النص المفهرس

صفحات 61-80

وروى سعيد بن منصور عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال : لمّا كان يوم بدر ..
نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وتكاثُرهم وإلى المسلمين فاستقلَّهم ، فركع
ركعتين ، وقام أبو بكر عن يمينه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو فى صلاته:
((اللهم لا تودّع منى، اللهم لاتخذلى، اللهم أُنشِدك ما وعدتنى)) .
وروى البخارىّ والنسائىّ وابن المنذر عن ابن عباس : أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال وهو فى قبة يوم بدر: (( اللهم إنى أُنشِدك عهدَك ووعدَك ، اللهم إن تشأُ لاتُعبد بعد
اليوم ))، فأخذ أبو بكر بيده فقال : حسبُك يا رسول الله، لقد ألححتَ على رَبِّك. فخرج
وهو يثب فى الدّرع وهو يقول: ﴿سيُهْزَم الجمعُ ويُوَلُّون الدُّبُر ، بل الساعةُ موعَدُهم والساعةُ
أَدهَى وَأَمرّ ﴾(١) وأنزل الله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثون ربكم فاسْتَجابَ لكم أُنِّى مُمِدُّكُم بأَلْف من
الملائكة مُرْدِفِين)(٢) أى متتابعين يَتبع بعضُهم بعضا، وأنزل الله عزّ وجلّ: ﴿أَنْ يَكْفِيَكم
أَن يُرِدَّكم ربُّكم بثلاثةٍ آلاف من الملائكة مُنْزِلِينَ(٣)﴾، ﴿إذ يُوجِى رَبُّكَ إلى الملائكة أَنِّى معكم
فَثَبُِّوا الذين آمنوا سأُلقِى فى قلوب الذين كفروا الرُّعبَ، فاضرِبُوا فَوقَ الأَعناقِ،
واضْرِبوا منهم كُلَّ بنان﴾(٤)، قال ابن الأنبارىّ: وكانت الملائكة لاتَعلَم كيف تقتُل الآدميين
فعلَّمهم الله تعالى بقوله : ﴿ فاضْرِبوا فوق الأعناق) أَى الرُُّوس ﴿ واضربوا منهم كل بَنَان﴾
أَى مِفْصَل .
وروى أَبو يَعْلَى والحاكم والبيهقىّ عن علىّ رضى الله عنه قال: بينما أَنا أَمْتَح من قَليب
بَدْر جاءت ريحٌ شديدة ما رأيتُ مثلها قطُّ ، ثم ذهبَتْ ،ثم جاءت ریحٌ شديدة لمأَر مثلها
قطُّ إلا التى كانت قبلها، ثم جاءت ريحُ شديدةٌ، قال: فكانت الريح الأُولى جبريل صلى الله
عليه وسلم، نزل فى ألف من الملائكة ، وكانت الريح الثانية ميكائيل نزل فى ألف من
الملائكة عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أبو بكر عن يمينه ، وكانت الثالثة
إسرافيل نزل فى ألف من الملائكة عن مَيْسَرَةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنا فى الميسرة ،
(١) سورة القمر : الآيتان ٤٥، ٤٦
(٢) سورة الأنفال : الآية ٩
(٣) سورة آل عمران: الآية ١٢٤
(٤) سورة الأنفال : الآية ١٢
- ٦١ -

فلما هزم الله تعالى أعداءه حملنى رسول الله صلى الله عليه وسلم على فرسه، فَجَمزتْ(١) بى، فلما
جَمَزَتْ خَرَرْتُ على عُنُقِها فدعوت ربِّى فأمسكنى، فلما استويتُأُ عليها طَعَنتُ بيدى هذه فى
القوم حتى خَضَبْتُ هذا ، وأشار إلى إبطه .
وروى البخارىّ والبيهقىّ عن ابن عباس رضى الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال يوم بدر : هذا جبريلُ أَخذ برأس فرسه وعليه أَدَاةُ الحَرْب .
وروى ابن إسحاق وابن جرير عن ابن عباس عن رجل من بنى غِفار قال : حضرتُ
أنا وابن عمّ لى بدراً ونحن على شركنا فإنا لفى جبل ننظر الوقعة على مَنْ تكون الدَّبْرَةِ(٢)
فننتهب ، فأَّقبلت سحاية ، فلما دنت من الجبل سمعنا فيها حَمْحَمَةً(٣) وسمعنا فيها فارِسا
يقول : أَقِدِمْ حَيْزُوم ، فأَما صاحبى فانكشف قناعٌ عليه ، فماتَ، وأَما أَنا فكدتُ أَهلك ،
ثم انتعشتُ بعد ذلك.
وروى محمد بن عمر الأُسلمىّ ، عن أبى رهم(٤) الغِفارىّ، عن ابن عَمَّ له قال: بينا
أَنا وابنُ عمّ على ماءِ ببدر فلما رأينَا قِلَّةَ مَنْ مع محمد وكثرةَ قريش قلنا : إذا التقت
الفئتانِ عَمَدنا إلى عسكر محمد وأصحابه فانطلقنا نحو المُجَنَّبة اليُسْرى من أصحابه ،
ونحن نقول : هؤلاء رُبْعُ قريش، فَبَيْنَا نحن نمشى فى المَيْسرَةِ(٥) إِذا جاءت سحابةٌ فَغَشِيَتْنَا
فرفعنا أبصارنا إليها، فسمعنا أصوات الرجال والسلاح، وسمعنا رجلاً يقول لفرسه :
أَقْدِمْ حَيْزُومُ ، وسمعناهم يقولون: رُوَيْداً تَتَامُّ أُمْراكمٍ(٦). فنزلوا على ميمنة رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، ثم جاءت أُخرى مثل ذلك ، فكانت مع النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه ،
فإذا هم على الضُّعف من قريش ، فمات ابن عمِّى، وأَما أَنا فياسكتُ ، وأَخبرتُ النبيَّ صلى الله
عليه وسلم ، وأَسلَمْتُ .
وروى مسلم (٧) وابن مَرَدَوَيْه، عن ابن عباس قال: بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتدُّ
(١) ت، م: ((فخرت بى فوقعت على عقبى فدعوت اللّه فثبتى عليه)).
(٢) ط: ((الدبر))، والدبرة: الدائرة.
(٣) ت، م: ((جمجمة)) بالجيم المعجمة.
(٤) ت، م: ((محمد بن عمر الأسلمى، عن إبراهيم الغفارى، عن ابن عمر له)) والمثبت من الإمتاع ٨٧/١
(٥) فى النسخ: ((فى المسيرة)) والمثبت من الإمتاع ٨٨/١
(٦) الواقدى ٧٧/١
(٧) صحيح مسلم ٧٤/٢
دے
- ٦٢ -
1

