصدق الله تعالى رسولَه فى قوله لعُقْبة: إن وجدتُك خارجَ مكة ضربتُ
عُنُقَك صَبْراً
وروى الطبرانىّ عن ابن عباس قال : قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر ثلاثةً
صَبْراً : قتل النَّضرَ بن الحارث، وطُعَيْمَةَ بنَ عَدِىّ، وعُقْبَةَ بن أَبِى مُعَيط .
ثم ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالرَّوْحَاء لقيه المسلمون يهنئونه
بما فتح الله تعالى عليه ومَنْ معه من المسلمين، فقال لهم سَلَمةُ بن سَلامة بن وَقْش: ما الذى
(١) البيت ساقط من النسخ، وأثبتناه عن ابن هشام ٣ / ٤٥ والبداية والنهاية ٣/ ٣٠٦
(٢)
ابن هشام ٣ / ٤٥ والبداية والنهاية ٣ / ٣٠٦ ((من أسرت قرابة)).
(٣) البيت ساقط من النسخ، وأثبتناه عن ابن هشام والبداية والنهاية.
(٤) ص: ((عاصم بن الأقلح)).
- ٩٧ -
( ٧ - سبل الهدى والرشاد جـ ٤)
تُهَنِّثُونَنَا به ؟ فوالله إِن لَقِينا به إلا عجائِزِ صُلْعاً كالبُدْنِ المُعَقَّلة(١) فنحرناها ، فتبسِّم
رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال : أَى ابن أَخِى ؟ أولئك الملاُّ ، لو رأيتَهم لهِبْتَهم ،
ولو أَمروك لأَطعَتَهم ، ولو رأَيتَ فعالَك مع فعالهم لاخْتَقَرْتَه(٢)، وبئس القَومُ كانوا لِنَبِيِّهم .
٠
قال ابن هشام : الملأّ: الأَشراف والرؤساء .
قال محمد بن عُمَرِ الأَسْلَمِىّ: ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخل المدينة
قبل الأُسارى بيوم مُؤَيِّداً مَنصوراً قد خَافَه كُلُّ عدوٍّ له بالمدينة وحولها، فأَسلم(٣) بَشَرٌ
كثير من أهل المدينة ، وحينئذٍ دخل عبد الله بن أبيّ بن سَلُول فى الإِسلام ظاهراً :
وقالت اليهود : تَيَقَّنَّا أَنه النبىُّ الذى نَجِد نَعْتَه فى النَّوراة .
ودخل صلى الله عليه وسلم من ثَنِيَّة الوَدَاع. قال فى الإمتاع: دخل رسول الله صلى الله
عليه وسلم المدينة رُجوعَه من بدر يوم الأربعاء الثانى والعشرين من رمضان، وتلقَّاه الولائه
بالدُّفوف وهن يقلن :
من ثَنِيَّات الوَدَاع
طلع البدر علينا
مَا دَعَا لِ داع (٤)
وجَبَ الشکرُ علینا
ويرحمُ الله الإِمامَ العلامة ابنَ جابر(٥) حيث قال :
كواكب فى أفق المواكِب تَنْجَلِ
بدا يوم بدرٍ وهو كالبدر حوله
فلم تُغْن أَعدادُ العدوّ المخذَّلِ
وجبريلُ فى جُند الملائِك دونه
فشرَّدَهم مثلَ النَّعامِ المجفَّل
رمَى بالحَصى فى أوجه القوم رميةٌ
فجاد له بالنَّفس كلٌّ مُجَنْدَل
وجساد لَهم بالمشرفّ فسَلَّموا
حديثَهمُ فى ذلك اليوم من عَلى
عُبَيَدة سَلْ عنهم وحمزة واستمع
(١) ت، م: المعلفة، والمثبت من ط، وابن هشام ٢ / ٢٩٧
(٢) ت م: ((لاحتقرتهم)) والمثبت من ص، ط، الواقدى ١ / ١١٦
(٣) ت م: ((فأسلم وتباشر كثير ... إلخ.)).
(٤) الإمتاع ١ / ٩٩
(٥) هو أبو عبد الله محمد بن أحمد بن على بن جابر، كما جاء فى شرح القصيدة.
