النص المفهرس
صفحات 41-60
حتى إذا كان بعِرْق الظّبْية لقوا رجلا من الأعراب فسألوه عن الناس ، فلم يجدوا عنده خبرًاً ، فقالوا له : سَلَّم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أَوَ فيكم رسول الله ؟ قالوا : نعم ، فسلّم عليه ، ثم قال : إن كنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأَخْبِرْنى عمّا فى بطن ناقتِى هذه، فقال سَلَمة بن سَلامَة بن وقَش: لاتسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأَقْبِلْ علىّ فأَنا أخبرك عن ذلك ؛ قد نَزَوْتَ عليها ففى بَطْنها منك سَخْلة . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مهْ، أَفْحَشْتَ على الرجل ، ثم أعرض عن سَلَمة . ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم سَجْسج وهى بثر الرِّوْحاء ، ثم ارتحل منها حتى إذا كان بالمُنْصَرف تَرك طريق مكة بيسار ، وسلك ذات اليمين على النَّازِيَة ، يريد بَدْرًا ، فسلك فى ناحية فيها حتى إذا جزع(١) واديًا يقال له: الرُّحْقان (٢) بين النَّازِيَة وبين مضيق الصَّفْراء ، ثم على المضيق ، ثم انصبَّ منه حتى إذا كان قريبًا من الصفراء بعث بَسْبس ابن عمرو الجهنىّ حليف بنى ساعدة ، وعدىّ بن أبى الزغباء حليف بنى النجار ، إلى بدر يتَحَسَّسَان له الأخبار عن أبى سفيان . ولما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم صام يوما أو يومين ، ثم نادى مناديه : يا معشر الْعُصاة إِنى مُفْطِرٍ فَأَفطروا ، وذلك أنه قد كان قال لهم قبل ذلك: أُفطروا ، فلم يفعلوا . ثم ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قَدِمَهم ، فلما استقبل الصَّفْراء - وهى قرية بين جبلين - سأل عن جبليها : ما اسماهما ؟ فقالوا : يقال لأحدهما: مُسْلِح ، وقالوا للآخر: مُخْرِى(٣)، وسأل عن أهلها فقيل: بَنُو النَّار وبَنُو حُراق ؛ بطنان من بنى غِفَار، فكرههما رسول الله صلى الله عليه وسلم والمرور بينهما ، وتفاعل بأسمائهما وأسماء أهلهما ، فتركهما رسول الله صلى الله عليه وسلم والصفراء بيسار ، وسلك ذات اليمين على وادٍ (١) م: ((خرج)). وجزع الوادى: قطعة عرضاً". (٢) فى معجم ياقوت ((رحقان)) بضم الراء ثم السكون. (٣) معجم ياقوت ٥٣٢/٤. - ٤١ - يقال له: ذَفِران ، وجزع فيه ثم نزل، وأَتاء(١) الخبر بمسير قريش؛ ليمنعوا عِيرَهم، فاستشار الناس ، فتكلم المهاجرون فأحسنوا ، ثم استشارهم ، وفی روایة فقام أبو بكر فقال فاًّحسن ، ثم قام عمر بن الخطاب فقال وأحسن، ثم قام المِقْدَاد(٢) بنُ الأَسود فقال: يا رسول الله امْضٍ لِما أمرك الله، فنحن معَك، والله ما نَقول لك كما قال قوم(٣) موسى لموسى: ﴿فَاذْهَبْ . أنت وربك فقاتلا إِنَّا ها هنا قاعدون(٤)) ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، عن يَمِينك وشمالك ، وبين يديك وخلفك، والَّذِى بَعَثك بالحق لو سرتَ بْنا [ إلى ] بَرْكِ الغِمادِ لجالدنا معك من دونه حتى نبلغه ، فأَشرق وجهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال له خیرًا ودعا له . وذكر موسى بن عقبة وابن عائذ : أَن عمر قال : يا رسول الله: إنها قريش وعِزّها ، والله ما ذَلَّت منذ عزَّت ولا أَمِنت منذ كفرت ، والله لَتُقابلنِّك؛ فَأَهِّبْ(٥) لذلك أُهْبتَه، وأَعِدَّ لذلك عُدَّتَه. انتهى. ثم استشارهم ثالثًا ففهمت الأنصار أنه يعنيهم ؛ وذلك أنهم عددُ الناس ، فقام سعد بن معاذ ، رضى الله عنه وجزاه خيرًا، فقال: يا رسول الله؛ كأنك تُعرِّض بنا . قال : أَجل، وكان إنما يعْنِيهم لأنهم بايعوه على أن يمنعوه من الأحمر والأسود فى ديارهم ، فاستشارهم ليعلم ماعندهم ، فقال سعد : يا رسول الله قد آمنًا بك وصدَّقناك ، وشَهِدنا أَنَّ ما جئتَ به هو الحق ، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقَنا ، على السَّمع والطاعة ، فاعْضٍ لما أردتَ، ولعلك يا رسول الله تخشى أن تكون الأَنصار تَرى عليها ألَّ ينصروك إلا فى ديارهم، وإنى أَقُول عن الأنصار وأُجيب عنهم؛ فاظْعَنْ حيث شئت، وصِلْ حَبْلَ مَنْ شئت، واقطعْ حبْل مَنْ شئتَ ، وخُذْ من أموالنا ما شِئْتَ، وأَعطِنا ما شِئْتَ، وما أَخِذتَ منَّا كان أَحبَّ إلينا مما (٥) تركت، وما أَمرتَ فيه(٦) من أَمٍ فَأَمُرُنَا تَبَعُ لأَمرك، فِوالله لئن سرتَ حتى تبلغَ البَرْك من غُمدان - وفى رواية : بَرْكَ الغِمادِ من ذى يَمَن - (١) البداية والنهاية ٢٦٢/٣: ((وأتاه الخبر عن قريش وسيرهم)). (٢) البداية والنهاية ٢٦٢/٣: ((المقداد بن عمرو)). وفى أسد الغابة ٤٠٩/٤: المقداد بن عمرو بن ثعلبة بن مالك ... المعروف بالمقداد بن الأسود . (٣) ابن هشام ٢٥٣/٢ والبداية ٢٦٢/٣: ((بنو إسرائيل لموسى)). (٤) سورة المائدة : الآية ٢٤. . (٥) فى الأصل: ((لما تركت)) (٦) البداية والنهاية ٢٦٤/٣: ((وما أمرت به من أمر ... )). - ٤٢ - : : لنسيرنَّ معك، واللهِ لو استعرضتَ بنا هذا البحر لخُضْناه معك ، ماتَخلَّف منا رجل واحد ، وما نكره أَن نلقى عدُوَّنا غدًا، إِنَّا لِصُبُرٌ فى الحرب، صُدُق فى اللَّقاء، لعلّ الله يُرِيك مِنَّا ما تَقَرُّبه عينُك ، ولعلك خرجت لأَّمرٍ فأَحدِثَ اللهُ غيره ، فسِرْ بنا على بركة الله ، فنحن عن يمينك وشمالك ، وبين يديك وخلفك ، ولا نكوننَّ كالذين قالوا لموسى: ﴿ فَاذْهبْ أَنتَ وربُّك فَقائِلا إِنَّا ها هُنَا قَاعِدُون﴾ ولكن اذهب أنت وربّك فقاتلا إنا معكما مُتَّبِعون(١) فأَشرقَ وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسُرّ بقول سعد ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سِيرُوا على بركة الله ، وأبشروا ، فإن الله تعالى وعدني إحدى الطائفتين ، والله لكأَّى الآن أنظر إلى مصارع القوم، وكَرِهِ جماعةٌ لِقاء العدو . وروی ابن جریر وابنُ المنذر عن ابن عباس قال : كان الله تعالی وعدهم إحدى الطائفتين ، وكان أَن يَلْقَوا العِير أَحبَّ إليهم وأَيْسر شوكة. وأحصى (٢) نَفَرًا، فلما سبقَت العيرُ وفاتت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، سار رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمسلمين ؛ يريد القوم ، فكره القَومُ مسيرهم لشوكتهم . وروى ابنُ أَبى حاتم وابن مَرْدوَيْه عن أبى أيوب قال: لمّا سرنا يوما أو يومين قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ماترون فى القوم فإنهم قد أُخيِروا بمخرجِكم؟ فقلنا: والله ما لنا طاقة بقتال القوم ، ولكن أردنا العِير ، ثم قال : ماترون فى قتال القوم ؟ فقلنا مثل ذلك ، وذكر الحديث فأنزل الله تعالى: ﴿ كَما أَخرجك ربُّك من بيْتك بالحقِّ، وإِنَّ فَرِيقًا من المؤمنين لَكارِمُون ﴾(٣) ثم ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذَفِران فسلك ثَنَايا يُقال لها : الأَّصافر ، ثم انحطٍّ منها إلى بلد يقال له : الدّة ، وترك الحَنَّان بيمين ، وهو کثیب عظيم كالجبل العظيم ، ثم نزل قريبًا من بدر ، فركب هو وأبو بكر الصديق حتى وقف على شيخ من العرب فسأله عن قريش وعن محمد وأصحابه وما بلغه عنهم ، فقال الشيخ : (١) ابن هشام: ((مقاتلون)). (٢) ت، م: ((أحض)). (٣) سورة الأنفال : الآية . - ٤٣ - لا أُخبركما حتى تخبرانى مَنْ أَنتما ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا أُخبرتنا أخبرناك، قال : أَذَاكَ بذاك؟ قال: نعم ، قال الشيخ: فإنه بلغنى أن محمدًا وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا ، فإن كان الذى أخبرنى صدقنى فهم اليوم بكذا وكذا ؛ للمكان الذى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبلغنى أن قريشا خرجوا يوم كذا وكذا ، فإن كان الذى أَخبرنى صدقَنى فهم اليوم بمكان كذا وكذا ؛ للمكان الذى فيه قريش ، فلما فرغ من خبره قال : مِّن أَنتما ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نحن من ماء ، ثم انصرفا عنه، والشيخ يقول : ما من ماءٍ ، أَمِنْ ماء العراق ؟ قال ابن هشام : ويقال ( ذلك الشيخ )(١) سفيان الضَّمْرِىّ . قال ابن إسحاق : ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه ، فلما أمسى بعث علىّ بن أبى طالب والزُّبير ابن العوام وسعد بن أبى وقاص فى نَفَر من أصحابه إلى ماء ببدر ؛ يلتمسون الخبر له ، فأصابوا راوية لقريش فيها أَسْلَم؛ غُلام بنى الحجاج(٢)، وعريض (٣)- بفتح العين المهملة وكسر الراء ثم مثناة تحتية ساكنة ثم ضاد معجمة - كذا فى النور، أبو يسار(٤) غلام بنى العاص بن سعيد فأَتوا بهما، فسألوهما ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلِى، فقالا: نحن سُقَاة قريش بعثونا نَسْقِيهم من الماءِ ، فكره القومُ خبرهما(٥) ، ورجَوْا أَن يكونَا لأَبى سُفْيان ( وأصحاب العير)(٦) فضربوهما، فلمّا أَذْلَقُوهُما(٧) قالا: نحن لأَّبِى سفيان ( ونحن فى العِير)(٦) فتركوهما . وركع رسول الله صلى الله عليه وسلٍ وسجد سجْدتَيه. ثُم سلَّم وقال : إذا صدقًا كم ضَربْتُموهما وإِذا كَذَباكم تركْتُمُوهما ، صدقا ، واللهِ إنَّهما لقُريش ، أَخِرانِى عن قُريش؟ قالا : هم واللهِ وراءَ هذا الكئيب الذى ترى بالعُدْوة القُصْوى - والكَثِيب: الَعقنْقَل - فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم : كم القَوْم؟ قالا: كَثِير - قال : ماعِدّتُهم ؟ قالا : (١) تكملة من ابن هشام . (٢) كذا فى النسخ وابن هشام، وعند الواقدى ٥٢/١: ((أسهم غلام منبه بن الحجاج)). (٣) كذا فى النسخ وابن هشام، وعند الواقدى ٥٢/١: ((وأبورافع غلام أمية بن خلف)). (٤) الواقدى ٥٢/١: ((يسار غلام عبيد بن سعيد بن العاص)). (٥) الواقدى ٥٢/١: ((خبر هم)). (٦) تكملة من المغازى الواقدى ٥٢/١. (٧) أذلقوهما : أجهدوهما . - ٤٤ - لا نَذْرى ، قال : كم يَنْحرون كُلِّ يوم؟ قالا: يومًا تِسْعًا ويومًا عشْرًا(١)، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: القوم مابين التِّسعمائة والأَلْف ، ثم قال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم : فَمن فيهم من أشراف قريش ؟ قالا : عُثْبة بن ربيعة ، وشَيْبة بن ربيعة ، وأَبو البَخْترىِّ بن هشام ، وحَكِيم بن حزام ، ونوفل بن خُوَيْلد ، والحارث بن عامر بن نَوْفل ، وطعيمة بن عَدِىّ بن نوفل، والنَّضْر بن الحَارِثِ، وزَمَعة بن الأسود ، وأبو جهل ابن هشام، وأمية بن خلف، ونُبَيْه ومُنَبِّه ابنا الحجّاج، وسُهَيْل بن عَمْرو، وعمرو بن عَبْدُودٌ . فَأَقْبل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على الناس فقال: هذه مكة قد أَلقَتْ إليكم أفلاذَ کَبِدِها . قال ابن عَائِذ: وكان مسِيرُهم وإقامتهم حتى بلغوا الجُحْفَةُ عِشْرَ ليال. وكان بَسْبَس ابنُ عَمْرو، وعدِىّ بن أبى الرِّغْباء قد مَضَيا حتى نزلا بَدْرًا، فَأَنَاخَا إلى [ تَلِّ] (٢) قريب من الماءِ ، ثم أَخذا شِئَّا لَهُمَا يَسْتَقِيان فيه، ومَجْدِىّ بنُ عَمْرو الجُهَنِىّ على المَاءِ ، فَسَمِع. عدِىّ وبسْبس جارِيتَين من جوارى الحاضر(٣) وهما يتَلازَمان (٤) على الماء ، والمَلْزُومُ (٥) تقول لصاحبتها : إنَّما تأتى العِيرُ غَدًا أَو بعدَ غد، فأَعملُ لهم ، ثم أَقْضِيكِ الذى لكِ . قال