النص المفهرس

صفحات 581-600

فقال الحَىّ الآخرون: وقد قال شاعرنا [ فى يوم كذا] (١): كذا وكذا [ فقال الآخرون:
وقد قال شاعرنا فى يوم كذا: كذا وكذا](٢) .. فَتَكَلَّم القومُ عند ذلك ، وتنازعوا وتفاخروا ،
حتى تَوَاثَب رجلان من الحَيَّيْنِ: أَوْس بن قَيْظِى [ أَحد بنى حارثة بن الحارث](٣) من
الأَوْس، وجَّيَّار بن صَخْر [ أَحد بنى سَلِمَة (٣)] من الخزرج، فَتَقَاوَلا، ثم قال أَحَدُهما
اصاحبه: ((إِن شِئْتُمْ رَدَدْناها الآن جَدَعَة)). فَغَضِب الفريقان جميعاً، وقالوا(٤): ((قد
فعلنا ، مَوْعِدُكم الظاهرة - والظاهرة الحَرَّة - السِّلاحَ السِّلاحَ)). فخرجوا إليها. [ فانْضَمَّتْ
الأوس والخزرج بعضها إلى بعض على دعواهم التى كانوا عليها فى الجاهلية ] (٥).
فبلغ ذلك رسول الله صلى الله / عليه وسلم ، فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين من ١٠٦٦ت
أصحابه حتى جاءهم فقال: (( يا مَعْشَر المسلمين: اللّهَ اللهَ، أَبِدَعْوَى الجاهلية وأَنا بين
أَظْهُرٍ كم بعد أن هدا كم الله للإسلام وأكرمكم به ، وقطع به عنكم أَمْرَ الجاهلية ، واستنقذكم
به من الكُفْر ، وأَلَّف به بينكم، فترجعون إلى ما كنتم عليه كُفَّاراً ؟)) فَعَرَفِ القومُ أَنْهَا
نَزْغَةٌ(٦) من الشيطان، وكَيْدٌ من عَدُوِّهم، فَأَلْقَوْا السلاحَ من أيديهم وبَكَوْا، وعائق الرجال
من الأَّوس والخزرج بَعْضُهم بعضاً ، ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سامعين
مُطِيعِين ، قد أَطْفَأَّ الله عنهم كَيْدَ عَدُوُّهم: عَدُوّ الله شَأُس بن قَيْس، فأنزل الله تعالى:
(قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَالله شهيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ. قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ
(١) زيادة من رواية عكرمة فى أسباب النزول ص ٥٨ .
(٢) زيادة من رواية عكرمة.
(٣) زيادة من ابن هشام (= ٢ ص ١٨٤).
(٤) هذه رواية زيد بن أسلم أما رواية عكرمة فقد جاء فيها: فنادى هؤلاء يا آل أوس ونادى هؤلاء يا آل خزرج ،
فاجتمعوا وأخذوا السلاح واصطفوا للقتال ( الواحدى ص ٨٥).
(٥) زيادة من رواية زيد بن أسلم فى الواحدى (ص ٨٦).
(٦) فى سيرة ابن هشام (جـ ٢ ص ١٨٤ طبعة التجارية سنة ١٩٣٧ م) نزعة- بالعين المهملة وصوابها بالغين المعجمة
ففى النهاية ( ج ٤ ص ١٣٧): نزع الشيطان بينهم ينزغ نزغاً (من باب منع ) أى أفسد وأغرى، ونزغه بكلمة سوء
أى رماه بها وطعن فيه، والنزغة الطعنة والنخسة ومنه نزغة الشيطان التى يقصد بها إغراءه على ارتكاب المعاصى.
-: ٥٨١ -

لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَداءُ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ(١))
وأنزل الله فى أَوْس بن قَيْظِى، وجَبَّار بن صَخْر ، ومن كان معهما من قومهما الذين
صَنَّعوا ما صَنَعوا ما أَدْخَل عليهم شأُس من أمر الجاهلية : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا
فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ يَرُفُّكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ. وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ
تُثْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ، ومَنْ يَعْتَصِمْ بِاللّهِ فَقَدْ هُدِىَ إِلَ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢))).
تنبيه: فى بيان غريب ما سبق: ((شّأْس)): بشين معجمة فهمزة ساكنة فسين مهملة.
((عَسَا)) بعين فسين مهملتينَ أَى كَبِرَ وأَسَنّ. ((الضُّغْنِ)) بكسر الضاد المعجمة: الحِقْد.
((قَيْلَة)) - بفتح القاف وسكون التحتية: [ أُم الأوس والخزرج(٣)]. ((بُعَاثُ)) بعين
مهملة ومثلثة - وتَقَدَّم الكلام عليها مبسوطاً فى أبواب بَدْه إِسلام الأنصار. ((جَبَّار)): بالجيم
وتشديد المُوَحَّدة. ((جَذَعَة)) بفتح الجيم والذال المعجمة: أَى أَحدثنا الحرب(٤).
((الحَرَّة) بفتح الحاء المهملة والراء المُشَدَّدَة: [وهى الأَرض ذات الحجارة السُّود](٥). والله
سبحانه وتعالى أعلم .
(١) سورة آل عمران آية ٩٨ ، ٩٩.
(٢) سورة آل عمران آية ١٠٠، ١٠١ وفى تفسير القرطبى (ج ٤ ص ١٥٥): ((يا أيها الذين آمنواً)) يعنى
الأوس والخزرج، (( إن تطيعوا فريقاً من الذین أو توا الکتاب » یعنی شأساً وأصحابه . وتلا ذلك فى القرطبى و فى أسباب النزول
:
الواحدى ( ص ٨٦ ): قال جابر بن عبد الله: ما كان طالع أكره إلينا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فأوماً إلينا؟.
بيدِه فكففنا وأصلح اللّه تعالى ما بيتنا، فما كان شخص أحب إلينا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما رأيت يوماً أقبح
ولا أوحش أولا وأحسن آخراً من ذلك اليوم .
(٣) زيادة من القاموس المحيط .
..... (٤) جاءفى التاج، من المجاز أعدت الأمر جذعاً أى جديداً كما بدا، وفى الأساس الزمخشرى (ج ١ ص ١١٣):
و طفئت حرب بين قوم فقال أحدهم: إن شئتم أعدناها جذعة. أى أول ما يبتدأ فيها .
- (٥) زيادة من النهاية (ج ١ ص ٢١٥).
٥٨٢-