فى إثْر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسَّوط فوقه ، وصوت الفارس يقول :
أَقْدِمْ حَيْزُومُ ؛ إذ نظر إلى المشرك أمامه مستلقياً فنظر إليه هو قد خُطِم أَنفه ، وشُقَّ وجهه ،
كضربة السوط فاخضَرَّ ذلك الموضع أجمع ، فجاء الأنصارىُّ فحدّث بذلك رسول الله صلى الله
عليه وسلم فقال : صدقت ، ذلك مَدَدٌ من السماء الثالثة .
وروى ابن إسحاق وإسحاقُ بنُ راهَوَيْه ، عن ابن أُسَيْدِ الساعدىِّ أَنه قال بعد ما عَيِىَ :
لو كُنْتُ معكم بيدر الآن ومعى بصرِى لأخبرتكم بالشِّعب الذى خرجت منه الملائكة ،
لا أَشُكُّ فيه ولا أَتمارى .
وروى الإمام أحمد(١) والبزّار والحاكم برجال الصحيح، عن علىّ قال : قيل لى ولأَبى
بكر يوم بدر ، قيل لأحدنا : معك جبريل ، وقيل للآخر : معك ميكائيل . وإسرافيل ملك
عظيم يشهد القتال ولا يقاتل يكون فى الصَّفِّ.
وروى إبراهيم الحربىّ، عن أبى سفيان بن الحارث قال: لقينا يوم بدر رجالاً بِيضًا
على خيل بُلْق بين السماء والأرض.وروى الحاكم وصحَّحه البيهقىّ وأبو نعيم ، عن سهيل
ابن حنيف قال : لِقِد رأيتُنا يوم بدر وإن أحدنا ليُشير بسيفه إلى رأس المشرك، قيقَع
رأسُه قبل أن يصل إليه .
وروى البيهقىّ عن الرَّبيع بن أنس قال : كان الناس يعرفون قتلى الملائكة من قتلوه
بضَرْبٍ فوق الأعناق وعلى البَنان مثل سِمَة النار قد احترق .
وروى البيهقىّ وابن عساكر عن سُهَيْل بن عمرو رضى الله عنه قال : لقد رأيتُ يوم
بدر رجالاً بيضًا على خيل بُلْق بين السماء والأرض ، مُعَلَمِين، يقتلون ويأُسرّون .
وروى البَيْهَقِىُّ عن خارِجَةً بن إبراهيم عن أبيه (٢)قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
لجبريل : مَن القائل يوم بدر من الملائكة : أَقْدِمْ حَيْزومُ ؟ فقال جبريل : ما كلُّ أَهل
السّماء أعرف.
(١) مسند أحمد ج ٢٥٥/٢/ ط دار المعارف . الحديث رقم ١٢٥٦
(٢) م: ((من أمية)).
- ٦٣ -
،

وروى البيهقىّ عن حكيم بن حزام قال: لقد رأَيْتنا يوم بدر وقد وقع بوادِى خَلْص(١)
بِجادٌ من السَّماء قد سَدَّ الأُفق، فإذا الوَادِى يَسيل نَملاً فوقَع فى نفسِى أَن هذا شىءٍ أَيِّد به
محمد صلى الله عليه وسلم ، فما كانت إلا الهزيمة ، وهى الملائكة .
وروى محمد بن عمر الأسلمىّ : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يومئذ : هذا
جبريلُ يسوق الريحَ كأَنَّ دِخْيَةُ الكلىّ؛ إنِّى نُصِرتُ بالصِّبا، وأُهْلِكتْ عادٌ بالدّبُور.
وروى محمد بن عمر الأسلمىّ وابن عساكر ، عن عبد الرحمن بن عوف قال : رأيتُ
يوم بدر رجلين : عن يمين النبيُّ صلى الله عليه وسلم أحدهما ، وعن يساره أحدهما ،
يُقاتِلان أَشدّ القتال، ثم ثَلَّئهما ثالث من خلفه ، ثم ربَّعهما رابع أمامه.
وروى ابن سعد عن حُوَيْطِب بن عبد العُزَّى ، قال : لقد شهدتُ بدراً مع المشركين
فرأيتُ عِبَرًا(٢)؛ رأيتُ الملائكة تَقْتَتِل وتأثير بين السماء والأرض.
وروى البيهقىّ عن السَّائِب بن أَبِى حُبّيش (٣) رضى الله عنه أنه كان يقول: والله
ما أَسرنى أحد من الناس ، فيقال : فمن ؟ فيقول: لمّا انهزمتْ قُريشٌ انهزمتُ معها فيدركنى
رجل أبيضُ طويلٌ على فرس أَبلَق بين السماء والأرض ، فأَوثَقَنِى رباطاً ، وجاء عبد الرحمن
ابن عوف فوجدنى مربوطا ، فنادى فى العسكر : من أَسَر هذا ؟ فليس أحد يزعم أنه
أُسرنى، حتى انتهى بى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((يابن أبى حُبَيْش)) مَنْ
أُسرك ؟ فقلت: لا أَعرفه، وكرهتُ أَن أُخبره بالذى رأيتُ، فقال: أَسرَك مَلَك من
الملائكة .
وروى محمد بن عمر الأسلمىّ والبيهقىّ، عن أبى بُردة بن نِيار رضى الله عنه قال :
- جئتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم (٤يوم بدر بثلاثة رؤوس٤) فقلت له : يا رسول الله،
(١) معجم ما استعجم / ٣١٦ ط باريس: ((خلص - بفتح أوله وإسكان ثانيه وبالصاد المهملة - واد من أودية
خيبر )) .
(٢) ط: ((عيرا)) تصحيف.
(٣) ((عن السائب، عن أبى بن أبى حبيش)) تحريف، وانظر ((أسد الغابة )) = ٢ ص ٥٠
(٤-٤) تكملة من المغازى للواقدى ٧٨/١
- ٦٤ -

أمّا رأسان فقتلتهما، وأَما الثالث فإنى رأيتُ رجلا أبيضَ طويلا ضربه فَتَدَهْدَى(١) أمامه،
فَأَخذتُ رأسه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ذاك فُلانٌ من الملائكة .
وروى البيهقىّ ، عن ابن عباس قال : كان المَلَكُ يُتَصوَّر فى صورة مَنْ يَعرِفون من
الناس يُثَبِّتُونَهم ، فيقول : إنى قد دنوتُ منهم وسمعتُهم يقولون: لو حملوا علينا ما ثَبَتْنا،
.
ليسوا بشىء ، إلى غير ذلك من القَوْل
وروى ابن راهَوَيْه وأبو نعيم والبيهقىّ بسندٍ حَسَنٍ عن ابنِ جُبَير بن مُطعِم قال : رأيتُ
قبلَ هَزيمةِ القَومِ ، والناس يقتتلون ، مِثِلَ البِجادِ الأَسْود مَبْثوثُ ، حتى امتلاً الوَادِى ،
فلم أَشكّ أنها الملائكة ، فلم يكن إلا هزيمة القوم .
وروى الإمام أحمد وابن سعد وابن جرير عن ابن عباس ، والبيهقىّ عن علىّ رضى الله
عنهما، قال: كان الذى أَسر العبّاس أبو اليَسَر (٢) - بالمثناه التحتية والسين المهملة - وكان
رجلاً مجموعاً وكان العبّاسُ رجلا جَسِيماً ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
يا أَبا اليَسَر كيف أسرتَ العبّاس؟ قال: يا رسول الله لقد أَعانى عليه رجلٌ ما رأيتُه قبل
ذلك ولابعده ، هيئتُه كذا وكذا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لقد أعانك عليه
ملَكّ کریم.
وروى ابن سعد وأبو الشيخ (٣) عن عطية بن قيس قال: لما فرغ رسول الله صلى الله عليه
وسلم من قتال بدر جاء جبريل على فرس أُنثى أحمر، عليه دِرعُه، ومعه رُمحه ، فقال :
يا محمد ، إن الله بعثنى إليك وأمرنى أَلاَّ أُفارقك حتى ترضى ، هل رضيت؟ قال : نعم ،
رَضِیت ، فانصرف .
وروى أبو يَعْلَى عن جابر قال : كنا نُصلِّى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى غزوة
بدر إِذ تبسّم فى صلاته ، فلما قضى صلاته قلنا يارسول الله : رأيناك تبسمتَ ، قال :
مرَّ بِى ميكائيلُ وعلى جناحه أَثر الغبار ، وهو راجع من طلب القوم ، فضحك إِلىّ فتبَسَّمْتُ إليه .
(١) تدهدى : تدحرج .
(٢) هو أبو اليسر بفتحتين السلمى كعب بن عمرو، بدرى جليل (المشتبه فى الرجال ٨٠/١). وعند الواقدى ١٧٠
((أبو اليسر، واسمه كعب بن عمرو بن عباد بن عمرو بن سواد)).
(٣) ط: ((وأبو نعيم عن عطية)).
- ٦٥ -
(٥ - سبل الهدى والرشاد جـ ٤ )