- ٩٨ -
هُمُ غَيِّيُوا بالسيف ◌ُتْبةَ إِذ غدا
وشَيْبَةُ لمّا شاب خوفاً تبادَرَت
وجَارَ أَبو جهل فحقَّق جهلَه
فأضحى قَلِيباً فى القَلِيب وقومه
وجاءهمُ خيرُ الأَنام موبِّخاً
وأخبر ما أنتم بأسمعَ منهمُ
سَلَا عنهم يوم السَّلَا إِذْ تضاحكوا
أُلم يعلموا عِلَمَ إليقين بصْدقه
فيسا خير خلق الله جاهُك مَلْجَئِى
عليك صلاةٌ يَشْمَلُ(١) الآلَ عَرْفُها
فذاق الوليدُ الموتَ ليس له وَلِ
إليه العَوالى بالخضاب المعجِّلِ
غَدَاةَ تردّى بِالرَّدَى عن تذلُّل
يَؤُمُّونه فيها إلى شرّ مَنْهل
ففتَّح من أَسماعهم كلَّ مُفْفَلٍ
ولكنَّهم لا يهتدون لمقول
فعاد بكاءً عاجلاً لم يُؤَّجَّل
ولكنَّهم لا يرجعون لِمعْقل
وحُبُّك ذُخْرِى فى الحساب ومَوثِلى
وأصحابُك الأَخيارُ أَهلُ النَّفضل
ذكرى وصول الأسارى الى المدينة
قال ابن إسحاق : حدثنى عبد الله بن أبى بكر ، عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن
ابن أسعد بن زرارة قال: قُدِم بالأُسارى حين قدم بهم، وسَوْدَةُ بنت زمعة زوج النبيّ
صلى الله عليه وسلم عند آل عفراء فى مَنَاحَتِهم على عَوْفٍ ومُعَوَّذِ ابْنَىْ عفراء ، وذلك
قبل أَن يُضرب عليهنّ الحجاب ، قال: تَقولُ سَوْدَةُ: والله إنَّى لعندهم إِذ أُتِينَا ، فقيل:
هَؤُلاءِ الأُسارى قد أُتِىَ بهم، قالت : فرجعتُ إِلى بَيْتِى ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم
فيه ، وإذا أَبو يَزِيدَ سُهَيل بن عَمْرو فى ناحية الحجرة مجموعةً يداه إلى عنقه
بحَبْل ، قالت : فلا والله ما ملكتُ نفسِى حين رأيتُ أبا يزيدَ كذلك أَنْ قُلْتُ : أَىْ
أُبا یزید ، أعطيتُم بایدیکم ، أَلا مُتُم کراماً ، فوالله ما نَبَّھنی إلاَّ قولُ رسول الله صلى الله
عليه وسلم من البيت : يا سودةُ أَعَلَى الله ورسوله تُحرِّضين ؟ وقلت: يا رسول الله.
والذى بَعثَك بالحق ما ملكتُ نَفْسِى حين رأيتُ أَبا يَزِيد مجموعةً يداه إلى عُنُقِهِ
أَنْ قُلتُ ماقلت ، فاستغفرْ لى يا رسولَ الله، فقال: يَغْفِرُ الله لك.
(١) ص: ((يشهد الآل عرفها)).
- ٩٩ -
وقال أسامة بن زيد رضى الله عنهما فيما ذكره البلاذُرىّ : لما رأَى سُهيلا فقال :
يا رسول الله، هذا الذى كان يطعم الناس السَّرِيدَ؟ يعنى الثَّرِيدَ، فقال رسول الله صلى الله
عليه وسلم : هذا أبو يزيد الذى كان يُطعِمِ الطَّعامَ، ولكنه سَعَى فى إطفاء نور الله
فأُمکن الله منه .
ولمّا دخل بالأُسارَى إلى المدينة فرَّقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه، وقال:
استوصوا بالأُسارى خيراً، وكان(١) أَبو عزيز بن عُمير بن هاشم أَخو مُصعب بن عمير
لأَبيه وأمه فى الأُسارى ، قال أبو عزيز: مَرَّ بِى أَخى مصعب بن عمير ورجل من
الأَنصار يأُسرتى فقال: شُدّ يديْك به فإنَّ أُمَّه ذاتُ متاع لعلها تَفْدِيه منك، فقلتُ:
يا أَخى هذه وَصَاتُك بى ؟ فقال له مُصعَب: إنه أَخى دونك، فسأَلَتْ أُّه عن أَعْلَى
ما فُدِىَ به أَسير، فقيل لها : أربعة آلاف درهم ، فبعثتْ بأربعة آلاف درهم فقدتْه
بها ، قال : وكنتُ فى رهط من الأَنصار حين أَقبلوا بى من بدر ، فكانوا إذا قَدَّموا
غذاءهم وعشاءهم خَصُّونى بالخُبْزِ، وأَكلوا الثَّمَرَ ، لوصيّة رسول الله صلى الله عليه وسلم
إيَّهِم بنا ، ما تَفَع فى يد رجل منهم كِسرةُ خُبز إلا نَفَحنى بها ، قال: فأَسْتَخْبِى
فأَردُّها على أحدهم فيردّها علىّ مايمسُّها .
ذكرى وصول خبر مصاب أهل بدر الى أهليهم ومهلك أبى لهب
روى قاسمُ بنُ ثابت فى دلائله، عن سليمان بن عبد العزيز بن أبى ثابت ، عن أبيه
قال : كانت خوالفُ قريش تخرج إلى الأَبْطَحِ وذِى طُوَى، حين خرجت قريش تمنع عِيرَها،
يَتَحَسَّسُون الأخبارَ ، فسمعوا(٢) هاتفاً بأعلى مكة فى اليوم الذى أوقع بهم المسلمون، وهو ينشد
بأَنفذ صوته ولايُرَى شخصُه :
سينقَضُّ منها ركنُ كسْرَى وَقَبْصَرَا(٣)
أَزارَ الحَنِيفُّون بدراً وقيعةً
خرائِدَ يَضْربنَ النَّرائِبَ حُسَّرًا
أَبادتْ رِجالاً من لُؤَىِّ وأبرزت
(١) ابن هشام ٢/ ٣٠٠
(٢) الاكتفاء ٢ / ٤٧: ((مر هاتف من الجن على مكة)).
(٣) ط: ((أنار)) بدل: أزار. وعند الواقدى ١/ ١١٩ ((مصيبة)) بدل ((وقيعة)).
- ١٠٠ -