الباب الثامن
فى سَبَب نزول قَوْلِه تَعَالى: (لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِين
قَالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءِ (١) ) وَقَوْلِهِ تعالى: ( إِذ قالُوا
مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى بِشَرٍ مِنْ شَيْءٍ (٢))
روى ابن إسحق ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبى حاتم عن ابن عباس ، وابن
جرير عن السُّدِّىّ، وابن جرير عن عِكْرِمةٍ أَن أَبا بكر الصِّدِّيق رضى الله عنه دَخَل بيت
الْمِدْرَاس (٣) بعد نزول قوله تعالى: ( مَنْ ذَا الَّذِى يُفْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَنًا(٤) ) فوجد يهود
قد اجتمعوا إلى رجل منهم يُقَال له / فِنْحاص [ بن عَازُوَرَاءَ(٥) ] وكان من علمائهم ١٠٦٧ت
وأحبارهم. فقال أبو بكر: وَيْلَك (٢) يَا فِنْخَاص: ((اتَّقِ اللّهَ عِزَّ وجَلّ وأَنْلِمْ، فوالله إِنك
لَتَعْلَم أَن محمداً رسولُ الله [ قد جاءكم بالحق من عند الله] (٧) تجدونه مكتوباً عندكم فى
التوراة(٨))). فقال فِنْجاص لَعَنه الله: ((والله يا أَبا بكبر ما بنا إلى الله من فَقْرَ، وإِنه إِلينا
لَفَقِيرِ ، وما نَتَضَرَّعُ إِليه كما يَتَضَرَّعِ إِلينا، وإِنَّا عنه لأغنياء [ وما هو عَنَّا بِغَنِىّ(٩)
ولو كان عَنَّا غَنِيًّا ما استقرض منا أموالنا كما يَزْعُم صاحِبُكم، ينها كم عن الرِّبًا وَيُعْطِيناه
(١) سورة آل عمران آية ١٨١.
(٢) سورة الأنعام آية ٩١.
(٣) فى الأصل بيت المقدس والخطأ فيه واضح وبيت المدراس هو البيت الذى يدرس فيه اليهود ما يتعلق بديانتهم.
وفى الكتب الخاصة بالديانة اليهودية تنطق هذه الكلمة بالشين المعجمة ويقصد بالمدراش التفسير العبرى للعهد القديم .
(٤٠) سورة البقرة آية ٢٤٥ .
(٥) تكملة الاسم من تفسير القرطبي (ج ٤ ص ٢٩٤) ومن أسباب النزول للواحدى (ص ٩٨).
(٦) فى سيرة ابن هشام (جـ ٢ ص ١٨٧): ويحك.
(٧) زيادة من ابن هشام والواحدى.
(٨) زاد ابن هشام: الإنجيل وهذه رواية ابن إسحق وهى تدل على عدم الإلمام باليهودية فاليهود لا يعترفون بالإنجيل. ولقد
"كان كل من المؤلف والواحدى دقيقاً فى اقتصارهما على ذكر التوراة ، إذ كان النقاش محصوراً بين الصديق واليهود.
(٩) زيادة من ابن هشام ..
- ٥٨٣:

ولو كان عَنَّا غَنِيًّا ما أعطانا الرِّبا)). فعَضِبَ أَبو بكر فضَرَب وَجْهَ فِنْحاص ضَرْبةٌ شديدة
وقال: ((والذى نَفْسِى بيده لولا العَهْد الذى بيننا وبينك لضَرَبْتُ عُنُقَك أَى عَدُوَّ الله)).
فذهب فِنْحَاص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد ، انظر ما فعل بى
صاحبُك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأَبى بكر: ((ما حَمَلَك على ما صَنَعْت؟))
فقال أبو بكر : يا رسول الله [ إِن عدو الله (١) ] قال قولاً عظيماً [إنه ] زَعَم أَن الله عز وجل
فقير وأنهم عنه أَغنياء ، فلما قال ذلك غَضِبْتُ لله ◌ِمَّا قال فضربتُ وَجْهَه . فجَحْد [ ذلك (٢)]
فِنْحَاص ، وقال : ما قُلْتُ ذلك. فأنزل الله تعالى فيما قال فِنْحَاص [ رَدّاً عليه (٢)] وتصديقاً
لِأَبِى بكر رضى الله عنه: ( لَقَدْ سَمعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ
ما قَالُوا وقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرٍ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الحَرِيقِ(٣) ) ونزل فى أبى بكر
الصُّدِّيق، وما بَلَغه فى ذلك من الغَضَّب: (وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ من قَبْلِكُمْ
وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذَّى كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمُِ الأُمُورِ(٤) ).
وروى ابن أبى حاتم ، وأَبو الشيخ عن السُّدِى فى قوله تعالى: ( إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلى
بَشَرٍ مِنْ شَىْءٍ، قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الكِتَابَ الَّذِى جَاء بِهِ مُوسَى(٥) ) . قال فِنْحاص اليهودى :
ما أنزل الله على محمد من شىء. قال السُّدِّى: والمشهورِ أَنها نزلت فى مالك بن الضَّيْفِ .
وروى ابن جرير ، وابن المنذر عن عِكْرِمة فى الآية قال: نزلت فى مالك بن الضَّيْف. وروى
ابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم عن سعيد بن جُبَيْر ، وابن جرير عن محمد بن کعب
القُرَظِى قال : جاء رجل من اليهود يقال له مالك بن الضَّيْف ، ومعه جماعة فخاصم النبي
صلى الله عليه وسلم . وفى رواية : فقالوا: يا أبا القاسم ، أَلا تَأْتِنا بكتاب من السماء كما جاء
به موسى ألواحاً. فأنزل الله عز وجل: ( يَسْأَلُكَ أَهْلُ الكِتَابِ أَنْ تُتَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِنَ
(١) زيادة من ابن هشام (= ٢ ص ١٨٧).
(٢) زيادة من ابن هشام.
(٣) سورة آل عمران آية ١٨١.
(٤) سورة آل عمران آية ١٨٦.
(٥) سورة الأنعام آية ٩١.
- ٥٨٤ -

السّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ
ثُمَّ اتَّخَذُوا العِجْلَ / مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ البَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَّيْنَا مُوسَى سُلْطَاناً ١٠٦٨ت
مُبينا(١)). فقال له النبى صلى الله عليه وسلم: ((أَنْشُدُكَ بالذى أَنزل التوراة على موسى
أَمَا تجد فى التوراة أَن اللّه يَبْخَضِ الحَبْرِ السَّمينَ؟)) وكان حَبْراً سميناً. فَعَضِب وقال :
[ والله (٢) ] ما أنزل الله على بَشَرٍ من شئ. [ فقال له أصحابه الذين معه: وَيْحَك!
ولا على موسى ؟ فقال: والله ما أنزل الله على بَشَر من شىء(٣) ] فأَنزل الله عَزَّ وجَلّ [ نقضاً
لقولهم ورَدّاً عليهم(٢)]: ( وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَىْءٍ
قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الكِتَابَ الَّذِى جَاءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَها
وَتُخْفُونَ كَثِيراً وعُلِّمْتُمْ مَالَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُ كُمُ قُلِ اللهُ ثم ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ يَلْعُبُونَ(٣).
(١) سورة النساء آية ١٥٣.
(٢) زيادة من تفسير القرطبى (جـ ٧ ص ٣٧).
(٣) سورة الأنعام آية ٩١.
- ٥٨٥ -

الباب التاسع
فى سؤالهم عن أشياء لا يعرفها إلاَّ نَبِىّ وجوابه لهم
وتصدیقهم إِيَّاه بِأَنَّ أَصَاب وتَمَرُّدهم عن الإيمان به
روى ابن إسحق والطيالسى والفَرْيابى والإِمام أحمد ، وعَبْد بن حُمَيْد ، وابن جرير ،
والبيهقى ، وأَبو نُعَيم عن غيرهم بسَنَّدٍ حَسَن عن ابن عباس رضى الله عنهما، والبخارى فى
تاريخه، وابن المنذر، وابن أبى حاتم من طريق آخر عنه مختصراً، قال: ((حَضَرَتْ
عِصَابَةٌ من اليهود نَبِىَّ الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا أبا القاسم حَدِّثْنا عن خِلاَلٍ
نسألك عنها لا يعلمها إلا نَبِىّ. قال: ((سَلُونِى عَمَّا شئتم ولكن اجعدوا لى ذِمَّة الله عز وجل،
وما أَخذ يعقوب على نبيه لئن حدثتكم شيئاً لَتُبَايُعَنِّى)). قالوا: فذلك لك. قالوا : أَربع
خلال نسألك عنها : أَخْبِرْنا أَىَّ طعامٍ حَرَّم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة ؟
وأَخْبِرْنا كيف ماء الرجل من ماء المرأة ، وكيف الأُنثى منه والذكر؟ وأَخْبِرْنا كيف هذا
النبى الأُمّىّ فى النوم ومن يليه من الملائكة ؟ وأَخْبِرْنا ما هذا الرَّعْد ؟ فأَخذ عليهم عَهْدَ الله
وميثاقه: (( لئن أَخبرتكم لتبابِعُنِّى)). فأَعْطَوْه ما شاء من عهد وميثاق. قال: فَأَنْشُدكم
بالله الذى أَنزل التوراة على موسى: هل تعلمون أَن إِسرائيل مَرِضَ مَرَضاً طال سَقَمُهُ فَنَذَر
لثِن عافاه الله عَزَّ وجَلّ ليُحَرِّمَنْ أَحَبَّ الطعام والشراب، وكان أَحَبُّ الطعام إليه لُحْمَانَ
الإِبل وأَحَبُّ الشرابِ إليه أَلبانَها)) ، وفى رواية: كان يسكن البادية فاشتكى عِرْق النِّسا،
فلم يجد شيئاً يداويه إلا لحوم الإبل وألبانها . فقالوا : اللهم نعم ، اللهم اشهد .
وقال: (( أَنشُدُ كم بالله الذى لا إله إلا هو هل تعلمون أَن ماء الرجل أَبيض غليظ، وأَن ماء
المرأة أصفر رقيق، فأَيهما عَلاَ كان الوَلَد والشَّبَه بإِذْنِ الله عَزَّ وجَلَّ: إِن عَلاَ ماءُ الرجل كان
ذكراً بإِذْنِ الله تعالى، وإِن عَلاَ ماءُ المرأة كان أُنْىَ بإذن الله تعالى)). قالوا : اللهم نعم
١٠٦٩ت اللهم اشهد. / قال: ((فأُنشدكم بالله الذى أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن النبى
- ٥٨٦ -