وروى البخارىّ(١) عن رفاعة بن رافع الزُّرَقِيّ قال : جاء جبريل إلى النبيِّ صلى الله عليه
وسلم فقال: ما تَعُدُّون أَهلَ بدر فيكم؟ قلنا : من أَفضل المسلمين ، أو كلمةً نحوها .
قال جبريل : وكذلك مَنْ شَهِدَ بدراً من الملائكة .
وروى ابن سعد عن(٢) عكرمة قال: كان يومئذ يَنْدُر (٣) رأسُ الرجل لايُدْرَى مَنْ
ضربه، وَتَنْدر (٣) يدُ الرجل لايُدْرَى مَنْ ضَرَبه.
وروى ابنُ جَرِير وابن المنذر عن ابن عباس فى قوله تعالى: ﴿مُرْدِفِين﴾(٤) وقال: وراءِ
كل مَلَكَ مَلَك .
وروى عَبْد بنُ حميد وابن جرير عن قتادة فى الآية قال: مُتَتَابعين ؛ أَمدَّهم الله تعالى بألف
ثم بثلاثة ، ثم أكملهم خمسة آلاف .
وروى ابنُ إسحاق والبيهقىّ عن أَبى واقد الليْىّ قال: إنى لأَُّبَعُ يوم بدر رجلا من
المشركين لأَضربَه فوقع رأسه قبل أن يصلَ إليه سيفى، فعرفتُ أَن غيرى قتله .
وروى البيهقىّ عن حمزة بن صهيب عن أبيه قال : ما أدرى(٥) كم يَدٍ مقطوعة أو ضربة
جائفةٍ لم يَدْمَ كَلْمُها يوم بدر ، وقد رأَيُتها .
وروى أبو نعيم عن أبى دارة قال : حدثنى رجل من قومى من بنى سعد بن بكر قال :
إنى لمنهزم يوم بدر إذا أبصرت رجلاً بين يدىّ منهزماً، فقلت: أَلحقه. فأَستأئِس به ،
فتدلّ من جُرْف ولِحقته ، فإذا رأْسه قد زايله ساقطاً ، وما رأَيْتُ قُرْبَه أَحدا .
وروى الطبرانىّ عن رفاعة بن رافع ، وابن جرير وابن المنذر وابن مَرْدَوَيْه ، عن ابن
عباس قال : أَمدّ اللّه تعالى نَبِيَّه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بأَلْف؛ فكان جبريل فى خمسمائةٌ
مُجَنِّبة، وميكائيل فى خمسمائةٍ مُجَنَّبَة ، وجاءَ إبليس فى جُندْ من الشياطين معه رَايتُه فى
صورة رجال من بَنِى مُدْلِج ، والشيطان فى صورة سراقة بن مالك بن جُعْثُم ، فقال الشيطان
(١) البخارى ١٣/٥-١٤
(٢) ط: ((ابن سعيد)).
(٣) ط: ((تنذر)) ((تصحيف)).
(٤) من الآية ٩/ سورة الأنفال. والآية: ((إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أنى مدكم بألف من الملائكة مردفين)).
(٥) الواقدى ٧٨/١ - البداية والنهاية ٢٨١/٣ -الإمتاع ٨٨/١، ٨٩
- ٦٦ -

للمشركين : لا غالبَ لكم اليوم من الناس ، وإِنِّى جارٌ لكم ، وأَقْبل جبريلُ إلى إبليسَ فلما
رآه - وكانت يده فى يد رجل من المشركين - انتزع إبليس يده. ثم ولّى مُدبراً وشيعتُه(١).
فقال الرجل : يا سُراقة ، أَلستَ تزعم أَنَّك جارٌ لنا ، فقال : إنى أَرى مالا تَرَوْن، إِنِّى
أَخَافُ اللهَ، واللهُ شَدِيدُ العقاب ؛ فذلك حين رأى الملائكة ، فتشبّثَ به الحارث بن هشام ،
وأسلم بعد ذلك ، وهو يرى أنه سُراقة لما سمع كلامه ، فضرب الشيطان فى صدر الحارث
فسقط الحارث ، وانطلق إِبليس لا يَذْوِى(٢)، حتى سقط فى البحر ، ورفع يديه وقال: ياربّ ،
موعدُك الذى وعدتَنى ، اللهم إنى أَسْأَلُك ذَثْرِتَك إيّاى. وخاف أَن يَخْلُصَ إليه القتل ،
فقال أبو جهل : يا معشرَ النَّاس لا يَهُمَّنَّكم خِذلانُ سُراقة ؛ فإنه كان على ميعاد من محمد ،
ولا يَهُمّنكم قتلُ عُتبة وشَيْبَة؛ فإنهم قد عَجِلُوا ، فَوَالَّلاتِ والعُزَّى لا نرجع حتى نَقرِنَ
محمداً وأصحابَه بالحِبال، ولا أُلْفِينَّ رجلاً منكم قتل رجلاً منهم ، ولكن خذوهم أخذاً
حتى نُعَرِّفَهم (٢) سُوءَ صنيعهم. ويُروى أنهم رأوا سُراقة بمكة بعد ذلك فقالوا له : ياسُراقة
أَخرمتَ (٤) الصفَّ، وأَوقعتَ فينا الهزيمة، فقال: والله ما علمتُ بشىء من أمركم حتى كانت
هزيمتكم ، وما شهدتُ وما علمتُ ، فما صَدَّقوه حتى أَسلموا وسمعوا ما أنزل الله تعالى فيه .
فعلموا أنه كان إبليس تمثّل لهم .
وروى ابنُ أَبِنى حاتم عن الشعبىّ قال : بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين
أَن كُرز بن جابر المحاربىّ يريد أَن يَمُدَّ المشركين فشقَّ ذلك عليهم، فأنزل الله تعالى :
﴿ أَنْ يَكفيَكم أَن يُمِدَّكم ربُّكم بثلاثة آلاف من الملائكة مُنْزَلِين بلَى إِنْ تَصِروا وتَتَّقُوا
ويأُتُوكم من فورهم هذا يُمْدِذْكُمْ ربُّكم بخمسةِ آلاف من الملائكة مُسوَّمين ﴾(٥) فبلغ كُرز
الهزيمةُ فرجع ولم يأْتِهم فلم يُددهم الله بالخمسة آلاف ، وكانوا قد أُمِدُوا بأَلْف من الملائكة .
وروى عَبْدُ بن حميدوابن جرير عن قتادة فى قوله ﴿ مُردِفِين﴾ قال: متتابعين، أَمدّهم الله
تعالى بألف ، ثم بثلاثة ، ثم أكملهم بخمسة آلاف .
(١) البداية والنهاية ٢٨٣/٣
(٢) م: ((لا يدرى)).
(٣) ط : (حتى تعرفوهم)).
(٤) ط: (((أخرت)).
(٥) سورة آل عمران: الآيتان ١٢٤، ١٢٥
- ٦٧ -