مجْدِىّ: صِدقْتٍ ، ثم خلَّص بينهما . وسَمِع ذلك عَدِىُّ وبَسْبس فجَلَسا على بَعِيرَيْهما ، ثم انطلقا حتى أنيا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخبراه بما سَمِعا . (١) الواقدى ٥٣/١: ((يوما عشرة ويوما تسعة)). (٢) تكملة عن ابن هشام ٢٦٩/٢ (٣) ابن هشام ٢٦٩/٢ والبداية والنهاية ٢٦٥/٣: والحاضر: القوم النازلون على الماء. وفى النسخ: الحاضرة. (٤) التلازم : تعلق الغريم بغريمه . (٥) الملزومة : المدينة التى استدانت ديناً. ١ - ٤٥ - ٠ 1 ٠٠ ذكر وصول أبى سفيان إلى قرب المدينة وحذره مِن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابنُ إسحاق وغيره : وأَقبل أبو سُفْيان بالعير وقد خاف خوفًا شديدًا، حتى دنَوا من المدينةِ، واستبطأَ ضَعْضَمُ بنُ عمْرو النَّغيرَ حتى ورد بدرًا وهو خائِف ، فلما كانت · الليلة التى يُصبحون فيها على مائ بدر جعلت العِيرُ تُقبِل بوجوهها إلى ماء بدر ، وكانوا باتوا من وراء بدر ، آخر ليلتهم ، وهم علىَّ أَن يُصبحوا بدرًا، إن لم يُعتَرض لهم ، فما انْقادت العِيرُ لهم حتى ضربوها بالعُقُل وهى تُرجِّع الحنينَ ، فتَواردا إلى ماء بدْرٍ، وما بها إلى الماء من حاجة ، لقد شَرِبت بالأمس ، وجعل أَهلُ العِير يقولون: هذا شىء ماصنَعتْه معنا منذُ خرجنا ، وغشيتهم ◌ُلمةُ تلك اليلة حتى ما يُبصِر أَحدٌ منهم شيئًا. وتَقدَّمْ أَبو سُفيان أَمام العِير حَذِرًا حتى ورد الماء فرأَى مَجْدِىَّ - بفتح الميم وإسكان الجيم فدال مهملة فياء ممدودة كياء النسب - بنَ عمْرو الجُهَنِىَّ فقال له : هل أَحْسَسْتَ أَحدًا ؟ قال : ما رأيتُ أحدًا أُنكره إِلا أَنَّى قدر أَبتُ راكبيْن -يعْنِى بسْبسًاوعدِيًّا - قد أَناخا إلى هذا التل، ثم استقيا فى شَنّ لهما ، ثم انطلقا ، فَأَّى أَبو سفيان مُناخَهما فأخذ من أَبعار بَعِيريْهما، فقَتَّه فإذا فيه النَّوى، فقال : هذه واللهِ علائِفُ يثرب. فرجع إلى أصحابه سريعاً فضرب(١) وجْهَ عِيره عن الطريق، فساحل بها(٢)، وتَرك بدرًا بيسار، وانطلق حتى أسرع فسار ليلا ونهاراً فَرَقًا من الطلب . ولمّا رأى أبو سفيان أنه قد أحرز عِيره أرسل إلى قُريش قيس بن امرئ القيس : إنكم إنما خرجتم لتمنعوا عِيركم ورجالكم وأموالكم وقد نجَّها الله، فارْجِعُوا، فأتاهم الخبر وهم بالجحفة ، فقال أبو جهل بن هشام : والله لانرجع حتى نرد بدرًا - وكان بدرُ موسمًا (١) ط: ((وجذب وجه عيره)). (٢) ساحل بها : أخذ بها جهة الساحل. - ٤٦ -. من مواسم العرب ، يجتمع لهم به سوقُ كل عام - فَتُقِيم عليه ثلاثاً فننحر الجُزُر، ونُطْعَم الطّعام، ونُسْقَى الخَيْرِ، وتَعزِف علينا القِيانُ، وتَسمع بنا العربُ وبمسيرنا وجَمْعِنا، فلا يزالون يهابوننا أبدًا بعدها . وكَرِهِ أَهل الرأى المَسِير، ومشى بعضُهم إلى بعض ، وكان مِمْن أَبطأً بهم عن ذلك الحارث بن عامر، وأُميةُ بنُ خَلَف، وعُتْبَةُ وشَيْبة ابنا ربيعة ، وحكيم بن حزام ، وأَبو البَخْرىّ ، وعلىّ بن أمية بن خلف ، والعاص بن مُنَبِّه، حتى بَكَّتَهم أبو جهل بالجُبْن، وأَعانه عُقْبة بن أبى مُعَيْط، والنَّضْر بن الحارث بن كَلَدة(١). وأجمعوا المسير. وقال الأُخْتَس بنُ شرِيقٍ(٢) - وكان حليف بنى زُهرة - : يا بنى زهرة قد نجِّى الله أموالكم ، وخلّص لكم صاحبكم مَخْرمة بن نوفل ، وإنما نَفَرْتُم لتمنعوه ومالَه ، فاجعلوا فى جُبْنَها وارجعوا؛ فإنه لا حاجة لكم أَن تَخْرجوا فى غير ضَيْعة (٣)، لا ما يقول هؤلاء، فرجعوا ، وكانوا نحو المائة ، ويقال : ثلاثمائة ، فما شهدها زُهرِىّ إلا رجلين ◌ُماعمًا مُسْلِمٍ بن شِهاب الزُّهرىّ ، وقتلا كافرين . قال ابن سعد : ولحق قيسُ بنُ امرئ القيس أبا سفيان فأخبره مجىء قريش ، فقال : واقوماه ! هذا عمل عمرو بن هشام ؛ يَعْنِى أَبا جهل ، واغتبطت بنو زُهْرة بعدُ برأى الأُخْنَس ، فلم يزل فيهم مُطاعًا مُعظَّما ، وأرادت بنو هاشم الرُّجوع فاشتدَّ عليهم أبو جهل وقال : لا تُفارقنا هذه العِصابة حتى نّرْجع . قال ابن سعد : وكانت بنُو عدىّ بن كعب مع النَّغِير، فلما بلغوا ثنِيَّةً لَفْت(٤) عدلوا فى السَّحر إلى الساحل منصرفين إلى مكة ، فصادفهم أبو سفيان بن حرب فقال : يا بنى عدىّ ، كيف رجعتم ، لافى العِير ولا فى النفير؟ قالوا : أَنت أرسلتَ إلى قريش أن ترجع (١) ط: ((الحارث بن أبى مخلدة)). (٢) م: (( الأخنس بن شريف)). (٣) كذا فى النسخ وابن هشام ٢٧١/٢. وفى السيرة الحلبية: ((فى غير منفعة)). (٤) قال البكرى: ((لفت - بفتح أوله وكسره وسكون الفاء - موضع بين مكة والمدينة)). - ٤٧ - ٠ ويقال : بل لقيهم بمَر الظّهران ، ومضت قريش حتى نزلت بالعُدْوةُ القُصْوى من الوادى خلف العَقَنْقَل وبطن الوادى ، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون بينهم وبين الماء رِحْلة ، وغلب المشركون المسلمين فى أول أمرهم على الماء ، فظَمِىِّ المسلمون ، وأصابهم ضيقٌ شديد ، وألقى الشيطان فى قلوبهم الغَيْظَ ؛ فوسوس إليهم : تزعمون أنكم أولياء الله وفيكم رسول الله وقد غلبكم المشركون على الماء ، وأَستم تُصَلُّون مُخْبِتِين ، فأنزل الله تعالى تلك الليلة مطرًا، كثيرًا فكان على المشركين وابلا شديدًا منعهم من التقدم ، وكان على المسلمين طَلّ طَهِّرهم الله به، وأَذهب عنهم رِجْزَ الشيطان، ووطّأَ به الأرض، وصلَّب الرمل، وثبت الأقدام ، ومهّد به المنزل ، وربط به على قلوبهم ، ولم يمنعهم من السير ، وسال الوادى فشَرِب المؤمنون، وملأُوا الأَسقية، وسقَوا الرِّكاب ، واغتسلوا من الجنابة ، كما قال تعالى : ﴿ويُنَزِّل عليكم من السّماءِ ماء ليطهِّركم به ويُذهِب عنكم رجز الشيطان، ولِيَرْبِطَ على قلوبكم ويُثَبِّتَ به الأَقْدام﴾(١) الآية. وأصاب المسلمين تلك الليلة نعاسُ أُلقِىَ عليهم فناموا ، حتى إن أحدهم ذقنه بين يديه وما يشعر حتى يقع على جنبه . روى أبو يَعْلَى والبيهقىّ فى الدلائل عن علىّ رضى الله عنه قال: ما كان فِينَا فارس يوم بدر غير المقداد ، ولقد رأيتُنا وما فينا إلا نائم ، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم يُصلِّى تحت شجرة حتى أصبح . وروى عبد بن حميد عن قتادة قال : كان النعاسُ أَمَنَةً من الله ، وكان النعاس نُعَاسَيْن : نُعامَ يوم بدر ونُعامَ يوم أُحد ، وكانت ليلة الجمعة ، وبين الفريقين قَوزٌ من . الرمل (٣). وبعث صلى الله عليه وسلم عمَّر بنَ ياسر وعبدَ الله بن مسعود رضى الله عنهما، فَأَطافا بالقوم ، ثم رجعا فأخبراه أَنَّ القوم مذعورون ، وأَن السماءَ تسُحِّ عليهم . وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم عشاء، يبادرهم الماء فسبقهم إليه، ومنعهم من السِّبْق إليه (١) سورة الأنفال : الآية ١١ (٢) ط: ((من الرحل)» تحريف. - ٤٨ - المَطَرُ، أرسله الله تعالى عليهم حتى جاءَ أدنى ماء من بدر، فنزل ، فقال الحُبابُ بنُ المُنذِرِ بنِ الجُمُوحِ فيما رواه ابنُ إسحاق، يا رسول الله، أرأيتَ هذا المنزل [أَمنزِلا](١) أَنزَلَكه الله، ليس لنا أَن نَتَقَدَّمه، ولا نتأخرّ عنه ، أم هو الرأى والحرب والمكيدة ؟ قال : بل هو الرأى والحرب والمكيدة ، قال: يا رسول الله، ليس هذا المنزل فانهض بالنَّاس ، حتى نأتى أدنى ماء من القَوْم ، فننزله ، ثم نُغَوِّرَ ما وراءه من القُلُب ، ثم نبنى عليه حوضاً فنملاً، ماء [ ثم نقاتل القوم](٢) فَتَشْرب ولا يَشْرَبُون ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لقد أشرتَ بالرِّأْى. وذكر ابنُ سعد أَنَّ جِبْريل نَزَلَ على النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال : الرأىُ ما أشار به الحُباب، فَنَهضَ صلى الله عليه وسلم ومَنْ معه من الناس ، حتى إذا أَتى أَدْنَى ماء من القوم نزل عليه نصف الليلُ، ثم أَمرَ بالقُلُب فَقُوَّرَتْ، وبَنَى حَوْضًا على القَلِيب الذى نزل عليه فملاً، ماءً، ثُم قذفوا فيه الآنية . فقال سعد بن معاذ : (٣) يا رسول الله، أَلا نَبْنِى لك عَرِيشًا تكون فيه ، ونُعد عندك ركائبك، ثم نَلْقَى عِدُوَّنا، فإن أَعزِّنَا الله تعالى وأَظْهَرنا على عدوِّنا كان ذلك ما أَحْبَبْنَا(٤) وإن كانت الأُخرى جلستَ على ركائبك فلَحِقِتَ بمَنْ وَرَاءنا من قومنا ، فلقد تخلّف عنك أَقوامٌ، يا نَبِىّ الله، ما نحن بأَّشْدَ حُبًّا لك منهم، ولو ظَنوا أَنْك تَلقَى حرْبًا ما تَخلَّفوا عنك، يمْتَعُك الله بهم، يُناصِحُونك ويُجاهِدُون معك. فَأَثْنَى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه خَيْرًا ، ودعا له بخير ، ثم بُنِى لرسول الله صلى الله عليه وسلم عريش على تلِّ مشرف على المعركة ، فكان فيه هو وأبو بكر وليس معهما غيرهما ، وقام سعد بن معاذ رضى الله عنه على بابه متوشِّحًا بالسَّيْف، ومشى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى موضع المعركة ، وجعل يشير بيده : هذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان ، إن شاء الله ، فما تعدّى منهم أحدٌ موضعَ إشارته. رواه الإمام أحمد ومسلم وغيرهما (٥) (١) تكلة عن ابن إسحاق ٢٧٢/٢ (٢) ما بين القوسين من السيرة لابن هشام ٢٧٢/٢ (٣) الطبرى ٢٧٧/٢، طبقات ابن سعد ٩/١ - البداية والنهاية ٢٦٨/٣ (٤) كذا فى السيرة لابن هشام ٢٧٢/٢ وفى النسخ: ((ما أجبنا)». (٥) صحيح مسلم ط الحلبى ٨٤/٢ - سنن أبي داود ط الكستلية ٢٦٦/١ مع اختلاف فى بعض الألفاظ. - ٤٩ - ( ٤ - سبل الهدى والرشاد جـ ٤) وأصبحَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ببَدْر ، وارتحلت قريش حينَ أَصْبحت ، فأَقْبلت بحَدّها وحَدِيدها تُحادّ الله عزَّ وجلّ، وتُحادّ رسوله ، وجاءوا على حَرْدٍ قادِرِين ، وعلى حَمِيَّة وغَضَب وحنق على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، لما يريدون من أخذ عيرهم وقتل من فيها ، وقد أصابوا بالأمس عمرو بن الحضرمىّ وأصحابه والعير التى كانت معه ، فجمعهم الله تعالى على خير ميعاد، كما قال تعالى: ﴿ولو تواعدتُم لاختَلَفْتُم فى المِيعادِ، ولكنْ لَيَقْضِىَ اللهُ أَمَرًا كان مَفْعولا﴾(١) فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم تَصَوَّب من العَقَنْقَل - وهو الكَثِيبُ الذى جائُوا منه إلى الوادى - فكان أَوّل من طلع زَمَعَة. بن الأسود على فرس له يتبعُه ابنه ، فاستجال(٢) بفرسه يريد أن يتبوّأَ للقوم منزلاً ، فقال صلى الله عليه وسلم : اللهم هذه قريش قد أَقْبلت بخيلائها(٣) وفخرها تُحادَّك(٤) وتكذِّب رسولك، اللهمَّ فَنَصْرَك الذى وَعَدْتَنِى ، اللهم أَحِنْهم(٥) الغَدَاءَ . وقال صلى الله عليه وسلم لما رأَى عُثْبَةَ بنَ ربيعة فى القوم على جَمَل أَحمر : إِن يك فى أحد من القوم خَيْرٌ فعند صاحب هذا الجمل الأحمر، إن يطيعوه يَرْشُدُوا ، يا عَلِىّ نَادِ حمزة - وكان أَقْربَهم من المشركين - مَنْ صاحب الجمل الأحمر؟ فقال : هو عُثْبة وهو يَنهى عن القتال، ويأمر بالرجوع ويقول: يا قوم اعْصِبُوها اليوم برَأْسِى وَقُولُوا : جُبُنَ عُثْبَةٍ ، وأبو جَهْل يَأْبَى. وبعث خُفَاف - بضَمّ الخاء المعجمة وفاءين - بن إيماء - بهمزة مكسورة فمثنَّاة تحتية ساكنة وميم ممدودة - بن رَحَضة - بفتح الراء والحاء المهملتين والضاد المعجمة (٦) - (١) سورة الأنفال: الآية ٤٢ (٢) ط: ((فاستخال)). (٣) الطبرى ٢٧٧/٢ -البداية ٢٦٨/٣ (٤) كذا عند ابن هشام ٢٧٣/٢. وفى النسخ: ((تجادل)). (٥) ط: ((أمتهم)) والمثبت من ت، م، وابن هشام ٢٧٣/٢ (٦) ضبطها صاحب القاموس بسكون الحاء (رحض) وكذلك ابن دريد فى الاشتقاق ص ١٤ (تحقيق الأستاذ عبد السلام هارون ) . - ٥٠ - الغِفارىّ أَو أَبوه [ إيماء بن رَحَضة الغفارىّ](١) .- وأسلم الثلاثة بعد ذلك - إلى قريش بجزائر أهداها لهم مع ابنه وقال: إن أَحْببتم أن نُمِدّكم بسلاح ورجال فَعَلْنَا، فأرسلوا إليه مع ابنه أن وصلتْك رَحِمٍ ، وقد قَضَيْتَ الذى عليك، فلَعَمْرى لئن كُنَّا إِنما نُقاتِلْ النَّاسَ فما بنا من ضَعْف عنهم ، ولئن كنا إنما نقاتِل الله - كما يزعم محمد - فما لأحدٍ بالله من طاقة . ٠٠٠ فلما نزل النَّاسُ أَقبلَ نَفرٌ من قريش حتى وَرَدُوا حوضَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، منهم حَكِيمُ(٢) بنُ حِزام ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دَعُوهم ، فما شَرِب منهم(٣) أحد إلا قُتل، إلا ما كان من حكيم بن حزام، فإنه لم يقتل، وأسلم بعد ذلك وحَسُن إسلامه ، فكان إذا اجتهد فى بَمينه قال : لا والذى نَجَّانِى يوم بدر . فلما اطمأنّ القومِ بَعثُوا عُمَيْرَ بنَ وهب الجُمَحِىَّ - وأسلم بعد ذلك- فقالوا له: احزُر لنا أصحابَ محمد، فجال بفرسه حَوْلَ العَسْكَر ثم رجع إليهم، فقال : ثلاثمائة رَجُل ، يَزِيدُون قليلا أو يَنقُصون ، ولكن أَمهِلُونى حتى أَنظُرِ : أَلِلْقَوْم كَمِينٌ أَو مَدد ؟ فضرب فى الوادى حتى أَبْعَد فلم يَرَ شيئًا، فرجع إليهم فقال : ما رأيتُ شيئًا ، ولكن رأيتُ - يا معشر قريش - البَلايَا تحمل المَنامَا، نَواضِحُ يَثْرِبَ تَحيل الموتَ الناقِع ، قومٌ ليس لهم مَنَعة ولا مَلْجأ إلا سيوفهم، أَمَا ترونهم خُرْسًا لا يتكلمون، يتلسَّظون تلمُّظَ الأَفَاعِىِ، والله ما أَرَى أَن يُقتَل رجلٌ منهم حتى يقتل رَجُلا منكم ، فإذا أصابوا منكم أعدادهم فما فى العيش خير بعد ذلك فَرَوْا رَأيكم . فَبَعَثُوا أَبا سَلَمة الجُشَمِىّ(٤) فأَطاف بالمسلمين على فرسه، ثم رجع فقال: والله (١) تكلة من ابن هشام ٢٧٣/٢ (٢) ط: ((منهم حزام». (٣) ط: ((فماشرب منه)). (٤) م: ((الحبشى)). والتصويب من الإمتاع ٨٣/١ - ٥١ - ما رأيت جَلَدا ولا عِدادًا ولا حَلَقةً ولا كُراعًا، ولكن رأيت قوما (١) لا يريدون أن" "" يَؤُوبوا إلى أَهلِيهم ؛ قومًا مُسْتَمِيتين ليست لهم مَنَعَةٌ ولا مَلْجأُ إلا سيوفهم، زُرْق العيون كأَنّهَا الحصا تحت الحَجَف، فَرَوْا رأيكم . فلما سمع حكيمُ بنُ حزام ذلك مشى فى الناس، فأَتَى عُتبةَ بنَ ربيعة فكلَّمه ليرجع بالناس، وقال : يا أَبا الوَليد ، إنك كبيرُ قريش وسَيِّدُها والمطاع فيها ، هل لك إلى أَمرٍ لا تَزالُ تُذْكَر فيه بخير إلى آخر الدهر ؟ قال : وما ذاك يا حكيم ؟ قال : ترجع بالنَّاس، وتَحتمِل أَمَرَ حليفِك عمرٍو بن الحضرمىّ. قال : قد فعلت، أنتَ علّ بذلك، إنما هو حَلِيفى، فعلَىِّ عَقْلُه وما أُصِيبَ من ماله، فَأْتِ ابنُّ الحَنْظَلِيَّةِ(٢) فإنى لا أَخْشَى أَن يَشْجُرَ أَمَرَ الناسِ غَيْرُه ، يعنى أبا جهل بن هشام، ثم قام بُتُبَة خَطِيبًا فى الناس فقال : يا معشر قريش إنكم والله ما تصنعون بأَن تَلقَوْا محمدًا وأصحابه شيئًا، والله لئن أَصبتموه لا يزال الرجلُ ينظرُ فى وجه رجل يكره النَّظَرِ إليه ، قَتَلَ ابنَ ◌َّه أَو ابنَ خاله أَو رجلاً من عشيرته، فارجعوا وخَلُّوا بين محمد وبين سائر العرب ، فإن أَصابوه فذلكَ الذى أردتُم، وإن كان غيرَ ذلك أَلْفاكم (٣) ولم تَعرِّضُوا منه ما تُرِيدون، إنى أَرى أَقوامًا مستميتين لا تصلون إليهم ، وفيكم خير ، يا قوم اعصبوها(٤) اليوم بَرَأْسِى وقولوا: جَبُنَ عُثْبة، وأنتم تعلمون أَنِىّ لَستُ بأَجبنكم. قال حكيم: لمانطلقتُ حتى أتيتُ أَبا جهل فوجدتُه قد نَثَلَ (٥) دِرْعًا له من جرابها فهو يُهِيِّئُها - وعند ابنٍ هشام يَهْنِعُها - فقلت له: يا أَبا الحكم إِن ◌ُتُبَة قد أرسلنى إليك بكذا وكذا للذى قال ، فقال : انتفخ والله سَحْرُه حين رأى محمدا وأصحابه ، كلا والله لا نرجع حتى يحكم (١) ط: ((أقواماً)). (٢) ابن هشام: ٢٧٤/٢ الحنظلية: أم أبى جهل وهى أسماء بنت مخربة أحد بنى نهشل بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم . (٣) ط: ((ألقاكم)) تصحيف. (٤) الواقدى ٦٣/١: ((أعصبوا هذا الأمر برأسى واجعلوا جبنها بى)). (٥) ابن هشام : نئل : أخرج . - ٥٢ - ------- <<<< الله بيننا وبين محمد وما بِعُثْبةَ ما قال، ولكنه قد رأَى أَنَّ محمدًا وأصحابه أكلَةُ جَزُور ، وفيهم ابنه ، فقد تخوّفكم عليه ، ثم بعث إلى عامر بن الحَضْرِىّ فقال : هذا حليفك عُتبة يريد أن يرجع بالناس ، وقد رأيتَ ثأُرَك بعينك فقم فانْشُد خُفْرَتَك ومَقْتَل أَخيك، فقام عامر بن الحَضْرمىِّ فكشف(١) عن استه، ثم صرخ : واعَمْراه واعَمْراه ! فحَمِيت الحربُ، وحَقِبَ (٢) أَمرُ النَّاس، واستوسقوا(٣) على ما هم عليه من الشّر ، وأُفسِد على الناس الرأىُ الذى دعاهم إليه عُثْبة . ولمّا بلغ عُثْبَةَ قولُ أَبى جهل: ((انتفخ والله سَخْرُه))، قال: سيعلَم مُصَفِّرُ اسْتِهِ مَنْ انتفِخَ سَخْرُه : أَنَا أَم هو ؟ . ثم التمس عُتْبَةُ بيضةً ليُدخِلها فى رأسه، فما وجد فى الجَيْش بيضة تَسَعه من عِظَم هامتِه ، فلما رأى ذلك اعتجر بُرْدٍ له على رأسه . وسَلَّ أَبو جهل سيفَه فضرب به مَثْن فرسه، فقال له إيماءُ بنُ رَحَضَّة : بئس الفأُل هذا ! وذكر محمد بن عمر الأسلمىّ والبلاذُرىّ وصاحب الإمتاع : أَن قريشًا لما نزلت بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب رضى الله عنه إليهم ، يقول لهم : ارجعوا فإنه إِن يَلٍ هذا الأَمرَ منّى غيرُ كم أحبُّ إلىّ من أَن تَلُوه منىّ(٤، وأَن أَلِيَه من غير كم أحبُّ إلىّ من أَنْ أَليه منكم) فقال حكيم بن حزام: قد عرض نُصْحًا فاقْبَلُوه، فوالله لا تنتصرون عليه بعد ما عَرَض من النَّصح ، فقال أبو جهل: والله لا نرجع بعد أن مكتَنا الله منهم . قال ابن عائذ: وقال رجال من المشركين لمّا رأوا قلة أصحاب رسول الله صلى الله (١) ابن هشام ٢٧٥/٢: ((فاكتشف ثم صرخ)). (٢) حقب الشىء: احتبس وامتنع، ومنه حقب أمر الناس. ((الوسيط)). (٣) فى النسخ، والبداية والنهاية ٢٧٠/٣: ((واستوثقوا))، والمثبت عن ابن هشام. واستوسقوا: اجتمعوا. (٤-٤) تكملة من الإمتاع ٨٢/١ ط لجنة التأليف، والعبارة ناقصة فى النسخ والمغازى الواقدى ٦١/١ - ٥٣ - عليه وسلم : غَرْ هؤلاءِ دِينُهم ، منهم أَبو البَخْتَرِىّ بن هشام، وعُتبة بن ربيعة ، وأُبو جهل بن هشام، وذكر غيرهم لما تقالُّوا(١) أصحابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ظَنُّوا أَن الغَلَبَة إنما هى بالكثرة ، فأَنزل الله تعالى: ﴿ إِذْ يَقولُ المُنافِقُون والَّذِينَ فَى قُلُوبهم مَرَّضٌ : غَرِّ هؤْلَاءِ دِينُهم ومَنْ يَتَوَكَّلْ على اللّهِ فإِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾(٢) لا يُغالب، يَنْصُر مَنْ يستحق النصر وإن كان ضعيفا، فيعِزَّتُه وحِكْمَتُه أَو جبتْ نَصْرَ الفِئة المتوكلة عليه ، أخبر تعالى أَن النصر بالتوكُّل عليه لا بالكثرة . وروى ابن المُنذر وابن أبى حاتم عن ابن جريج أَن أبا جهل قال يوم بدر : خُذُوهم أَخْذًا فاربطوهم فى الحبال ولا تقتلوا منهم أحدًا فنزل: ﴿ إِنَّا بَلَوْنَاهم كما بَلَوْنَا أصحابَ الجنة ﴾(٣) يقول فى قدرتهم عليهم كما اقتدر أصحاب الجنة على الجنة . ذكر ابتداء الحرب وتمييج القتال يوم بدر ولما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم صَفَّ أصحابه قبل أن تنزل قريش ، وطلعت قُريْش ورسوله الله صلى الله عليه وسلم يصفُّ أَصحابه ويُعدّلهم، كلَّما يُقوِّم بهم القدح ومعه (٤) يومئذٍ قِدْح؛ يشير إلى هذا: تَقدّمْ، وإلى هذا: تأَخِّرْ ، حتى استوَوْا، ودفع رايته إلى مُصْعَب بن عُمير، فتقدم حيث أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يضعها ، ووقف رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلى الصفوف فاستقبل المغربَ ، وجعل الشمس خلفه ، وأُقبل المشر كون فاستقبلوا الشمس ، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعُدْوة الشامِيّة، ونزلوا بالعُدوة اليمانية ، فجاء رجل فقال : يا رسول الله: إنى أَرى أَن تَعْلُوَ الوادى، فإنى أَربى ريحًا قَد هاجت من أَعلى الوادى ، وإنى أَراها بُعثتْ بنصرك ، (١) ط: ((لما تقاتلوا)). وتقال الشىء: عده قليلا. (٢) سورة الأنفال: الآية ٤٩ (٣) سورة القلم: الآية ١٧ (٤) ابن هشام ٢٧٨/٢: ((وفى يده قدح يعدل به القوم)). - ٥٤ - ٠ 1 فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قد صففتُ صفوفى (١) ووضعت رايتى، فلا أُغيرُ ذلك، ولما عدل رسول الله صلى الله عليه وسلم تقدَّم سَوَادُ بن غَزِيَّة [وهو مُسْتَنْتِلٌ](٢). أمام الصف فدفع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى بطنه وقال : اسْتَ يا سَواد ، قال : يا رسول الله أَوجعْتَنِى والذى بَعَثك بالحق، أَقِدْنى. فكشف صلى الله عليه وسلم عن بَطْنِه وقال: استَقِدْ فاعْتنَقَهِ وَقَبّله(٣) فقال: ما حملك(٤) على ما صنعتَ، فقال: حَضّر من أمر الله ما قد ترى ، وخشيتُ أَن أُقتل فأردتُ أن أكون(٥) آخر عهدى بك ، وأَن أعتنقك . وخطب صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإنى أَحتُكم على ما حنّكم الله عز وجل عليه وأنها كم عما نهاكم الله عز وجل عنه ، فإن الله عز وجل عظيم شأنه، بأُمُر بالحَقِّ، ويُحِبّ الصّدق، ويُعطِى على الخير أَهلَه على منازلهم عنده ، به يُذْكَرون، وبه يتَفاضلون، وإنكم قد أصبحتم بمنزلٍ من منازل الحق ، لا يقبل الله فيه من أحد إلا ما ابتُفى به وجهه وإن الصّبر فى مواطن البأس مما يُفرّج الله عزّ وجلّ به الحمّ، ويُنَجِّى به من الغَمِّ، وتدركون به النجاة فى الآخرة ، فيكم نبيِّ اللّه يُحذّر كم ويأمركم ، فاستَخْيُوا اليوم أَن يَطّلع الله عزّ وجلّ على شئْ من أمر كم يَمْقُتْكم عليه ؛ فإن الله عزّ وجلّ يقول: ﴿ لَمَقْتُ اللهِ أكبرُ من مَقْتِكُمْ أَنفسَكَم﴾(٦) انظروا إلى الذى أمر كم به من كتابه، وأراكم من آياته وأعزَّكم بعد الذَّلَّة، فاستمسكوا به بَرْضَ به (٧) رَبُّكم عنكم ، وأَبْلُوا رَبَّكم فى هذه المواطن أَمرًا ، تستوجبوا الَّذِى وعد كم به من رحمته ومغفرته ، فإِنَّ وَعدَه حَقَّ، وقولَه صِدْق ، وعِقَابَه شديد، وإنما أَنا وأَنتم بالله (١) ط: ((صفوق)). (٢) التكملة من ابن هشام ٢٧٨/٢. ومستثتل: متقدم. وعند ابن هشام ٣٦٢/٢: سواد ((بتخفيف الواو)) بن غزية ابن أهيب ويقال: سواد ((بتشديد الواو)) وكذا عند الواقدى صفحتى ١٦٤، ٢٧٧ (٣) ابن هشام ٢٧٨/٢: ((فاعتنقه فقبل بطنه)). (٤) ابن هشام ٢٧٨/٢ (( ما حملك على هذا يا سواد)). (٥) ابن هشام ٢٧٩/٢: ((فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدى جلدك)). (٦) سورة غافر: الآية ١٠ (٧) الواقدى ٥٩/١: ((يرض ربكم عنكم)). - ٥٥ - الحَىِّ القَيُّوم"، إليه ألجأُنا ظهورنا وبه اعتصمْنا، وعليه توكَّلنا، وإليه المصِير، يغفر الله لنا(١) وللمسلمين. وتَعَبَّتْ قريشٌ للقتال، والشَّيطان لا يفارقهم . قال ابن سعد : وكان معهم ثلاثةُ أَلْويَة: لواء مع أبى عزِيز بنِ عُمَيْر (٢)، ولِواء مع النَّضْر بن الحارث ، ولواء مع طلحة بن أبى طلحة ، وكلهم من عيد الدار ، وخرج الأسود بنُ عبد(٣) الأسَدِ المخزومىّ، وكان رجلا شَرِسًا سَيِّئُ الخلق فقال: أُعاهد الله لأشربَنَّ من حوضكم أو لأَهِدِمنَّه أو لأَموتَنَّ دونه ، فلما خرج خرج إليه حمزة بن عبد المطلب ، فلما التقيا ضربه حمزةُ فأَطِنَّ قدمه بنصف ساقه ، وهو دون الحوض ، فوقع على ظهره تشخُّب رجلُه دمًا نحو أصحابه، ثم. حبا إلى الحوض يريد بزعمه أَن تَبَرَّ يمينُه - وفى لفظٍ : فى جوف الحوض - فاتَّبعه حمزة حتى قتله دون الحوض ، حتى وقع فيه فهدمه برجله الصحيحة ، وشرب(٤) منه . قال ابن سعد : وجاءَ عُمَيْرِ بنُ وَهْب فناوش المسلمين فثبت المسلمون على حقهم ، ولم يَزُولوا ، وشدَّ عليهم عامر بن الحضرمىّ ، ونَشِبت الحرب ، فكان أول من خرج من .. المسلمين مُهْجَع - بكسر الميم وإسكان الهاء فجيم مفتوحة فعين مهملة - بن عائش بن عريف مولى عمر بن الخطاب ، فقتله عامر بن الحضرمىّ . وكان أولُ قَتِيل قُتل من الأنصار حارثة بن سُراقة ، ويقال : قتله حِبّان بن عَرِقة - بفتح العين وكسر الراء ، ويقال : بفتحها ، فقاف مفتوحة - ويقال : عُميْر بن الحُمام - بضَمّ الحاء المهملة - قتله خالدُ بنُ الأعلَم العُقَيْلى - بِضَمّ العَيْنِ. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه : لا تقاتلوا حتى أُوذِنكم، وإِن كَتَبُوكَمِ(٥) فارْمُوهُم بالنَّبْل، ولا تَسُلُّوا السيوف حتى يغشَوْكَمَ واستبْقُوا نَبْلَكم. فقال أبو بكر : (١) الواقدى ٥٩/١: ((ينفر الله لى والمسلمين)). (٢) الواقدى ٢٠٣/١، ٣٠٨: ((أبو عزيز بن عمير العيدرى)). (٣) ت، م: ((الأسود بن عبد الأسود)). (٤ ) الواقدى ٦٨/١ (٥) ط: ((كبتوكم)). وشرح المؤلف كثبوكم بمعنى قربوا منكم. - ٥٦ - : يا رسول الله قد دنا القوم وقد نَالُوا مِنَّا، فاستيقظ صلى الله عليه وسلم وقد أراه الله تعالى إيَّاهم فى منامه قليلاً ، فأخبر بذلك أصحابه ، وكان ذلك تثبيتًا لهم. وروى ابن إسحاق وابن المنذر عن حبَّان بن واسع [بن حبّان(١) ] عن أشياخٍ من قومه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عَدَّل صُفوف أصحابه يوم بدر، ورجع إلى العريش ثم انتبه فقال : أَبشرْ يا أبا بكر، أتاك نصرُ الله ، هذا جبريلُ أَخذ بعنان فرسه يقودُه ، على ثناياه النّفْع . وخرج عُثْبة بنُ رَبِيعة ، بين أَخِيه شَيْبة بن ربيعة وابنه الوليد بن عُثْبَهَ ، حتى إذا فَضَلَ (٢) من الصفّ دعوا إلى المبارزة، فخرج إليهم ثلاثة من الأَنصار وهم: عوف ومعاذ(٣) ابنا الحارث - وأُمهما عفراء - وعبد الله بن رواحة. قال ابن عقبة وابن سعد وابن عائذ : ولما طلب القومُ المبارزة وقام إليهم الثلاثة استحى رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك، لأنه أول قتال التَقَى فيه المسلمون والمشركون ورسول الله صلى الله عليه وسلم شاهد معهم ، فأحبَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تكون الشوكةُ لبنى عمه وقومه فقالوا : من أنتم ؟ قالوا : رهط من الأنصار ، فقالوا : أكفاء كرام ، مالنا بكم من حاجة ، ثم نادوا: يا محمد أُخرِجْ إلينا أكفاءنَا من قومنا ، فناداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ارجعوا إلى مصافُّكم وليَقُمْ إِليهم بنو عَمّهم . قال ابن إسحاق : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قم يا عُبَيْدَة بن الحارث ، وقم يا حمزة ، وقم يا علىّ - وكان علىّ مُعْلِما بصوفة بيضاء - فقَاتِلوا بحقكم الذى بُعِث بِه نَبِيُّكم إذ جائموا بباطلهم ليطفئوا نُور الله، فلما قاموا ودَنَّوْا معهم قالوا : من أنتم ؟ (١) تكملة من ابن هشام ٢٧٨/٢ (٢) كذا عند ابن هشام. وفى النسخ: ((حتى إذا وصلوا إلى الصف .. (٣) ابن هشام: ((ومعوذ)). وعند الواقدى ٦٨/١ وهم بنو عفراء: معاذ ومعوذ وعوف بنو الحارث ويقال: ثالثهم عبد الله بن رواحة . - ٥٧ - تكلّموا، فقال عبيدة: أنا عبيدة، وقال حمزة: أَنا حمزة، وقال علىّ: أَنا علىّ . قالوا: نعم ، أكفاء كرام ، فبارز عُبيدةُ - وكان أَسنَّ القوم - عتبة بن ربيعةً، وبارز حمزةُ شيبةً بن ربيعة، وبارز علىَّ الوليد بن عتبة. فأما حمزة فلم يُمهل شيبةً أَنْ قَتْلَه ، وأما علىّ فلم يمهل الوليدَ أَن قتله، واختلف عُبَيْدة وعُنْبة ، بينهما ضربتين كلاهما أَثْبَتَ صاحِبَه. وضرب شَيبةُ رِجْلَ عُبَيْدة فقطعها، وكرّ حمزة وعَلِّ بأسيافهما(١) على عتبة فذفّفا عليه واحتملا صاحبهما ، فحازاه إلى أصحابه ، ولما جاءوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم أضجعوه إلى جانب موقف النبي صلى الله عليه وسلم ، فأفرنشه رسول الله صلى الله عليه وسلم قدمَه الشريفة، وقال عبيدة : يا رسول الله لو أن أبا طالب حىّ لعلم أنى أحق بقوله : كذبتُم وبيتِ الله نُبْزَى محمدا ولمَّا نُطاعِن حوله ونناضلٍ(٢) ونُسلِمِه حتى نُصرَّعَ حولَه ونَذْهَل عن أبنائنا والحَلائلِ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أَشهدُ أَنك شهيد . رواه الإِمام الشافعىّ. وعن قيس بن عُبَاد - بضم العين وتخفيف الموحدة - فقال : سمعت أبا ذَرّ يُقسم قسمًا: إن هذه الآية ( هذان خَصْمانِ اخْتَصموا فى ربِّهم﴾(٣) نزلتْ فى الذين برزوا يوم بدر : حمزة ، وعلىّ ، وعبيدة بن الحارث ، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة ، والوليد بن عتبة ، رواه الشيخان (٤). وعن علىّ رضى الله عنه قال : نزلت هذه الآية فى الذين تبارزوا يوم بدر : حمزة وعلىّ وعبيدة بن الحارث، وعُتْبةٍ وشَيبَة بن ربيعة والوليد بن عُثْبة. قال علىّ: أَنا أَول مَنْ يجثُّو للخصومة بين يدى الله عزّ وجلّ يوم القيامة. وروى البخارىّ عن علىّ رضى الله عنه قال : فينا نزلت هذه الآية ﴿ هذان خصمان اختصموا فى ربِّهم) . (١) ت، م: (( بأسيافهم)). (٢) روى الواقدى البيت فى ٧٠/١ كذبتم وبيت الله نخل محمداً ولما نطاحن دونه وتناضل (٣) سورة الحج: الآية ١٩ (٤) مسيح البخارى ٦/٥، ٧ - ٥٨ - قال أبو العالية : ولما قُتل هؤلاء ورجع هؤلاء قال أبو جهل وأصحابه : لنا العُزَّى ولا ◌ُزِّى لكم، نادى منادى رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهُ مَوْلَانا ولا مولى لكم، قتلانا فى الجنة وقتلا كم فى النار . رواه ابن أبى حاتم ، وقلَّل الله تعالى المشركين فى أعين المسلمين، وقلَّل المسلمين فى أعين المشركين، حتى قال أبو جهل : إن محمداً وأصحابه أَكَلَةُ جَزُور .. قال ابن عتبة : وعجَّ المسلمون إلى الله تعالى بالدعاء حين رأوا القتال قد نَشِب. ذكر دعاء رسول الله عَل لَّه يَومٍ بَدر ◌َنزول الملائكة لنصح قال ابن إسحاق : ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى العريش ، ومعه أبو بكر الصِّدِّيق رضى الله عنه ليس معه غيره ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يُناشِدُ ربَّه ما وعَدَه من النصر، يقول فيما يقول: ((اللهم إن تَهْلِكْ هذه العصابةُ اليوم لا تُعبد فى الأَرض))(١) وأبو بكر رضى الله عنه يقول: (( يا رسول الله بعضَ مناشدتْك ربَّك، فإن الله مُنْجِزٌ لك ما وعدك)». وروى ابن جرير وابن أبى حاتم والطبرانىّ عن أبى أيوب الأنصارىّ رضى الله عنه أن عبد الله بن رواحة قال : « یا رسول الله إنى أُرید أن أُشیر علیك، ورسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم من أَن يُشار عليه ، إن الله تبارك وتعالى أجلٌ وأعظم من أَن يُنْشَدَ وعده )) (٢) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا ابن رواحة لأُنشدنَّ الله وعده ؛ إن الله لا يخلف الميعاد». وروى ابن سعد وابن جرير عن علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه قال : لما كان يوم بدر قاتِلتُ شيئا من قتال ، ثم جئتُ مسرعًا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم لأُنظر ما فعل ، فإذا هو ساجد يقول: ((يا حىُّ يا قيُّوم))(٣)، لا يزيد عليهما، ثم رجعتُ إلى القتال ثم جِئْتُ وهو ساجد يقول ذلك ، ثم ذهبتُ إلى القتال . ثم رجعتُ وهو ساجد يقول ذلك (١) مجيح البخارى ٤/٥ - صحيح مسلم ٧٤/٢ (٢) الواقدى ٦٧/١: ((إن الله أجل وأعظم من أن تنشده وعده)) .. (٣) طبقات ابن سعد ١٧/٢ - ٥٩ - [ ففتح الله عليه] . وروى البيهقى بسند حسنٍ عن ابن مسعود رضى الله عنه قال: ماسمعتُ مناشِدًا بنشد مقالةً أَشدَّ مُنَاشَدَةً من رسول الله صلى الله عليه وسلم لربِّه يومَ بدر ، جعل يقول: ((اللهمَّ إنى أَنشدك عهدك ووعدك، اللهمَّ إِن تَهلك هذه العصابة لاتُعبَد)»، ثم التفت كأَنَّ وجهه شَقَّةُ قَمر، فقال: ((كأَّمَا أَنظر إلى مصارع القوم العَشِيَّة)). وروى البيهقىّ ، عن ابن عباس وحكيم بن حزام ، وإبراهيم التيمىّ قالوا : لما حضر القتال رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه يسأل الله النصر وما وعده، ويقول: ((اللهمّ إِن ظَهَروا على هذه العصابة ظَهَر الشِّركِ ، ، وما يقوم لك دين)). وأبو بكر يقول له : (والله لينصُرَنَّك الله وْلِيُبَيِّضِنَّ وجهَك)). وخفق رسول الله صلى الله عليه وسلم خفقةً وهو فى العريش ، ثم انتبه فأنزل الله عزَّ وجل ألفًا من الملائكة مُردفين عند أكناف العدوّ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أبشرْ يا أَبا بكر، هذا جبريل متعمّ(٢) بعمامة صَفْراءَ آخذٌ بعنان فرسه بين السماء والأرض، فلما نزل(٣) إلى الأَرض تغيَّب عنى ساعة ، ثم طلع على ثناياه النقع يقول: أَتاك نَصرُ الله إذا دعوتَه)). وروى ابنُ أَبى شَيْبة والإِمام أحمد ومسلم (٤) وأبو داود والترمذىّ وغيرهم عن عمر ابن الخطاب رضى الله عنه قال : لما كان فى يوم بدر نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وهم ألف ، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلا ، فاستقبل نبىُّ اللّه صلى الله عليه وسلم القبلة، ثم مدّ يديه، فجعل يهتف، بربِّه يقول: ((اللهم أَنجزْ لى ما وعدتَنى، الهم آتِى ما وعدتنى ، اللهم إن تَهلِك هذه العِصابةُ من أَهلِ الإِسلام لا تُعبَد فى الأرض»، فما زال يَهتِف بربِّه مادًا يديه مستقبلَ القبلة حتى سَقَط رِداؤُه عن منكبيه، فأَنَّاه أبو بكر فأخذ رِداءه وألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ردائه، فقال: (( يا نبيَّ الله كفاك تُناشِد ربك، فإنه سيُنجِزِ لك ما وعدك)) فأَنزل الله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُم فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّى مُيِدُّكُم بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ مُرْدِفِين﴾(٥) فَأَمَدَّه الله تعالى بالملائكة . (١) التكملة عن الطبقات ١٧/٢ (٢) ت، ط: ((متعجر)). (٣) م: ((نظر». (٤) صحيح مسلم ٧٤/٢ مع اختلاف فى بعض الألفاظ . (٥) سورة الأنفال : الآية ٩ - ٦٠ -