الأُّمِّىَّ تنامِ عَيْنُه ولا ينام قَلْبُهُ (١) ؟ قالوا: اللهم نعم اللهم اشهد. قالوا: أَنت الآن حَدِّثْنَا
مَنْ وَلِيُّكَ من الملائكة؟ فعندها نجامعك أَو نُفَارِقُك قال: ((وَلِيِّى جبريل، ولم يبعث الله
عز وجل نَبِيًّا قَط إلا وهو وَلِيُّه)). قالوا: فعندها نُفارِقُك، لو كان وَلِيُّك سواه من الملائكة
لا تَّبَعْنَاك وصلَّقْناك. قال: (( فما يمنعكم أَن تُصَدِّقونى؟)) قالوا: هذا عَدُوّنا من الملائكة.
فأنزل الله عز وجل: (قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ(٢).) الآية.
ونزلت : ( فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ(٣)). وفى رواية: فقالوا: يا أبا القاسم نسألك عن
خمسة أشياء. وذكر نحو ما تَقَدَّم. وزاد: قالوا: أَخْبِرْنا عن هذا الرَّعْد. قال: ((مَلَكُ
مَنَ ملائكة الله عز وجل، مُؤَكَّلُ بالسحاب، بيده - أَو قال: فى يده - مِخْرَاق(٤) من نار
يَرْجُر به السحاب فيسوقه حيث أمره الله)). قالوا: فما هذا الصوت؟ قال: ((ضونه)).
قالوا : صَدَقْتَ .
وروى الإمام أحمد ، والبزار ، والطبرانى عن ابن مسعود رضى الله عنه أَن يهودياً قال :
يا محمدٍ مِمَّ يُخْلَقِ الإنسان؟ قال: ((يا يهودى، يُخْلَق من كُلٍ من نطفة الرجل ومن نطفة
المرأة ، أَما نُطْفَةُ الرجل فَنُطْفَةٌ غليظةٍ منها العَظْمِ والعَصَب، وأَما نُطْفَةُ المرأة فنُطْفَة رقيقة
منها اللَّحم والدَّمُ)). فقال اليهودى : هكذا كان يقول من كان قبلك .
وروى الترمذى، والنسائى، وابن ماجه، والحاكم وصَحَّحَه، والبيهفى، وأبو نعيم
عن صّفْوَان بن عَسَّال ـ بعين فسين مشددة مفتوحتين مهملتين - قال : ((قال يهودى لصاحبه
اذهب بنا إلى هذا النبى فنسأَلَه. فقال له صاحبه : لا تَقُلْ نىّ فإنه لو سمعك تقول نبى
كان له أربعة أَعْيُن ، فانطلقا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأَلاه عن قول الله عز وجل:
(١) فى سيرة ابن هشام (ج ٢ ص ١٦٨) قال: ((أنشدكم بالله وبأيامه عند بنى إسرائيل هل تعلمون أن نوم الذى
"تزعمون أنى لست به تنام عينه وقلبه يقظان))؟ فقالوا: اللهم نعم. قال: ((فكذلك نومى تنام عينى وقلبى يقظان)).
(٢) سورة البقرة آية ٩٧ .
. (٣) سورة البقرة آية ٩٠ ..
(٤) فى النهاية (جـ ١ ص ٢٩١): المخراق فى الأصل ثوب يلف ويضرب به الصبيان بعضهم بعضاً أراد أنه آلة
تزجر بها الملائكة السحاب . وجمعه مخاريق ومنه حديث على : البرق بخاريق الملائكة .
- ٥٨٧ -

( وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ(١) ) فقال: ((لا تُشْرِكوا بالله شيئاً ولا تقتلوا النّفْسَ
التى حَرَّم الله إلا بالحق ولا تَزْنُوا ولا تَسْرِقوا ولا تَسْحَرُوا ولا تمشوا ببرىءٍ إِلى ذى سلطان
فيقتله ولا تأُكلوا الربا ولا تقذفوا مُحْصَنَةٍ ولا تَفِرُّوا من الزَّحْف وعليكم [ يا معشر(٢)]
اليهود خاصَّةً أَلَّ تعدوا فى السبت)). فقَبَّلَا يَدَيْه ورجْلَيْه وقالا: ((نشهد أَنك نِّىّ)).
قال: ((فما يمنعكماأَن تُسْلِما؟)) فقالا: ((إِن داود دعا الله أَلَّ يزال فى ذُرِّيتِه نَبِىّ، وإِنا
نخاف إِن أَسلمنا أن تقتلنا يهود )».
وروى مسلم عن ثَوْبان رضى الله عنه قال : كنت عند النبى صلى الله عليه وسلم فجاء
١٠٧٠ت حَبْرُ من اليهود فقال: أين الناس يوم تبدل الأرض / غير الأَرض ؟ فقال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: ((فى ظلمة دون الجسر)). قال: فمن أول الناس إِجازة؟ قال: ((فقراء
المهاجرين)). فقال: فما تحفتهم حين يدخلون الجنة؟ قال: ((زيادة كبد نون)). قال :
.((فما غذاؤهم على أثره؟ قال: ((يُنْحَر لهم ثور الجنة الذى كان يأكل من أطرافها )).
قال: فما شرابُهم عليه؟ قال: ((من عين فيها تسمى سلسبيلا)). قال: صَدْقت.
قال: (( وجئتُ أَسأَّل عن شىء لا يعلمه أَحَدٌ من أَهل الأَرض إِلا نَبِىّ أَو رجل أَو رجلان،
جئت أَسأَّل عن الوَلَد. قال: (( ماء الرجل أبيض وماء المرأة أَصفر، فإِذا اجتمعا فَعَلَا مَنِىُّ
الرجل مَنِى المرأة فَذَكَرٌ بإذن الله عز وجل، وإِذا عّلاَ مَنِىُّ المرأة مَنِىَّ الرجل فأُنثى بإذن الله
عز وجل)). قال اليهودى: صَدَقْتَ وإنك لَنَبِى. ثم انصرف. فقال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: ((إنه سألنى عن هذا الذى سأَلنى عنه، وما أَعلم شيئاً منه حتى أَنبأََّى الله
عز وجل)) .
وروى ابن أبى شيبة ، وأحمد بن منيع ، وعَبْد بن حُمَيْد ، والنسائى فى الكبرى ،
والطبرانى بسَنَّدٍ صحيح عن زَيْد بن أَرْقَم رضى الله عنه قال : جاء رجل من اليهود يقال له
ثعلبة بن الحارث فقال : يا أبا القاسم أَتَزْعُم أَن أَهل الجنة يأكلون ويشربون ؟ وقال
(١) سورة الإسراء آية ١٠١ والحديث بطوله فى تفسير القرطبي (= ١٠ ص ٣٣٥: ٣٣٦ وج١ ص ٤٣٩:
٤٤٠٠).
(٢) زيادة من تفسير القرطبى (جـ ١٠ ص ٣٣٥).
- ٥٨٨-