ذكر سيماء الملائكة يوم بدر
وروى ابن سعد عن عبَّاد بن حمزة بن الزِّبير قال: نزلت الملائكة، يوم بدر عليهم
عمائِمُ صُفْر ، وكان على الزبير يوم بدر رَيْطة صَفْراء قد اعتجر بها .
٠
وروى البيهقىّ عن ابن عباس قال : كانت سِيمًا الملائكة يوم بدر عمائِمَ بِیض قد
قد أرسلوها عَلَى ظهورهم، ويوم خيبر(١) عمائِمَ حُمراً .
وروى الطبرانيّ وابن مَرْتَوَيْه بسند ضعيف عن ابن عباس مرفوعاً فى قوله تعالى:
﴿مُسَوَّمين) قال: معلَّمين ، وكانت سيما الملائكة يوم بدر عمائم سود، ويوم أُحد عمائم
حُمر .
٠
وروى ابن أبى شيبة وابن جرير وابن مردويه عن عبد الله بن الزبير أن الزبير كان
عليه يوم بدر عمامة صفراء معتجراً بها ، فنزلت الملائكة عليهم عمائمُ صُفْر .
وروى الطَّبرانُّ بسند صحيح، عن عُروةً قال : نزل جبريل يوم بدر على سِيما الزّبير،
وهو مُعْتجِر بعمامة صفراءً .
وروى ابن إسحاق: حدَّثْنى مَنْ لا أَنَّهم عن مِقْسَم (٢ مولى عبد الله بن الحارث(٢) عن ابن
عباس قال : كانت سِما الملائكة يوم بدر عمائِمَ بيض قد أَرخَوْها على ظهورهم إلا جبريل
فإنه كانت عليه غمامةٌ صفراء .
وروى أبو نُعَيم فى فضائل الصحابة وابن عساكر ، عن عبّاد(٣) بن عبد الله بن الزبير
أنه بلغه أُن الملائکة نزلت یوم بدر وهم طیرٌ بیض علیھم عمائمُ مُفر ، و کان علی رأس
الزبير يومئذ عمامةٌ صفراءُ من بين الناس ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : نزلت الملائكة
على سِبما أبى عبد الله، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه عمامةٌ صفراءُ.
قال ابن سعد : وكانت سِيما الملائكة يوم بدر عمائمَ قد أُرخَوْها بين أكتافهم خُضر
(١) ابن هشام ٢٨٦/٢ ((ويوم حنين)).
(٢-٢) تكملة من ابن هشام.
(٣) ط: ((عن ابن عباد)).
(٤) ابن هشام ٢٨٦/٢ - الواقدى ٧٥/١ - البداية والنهاية ٢٨١/٣
- ٦٨ -
---- - ---- ------

وصُفر وحُمر من نور ، والصُّوف من نَواصِى خيلهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
لأَصحابه: إن الملائكة قد سُوِّمت فسَوَّمُوا، فَأَعْلَمُوا بالصَّوف فى مَغافِرِهم(١) وقلانسهم
وكانت الملائكة على خيل بُلْق .
وروى ابن أبى شيبة وابن جرير عن عُمير بن إسحاق قال : إِن أَول ما كان الصُّوف
ليوم بدر ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تَسَوَّموا فإن الملائكة قد تسوَّمت ، فهو أول
يومٍ وَضْعِ الصوف .
وروى ابنُ أبى شيبة وابن المنذر ، عن علىّ رضى الله عنه قال : كان سِيما الملائكة يوم
بدر الصوف الأبيض فى نَواصِى الخيل وأُذِنَّا بها.
وروى ابن المنذر وابن أبى حاتم عن أبى هريرة فى قوله: ﴿ مُسوَّمين ﴾ قال : بالعِهِنِ
الأحمر . ١
وروى ابن حريرة(٢) وابن أبى حاتم عن ابن عباس قال: أَتَوْا - أَى الملائكة - مُسَوَّمين
فسوَّم النبيُّ صلى الله عليه وسلم وأصحابُه أَنفسَهم وخيلَهم على سِماهم بالصوف .
وروى عبد بن حميد وابن جرير عن قتادَةً قال: ذُكِر لنا أَن سِيمَاهم - أَى الملائكة -
يومئذ الصوف بنواصى خيلهم ، وأُذِنَّا بها ، وأنهم على خيلٍ بُلْق.
ذكر شعار المسلمين يومئذ
روى البيهتىّ عن عروة قال : كان شعارُ المهاجرين يومئذ: يابنى عبد الرحمن ، وشِعارُ
الخَزْرَج: يابنى عبد الله، وشِعار الأَوس: يابنى مُبَيْد الله. وسَمَّى خيلَه خيلَ الله، وكذا
قال ابن سعد، ويقال : كان شعار الجميع يومئذ : يامنصورُ أَمِتْ .
وروى الحارث بن أبى أسامة ، عن زيد بن علىّ ، قال : كان شعار النبى صلى الله عليه
وسلم : يا منصور أَمِتْ، ويقال: أَحَدٌ أَحَدُ . ولما تنزَّلت الملائكة للنصر، ورآهم رسول الله
صلى الله عليه وسلم حين أَغْفَى إِغْفاءة، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من العريش
فى الدِّرع، فجعل يُحرِّض الناس على القتال، ويبشِّر الناسَ بالجنة، ويشجُعهم بنزول
(١) ط: ((فى معارفهم)) تحريف.
(٢) المشتبه الذهبي ١٥٢/١ ط الحلبى.
- ٦٩ -

الملائكة - والناس بعدُ على مضافٌّهم لم يحملوا على عدوّهم - حَصَل لهم السكينة والطُّمَنينة ،
وقد حصل النُّعاس الذى هو دليل على الطُّمأنينة والثبات والإيمان ، كما قال تعالى: ﴿ إِذْ
يُغَشِّيكم النُّعاسَ أَمَنةً منه﴾(١). ولهذا قال ابن مسعود رضى الله عنه: النَّعاس فى المصافّ من
الإِيمان ، والنُّعاس فى الصلاة من النِّفاق.
ذكر التحام القتال ومقتل عمير بن الحمام مضبى اللّه"
قال ابن إسحاق وغيره : ثم تزاحف الناس ودنا بعضهم من بعض ، فخرج رسول
الله صلى الله عليه وسلم إلى الناس فحرَّضهم فقال: ((قُومُوا إلى جنةٍ عرضها السموات والأرض،
والذى نَفسِى بيده لايُقاتلهم اليوم رجل فيُقْتَّل صابرًا محتسبًا مُقْبِلًا غيرَ مُدير إِلا أَدخَلَه
الله الجنة)). فقال .. كما فى صحيح(٢) مُسلمٍ وغيرِه - عُمَيرْ بنُ الحمامُ أَخو بنى سَلَمة وفى
يده تَمراتُ يأكلهنَّ: بَخٍ بَخٍ يا رسول الله، عَرضُها السَّمَواتُ والأَرض ؟! قال : نعم.
قال : أَفَمَا بَيْنِى وبين أَن أَدخل الجنة إلا أَن يقتلنى هَؤُلَاءِ ؟ وفى رواية قال : لئن حَبِيتُ
حتى آكلَ تَمَراتى هذه إنها لحياة طويلة. ثم قذف الثَّمرات من يده، وأخذ سيفَه فقاتل
القوم حتى قُتل. وذكر ابنُ جَرير أَنَّ عُمَيْرًا قاتَل وهو يقول :
رَكْضًا إِلى الله بغَيرٍ زادٍ إِلا التُّقَى وعملَ المعادِ
وكُلُّ زادٍ عُرْضَةُ النَّفَارِ(٣)
والصّبرَ فى الله على الجهادِ
• غير الثُّعَى والبرِّ والرَّشاد.
قال ابن عقبة : فكان أولَ قتيل قُتل من المسلمين ، وقال ابن سعد: مِهْجَعَ مَوْلى عمر
ابن الخطاب .
مقتل عوف بن الحَارث
قال ابن إسحاق : وحدَّثنى عاصم بن عمر بن قتادة: أَن عوف بن الحارث وهو ابنُ
عَفْراءَ قال : يا رسول الله: مِمَّ يضحَكُ الربُّ من عَبْده؟ قال: غَمْسُهُ يدَه فى العَدِّ حاسِرًا ؟
فنزع درعًا كانت عليه فألقاها ، ثم أخذ سيفه فقاتل القوم حتى قُتل رضى الله عنه.
(١) سورة الأنفال : الآية ١١
(٢) صحيح مسلم ١٣٧/٢
(٣) البداية والنهاية ٢٧٧/٣ ط النصر بالرياض.
- ٧٠ -

وقاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ بنفسه قتالًا شديدًا، وكذلك أبوبكر
رضى الله عنه، كما كانا فى العريش يُجاهِدان بالدُّعاءِ والتَّضرع، ثم نزلا فَحَرَّضا وحَثًّا
على القتال ، وقاتلا بأبدانهما ؛ جَمْعًا بين المَقَامَيْن.
روى ابن سعد ، والفِريائىّ(١)، عن علىّ رضى الله عنه قال: لما كان يوم بدر وحَضَر
البأُس (٢) أَمَّنَا رسول الله صلى الله عليه وسلم واتَّقَيْنَا به، وكان أشدَّ الناس بَأْسًا يومئذ،
وما كان أحدٌ أَقربَ إلى المشركين منه. وروى الإِمام(٣) أَحمد بلفظ: ((لقد رأيتُنا يوم
بدر ونحن نلوذ برسول الله صلى الله عليه وسلم )). والنسائى بلفظ: « كُنَّا إِذا حَيِى البأْسُ
ولَقِى القَوْمُ القَوْمَ اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم )» .
ذكر دعاء أبى جمل على نفسه
روى ابن إسحاق والإمام أحمد، عن عبد الله بن ثعلبة بن صُعَيْر - بالمهملتين مصغًّا -
العُذْرىّ وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال : لما التقى الناس ودنا بعضهم من بعض
قال أبو جهل(٤): ((اللهم أَقْطَعُنا للرحم وآتانا بما لايُعرَف فأَحِنِ الغَداةَ، اللهم مَنْ كان
أحبَّ إِليك وأرضى عندك فانصره اليوم». فكان هو المُسْتَفْتِحَ على نفسه، فأَنزل الله
تعالى: ﴿ إِن تَسْتَفْتِحُوا فقد جاءكم الفَتْح(٥)﴾.
ذكر مقتل عدو الله أميّة بن خلف
روى البخارىّ عن ابن مسعود رضى الله عنه عن سعد بن معاذ أنه كان صديقا لأُمية
بن خلف، وكان أُمية إذا نزل بالمدينة مرَّ على سعد ، وكان سعدٌ إذا مرّ بمكة نزل على
أمية ؛ فلمَّا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة انطلق سعد معتمرًا (٦) ، فنزل على أُميَّة
بمكة فقال لأُمية : انظرْ لى ساعة خَلْوَة لَعَلَّى أَن أَطُوفَ بالبَيْت ، فخرج به قريبا من نصف
(١) ط، م: ((الغريابى)) تحريف. وهو أبو عمرو عبد الله بن محمد بن يوسف بن واقد الفريابي. المشتبه الذهبى
٠٠٧/٢ طـ الحلبى .
(٢) ط، م: ((وحضر الناس)) وهو تصحيف.
(٣) مسند أحمد حديث ١٠٤٢ ط دار المعارف، مع اختلاف فى عبارة الحديث.
(٤) البداية والنهاية ٢٨٢/٣
(٥) سورة الأنفال : الآية ١٩
(٦) م ، ت، ط: ((معتمداً).
- ٧١ -

النهار فلقيهما أبو جهل فقال : يا أَبا صَفْوان من هذا معك ؟ فقال ، هذا سعد ، فقال
له أبو جهل : أَلا أراك تطوف بمكة آمنًا، وقد آويْتُم الصُّبَاة وزعمتم أنكم تنصرونهم
وتُعِينُونَهم، أما واللهِ لولا أَنَّك مع أَبى صَفْوان مارجعتَ إلى أهلك سالمًا، فقال له سعد
ورفع صوته عليه : أَمَا والله لئن منعتنى هذا لأَمنَعَنَّك ماهو أشدُّ عليك منه، طريقَك إِلى
المدينة، فقال له أُميَّة : لا ترفع صوتك على أبى الحكم سَيِّدِ أَملِ الوادى ، فقال سعد :
دعنا عنك يا أُميَّة، فوالله لقد سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنه قاتِلُك
وفى لفظٍ: إنهم قاتلوك (١). قال: إِيّى ؟! قال: نعم. قال: بمكة ؟ قال : لاأدرى،
ففزع لذلك أُميةُ فزعًا شديدًا وقال: والله مايكذبُ محمد إذا حَدَّث . فلما رجع أُمية إلى
أهله قال : يا أُمَّ صفوان، أَلم تَرَىْ ما قال لى سعد ؟ قالت: وما قال لك ؟ قال : زَعَم
أن محمدًا أَخبرهم أنَّهم قاتِلِىّ. فقلت له : بمكة ؟ قال: لا أدرى، فقال أُمية: والله لا أُخرج
من مكة. فلما كان يوم بدر استنفر أبو جهل الناسَ فقال: أَدركوا عِيركم، فكَرِهِ أُميَّةُ
أن يخرجَ ، فأتاه أبو جهل فقال: يا أَبا صفوان إِنك متى يَرَكَ النَّاس قد تخلَّفْتَ - وأنت
سيِّدُ أَهلِ الوادى - تَخلَّفوا معك، فلم يزل به أبو جهل حتى قال: أَمَا إِذْ غَلَبْتَنِى لِأَشترينَّ
أجود بعير بمكة(٢).
وعن(٣) ابن إسحاق أن عقبة بن أبي معيط أَنَى أمية بن خلف لمَّا أَجمع القُعود،
وهو جالس فى المسجد بين ظهرانى قومهِ بِمِجْمَرَةٍ يحملها ، فيها نار وبخور(٤) ، حتى وضعها
بين يديه ، ثم قال : يا أَبا علىّ استجمرْ فإنما أنت من النساءِ ، قال: قَبَّحك الله وقبّح
ما جئتَ به ، ثم قال أُمية: يا أُمَّ صفوان جَهْزِينى ، قالت : يا أَبا صفوان، أنسيتَ
ما قال لك أَخوك اليَثْرِبِىّ؟! قال: لا ، ما أُريد أَن أَجوز معهم إلا قريبًا. فلما خرج أَخذ
لايترك منزلًاً إلا عَقَل بعيرَه ، فلم يزل كذلك حتى قتله الله ببدر .
(١) رواية: ((إنهم قاتلوك)» فى البخارى٣/٥
(٢) الحديث كله فى البخارى ٣/٥ مع بعض اختلاف فى العبارة.
(٣) البداية والنهاية ٢٥٨/٣
(٤) ط: ((ومجمر)). والمجمر: البخور .
- ٧٢ -
٠
١٠
٤٠

وروى البخارىّ وابن إسحاق واللفظ له عن عبد الرحمن(١) بن عوفْ رضى الله عنه،
قال : كان أُمية بن خَلَف لى صَدِيقا بمكة ، وكان اسمى عبد عمرو ، فتسمَّيتُ حين أسلمت
عبد الرحمن ، فكان يلقانى إذ نحن بمكة فيقول : يا عبد عمرو أَرغبتَ عن اسم سَّاك به
أبوك ؟ فأقول : نعم، فيقول: إنى لا أعرف الرحمن فاجعلْ بينى وبينك شيئًا أدعوك به،
أَمَّا أَنت فلا تجيبنى باسمك الأُول، وأما أنا فلا أدعوك بما لا أعرف. قال: وكان إِذا
دعانى عبد عمرو لم أُجبه . قال: فقلت له: يا أَبا علىّ اجعل بينى وبينك ما شئتَ ، قال:
فأَنت عبد الإِله، قلت : نعم ، قال: فكنت إذا مررت به قال : ياعبد الإله فأُجيبه ،
فأَتحدث معه ، فلما هاجرتُ إلى المدينة كاتبتُه كتابًا ليحفظنى فى ضائقتى، وأَحفظه فى
ضائقته بالمدينة ، فلما كان يوم بدر خرجتُ لأحرزه(٢) من القتل ، فوجدته مع ابنه علّ
ابن أُمية ، أَخذ بيده، ومعى أَدْرَاعٌ(٣ قد استلبْتُها فأَنا أَحملها٣)، فلما رآنى قال : ياعبد
عمرو فلم أُجبه ، فقال : ياعبد الإِله، فقلت : نعم. قال : هل لك فِيَّ، فأَنا خير لك
من هذه الأُذْرَاعِ التى معك ؟ قلت: نعم بالله إذًا (٤)، فطرحتُ الأَدراعَ من يدى فأخذتُ بيدِهِ
ويدِ ابنهٍ وهو يقول : ما رأيتُ كاليوم قطُّ ، أَمَا لكم حاجة فى اللَّبن، ثم خرجتُ أَمشى
بهما، فقال(٥) لى ابنه : ياعبد الإله، من الرجل منكم المُعَلَّم بريشَةٍ نَعامةٍ فى صدره ،
قلت : ذاك حمزة بن عبد المطلب ، قال : ذاك الذى فعل بنا الأفاعيل ، قال عبد الرحمن :
فوالله إنى لأُمودهما إذارآه بلال معى. وكان هو الذى يُعذّب بلالا بمكة حتى يترك الإِسلام
فلما رآه قال : رأْسُ الكفر أُميَّةُ بن خلف لا نجوتُ إِنْ نجا ، ثم نادى : يا معشر
الأَنصار، فخرج معه فريق من الأَنصار فى آثارنا ، فلما خَشِيتُ أَن يلحقونا أَطْلَقْتُ لهم
ابنَه لأشغلهم به ، وكان أُمية رجلا ثقيلا ، فقلت : ابرْ ، فبرك ، فأَلقيتُ نفسى عليه
لأَمنعه، فأَحاطوا بنا حتى جعلونا فى مثل الدَّسْكَرة - وفى لفظِ المَسكة - وأَنا أَذبُّ عنه ،
(١) الواقدى ٨٢/١ - الطبرى ٢٨٢/٢ - البداية والنهاية ٢٨٦/٣
(٢) م؛ ((لأحذره)).
(٣-٣) تكلة من ابن هشام ٢٨٤/٢
(٤) ابن هشام ٢٨٤/٢: ((ها الله ذا)) - البداية والنهاية ٢٨٦/٣: ((نعم ها الله)).
(٥) ابن هشام ٢٨٤/٢: ((قال أمية بن خلف)). وفى البداية والنهاية ٢٨٦/٣: ((قال لى أمية بن خلف وأنا بينه
و پین ابته آخذاً بايدیہماً » .
- ٧٣ -

فأُخلفَ رجلُ السيفَ فضرب رِجْلَ ابنه فوقع ، وصاح أُمية صيحةً ما سمعت مثلها قط ،
فقلت: انجُ بنَفْسك ولا نَجاءَ بك، فوالله ما أُغْنِى عنك شيئًا، قال : فَهبَرُوه(١) بأسيافهم
وأصاب أحدُهم ظهرَ رجلى بسيفه ، فكان عبد الرحمن يقول : يرحم الله بلالاً ؛ ذهبتْ
أَدْرَاعِى، وفجَعَنِى بِأَسِيرَىَّ(٢).
ذكر رمى رسُول الله صَلى اللّهم الكفار بالحصباء
قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْت ولكنّ اللّه رَى )(٣) قال محمد بن عمر
الأسلمىّ: وأُمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ من الحَصْبَاء كفًّا ، فرمى به المشركين ،
وقال: ((شاهَتِ الوُجُوُه، اللهمّ أَرعبْ قلوبهم، وزَلْزِلْ أَقدامَهم))، فانهزم أَعدائُ الله
لا يلوون على شىءٍ، وأَلْقوا دروعهم(٤)، والمسلمون يقتلون ويأسِرون، وما بقى منهم أحدٌ إلا
ملاَّتْ وجهه وعَينيْه ، ما يدرى أين يُوجَّه، والملائكة يقتلونهم .
وروى ابن أبى حاتم ، عن ابن زيد، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ ثلاث
حصيات ، فرمى بحصاة فى ميمنة القوم ، وحصاة فى ميسرة القوم ، وحصاة بين أظهرهم ،
فقال: (شاهت الوجوه))، فانهزم القوم .
ے
وروى الطبرانيّ وابن جرير وابن أبى حاتم بسند حسن ، عن حكيم بن حزام ، قال :
لما كان يوم بدر سمعنا صوتًا وقع من السماء إلى الأرض ، كأَنّه صوت حصاة وقعت
فى طَسْت، ورمى رسول الله صلى الله عليه وسلم بتلك الحصاة وقال: ((شاهت الوجوه))
فانهزمنا .
وروى أبو الشيخ وأَبو نُعَيْم وابن مَرْدَوَيْه ، عن جابر رضى الله عنه قال: سمعتُ
صوت حَصَيات وقَعْنَ من السماءِ يوم بدر كأَّن وقعن فى طَسْت ، فلما اصطَفَّ الناس
أَخذهنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فرمى بِهِنَّ وجوهَ المشركين فانهزموا .
(١) البداية ٢٨٦/٣: ((فهبروهما حتى فرغوا منهما)).
(٢) البداية ٢٨٦/٣: ((وهكذا رواه البخارى فى صحيحه قريباً من هذا السياق)).
(٣) سورة الأنفال : الآية ١٧
(٤) م: ((وادرعوا)).
- ٧٤ -
:٠

وروى الطبرانىّ وأبو الشيخ برجال الصحيح ، عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال لعَلِيُّ: ناوِلْنِى قَبْضةً من حَصْباءِ ، فِرَفَى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم
فى وجوه الكفار ، فما بقى أحد من القوم إلا امتلأَّتْ عَيْنَاه من الحَصْباء .
وروى ابنُ جرير وابن المنذر والبيهقىّ عن ابن عباس والأموىّ ، عن عبد الله بن
ثعلبة بن صُعَيْر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ياربّ إِن تَهْلِك هذه العصابةُ
فلن تُعْبَدَ فى الأَرض أبدً)). فقال له جبريل: خُذ قبضةً من تُراب فارْمِ بها فى وجوههم(١) ،
فما بقى من المشركين من أحد إلا وأَصاب عَيْنيْه ومَنْخِرَيْهِ وَمَه، فَوَلَّوْا مُدْبِرين ، فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: ((اخْمِلُوا))، فلم تكن إلا الهزيمة، فقَتل اللهُ مَنْ
فَتَل من صَنَادِيذهم وأَسَر مَنْ أَسَر، وأنزل الله تعالى: ﴿فلم تَقْتُلُوهٍ ولكنّ اللّه قَتَلهم ،
وما رمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكِنَّ اللهَ رَفَى﴾(٢) قال ابنُ عقبة وابنُ عائذ: فكانت تلك الحَصْباء
عظيماً شأنُها ، لم تترك من المشركين رجلاً إلا مَلَأَّتْ عَيْنَيْه ، وجعل المسلمون يقتلونهم
ويأُسرونهم، وبادر كُلّ رَجُل منهم منكبًّا على وجهه لا يدرى أين يتَوجَّه ، يعالج التراب
ینزعه من عينيه .
قال ابن إسحاق : فكانت الهزيمة ، فقتل الله مَنْ قُتِل من صناديد قريش، وأُسِر مَنْ
أُسِير من أشرافهم، ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى العريش متوشِّحا بالسيف،
فى نَفَرَ من الأنصار يحرسونه يخافون كَرَّةَ العدوّ، وسعد بن معاذ رضى الله عنه قائم على
باب العريش متوشّح بالسيف .
وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه البيهقىّ عن الزهرىّ: ((اللهم اكْفِى نوفلَ بنَ
◌ُويلد))، فأَسره جَبَّارُ بنُ صَخْر ، ولقيه عليَّ فقتله، وقتل علىَّ أيضاً العَاصَ بنَ سَعيد ،
ثم قال : مَنْ لهِ عِلْمُ بنَوْفَل ؟ فقال علىَّ: أَنا قتلتُه، فقال: ((الحمد لله الذى أَجاب
دعوتى منه » .
وقال النبيّ صلى الله عليه وسلم يومئذ - فيما ذكر ابن إسحاق - لبعض أصحابه:
(١) ت، م: ((فرمى بها فى وجوههم فمابق)).
(٢) سورة الأنفال : الآية ١٧
- ٧٥ -