اليهودى لأصحابه : إِن أَفرِّ بها خَصِمْتُه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تُؤْمِن بشجر
المِسْك؟)) قال: نعم. قال: ((وتَجِدُها فى كتابكم؟)) قال: نعم. قال: ((والذى نفسى
بيده إن أحدهم لَيْعُطَى قوة مائة رجل إلى المطعم والمشرب والجِمَاع)) . فقال اليهودى : الذى
يأكل ويشرب يكون له الحاجة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((حاجتُهُمْ عَرَقٌ
يَفِيضُ من جلودهم مثل ريح المِسْكِ، فَتَضْمُر بُطُونُهم » .
وروى سعيد بن منصور وأبو يَعْلَى ، وابن جرير ، وابن أبى حاتم ، والبزار ، والحاكم ،
والبيهقى ، وابن جرير عن جابر بن عبد الله رضى الله عنهما قال : أَتَى النبيَّ صلى الله عليه وسلم
بهودىّ فقال: يا محمد أَخْبِرْنى عن النجوم التى رآها يوسف عليه السلام. ساجدةً له
ما أسماؤها؟ فلم يُجِنْهُ بشىء. فنزل عليه جبريل فأَخبره [ بأسمائها(١)]. فبعث إلى اليهودي(٢)
وقال له : ((أَتُسْلِمٍ إِن أَخْبَرتُك [ بأسمائها؟)) قال: نعم(٣) ] فقال: (([ هى(٤) ] : حرثان
وطارِق والنَّيَّال وذو الكنفات وذو الفَرْغ ووَتَّاب وعَمُودَانِ وَقَابِس والضَّرُوجِ والْمُصَبِّح
والفَلِيق والضياء والنور. رآها [ يوسف عليه السلام(٥) ] فى أُفُق السماء ساجدةً له )). فقال
اليهودى: هذه والله أسماؤها. قال / الحَكَم بن ظُهَيْر أَحد رواته: الضِّيَاء هو الشمس وهو ١٠٧١ت
أبوه ، والنور هو القمر وهى أُمه . قال الحافظ فى حاشية كتبها على مجمع الزوائد : رأيت
فى نُسْخَة مُصَحَّحة [ أَنه] من ضعفاء العُقَيْلِى.
بيان غريب ما سبق: ((حرثان)) (٦)بمهملة مفتوحة ثم مثلثة. ((الذيال)): بمعجمة ثم
(١) زيادة من تفسير ابن كثير (جـ ٢ ص ٤٦٨).
(٢) هذا اليهودى يقال له بستانة كما فى تفسير القرطبي (ج ٩ ص ١٢١) وتفسير ابن كثير والبداية والنهاية له
( ج ١ ص ١٩٩) .
(٣) زيادة من تفسير ابن كثير والبداية والنهاية.
(٤) زيادة من البداية والنهاية وتفسير القرطبى وميزان الاعتدال (جـ ١ ص ٥٧٢).
(٥) زيادة من تفسير القرطبى .
(٦) أسماء هذه الكواكب مصحفة ومغلوطة فى المراجع التى رجعنا إليها وهى تفسير القرطبى وتفسير ابن كثير
والبداية والنهاية له وميزان الاعتدال وقد صححنا عدداً منها نقلا عن القاموس والبعض الآخر نقلا عن حاشية الشيخ محمد قطة
العدوى ومحمد الصباغ اللذين قاما بتصحيح طبعة بولاق الكشاف سنة ١٢٨١ هـ - ١٨٦٤ م. وأثبتنا ضبط المؤلف كما أورده
فى صلب كلامه وذكرنا التصويبات فى الحواشى. وحرثان فى حاشية الكشاف ( ج ١ ص ٢٧٨) صوابها جريان بفتح الجيم
وكسر الراء المهملة وتشديد الياء المثناة التحتية منقول من اسم طوق القميص .
- ٥٨٩ -

تحتية ثقيلة. ((الكنفات(١))) بنون ففاء وآخره مُثَنَّة. ((الفَرْغ(٢)) [بفاء وراء ثم غين
معجمة(٣) ]. ((عَمُودَان)) [ بلفظ تثنية عمود(٤) ]. ((قابِس(٥))): بقاف ومُوَحِّدة ثم مهملة .
((الضَّرُوجِ)): بفتح الضاد المعجمة وآخره جيم (٦). ((المُصَبَّح(٧))): بضَمّ الميم ثم فتح
المهملة ثم مُوَحَّدَةٍ مُثْقَلَة ثم مهملة. [ الفَلِيقِ]: [ بالقاء واللام والمثناة التحية فقاف (٨)]
(١) الكتفات صوابه كما فى حاشية الكشاف ذو الكتفين بلفظ تثنية كتف نجم كبير وهى نجوم غير مرصودة هذا
توضيح ما نقل عن الشهاب [ الخفاجى] .
(٢) صوابه ذو الفرغ وفى القاموس المحيط: فرغ الدلو المقدم والمؤخر منزلان للقمر كل واحد كوكبان بين كل كوكبين
فى المرأى قدر رمح .
(٣) بياض بالأصل والتكملة نقلا عن ضبط القاموس.
. (٤) بياض بالأصل والتكملة من حاشية الكشاف .
(٥) بقاف وموحدة وسين مهملة منقول من وصف مقتبس النار عن حاشية الكشاف .
(٦) صوابه الضروح بالحاء المهملة فى آخره كما فى نسخ الكشاف وأبى السعود بهذا الضبط.
(٧) ما يطلع قبل الفجر.
(٨) زيادة عن الأصل وهذا الضبط من حاشية الكشاف وجاء فيها أن الفليق نجم منفرد. هذا وقد أورد السيوطى
فى كتابه ((مفحمات الأقران فى مبهمات القرآن.)) (ص ٢١ القاهرة سنة ١٣٢٦ هـ) أسماء هذه الكواكب فى تفسيره لأحد عشر
كوكباً وأضاف قائلا كما ورد فى حديث مرفوع أخرجه الحاكم فى مستدركه . وقد وردت أسماؤها مضبوطة ويبدو لنا أن
الضبط منقول عن حاشية الكشاف فى طبعة بولاق . هذا ولم نعثر على أسماء هذه الكواكب فى الفصول التى عقدها محمد بن أحمد
ابن يوسف الكاتب الخوارزمى المتوفى سنة ٣٨٧ « فى كتابه مفاتيح العلوم (طبعة القاهرة سنة ١٣٤٢ هـ ) ص ١٢٢
وما بعدها ) عما يتعلق بالنجوم .
- ٥٩٠ -

الباب العاشر
فى رجوعهم إليه صلى الله عليه وسلم فى عقوبة الزانى وما ظهر فى
ذلك من كِثْمَانِهِم ما أنزل الله عَزَّ وَجَلّ فى التوراة من حكمه وصِفَة
نَبِيِّه صلى الله عليه وسلم
روى ابن إسحق وابن جرير ، وابن المنذر ، والبيهقى فى السُّنَن عن أبى هريرة رضى الله
عنه، وعبد الرَّزَّاق، وأَحمد، وعَبْد بن حُمَيد ، وأبو داود ، وابن جرير ، والبيهقى فى الدلائل
من وجه آخر عنه ، وأحمد، ومسلم، وأبو داود، والنَّحَّس فى ناسخه، وابن جرير ،
وابن المنذر، وابن أبى حاتم عن البَرَاء بن عازِب، والشيخان عن ابن عُمَر ، وابن جرير،
والطبرانى عن ابن عباس ، وعَبْد بن حُمَيْد فى مُسْنَدِهِ ، وأبو داود ، وابن ماجه وابن المنذر
عن جابر بن عبد الله رضى الله عنهما :
أن أحبار يهود اجتمعوا فى بيت المِدرَاسِ حین قَدِم رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
وقد زَنّى رَجُلٌ بعد إِحصان بامرأة من يهود [ قد أحصنت(١) ] - قال جابر: من أَهل فَدَك ،
كتب أهلها إلى أُناس من يهود المدينة ((أَن سلوا محمداً عن ذلك ، فإن أمركم بالجَلْد
فخذوه عنه وإِن أَمركم بالرَّجْم فلا تأُخذوه عنه )) . انتهى. قال أبو هريرة : فلما اجتمعوا
فى بيتُ المِدْرَاس قال: ابعثوا بهذا الرجل وبهذه المرأة إلى محمد ، وفى لفظ : اذهبوا بنا
إلى هذا النبى فإنه بُعِث بتخفيف (٢)، فإِن أَفتانا بفُتْيَا دون الرَّجْمُ قَبِلْناها واحتججنا بها
عند الله وقلنا فُتْيَا نَبِىِّ من أَنبيائك. وفى رواية: فقالوا: وَلَّوه الحُكْمَ فيهما فإن عمل
فيهما: بعملكم من التَّجْبِية - وهى الجَلْد بِخَبْلٍ من ليف مَطْلِيُّ بقار ثم تُسَوَّد وجوههما،
(١) زيادة من ابن هشام ( = ٢ ص ١٩٢).
(٢) أى بعث بتخفيف العقوبة .
- ٥٩١ -

ثم يُحْمَلان على حِمارين(١) وتجعل وجوههما من قبل أَدبار الحِمَارَين(٢) - فاَِّعِوه فإنما هو
مَلِك سَيِّد قوم، وإن هو حَكَم فيهما بالرَّجْم فإِنه نَبِىُّ فاحذروه على ما فى أَيديكم أَن يَسْلُبَّكُمُوهِ(٢)
١٠٧٢
فَأَتَوْا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس فى المسجد فى أصحابه ، فقالوا:
((يا أبا القاسم / هذا رجل قد زَنّى بعد إحصانه بامرأة قد أحصنت فاحكم فيهما فقد وَلَّيْنَاكَ
الحكم فيهما(٣))). فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ما تَجدون فى التوراة؟)) قالوا:
نفضحهما ويُجْلَدان. وفى رواية قالوا : دَعْنا من التوراة وقُلْ ما عندك. فأَقتاهم بالرَّجْم،
فَأَذكروه . فلم يُكُلِّمْهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى أتى بيت مِدْرَاسِهم ، فقام
على الباب فقال: ((يا مَعْشَرَ يهود أَخْرجُوا إِلىَّ علماء كم)) . فأخرجوا إليه عبد الله بن صوريا
وأَبا ياسر بن أخطب ، ووَهْب بن يهوذا ، فقالوا: إِن هؤلاء علماؤنا .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أَنْشُدُ كم الله الذى أَنزل التوراة على موسى ما تجدون
فى التوراة على من زَنَى بعد إِحصان؟ قالوا: يُحَمَّم (٤) ويُجَبَّب(٥). فقال عبد الله بن سَلَام:
كذبتم إن فيها آية الرَّجْم. فَأَتَوْه بالتوراة فنشروها فوضع [ أحدهم (٩) ] يده على آية
الرَّجْم فقراً ما قبلها وما بعدها، فقال عبد الله بن سَلام: ارفع يَدَك. فرفعها فإذا آية
الرَّجْم تلوح. قال: صَدَقَ محمد . وفى رواية : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أَقسم
عليهم بالله عز وجل سكت شابٌّ منهم فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم سكت أَلَظَّ(٧) به
[ المسألة(٨)]، فقال: إِذ نشدتنا فإنا نجد فى التوراة الرَّجْم. فقال النبى صلى الله عليه وسلم:
(١) فى الأصل بصيغة المفرد وأثبتنا صيغة المفى كما فى ابن هشام (جـ ٢ ص ١٩٣).
(٢) فى الأصل : يسلبكم.
(٣) فى الأصل: ما ترى فى رجل وامرأة منهم زنيا؟ وهذه عبارة مقتضبة لم يرد فيها ذكر الإحصان ورواية ابن إسحق
أوضح .
(٤٠) من حمم الرجل أى سود وجهه وفى النهاية ( ج ١ ص ٢٦١) فى حديث الرجم أنه مر بيهودى محم أى سود
الوجه من الجمعة الفحمة وجمعها حمم .
(٥) فى الصحاح التجبيه أن يقوم الإنسان قيام الراكع وفى حديث ابن مسعود فى ذكر القيامة حين ينفخ فى الصور قال
فيقومون فيجبون تجبية رجل واحد قياماً لرب العالمين والتجبية تكون فى حالين أحدهما أن يضع يديه على ركبتيه وهو قائم
والآخر أن ينكب على وجهه باركاً وهو السجود .
(٦) زيادة يقتضيها السياق.
(٧) فى النهاية ( = ٤ ص ٥٨) ألظ بالشىء يلظ إلظاظاً إذا لزمه وثابر عليه.
(٨) زيادة من أبن هشام.
- ٥٩٢ -

(«فما أَوَّلُ ما رخصتم أَمر الله عز وجل؟)) قال: زنى رجل ذو قرابة من مَلِكِ من ملوكنا فأُخِّرَ
عنهِ الرِّجْم. ثم زنى رَجُلٌ فى أُسْرَةٍ(١) من الناس فأرادوا رَجْمَه فحال قَوْمُه دونه وقالوا:
والله لا يُرْجَم صاحبنا حتى تجىء بصاحبك فَتَرْجُمه ، فاصطلحوا على هذه العقوبة بينهم .
وفى رواية أَن الزِّنَى كَثُر فى أَشرافنا، فكُنَّا إذا أخذنا الشريف تركناه ، وإذا أخذنا
الضعيف أَقمنا عليه الحَدّ ، فقلنا: تَعَالَوْا حتى نجعل شيئاً ونُقِيمُه على الشريف والوضيع.
فأَجمعنا على التحميم والجَلْد ، أما والله يا أبا القاسم إنهم ليعرِفون إِنك نبى مُرْسَل ولكنهم
يَحْسُدُونك .
فقال النبى صلى الله عليه وسلم: ((اللهم إنى أَوَّلُ من أَحْيَا أَمْرَك إِذ أَماتوه قديماً بالشهوة )).
فجاءوا بأربعة [ شهود] فشهدوا بأَّهم رَأَوْا ذكره فى فَرْجها مِثْلِ المِيل فى المُكْحُلَة، فأَمر رسول
الله صلى الله عليه وسلم بهما فرُجِما عند باب مسجده ، وفى رواية بالبلاط. قال ابن عُمَر :
فرأيتُ الرجلَ يُجْنِئُ(٢) على المرأة لِيَقِيهَا الحجارة، وفى لفظ: فكنت فيمن رَجَمهما فلقد
رأيتُه يَقِيها الحجارَة بنفسه .
تنبيه: فى بيان غريب ما سبق: ((بيت المِدْرَاس)): بكسر الميم [ وهو البيت ] الذى
يقرأ فيه أَهل الكتاب(٣) كُتُبِهَم. ((التَّجْبِيه)): بفتح / الفوقية وسكون الجيم وكسر ١٠٧٣ت
الموحدة بعدها تحتية ساكنة ثم هاء ، فُسَِّ الحديث بالجَلْد والتحميم والمخالفة فى الركوب
قال ثابت بن قاسم : وقد يكون معناه التعبير والإِغلاظ من جَبَهْتُ الرجل أَى قابلته بما يكره،
وضبطها بعضهم بمثناة فى آخره وقبلها حركة، وأَصْلُه البروك وهو بعيدهنا. ((صوريا)): بصاد
مهملة مضمومة وآخره ياء وألف. ((ياسر)): بتحتية وسين مهملة. ((أَخطب)): بوزن
أفعل التفضيل من الخُطْبَة. (( أنْشُدكم بالله (٤))): أَذَكِّرُ كم أَو سأَلْتُكم به مُقْسِماً عليكم .
٠
(١) فى النهاية (ج ١ ص ٣١) زنى رجل فى أسرة من الناس. الأسرة عشيرة الرجل وأهل بيته لأنه يتقوى بهم.
(٢) فى النهاية (جـ ١ ص ١٨٠): يجئ عليها أى يكب ويميل عليها فيقيها الحجارة من أجنا يجنىء إجناء. وفى
رواية أخرى فلقد رأيته يجانىً عليها مفاعلة من جانا يجانى ، ويروى بالحاء المهملة.
(٣) تعريف المؤلف هنا للمدراس غير مانع لأنه يشمل النصارى وهم أهل كتاب مع أن المدراس خاص باليهود وحدهم
دون النصارى .
(٤) يقال: نشدتك الله ونشدتك بالله ونشدتك الرحم وبالرحم.
- ٥٩٣ -
(٣٨ - سبل الهدى والرشاد جـ ٣)

((تلوح)): تبدو. ((أَلَظَّ)) به لازمه. «النِّشْدة (١): بكسر النون من المناشدة. ((الأُسْرَة)):
القُوَّة ((البلاط)) - بفتح الموحدة : الحِجَارة المفروشة، وموضع بالمدينة وهو المراد هنا.
(( يُجْنِىء عليها(٢))): يُكِبُّ [ويميل ] عليها.
(١) نشد من باب نصر نشد الضالة ينشدها نشداً ونشدة ونشداناً بكسرهما طلبها وعرفها، عن القاموس المحيط.
(٢) أثبتنا هنا غسبط ابن الأثير فى النهاية على اعتبار أن الفعل رباعى ولكن الثلاثى منه من باب فتح يؤدى نفس المعنى
فى اللسان يقال أرادوا ضربه فجنات عليه أقيه بنفسى وإذا أكب الرجل على الرجل يقيه شيئاً قيل أجنا، وجنات المرأة على
الولد أكبت عليه ، عن التاج. ثم أورد الزبيدى حديث الرجم بلفظ يجناً عليها .
- ٥٩٤ -

الباب الحادى عشر
فى سؤاله لهم أَن يَتَمَنَّوْا المَوْتَ إن كانوا صادقين
فى دَعَاوَى ادعُوها
قال الله عز وجل: ( قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ خَالِصةٌ مِنْ دُونِ النَّاسِ
فَتَمَنُّوا المَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ(١) ) روى ابن جرير عن أبى العالية أنه قال: (( قالوا
لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أَو نَصَارَى، وقالوا نحن أبناء الله وأَحِبَّاوُه(٢) )). فأَنزل
الله تعالى الآية الأولى فلم يفعلوا . وروى البيهقى فى الدلائل عن ابن عباس رضى الله عنهما
أن الآية الأُولى لما نزلت قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن كنتم فى مقالتكم صادقين
قولوا اللهم أَمِتْنَا فوالذي نفسي بيده لا يقولها رجل منكم إلا غَصَّ بِرِيقه فمات مكانه))،
فَأَبَوْا أَن يفعلوا وكرِهوا ما قال لهم، فنزل: ( وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللهُ
عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ(٣) ) يعنى عملته أيديهم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند نزول
هذه الآية: ((والله لن يَتَمَنَّوْه أَبداً)). وروى ابن إسحق ، وابن جرير، وابن أبى حاتم من
طريق آخر عنه، قال: ((لو تَمَنَّى اليهود الموت لَشَرِقَ أَحَدُهُم بِرِيقه)). وروى الإمام
أحمد، والبخارى، والترمذى، والنسائى، وابن مَرْدَوِيهِ، وأَبو نُعَيْم، عن ابن عباس رضى الله
عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لو أن اليهود تَمَنَّوْا المَوْتَ، لماتوا
وَلَرَأَوْا مقاعدهم من النار .
. (١) سورة البقرة آية ٩٤ .
(٢) فى هذا اقتباس من الآية ١٨ من سورة المائدة: (وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه).
(٣) سورة البقرة آية ٩٥ .
- ٥٩٥ -

الباب الثانى عشر
١٠٧٤ت
فى سِحْرِهم إِيَّه صلى الله عليه وسلم
روى الشيخان والإسماعيلى، وابن مَرْدَويه ، والبيهقى عن عائشة رضى الله / عنها ،
والإِمام أحمد، وعَبْد بن حُمَيْد ، والبخارى ، والنسائى عن زيد بن أَرْقَم ، وابن مَرْدَوِيِه
عن أَنَس بن مالك رضى الله عنه ، وابن سعد ، والبيهقى ، وابن مَرْدَويه عن ابن عباس رضى
الله عنهما، وابن سعد عن عُمَر بن الحكم مُرْسَلاً، قال عُمَر بن الحكّمَ: لما رجع رسول الله
صلى الله عليه وسلم من الحُدَيْبِيَة [ فى ذى الحجة (١) ] ودخل المُحَرَّم سنة سَبْع جاءت
رؤساء يهود [ الذين بَقَوا فى المدينة مِمَّن يُظْهر الإِسلام وهو منافق(١) ] إِلى لَبِيد بن الأَعْصَم،
وكان حليفاً فى بنى زُرَيْق وكان ساحراً [قد علمت ذلك يهود أنه أعلمهم بالسِّحْرِ وبالسموم(١)]
فقالوا له : يا أبا الأَعصم أَنت أَسْحَرُنا، وقد سَحَرْنا محمداً فلم نصنع شيئاً [ وأنت ترى
أَثَره فينا، وخِلافَه دينَنَا، ومن قتل منا وأَجْلَى(١) ] ونحن نجعل لك على ذلك جُعْلاً
.[ على أن تسحره لنا سِحْراً يَنْكَوُّهُ(١)] فجعلوا له ثلاثة دنانير [ على أَن يسحر رسول الله
صلى لله عليه وسلم(٢) ]
وقالت عائشة رضى الله عنها فى رواية عبد الله بن عُمَيْر : سحررسولَ الله صلى الله عليه
وسلم يهودى من يهود بنى زُرَيْق . وفى رواية ابن عُيَيْنَة : رجل من بنى زُرَيْق حليف يهود
وكان منافقاً. وفى حديث عبد الرحمن بن كعب بن مالك عند ابن سعد : إِنما سَحَرَه
بناتٍ أَعْصَمِ أَخوات لَبِيد [ وكُنَّ أَسْخَر من لبيد وأَخْبَث (٣) ] وكان لبيد هو الذى ذهب
به فأَدخله تحت رَاعُوفَة البئر (٤)، فلما (٥) عَقَدُوا تلك العُقَد أَنكر رسول الله صلى الله عليه
(١) زيادة من طبقات ابن سعد (جـ ٤ ص ١١) الذى نقل عنه المؤلف .
(٢) زاد ابن سعد: فعمد إلى مشط وما يمشط من الرأس من الشعر، فعقد فيه عقداً وتفل فيها تفلا وجعله فى جب
( وفى رواية فى جف ) طلع نخلة ذكر ثم انتهى به حتى جعله تحت راعوفة البئر فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أمراً أنكره
حتى يخيل إليه أنه يفعل الشىء ولا يفعله .
(٣) زيادة من طبقات ابن سعد ( جـ ٤ ص ١١) الذى نقل عنه المؤلف.
(٤) راعوفة البئر كما فى النهاية (جـ ٢ ص ٨٧) هى صخرة تترك فى أسفل البئر إذا حفوت تكون ناتئة هناك فإذا
أرادوا تنقية البئر جلس المنتقى عليها . وقيل هى حجر يكون على رأس البئر يقوم المستقى عليه، ويروى بالثاء المثلثة راعوثة
والمشهور بالفاء .
(٥) يلى ذلك فى الأصل: حتى يخيل إليه أنه فعل الشيء ولم يكن فعله، وهذه العبارة لا تأتلف مع ما سبقها وأثبتنا
بدلا منها تكملة رواية عبد الرحمن بن كعب بن مالك كما نقلها المؤلف عن طبقات ابن سعد .
- ٥٩٦ =

وسلم تلك الساعة بَصَرَه، ودَّسَّ بناتُ أَعْصَم إحداهن فدخلت على عائشة رضى الله عنها
[ فَخَبَّرتها عائشة أو سمعت عائشة تذكر ما أَنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم من بَصَره(١) ]
ثم خرجت إلى أَخواتها [ وإلى لبيد(٢)] فأَخبرتهم بذلك. فقالت إِحداهن: ((إِن يَكُنْ نَبيّاً
فَسَيُخْبَرِ وإِن يَكُ غَيْرَ ذلك فسوف يُدَلِّهُهُ هذا السِّخْر حتى يذهب عقله )) .
وفى رواية فى الصحيح [ عن عائشة رضى الله عنها قالت: (( كان رسول الله صلى الله
عليه وسلم سُحِرِ (٣) ] حتى كان يرى أنه يأتى النساء ولا يأتيهنّ)) . قال سفيان وهذا شَرّ
ما يكون إِذا كان كذا .
وفى مُرْسَل يحيى بن يعمر عن عبد الرَّزاق : حتى أَنكر بَصَّرَه ، فدخل عليه أصحابه
يعودونه فخرجوا من عنده وهم يرون أنه لما به [ مطبوب ] . وفى رواية عمرة عن عائشة
عند البيهقى : فكان يذوب وما يدرى ما وَجَعُه فاشتكى لذلك أَياماً . وفى رواية أَبِى ضمرةً
عند الإِسماعيلى : مكث أربعين ليلة. وفى رواية وهيب عند الإِمام أحمد : ستة أشهر ، حتى إذا
كان ذات يوم وهو عندى دعا الله عز وجل ثم دعا ثم قال: (( يا عائشة أَشَعَرْتٍ أَن الله
أَقْتَانی فیا اسْتَفْتَیْتُه فیه ؟)) قلت : وما ذاك يا رسول الله ؟ قال: (( أُتانى رجلان - وفی حدیث
ابن عباس : جبريل وميكائيل - فقعد أحدهما عند رأسى - قال الدمياطى هو جبزيل -
والآخر عند رِجْلىّ . ثم قال أحدهمالصاحبه- وفى حديث ابن عباس: فقال ميكائيل : ياجبريل
إن صاحبك شاكٍ. قال : أَجل . قال: وما وَجَع الرجل ؟ فقال: / مطبوب. قال: ومَنْ ١٠٧٥ت
طَبّه ؟ قال لَبِيد بن الأَعْصَم اليهودى. قال: فماذا؟ قال: ((فى مُشْط ومُشَاطَة - وفى لفظ :
مُشْطٍ ومُشَاقَة وجُّ طَلْعِ نخلةٍ ذَكَر )) .
وفى حديث عائشة من طريق ابن عيينة، ((فقال الذى عند رأسى)). قال الحافظ:
(( وكأنّها أَصوب)). وفى حديث ابن عباس عند البيهقى قال: وأين هو ؟ قال: فى بئر
(١) ساقطة من الأصل والتكملة من طبقات ابن سعد (جـ ٤ ص ١١ و ١٢).
(٢) زيادة من ابن سعد ..
(٣) زيادة من صحيح البخارى كتاب الكهانة والسحر (جـ ٧ ص ٢٥١).
- ٥٩٧ -

ذى أَروان - وفى لفظ: بئر ذِرْوَان - وفى حديث ابن عباس عند ابن مَرْدَويه: وهو بثر
ميمون فى كُلْيَةٍ(١) تحت صخرة فى الماء. قال: فما دواء ذلك؟ قال: تُنْزَح البئر ثم.
تُقْلَب الصخرة فتؤخذ الكلية فيها مثال إحدى عشرة عُقْدَة فتُخْرَق فإنه يَبْرَأُ بإذن الله تعالى).
فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عَلِيًّا وعَمَّاراً(٢). وفى حديث آخر : ذهب رسول الله
صلى الله عليه وسلم فى أُنَاسٍ من أصحابه إلى البئر ، فنظر إليها ، وعليها نَخْل ، فدخل
رجل فاستخرج جُفَّ طَلْعَة [ ذكر] من تحت الراعوفة، فإِذا فيها مُشْط رسول الله صلى الله
عليه وسلم، وإِذا وَتَر [ معقود (٣)] فيه إحدى عشرة عُقْدَة مُغرزة بالإِبَر ، فنزل جبريل
عليه السلام بالمعوذتين : سورة الفَلَق وسورة الناس [ وهما إِحدى عشرة آية على عدد تلك
العُقَدِ وأَمر أَن يُتَعَوذَّ بهما(٤) ] فجعل كلما قرأ آية انْحَلَّتْ عُقْدَة، وكلما نَزَع إِبرة وجد
لما أَلَمّا ويجد بعدها راحة. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنما أُنْشِطِ من عِقَال(٥).
قالت عائشة : فلما رجع قال : لكأَنّ ماءها نُقَاءةُ الحِنَّاء وكأنّ رءوس. نخلها الذى يشرب
ماءها قد التوى سَعَفُه كأَنَّه رءوس الشياطين . قلت: يا رسول الله أَفَلاَ استخرجته ؟
قال: ((لا)) - وفى رواية من حديث عائشة فى الصحيح وغيره: فقلت يا رسول الله أَفَلا(٦) ..
قال سفيان: أَى تَنَشَّرْتَ(٧) - فقال: ((أَما والله)) - وفى رواية: (( أَمَّا أَنا فقد عافانى الله
وثفانى، وَخَشِيتُ أَن أُثْوِّرَ - وفى روايةٍ أُثِيرَ - على الناس منهِ شَرّاً)). وأَمَر بها فَدُفِنَتْ.
فقيل يا رسول الله لو قتلته فقال: (( ما وراءه من عذاب أَشَدّ )). وفى رواية: فأَخذه رسول
الله صلى الله عليه وسلم فاعترف فعفا عنه ولم يقتله(٨).
(١) فى النهاية (ج ٤ ص ١١) الكدية هى القطعة الغليظة الصلبة التى لا يعمل فيها الفأس. وأكدى الحافر إذا
بلغها .
(٢) فى تفسير القرطبى ( ٢٠ ص ٢٥٣) أنه أرسل أيضاً الزبير بن العوام .
(٣) زيادة من تفسير القرطبى.
(٤) زيادة من طبقات ابن سعد.
(٥) زاد القرطبى: وجعل جبريل يرقى رسول الله فيقول: باسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك من شر حاسد وعين
والله يشفيك.
(٦) وفى لفظ: هلا .
(٧) فى النهاية (ج ٤ ص ١٤٤) من النشرة بالضم وهى ضرب من الرقية يعالج به من كان يظن أن به مساً من الجن
سميت نشرة لأنه ينشر بها عنه ما خامره من الداء أى يكشف ويزال فيقال قد نشرت عنه تنشيراً .
. (٨) فى طبقات ابن سعد (ج ٤ ص ١١) أن النبى صلى الله عليه وسلم أرسل إلى لبيد بن الأعصم فقال له: ((ما حملك
على ما صنعت فقد دلنى اللّه على محرك وأخبر نى ما صنعت ؟)) فقال : حب الدنانير يا أبا القاسم.
- ٥٩٨ -
2

تَنْيَهَاتُ
الأول : السِّحْرِ يُطْلَق ويراد به الآلة التى يُسْحَر بها ، ويطلق ويراد به فِعْل الساحر،
وتكون الآلة تارةً معنى من المعانى فقط كالرُّقَى والنَّفْث فى العُقَد، وتارةً تكون بالمحسوسات.
وتارةً تجمع الأمرين الحسى والمعنوى وهو أبلغ .
الثانى : اختُلِف فى السحر ، فقيل هو تخييل فقط ولا حقيقة له، وهو اختيار أبى جعفر
الأَستراباذى من الشافعية ، وأبى بكر الدارمى من الحنيفة ، وابن حزم الظاهرى وطائفة .
قال النووى: ((والصحيح أن للسحر / حقيقة ، وبه قطع الجمهور ، وعليه عامة العلماء، ١٠٧٦ت
ويدل عليه الكتاب والسنة الصحيحة المشهورة )) انتهى . ولكن محل النزاع : هل يقع
بالسحر انقلاب عين أولا ؟ فمن قال إنه تخييل فقط ، منع . وقيل إن له حقيقة .
واختلفوا هل له تأثير فقط بحيث يُغَيِّر المزاج فيكون نوعاً من الأمراض، وينتهى إلى حالة
بحيث يصير الجماد حيواناً مثلاً وعكسه؟ فالذى عليه الجمهور ، الأول . وذهبت طائفة
قليلة إلى الثانى .
فإن كان بالنظر إلى القدرة الإلهية فمُسَلَّم به ، وإِن كان بالنظر إلى الواقع فهو محل
الخلاف ، فإن كثيراً ممن يَدَّعى ذلك لا يستطيع إقامة البرهان عليه . وذكروا قوماً أَنكروا
السحر مُطْلَقاً وكأَّهم عنوا القائلين بأنه تخييل وإلا فهذه مكابرة (١) . قال المازري:
جمهور العلماء على إثبات السحروأن له حقيقة،ونفى بعضهم حقيقته وأضاف مايقع منه إلى
خيالات باطلة ، وهو مردود لورود النقل بإثبات السحر ، ولأن العقل لا ينكر أن الله تعالى
قد يخرق العادة عند تُطْقَ الساحر بكلام مُلَفَّق أَو تركيب أجسام أَو بمزجٍ بين قُوّى على
ترتيب مخصوص ، ونظير ذلك ما يقع من حُذَّاق الأطباء من مزج بعض العقاقير ببعض
حتى ينقلب الضَّارّ منها بمفرده فيصير بالتركيب نافعاً . وقيل لا يزيد تأثير السحر على
ما ذكر الله تعالى فى قوله: (( يُفَرِّقُونَ بِهِ بين المَرْءِ وَزَوْجِهِ (٢) )) لكَوْن المقَامِ مَقَامَ تهويل ، فلو
جاز أن يقع به أكثر من ذلك لَذكرَه. قال المازري: ((والصحيح من جهة العقل أنه يجوز
أن يقع به أكثر من ذلك ، والآية ليست نصاً فى منع الزيادة ولو قلنا إنها ظاهرة فى ذلك )).
(١) فى الأصل: وذكر قوماً أنكروا السحر مطلقاً وكأنه عنى القائلين بأنه تخييل وإلا فهى مكابرة، وعبارة المؤلف
على أية حال غامضة .
(٢) سورة البقرة آية ٠٠١٠٢
-٥٩٩ : -

ثم ذكر الفرق بين السِّحْر والمُعْجزة والكرامة ، وقد ذكرته فى أبواب المعجزات .
الثالث: قال النووى: ((عمل السحر حرام وهو من الكبائر بإِجماع، وقد عَدَّه
النبى صلى الله عليه وسلم من السبع المُوبِقات، ومنه ما يكون كُفْراً ، ومنه مالا يكون
كُفْراً بل معصية كبيرة ، فإِن كان فيه قول أَو فِعْل يقتضى الكُفْر فهو كفر كالتَّعَبُّد للشياطين
أَو الكواكب . وأَما تَعْلِيمُهُ وتَعَلُّمُه فحرام ، فإن كان فيه ما يقتضى الكفر اسْتُنِيبَ منه
[متعاطيه] ولا يُقْتَل. فإن تاب قُبِلَتْ تَوْبَتُه، وإِن لم يكن فيه ما يقتضى الكُفْر عُزِّر.
وعن الإِمام مالك: السَّاحِرِ كافر يُقْتَل ولا يُسْتَتَابِ، بَلَ يَتَحَثَّم قَتْلُه كَالرِّنْدِيقِ. قال القاضى:
((وَبِقَوْلِ مالك قال أحمد، وجماعة من الصحابة والتابعين)). انتهى، وإِلى ذلك جنح البخارى.
الرابع: قال الحافظ: ((أَجاز بعض العلماءِ تَعَلُّمَ السِّحْر لِأَحد أمرين: إما لِتَمْيِّزٍ ما فيه
١٠٧٧ت من كُفْر من غَيْرِهِ، وإِما لإِزالته عَمَّن وقع / فيه. فأَما الأُوَّل فلا محذور فيه إِلا من جهة
الإعتقاد ، فإذا سَلِمِ الاعتقاد فمعرفة الشىء معرفةً مجردة لاتستلزم مَنْعاً ، كمن يعرف
عبادة أهل الأوثان؛ لأَن كيفية ما يعرفه السَّاحِرِ إِنما هى حكاية قَوْلٍ وفِعْلٍ، بخلاف
تعاطيه والعَمَل به . وأَما الثانى فإِن كان لايَتِمّ كما زَعَم بعضُهم إلا بنوع من أنواع الكُفْر
أو الفِسْق فلا يحل أصلاً، وإلا جاز للمعنى المذكور ، ولهذا مزيد بَسْط يأتى إن شاء الله
فى أبواب عصمته صلى الله عليه وسلم .
الخامس: لَبِيد - بفتح اللام وكسر الموحدةَ بعدها تحتية ساكنة ثم مهملة - ابن الأعصم.
بوزن أخمر بمهملتين - وصُفٍ فى رواية بأنه من يهود بنى زُرَيْق (١). وفى رواية [أُخرى].
بأنه رجل من بنى زُرَيْق حليف يهود(٢)، وكان منافقاً. ويُجْمَع بينهما بأَن من أطلق أَنه
يهودى نظر إلى ما فى نفس الأمر ، ومن أطلق عليه منا فقاًنظر إلى ظاهر أمره . قال أبو الفرج:
وهذا يدل على أنه أسلم نفاقاً وهو واضح .
. السادس: فى مدة مُكْثِهِ صلى الله عليه وسلم مَسْجُوراً: وقع فى رواية أبى ضَمْرَة عند
الإسماعيلى فى صحيحه أنه صلى الله عليه وسلم مَكَث أربعين ليلة. وفى رواية وُهَيْب عن
(١) هذه رواية هشام عن أبيه عن عائشة فى صحيح البخارى (جـ ٧ ص ٢٥١).
(٢) هذه رواية الزهرى عن ابن المسيب وعروة فى طبقات ابن سعد (جـ٤ ص ١٢).