(( إنى قد عَرفتُ أَن رجالا من بنى هاشِمٍ وغيرهم قد أُخْرِجُوا كَرْهًا، لاحاجة لهم بقتالنا .
فمن لَقِىَ منكم أحداً من يَنِى هاشم فلا يقتله ، ومَن لَفِى أَبا البَخْتَرِىِّ فلا يَقْتُله - وإنما
نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قَتْنه لأنه كان أَكفَّ القَوم عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم بمكة ، وكان لايُؤْذِيه ولا يبلغه عنه شئ يكرهه ، وكان فِّن قام فى نَقْضِ
الصحيفة - ومنْ لَقِىَ منكم العَبَّاس بن عبد المطلب فلا يقتله؛ فإِنما خرج مكرهاً، فقال
أبو حُذيفة رضى الله عنه: ((أَنَقْتُل آباءنا وإخواننا وعشيرتنا، ونترك العبّاس، والله
لئن لقيتُه لأُلحِمنَّه السيف (١))، فبلغت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقال لعمر بن الخطاب:
(( يا أبا حفص، أَيُضْرَبُ وَجْهُ عَمِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف ؟!))، فقال عمر:
(( يا رسول الله دَعْنِى فَلْأَضْرِبْ عُنَقه بالسيف - يعنى أَبا حذيفة رضى الله عنه -
فوالله لقد نافق)). فكان أبو حذيفة يقول: ((ما أَنا بآمن من تلك الكلمة التى قلتُها يومئذ
ولا أزال خائفا منها ، إِلاَّ أَن تُكَفِّرَها عنى الشهادة))، فقُتِل يوم اليمامة شهيداً : قال عمر:
(( والله إنه لأَّل يوم كنَّانى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأَبى حفص)).
ولَقَ المُجَذَّر بن زياد البَلَوىّ أَبا البَخْتَرِىّ، فقال له: ((إِنَّ رسول الله صلى الله
عليه وسلم قد نَهَانَا عن قتلك ))، ومع أَبِى الْبَخْتَرِىّ زَمِيلٌ له خرج معه من مَثَّة
وهوِ جُنَادَةُ بنُ مُلَيْحة، قال: وزميلى؟ فقال له المُجدّر : لا والله ما نحن بتاركی زَمِيلك ،
ما أَمرنَا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بك وحدك، قال: لا والله إِذّاً لأَموتَنَّ أَنا وهو
جميعا، لاتُحدِّث عنِّى نساءُ مكة أَنى تركتُ زميلى حِرصًا على الحياة، فقال أبو البختَرِىّ
حين نازله المجدَّرِ وأَبِى إِلاَّ القِتال :
لن يُسلِمَ ابنُ حُرَّةٍ زَمِيلَهْ حتى يَموتَ أَو يرى سَبِيلَهْ(٢)
فاقتتلا فقتله المجدَّر ، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: والذي بعثك
بالحق لقد جهدتُ عليه أن يستأسر فآتيك به فأَبى إِلا إِن يقاتلنى فقاتلته فقتلته .
قال ابن عقبة : ويزعم ناسٌ أَن أَبا اليَسَر قتل أَبا البَخْتَرِىّ، ويأَبِى عُظْمُ الناس
(١) ابن هشام ٢٨١/٢: ((لألحمنه بالسيف)).
(٢) ت، م : لن يسلم ابن حمزة زميله
حتى يموت أو يرى قتيله
وفى البداية ٢٨٥/٣: ((لن يترك)) بدل: ((لن يسلم)) .
- ٧٦ -

إلا أن المُجدَّر هو الذى قتله، بل الذى قتله غير شك أَبو دَاودَ (١) المازنىّ وسلَبَه سيفه
وكان عند بَنِيه حتى باعه بعضُهم من بَعْضٍ ولد أَبى البَخْترِىّ .
ذكر مقتل فرعون هذه الأمة أبى. هلبن هشام وغيره
روى الإمام أحمد والشيخان وغيرُهم عن عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه قال :
إنى لواقفٌ فى الصفّ يوم بدر فنظرتُ عن يميني وعن شمالى فإِذا أَنا بين غُلاميْن من الأَنصار،
حديثة أسنانهما فتمنَّيتُ أَن أكون بين أَضْلَع منهما ، فغمَزَنِى أَحدهما سِرًّا من صاحبه
فقال : أَىْ عَمِّ ، هل تعرفُ أبا جهل ؟ قلتُ : نعم ، فما حاجتك إليه يابن أَخى ؟ْ
قال : أُخِرتُ أَنه يسبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والذى نفسى بيده لئِن رأيتُه
لا يُفارق سَوادِى سوادَه حتى يموت الأَعجل منا ، قال : وغمزنى الآخرُ سِرًّا من صاحبه فقال
مِثْلَها ، فعجبتُ لذلك. قال: فلم أَنشب أَن نظَرتُ إلى أبى جهل يجول فى الناس وهو
١
يرتجز :
* ما تّنقِمُ الحربُ العَوَانُ مِنِّى»
* بازلُ عامَيْن حَدِيثٌ سِنِّى .
• لمثل هذا ولدَتْنِى أُمِّى(٢).
فقلت : أَلا تريانِ ؟ هذا صاحبكما الذى تسألان عنه ، فابتدراه بسيفيهما فضرباه
حتى بَرَدَ ، وانصرفا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه ، فقال : أَيكما قتله ؟
فقال كل واحد منهما : أنا قتلتُه . قال هل مَسَحْتُما سيفيكما ؟ قالا : لا ، فنظر رسول
الله صلى الله عليه وسلم إلى السَّيْفيْن فقال : كلاكما قتله ، وقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم
بسَلَبِهِ لمعاذ بن عمرو بن الجموح، والرجلان: معاذ بن عمرو بن الجموح ومعوِّد بن عفراء(٣).
وروى الإمام أحمد، والبيقىّ عن ابن مسعود رضى الله عنه وابن إسحاق عن معاذ
ابن عمرو ، والبيهقىّ عن ابن عقبة ، والبيهقىّ عن ابن إسحاق . قال معاذ: سمعتُ
(١) الواقدى ٨٠/١
(٢) البداية ٢٨٧/٣
(٣) البخارى ١١/٥: ((وهما ابنا عفراء)).
- ٧٧ -

القوم وأبو جهل فى مثل الخَرَجَة وهم يقولون: أَبو الحكم لايُخْلَص إليه ، فلما سمعتها
جعلتُه من شأنى فعمدتُ(١) نحوه، فلما أَمكننى حملتُ عليه فضربته ضربةٌ أَطَّنتْ قدمَه
بنصف ساقه ، فوالله ماشِبَّهتُها حين طاحَت إِلاَّ بالنَّواة تطيح من تحت مِرْضِخةِ النَّوى،
حين يضرب بها ، قال : وضربنى ابنُه عكرمةُ - وأسلم بعد ذلك - على عَاتِقِى فطرح
يَدِى فتعلَّقَتْ بجلدةٍ من جنبى(٢)، وأَجهضِى القتالُ عنه، فلقد قاتلتُ عامَّة يومى
هذا ، وإنى لأسحبها خلْفِى، فلما آذتْنى وضعتُ قدمى عليها، ثم تمطَّتُ بها عليها حتى
طرحتُها .
قال ابن إسحاق : وعاش بعد ذلك إلى زمن عثمان .
قال القاضى زاد بن وهب فى روايته: ((فجاءً يحمل يدَه فبصق عليها رسولُ الله
صلى الله عليه وسلم فلصقتْ)). كذا نقله عن القاضى فى العيون.
والذى فى الشفاء : وقطع أبو جهل يوم بدر يدَ مُعَوِّذ بن عفراءَ فجاءً يحمل يدَه
فبصق عليها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وأَلصقها فلصقتْ(٣)، رواه ابن وهب. انتهى.
قال ابن(٤) إِسحاق: ثم مَرَّ بأبى جهل وهو عَقِيرٌ مُعُوِّذُ بنُ عَفْرَاءَ ، فضرَبِه
حتى أَثْبَته وبه رَمَق، وقاتل مُعوِّذ حتى قُتِل ، ثم مَرّ عبد الله بن مسعود بأبى جهل
فذكر ما سيأتى .
قال ابن إسحاق : وأَقبل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حتى وقف على القتلى ، فالتمس
أَبًا جَهْل فلم يَجِدْه، حتى عُرِف ذلك فى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ((اللهم
لا يُعْجِزُنى فرعونُ هذه الأُمة)). وقال صلى الله عليه وسلم: ((من ينظر لنا ما صنع
أبو جهل؟ وإن خفِىَ عليكم فى القتلى فانظروا إلى أَثر جُرح فى رُكْبته، فإنى ازدحمتُ
أَنا وهو يوما على مَأْدُبَة(٥) لعبد الله بن جُدعان، ونحن غلامان، وكنت أَشْفَّ (٦)
(١) كذا فى النسخ، وعند ابن هشام ٢٨٧/٢ والبداية والنهاية ٢٨٧/٣: ((فصمدت نحوه))
(٢) ط: ((فعلقت بجلدة فى جنبى)).
(٣) ط: ((فالتصقت)).
(٤) ابن هشام ٢٨٨/٢ والبداية والنهاية ٢٨٧/٣
(٥) ت، م: ((دابة)). والمثبت من ص، وابن هشام ٢٨٨/٢، والواقدى ٩٠/١
(٦) القاموس: شف يشف شفاً: زاد، نقص. وفى ط: ((أكشف)) بدل ((أشفٍ)). والمثبت من باقى النسخ
وابن هشام ٢٨٨/٢
- ٧٨ -

منه بيسير، فدفعتُه فوقع على ركبتيه فجُحِشَ فى إحداهما جَحْشًا لم يزل أَثْرُه به )).
قال عبد الله بن مسعود: فأَّيتُه فوجدتُه بآخر رَمَق فعرفتُه، وكان مُقِنَّعاً بالحديد ،
واضِعاً سيفه على فخذيه ، ليس به جرح ، ولا يستطيع أن يُحرِّك منه عضوًا وهو
منكبُّ ينظر إلى الارض ، فلما رآه ابنُ مسعود طاف حوله ليقتله ، فأراد أن يضربه
بسيفه ، فخشى أَن لايُغْنى سيفُه شيئا، فأَناه من ورائه، قال : ومعى سَيْفُ رَتُّ ومعه
سيف جَيِّد، فجَعلتُ أَنْقَفُ رأسَه بسيفى، وأَذكر نَتْفاً كان برأسى حتى ضعفت
يده، فأخذتُ سيفه، فرفع رَأْسَه فِقال : على من كانت الدَّبْرة وفى رواية : لمن
الدَّائِرة ؟ قلت: الله ورسوله، فأَخذتُ بَلَحيتهِ وقلت: الحمد لله الذى أَخزاك يا عدَّو
الله ، وفى لفظ: هل أَخزاك الله يا عدو الله ؟ قال: بماذا أَخزانى ؟ قال : هل أَعْمَد، وفى لفظ :
أَعذر، وفى لفظ : هل عدا رجل قتلتموه. أَوَ غير أَكَّار قَتَلَى، فرفعتُ سابِغَةً
البَيْضَةِ عن قفاه، فضربتُه فوقع رأسُه بين يديه، ثم سلبتُه. قال ابن عقبة : فلما
نَظَر عبد الله إلى أبى جَهل إذا هو ليس به جراح ، وأبصر في عنقه خَذْراً وفى يديه
وكفّيه كهيئة آثار السياط، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك، فقال :
ذلك ضربُ الملائكة .
قال ابن مسعود: ثم حززتُ رأسه ، ثم جئتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم
فقلتُ : يا رسول الله هذا رأسُ عدوِّ الله أبى جهل ، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم :
اللهِ الذى لا إله إلا هو ؟ وفى لفظٍ : الذى لا إله غيره ، فاستحلفنى ثلاثَ مرات
فَأَلقيتُ رأسَه بين يديه، فقال: الحمد لله الذى أَعزَّ الإِسلامَ وأَهلَه ، ثلاث مرات ،
. وخرَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ساجداً . وفى رواية : صلَّى ركعتين .
قال القاضى: إن ابن مسعود إنما جعل رِجْله على عنُق أبى جهل ليُصدِّق رؤياه ، فإن ابن
قُتيبة ذكر أن أبا جهل قال لابن مسعود: لأَّقتلنَّك ، فقال : والله لقد رأيتُ فى النوم أَنى
أخذتُ حَدَجَةً حَنْظلٍ فوضعتُها بين كتفيْك بنَعْلِى، ولئنْ صدقَتْ رؤياى لِأَطَأَنَّ رقبتك ،
ولأَذبحنَّك ذبحَ الشاةِ .
وروى ابن عائذ عن قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن لكل أُمة فِرْعَوْنًا .
- ٧٩ -

وإن فرعونَ هذه الأُمة أبو جَهْل، قتله شرَّ قِتْلة، قتله ابنا عَفْراء، وقَتَلَتْه الملائكة، وتَدافَّهُ ابنُ
مسعود ))؛ يَغْنِى أَجهزَ عليه :
وروى ابن أبى الدُّنيا فى كتاب ((مَنْ عاش بعد الموت)): عن الشعبىِّ أَنَّ رجلاً قال للنبيّ
صلى الله عليه وسلم : إنى مررتُ بَيَدْر فرأيتُ رجلا يخرج من الأرض فيضربه رجل بمقْمَعَة
معه، حتى يَغِيبَ فى الأرض، ثم يخرج فيفعل به مثل ذلك، فَفَعَل ذلك مِراراً ، فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم : ذاك أبو جَهْل بنُ هِشام، يُعَذَّب إلى يوم القيامة كذلك.
وروى الطَّبرانىُّ وابن أبى الدنيا فى كتاب القبور، واللالكانىّ فى السُّنة، وابن منده ، عن
عبد الله بن عمر رضى الله عنهما قال : بينما أنا سائر بجنبات بدر إذ خرج رجل من حفرة
فى عنقه سلسلة فنادانى : يا عبد الله اسْقِنِى فلا أَدرى . عرف اسمِى أَو دعانى بدعاية العرب،
وخرج رجل من تلك الحفرة فى يده سوط فنادانى: يا عبد الله : لا تَسقِه فإنه كافر ، ثم
ضربه بالسوط فعاد إلى حفرته ، فأُتيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم مُسرِعاً فأخبرتُه فقال لى :
قد رأيتَه(١) ؟ قلت : نعم ، قال : ذاك عدُّ الله أبو جهل، وذاك عذابه إلى يوم القيامة.
مقتل أبى ذات الكرش
روى البخارىُّ عن الزُّبير بن العَوَّام قال: اتميتُ يوم بدر عُبيدةَ بنَ سعيد بن العاص
وهو مُدَجَّج لا يُرَى منه إلا عَيْنَاه، وكان يُكنى أبا ذات الكَرِشِ، فقال: أَنَا أَبو ذَاتٍ
الكّرِشِ، فحملتُ عليه بالعَنَزة(٢) فطعنتُه فى عينه فمات. قال هشام بنُ عُروة : فأخبرت
أَن الزبير قال: لقد وضعتُ رجلى عليه ثم تمطَّيتُ، فكان الجَهْدُأَنْ نَزَعْتُها وقد انثَفِى طرفُها(٣).
قال عروة : فسأله إياها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه إياها، فلما قُبض أَخذَها ، ثم
طلبها أَبو بكر فأعطاه إيَّاها ، فلما قُبِض أبو بكر أَخذها ، ثم سألها عمر فأعطاه إياها ، فلما
قُبِض عمر أَخذَها ، ثم طلبها عثمان منه فأَعطاه إياها ، فلما قُتل وقعتْ عند (٤) آل علىِّ ،
وطلبها عبد الله بنُ الزبير فكانت عنده حتى قُتِلِ(٥).
(١) ص: ((فقال لى: رأيته، قلت: نعم .. ))، وفى ط: ((قد رأيت .. )).
(٢) القاموس: ((المنزة: رمح بين العصا والرمح فيه زج)).
(٣) البخارى ١٤/٥: ((طرفاها)).
(٤) فى النسخ كلها: ((إلى آل على و. والمثبت من البخارى.
(٥) القصة كلها فى البخارى ١٤/٥، ١٥
- ٨٠ -
: