النص المفهرس

صفحات 561-580

( وَيَسْأَّلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً) . قالوا:
((أوتينا عِلْما كثيراً. أوتينا التوراة، ومن أوتى التوراة فقد أوتى خيراً كثيراً)). فأَنزل
الله عز وجل ( قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّى لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ
رَبِّى وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدِدًا)(١) سَنَد رجاله رجال صحيح مسلم ، ورواه ابن إسحق من وجه
آخر نحوه ، وسبق فی باب امتحان المشر کین رسول الله- صلی الله عليه وسلم - بأشياء لا يعرفها
إلا نی .
وروى ابن إسحق وابن جرير عن عطاء بن يسار قال: نزلت بمكة : (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ
العِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً)، فلما هاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة أتاه أحبار يهود
فقالوا : يا محمد ، بلغنا أنك تقول: ( وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً) أَفَعَنَيْتَنَا أَم
عَنّيْتَ قَوْمَك؟ قال: ((لا بل عَنَيْتُكُم)). فقالوا: ((إنك تتلو / أَنَّا أُوتينا التوراة وفيها ١٠٥٤ت
تِبْيَان كل شىء)). فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((هى فى علم الله قليل
وقد آتاكم الله ما إن عَمِلْتُم به انتفعتم ))، وأنزل الله عز وجل : ( وَلَوْ أَنَّ مَا فِى الأَرْضِ مِنْ
شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ الثّهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ،
مَا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْنُكُمْ إِلَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ(٢) ) . ودَلَّ حديث ابن مسعود ،
وأَثَر عطاء أن الآية نزلت بمكة ، وجُمِع بينهما وبين حديث ابن مسعود رضى الله عنه
بتعدد النزول، ويُحْمَل سكوته فى المرة الثانية على توقع مزيد بيان فى ذلك إن ساغ ذلك ،
وإلا فما فى الصحيح أَصَحّ. وقال الشيخ رحمه الله تعالى فى الإتقان(٣): ((إذا استوى
الإسنادان فى الصحة فيرجح أحدهما بكون [ راويه(٤) ] حاضر القصة أو نحو ذلك من وجوه
الترجيحات))، ثم ذكر [ مثالاً له (٤) ] حديث ابن مسعود وحديث ابن عباس المذكورين.
(١) سورة الكهف آية ١٠٩.
(٢٠) سورة لقمان آية ٢٧ و ٢٨.
(٣) (١٥ ص ٣٢: ٣٣)
(٤) زيادة من الإتقان .
- ٥٦١ -
...
(٣٦ - سبل الهدى والرشاد جـ ٣)

ثم قال : ((فهذا - أى حديث ابن عباس - يقتضى أن الآية نزلت بمكة، والحديث الأول
خلافه . وقد رجح أن ما رواه البخارى(١) أَصح من غيره ، وبأَن ابن مسعود كان حاضر
القصة .
الثانى: قال أبو نعيم: « قیل من علامات نبوة سیدنا محمد - صلى الله عليه وسلم- فى
الكتب المُنَزَّلَة أنه إذا سُئِل عن الروح، فَوَّض العلم بحقيقتها إلى منشئها وبارِئها ، وأمسك
عما خاضت فيه الفلاسفة وأهل المنطق القائلون بالحَدْس والتخمين ، فامتحنه اليهود
بالسؤال عنها ليقفوا منه على نعته المُثْبَت عندهم فى كتابهم ، فوافق كتابه ماثبت فی کتبهم »
الثالث: قال ابن التين: (( اختُلِف فى الروح المسئول عنها فى هذا الخبر على أقوال:
الأول : روح الإنسان، الثانى: روح الحيوان . الثالث: جبريل. الرابع: عيسى. الخامس:
القرآن . السادس: الوحى . السابع: ملك يقوم وحده صفاً يوم القيامة . الثامن : ملك له
سبعون ألف وجه (٢) لكل وجه منها سبعون ألف لسان لكل لسان منها سبعون ألف لغة (٣)
يُسَبَّح الله تعالى [ بتلك اللغات كلها ] ويخلق الله سبحانه وتعالى من كل تسبيحة ملكاً يطير
مع الملائكة، وقيل ملك رجلاه فى الأرض السفلى ورأسه عند قائمة العرش. التاسع: خَلْق
كَخَلْقِ بنى آدَم يأكلون ويشربون ، لا يَنْزِلُ مَلَكُ من السماءِ إلا نزل معه مَلَكُ منهم .
وقيل هو صِنْفٌ من الملائكة يأكلون ويشربون)). قال الحافظ: ((وهذا إنما يُجْمَع من كلام
أهل التفسير فى معنى لفظ ((الروح)) الوارد فى القرآن لا خصوص هذه الآية، فَمَّنْ الذى
١٠٥٥ ت فى القرآن: [١] (نَزَلَ بهِ الرُّوحُ الأَمِينُ (٤))، [٢] ( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا / إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ
(١) الحديث فى صحيح البخاری کتابالتفسير (٦٠ص١٦٢) وإسناده: حدثنا عمر بن حفص بن غياث حدثنا أبی حدثنا
الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود. ويفهم منه أن سؤال اليهود عن الروح وقع فى المدينة. وفى بيان المكى
والمدنى فى الإتقان قال السيوطى (١٠ ص ١٥) استثنى من سورة الإسراء المكية ((ويسألونك عن الروح)) لما أخرج البخارى
عن ابن مسعود ، أنها نزلت بالمدينة فى جواب سؤال اليهود عن الروح .
(٢) فى الأصل ١١٫٠٠٠ والتصويب من الحديث الذى أخرجه ابن جرير عن على بن أبى طالب ( تفسير ابن كثير
« ٣ ص ٦١).
(٣) فى الأصل ألف ألف لغة والتصويب من تفسير ابن كثير. وفى تفسير القرطبى (= ١٠ ص ٣٢٤) رواية
عطاء عن ابن عباس: الروح ملك له أحد عشر ألف جناح وألف وجه يسبح الله إلى يوم القيامة .
(٤) سورة الشعراء آية ١٩٣.
- ٥٦٢ -

أَمْرِنَا(١))، [٣] (يُلْقِى الرُّوحَ مِنَ أَمْرِه (٢)، [٤] ( وَأَيْدِهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ(٣))، [٥] (يَوْمَ
يَقُومُ الرُّوحُ والمَلَائِكَةُ صَفًّ (٤) )، [٦] (يُنَزِّلُ المَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ (٥) ؟
فالأول : جبريل ، والثانى القرآن ، والثالث الوَحْى ، والرابع القوة ، والخامس والسادس
مُحْتَمِل لجبريل أو غيره ، ووقع إطلاق الروح على عيسى .
وروى إسحق بن راهويه بَسَند صحيح عن ابن عباس قال: «الروح من الله ، وخَلْقٌ من
خَلْقِ اللّه، وصَوَر كبنى آدم، لا يَنْزِل مَلَكُ إلا ومعه أَحَدٌّ من الروح)). وقال الخَطَّابِى:
« حگوا فى المراد بالروح فى الآية أقوالاً ، وقال الأكثرون : سألوه عن الروح التی تکون بها
الحياة فى الجَسَد. وقال أهل النظر: ((سألوه عن مسلك الروح وامتزاجها بالجَسَد ،
وهذا هو الذى استأثر اللهُ بِعِلْمِه. وقال القرطبى: ((الراجح أنهم سُّوه عن روح الإنسان؛
لأن اليهود لا تعترف بأن عيسى روح الله، ولا نجهل أَن جبريل مَلَك وأن الملائكة أرواح)».
وقال الإمام فخر الدين(٦): ((المختار أنهم سألوه عن الروح الذى هو سبب الحياة، وأَن
الجواب وقع على أحسن الوجوه ، وبيانه: أَن السؤال عن الروح يحتمل [ أن يكون ] عن
ماهيَّيْها ، وهل هى مُتّحيِّزَة أم لا ، وهل هى حَالَّة فى مَتَحَيِّزْ أَم لا ، وهل هى قديمة أَو حادثة،
وهل تَبْقَى بعد انفصالها من الجسد أَو تَفْنَى ، وما حقيقة تعذيبها وتنعيمها وغير ذلك
من تَعَلَّقَاتِها ؟)) قال: ((وليس فى السؤال ما يُخّصِّص أحد هذه المعانى إلا أن الأظهر أنهم
سألوه عن الماهِيَّة، وهل الروح قديمة أَو حادثة ؟ والجواب يَدُلُّ على أنها شىء موجود مغاير
للطبائع والأخلاط وتركيبها ، فهى جوهر بسيط مُجَرِّد لا يَخْدُث إِلا بُمُحْدِث، وهو قوله
تعالى: ((كن فكان)). قال: هى موجودة مُحْدَثَة بأمر الله عزوجل ، وتكوينه ، ولها تأثير
فى إفادة الحياة للجسد، ولا يلزم من عدم العلم بكيفيتها المخصوصة نَفْيُها.
(١٠) سورة الشورى . آية ٥٢ ..
(٢) سورة غافر آية ١٥.
(٣) سورة المجادلة آية ٢٢.
(٤) سورة النبأ آية ٣٨.
(٥) سورة النحل آية ٢ .
(٦) يقصد المؤلف الإمام فخر الدين الرازى المعروف بابن الخطيب (٥٤٤ هـ - ٦٠٦ هـ).
- ٥٦٣ -

الرابع: تَنَطَّع قوم (( فتباينت أقوالهم فى الروح ، فقيل هى النَّفَس الداخل الخارج،
وقيل الحياة ، وقيل جسم لطيف يحل فى جميع البدن ، وقيل هى الدم ، وقيل هى عَرَض ،
حتى قيل : إِن الأقوال بلغت المائة ، ونقل ابن مندة عن بعض المتكلمين أن لكل نبى خمس
أرواح، وأَن لكل مؤمن ثلاثاً ، ولكل حَىٍّ واحدة .
الخامس: قال القاضى أبو بكر بن العربى: ((اختلفوا فى الروح والنفس ، فقيل
١٠٥٦ت متغايران وهو الحق، وقيل هما شىء / واحد، وقد يُعَبَّر بالروح عن النفس وبالعكس ،
كما يُعَبَّر عن الروح وعن النفس بالقلب وبالعكس ، وقد يُعَبَّر عن الروح بالحياة حتى يتعدى
ذلك إلى غير العقلاء بل إلى الجُهَّال مجازًا(١).
قال تلميذه السُّهَيْلى: يعنى على مغايرة الروح والنفس قوله [ تعالى]: (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ
وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِى(٢) ) ، وقوله تعالى: (تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلَا أَعْلَمُ مَافِى نَفْسِك(٣) ،
فإنه لا يصح جَعْل أَحدهما موضع الآخر ، ولولا التغاير لسَاعَ ذلك .
السادس : فى قوله تعالى: (قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ ربِّى)، قال الإِمام فخر الدين الرازى:
(( يُحْتَمَلِ أَن يكون المراد بالأَمر هنا الفِعْلِ كقوله تعالى: ( وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ(٤) ) أَى
فِعْله ، فيكون الجواب : الروح من فِعْل رَبِّى ، إن كان السؤال : هل هى قديمة أَو حادثة ؟
فيكون الجواب: أنها حادثة)) .. إلى أن قال: ((ولهذا سَكّت السلف عن البحث فى هذه
الأشياءِ والتَّعَمُّق فيها )). وقال الإسماعيلى: ((يُحْتَمَل أن يكون جوابًا وأَن الروح من جملة
أمر الله وأن يكون المراد : اختص الله عز وجل بعلمه ولا سؤال لأحد عنه )).
. (١) لفظ ابن العربى فى تفسيره أحكام القرآن (ــ ٢ ص ٤٥ طبعة القاهرة سنة ١٣٣١ هـ). بعد أن أورد حديثى
ابن مسعود وابن وهب : ((ومعنى هذا أن الأنبياء لا يتكلمون مع الخلق فى المتشابهات ولا يفيضون معهم فى المشكلات وإنما
. يأخذون فى البين من الأمور المعقولات، والروح خلق من خلق الله تعالى جعله الله فى الأجسام فأحياها به وعلمها وأقدرها وبنى
عليها الصفات الشريفة والأخلاق الكريمة وقابلها بأضدادها لنقصان الآدمية فإذا أراد العبد إنكارها لم يقدر لظهور آثارها
وإذا أراد معرفتها وهى بين جنبيه لم يستطع لأنه قصر عنها وقصر به دونها . وقال أكثر العلماء إنه سبحانه ركب ذلك فيهعبرة
كما قال: ((وفى أنفسكم أفلاتبصرون)). ليرى أن البارى لا يقدر على جحده لظهور آياته فى أفعاله. ويتضح من هذا أن ما نقله
المؤلف عن ابن العربى مخالف لما ذكره ابن العربى فى أحكام القرآن ولكن هناك تفسير آخر مطول لابن العزبى اسمه أنوار
الفجر ، يقع فى ثمانين ألف ورقة ، ذكر ابن فرحون أن تأليفه استغرق عشرين سنة ، فلعل نقل الشامى من هذا الكتاب .
(٢) سورة الحجر آية ٢٩.
(٣) سورة المائدة آية ١١٦.
( ٤ ) سورة هود آية ٩٧ .
- ٥٦٤ -

وقال السهيلى بعد أن حكى ما المراد بالروح فى الآية: ((وقالت طائفة: الروح الذى سأَلت
عنه اليهود هو روح الإِنسان . ثم اختلف أصحاب هذا القول ، فمنهم من قال: لم يُجِبْهُم
رسول الله صلى الله عليه وسلم على سؤالهم، لأَنهم سألوه تَعَنًُّا واستهزاء ، فقال الله عزوجل:
(قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى)، ولم يَأْمرِهِ أَنْ يُبَيِّنَه لهم. وقالت طائفة: بل أَخبرهم وأجابهم بما
سأَلُوه، لأَنّه قال لِنَبِيِّه صلى الله عليه وسلم: ( قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى)، وأَمْرُ الرَّبِّ هو
الشرع والكتاب الذى جاء به ، فمن دخل فى الشَّرْع وَتَفَقَّه فى الكتاب والسُّنَّةِ عِرَف الروح ،.
فكان معنى الكلام ادخلوا فى الدين تعرفوا ما سألتم عنه ، فإنه من أَمْر ربِّى أَى من الأمر
الذى جِئْتُ به مُبَلِّغًا عن الرَّبِّ ، وذلك أن الروح لا سبيل إلى معرفتها من جهة الطبيعة.
ولامن جهة الفلسفة ولامن جهة الرأى والمعرفة، وإنما تُعْرفُ من جهة الشَّرْع. فإِذا نظرتَ
إلى ما فى الكتاب والسُّنَّة من ذِكْرِها نحو قوله تعالى: (ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ (١)) أَى
من روح الحياة ، والحياة من صفات الله سبحانه وتعالى، وإلى ما أَخْبَر به رسول الله صلى
الله عليه وسلم بأَن (الأَرواح جنودٌ مُجَنَّدة))، وأنها تتعارف وتَتَشَامٌ فى الهواء، وأنها تُقْبِضَ
من الأجساد / بعد الموت ، وأنها تُسْأَّل فى القبر فتفهم السؤال وتسمع وترى، وتنعم ٥١٠٥٧
وتُعَذَّب ، وتلتذ وتتَّم، وهذه كلها من صفات الأَجسام ، فإِنك تعرف أنَّها أجسام بهذه
الدلائل ، لكنها ليست كالأجسام فى كثافتها وثقلها وإِظلامها ، إِذ الأجسام خُلِقت من طين
وحماٍ مِسنون(٢)، فهو أَصلها، والأَرْوَاح خُلِقت من ماء كما قال الله سبحانه وتعالى ،
ويكون النَّفْخ المتقدم المضاف إلى المَلَك، والملائكة خُلِقَتْ من النور كما جاء فى الصحيح
وإِن كان قدأَضاف النَّفْخ إلى نفسه سبحانه وتعالى وكذلك أضاف قَبْض الأَرواح إلى نفسه
فقال: ( اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا (٣))، وأَضاف ذلك إِلى المَلَك أَيضاً فقال: ( قُلْ
(١) سورة السجدة آية ٩.
(٢) من الآية السادسة والعشرين من سورة الحجر وشرح القرطبى (فى = ١٠ ص ٢٤ من تفسيره) الآية ٢٩ من
نفس السورة: ((فإذا سويته ونفخت فيه من روحى)) بقوله أى سويت خلقه وصورته، والنفخ بإجراء الريح فى الشىء،
والروح جسم لطيف أجرى اللّه العادة بأن يخلق الحياة فى البدن مع ذلك الجسم وحقيقته إضافة خلق إلى خالق فالروح خلق
من خلقه، أضافه إلى نفسه تشريفاً وتكريماً كقوله: ارضى وسمائى وبيتى وناقة الله وشهر الله، ومثله: ((وروح منه))
(سورة النساء آية ١٧١). هذا وقد أورد القرطبى فى تفسير الآية الأخيرة ثمانية أجوبة (ج ٦ ص ٢٢ و ٢٣)
(٣) سورة الزمر آية ٤٢ .
٥٦٥

يَتَوَّفَّاكُمْ مَلَكُ المَوْتِ الذَّى وُكِّل بِكُمْ(١) ))، والفِعْل مضافٍ إِلى المَلَك مَجَازًا وإلى الرِّبُّ
حقيقة
فالروح إِذًا جسم ولكنه من جنس الريح ، ولذلك سْمِى روحاً من لفظ الريح، ونَفْخَةُ
المُلَك فى معنى الرِّيحِ، غير أنه ضُّ أَوله لأَّنه نورانى، والريح هوائ مُتَحَرِّك. وإِذا كان
الشَّرْع قد عَرَّفنا من معانى الروح وصفاتها هذا القَدْر ، فقد عَرَّف من جهةٍ أَمْرِها كما قال
سبحانه وتعالى: ( وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً(٣))، وقوله: ((مِنْ أَمْرٍ رَبِّى(٢) ) ،
أيضاً ، ولم يقل من أمر الله ، ولا من أمر ربكم ، يدل على خصوص ، وعلى ما قَدَّمنا من أنه
لا يَعْلَمُه إلا من أَخذ معناه من قول الله تعالى وقول رسوله صلى الله عليه وسلم ، بعد الإيمان.
بالله ورسوله واليقين الصادق والفقه فى الدين ، فإن كان لم يخبر اليهود حين سألوا عنها ،
فقد أَحالهم على موضع العلم بها .
السابع: قال ابن القَيِّم: ليس المراد بالأَمر هنا الطلب اتفاقًا، وإنما المراد به المأمور،
والأَّمر يُطْلَق على المأُمور، كالخَلْقِ على المخلوق، ومنه ( لَمّا جَاء أَمْرُ رَبِّكَ(٣) ) الآية.
الثامن: قال ابن بَطَّل: ((معرفة حقيقة الروح مما استأثر الله عز وجل بعلمه بدليل
هذا الخبر))، قال: ((والحكمة فى إبهامه اختبار الخَلْق ليُعَرِّفهم عَجْزَهم عن علم مالا يدر كونه
حتى يضطرهم إِلى رُدّ العلم إِليه)). وقال القرطبى: ((الحكمة فى ذلك إظهار عجز المرء، لأَّنه
إذا لم يعلم حقيقة نفسه مع القطع بوجوده كان عجزه عن إدراك حقيقة الحَقّ من باب
أوْلى)» .
التاسع : ثَبَت عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه كان لا يُفَسِّر الروح أى
لا يُعَيِّن المراد بها فى الآية. ومن رأى الإمساك عن الكلام فى الروح أستاذ الطائفة أَبو
١٠٥٨ت القاسم الجُنَيْد رحمه الله تعالى، كما فى عوارف المعارف (٤) / عَنْهُ بعد أن نقل كلام
الناس فى الروح، وكان الأَوْلَى الإِمساك عن ذلك، والتَّأَدُّبَ بأَدب النبى صلى الله عليه
(١) سورة السجدة آية ١١.
(٢) من الآية ٨٥ من سورة الإسراء.
(٣) سورة هود آية ١٠١.
:
(٤) صاحب كتاب عوارف المعارف هو شهاب الدين أبو حفص السهر وردى (٨٥٣٩ - ٦٣٢ هـ).
انظر ابن خلكان ( ج١ ص ٣٨٠ : ٢٨١)
٠
- ٥٦٦ -

وسلم. ثم نقل عن الجُنَيْد أنه قال: (( [ الروح شَىْءٌ](١) استأثر الله عز وجل بعلمه ،
ولم يُطْلِعْ عليه أحداً من خَلْقِه فلا تجوز العبارة عنه بأكثر من موجود)) .
وعلى ذلك جرى ابن عطية وجَمْعٌ من أهل التفسير ، وأَجاب من خَاضَ فى ذلك بأَّن
اليهود سألوا عنها سؤال تَعْجيز وتغليظ لكونه يُطْلَق على أشياء ، فأضمروا بأَنّه بأَى
شَىءٍ أَجاب ؟ قالوا: ليس هذا المراد ، فَرَدَّ اللهُ كَيْدَهم وأَجابهم جواباً مُجْمَلاً مطابقاً
لسؤْالهم المُجْمَل .
وقال فى العوارف: ((ويجوز أن يكون كلامهم فى ذلك بمثابة التأويل لكلام الله تعالى
والآيات المُنَزَّلة حيث حُرِّم تفسيره وجُوِّزْ تَأُويله (٢)، إذ لا يسوغ التفسير إلانقلاً،
وأَا التأويل فتمتد العقول إليه بالباع الطويل وهو ذكْر ما تتحمل الآية ( من المعنى ]
من غير القطع بأَنه المراد . وإذا كان الأمر كذلك فللقول فيه وَجْهُ وَمَحْمَل. (٣) قال :
وظاهر الآية المنع من القول فيها ، فختم الآية بقوله: ( وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إِلاَّ
قَلِيلاً) أَى اجعلوا حكم الروح من الكثير الذى لم تؤتوه فلا تسألوا عنه فإنه من الأسرار .
العاشر : نقل ابن منده فى كتاب الروح له عن الإمام الحافظ المطلع على اختلاف الأحكام
من عهد الصحابة إلى عهد فقهاء الأمصار محمد بن نصر المَرْوَزِىّ أَنه نقل الإجماع على
أَن الروح مخلوقة، وإنما نُقِلِ القول بقِدَمها عن بعض غُلَاة الرافضة والمُتَصَوِّفة.
د. الحادى عشر : اخْتُلِف هل تفنى عند فناء العالم قبل البعث أَو تستمر باقية ؟ على قولين
أَرْجَحُهُما [ الثانى] عند الجمهور .
الثانى عشر : ذكر بعض المفسرين أن الحكمة فى سؤال اليهود عن الروح أن عندهم
فى التوراة أن روح بنى آدم لا يعلمها إلا الله عز وجل، فقالوا: نسَّه فإن فَسَّرها فهو
نبى ، وهو معنى قولهم : لا يجىء بشىء تكرهونه .
(١) زيادة من كتاب السهر وردى الذى نقل عنه المؤلف ..
(٢) فى الأصل: ((ويجوز أن يكون معنى خاص فيها سلك سبيل التأويل لا التفسير)) ونظراً لاضطراب هذه العبارة
أثبتنا لفظ السهروردى الذى نقل عنه المؤلف .
(٣) فى الأصل: ((فن ثم يكون القول فيه)) والعبارة هنا مبتورة. وأثبتنا ما جاء فى عوارف المعارف.
- ٥٦٧ -

الثالث عشر : جنح ابن القَيِّم فى كتاب الروح إلى ترجيح أن المراد بالروح المسئول
عنها فى الآية ما وقع فى قوله تعالى ( يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالمَلَائِكَةُ صَفًّا) (١) وأَما أَرواح
بنى آدم علم يقع تسميتها فى القرآن إلا نَفْساً. قال الحافظ: (( كذا قال ولا دلالة فى ذلك
لما رَجَّحه ، بل الراجح الأُوَّل: ، فقد روى ابن جرير من طريق العَوْفى عن ابن عباس
رضى الله عنهما فى هذه القصة أنهم قالوا : أَخْبِرْنَا عن الروح، وكيف يُعَذَّب الروح الذى
فى الجَسَد ؟ إلى آخر [ ما قالوا وقد ] تَقَدَّم بمامه.
الرابع عشر : قال بعضهم : ليس فى الآية دلالة على أن الله سبحانه وتعالى لم يُطْلِع
١٠٥٩ت نَبِيَّهِ على حقيقة الروح، بل يُحْتَمَل أَن يكون أَطْلَعه، ولم يُعره أَن يُطْلِعهم، وقد قال
فى عِلْم الساعة نحو هذا كما سيأتى مبسوطً فى الخصائص إن شاء الله تعالى ..
الخامس عشر : وقع فى الصحيح فى العِلْم(٢) والاعتصام(٣) والتوحيد ، وكذا عند
مسلم (٤) : إِذْ مَرَّ بِنَفَرٍ ، عند ابن حَجَر من وجه آخر: إِذ مررنا على يهود ، ووقع فى التفسير :
إِذ مَرَّ اليهودُ ، بالرفع على الفاعلية ، ويُحْتَمَل هذا الاختلاف على أَن الفريقين تَلَاقَوْا
فَيَصْدُق أَنْ كِلاَّ مَرَّ بالآخر.
السادس عشر: فى بيان غريب ما سبق: ((حَرْث)): بفتح الحاء المهملة وسكون
الراء بعدها مثلثة، ووقع عند البخارى فى كتاب العام(٥): [ حَرِب ] بخاء معجمة مفتوحة
فراء مكسورة. ((يَتَوَكَّأَ)): يعتمد. ((عَسِيب)): بعين فسين مهملتين وآخره موحدة
(١) سورة النبأ آية ٣٨.
(٢) صحيح البخارى (ج ١ ص ٧١ : ٧٢).
(٣) صحيح البخارى = ٩ ص ١٧٣.
(٤) صحيح مسلم بشرح النووي (= ١٧ ص١٣٦: ١٣٨) وجاء فيه: غير أن فى حديث وكيع ((وما أوتيتم من العلم
إلا قليلا)» وفى حديث عيسى بن يونس: (( وما أوتوا» من رواية ابن خشرم،
(٥) صحيح البخارى ج١ ص٧١ وجاء فيه: فى خرب المدينة وخرب جمع خربة والخربة موضع الخراب، ولكن
النووى فى شرحه على صحيح مسلم يقول ( جـ ١٧ ص ١٣٧) : الحرب جمع خراب.
- ٥٦٨ _

بوزن عظيم وهو جريدة [ النخل(١) ] التى لا خوص عليها (٢). قال ابن فارس : العسبان
من النخل كالقضبان من غيرها ((يَهُود)): هذا اللفظِ معرفة تدخله الألف واللام تارةً
وتارةً يَتَجَرَّد، وحذفوا منه ياءِ النِّسْبَةَ تَفْرِقَةً بينه وبين مفرده، كما قالوا : زنْج
وَزنجى .
(١) زيادة من النهاية.
(٢) فى القاموس والتاج: العسيب جريدة من النخل مستقيمة دقيقة يكشط خوصها ، وجمعه أعسبة وعسب بضمتين
وعسوب وعسبان وعسبان بالضم والكسر. وفى التهذيب العسيب جريد النخل إذا نحى عنه خوصه ، والعسيب فويق الكرب
الذى لم ينبت عليه الخوص من السعف ، وما نبت عليه الخوص فهو السعف .
- ٥٦٩ -

الباب الخامس
فى تَحَيُّرِهِم فى مُدَّةٍ مُكْث هذه الأُمة لَمَّا سَمِعُوا الحروف المُقَطَّة فى أوائل السُّور
قال ابن إسحق ـ فیما ذُ کِر لی عن عبد الله بن عباس ، وجابر بن عبد الله بن رئاب -(١)
((إِن أَبا ياسر بن أَخْطَب مَرّ برسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يتلو فاتحة البقرة (المّ
ذَلِكَ الكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدِّى للمُنَّقِينَ(٢) )، فَأَّى أَخاه حُبَىّ بن أَخْطَب فى رجال من
يهود ، فقال: تَعَلَّمُوا، والله لقد سمِعْتُ محمداً يتلو فيما أُنْزِل عليه: (الّمّ ذَلِكَ الكِتَابُ)
فقالوا : أَنْت سَمِعْتَه ؟ قال: نعم. فمشى حُبِىّ بن أَخطب فى أولئك النفر من بهود إِلى
رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا له: (( يا محمد، ألم يذكر لنا أنك تتلو فيما أُنْزِل
عليك ( الّمّ ذَلِكَ الكِتَابُ)؟ فقال رسول الله صلى اله عليه وسلم: ((بَلَى)). قالوا: (( أَجاءك
بها جبريل من عند الله؟ قال: ((نعم)). قالوا: ((لقد بَعَثَ اللّه قَبْلَكَ أَنبياء أَنبياء ما نَعْلَمُه
بَيِّن لِنَبِىِّ منهم [ ما] مُدَّة مُلْكِه وما أَجَلُ(٣) أَمَّتِهِ غيرك)). فقام (٤) حُيَىّ بن أَخطب،
وأَقْبَلَ على مَنْ معه فقال لهم: ((الأَّلِف واحدة واللام ثلاثون والميم أربعون فهذه إحدى وسبعون
سنة، أَفتدخلون فى دين [ نَبِىِّ (٥)] إنما مُدَّةُ مُلْكِه وأَجَل أُمَّتِه إحدى وسبعون سنة؟))
١٠٦٠ت ثم أَقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (([ يا محمد](٦) هل مع هذا غيره ؟/)) قال: ((نعم))
(١) فى الأصل رباب وكذلك فى أسد الغابة (ج ١ ص ٢٥٦) وفى تفسير ابن كثير (جـ ١ ص ٣٨) وهو تصحيف
وصوابه رئاب كما فى القاموس والتاج حيث جاء فيهما : رئاب بن النعمان بن سنان وهو جد جابر بن عبد الله الخزرجى السلمى
الصحابى. وقد ورد مصححاً فى جوامع السيرة ( ص ٧٠) وفى الإصابة (جـ ١ ص ٢٢٢ رقم ١٠٢١) وجاء فى الاشتقاق
لابن دريد (ص ١١٩) رئاب مهموز من قولهم رأبت الشىء أرابه رأباً إذا أصلحته .
(٢) الآية الأولى والثانية من سورة البقرة .
(٣) فى الأصل: وأكل أمته، وكذلك فى ابن هشام (جـ ٢ ص ١٧١ طبعة التجارية بالقاهرة سنة ١٩٣٧ م) والسياق
ينفيه، كما أنها وردت : أجل أمته فى تفسير ابن كثير (ج ١ ص ٣٨).
(٤) فى الأصل: فقال.
(٥) زيادة من ابن كثير.
(٦) زيادة من ابن هشام.
- ٥٧٠ -

قال: ماذا ؟ قال (الّمص)(١) قال: ((هذا أَثقل وأطول: الأَّلف واحدة واللام ثلاثون
والميم أربعون والصاد تسعون فهذه إحدى وستون ومائة سنة ، هل مع هذا يا محمد غيره ؟ ))
قال: (( نعم)). [ قال: وما ذاك(٢)؟] قال: [الّر (٣)] قال: ((هذه أثقل وأَطول: الألف
واحدة واللام ثلاثون والزاء مائتان، فهذه إحدى وثلاثون ومائتا [سنة] فهل مع هذا غيره يامحمد؟»
قال: (نعم)[ المر](٤). قال: ((هذه والله أثقل وأطول: الألف واحدة واللام ثلاثون والميم أربعون والراء
مائتان، فهذه إحدى وسبعون ومائتا سنة)). ثم قال ((: [ لقد] لُبِّسَ علينا أَمْرُك يا محمد حتى
•أ تدرى أَقليلاً أُعْطِيتَ أُم كثيراً)). ثم قاموا عنه ، فقال : أبو ياسر لأخيه ولمن معه من
الأحبار : (( ما يدريكم (٥) لَعَلَّه قد جُمع هذا كله لمحمد : إحدى وسبعون [ وإحدى وستون
ومائة ](٦)، وإحدى وثلاثون ومائتان ، وإحدى وسبعون ومائتان، فذلك سبعمائة وأربع
وثلاثون))(٧). فقالوا : أتمد تشابه علينَا أَمْرُهُ. فَيزعمون أَن هذه الآيات نزلت فيهم:
( هُوَ الَّذِى أَنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ مِنْهِ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ مُنَّ أُمُّ الكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ)(٨)
. [ قال ابن إسحق(٩)]: ((وقد سَمِعْتُ مَنْ لا أَنَّهِم من أَهل العلم [يذكر] (٩) أَن
هؤلاء الآيات أُنْزِلَتْ فى أَهل نَجْرَان حين قَدِموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسألوه
عن عيسى بن مَرْيَم. وقد حَدَّثنى محمد بن أَبى أُمَامة بن سَهْل بن حُنَيْفِ أَنهَ سَمِع أَن هؤلاء
الآيات إنما أُنْزِلْنَ فى نَفَرٍ من يهود ولم يُفّسِّر ذلك لى، فالله أعلم أَى ذلك كان (١٠)
(١) الآية الأولى من سورة الأعراف.
(٢) زيادة من ابن كثير.
(٣٠) من الآية الأولى من سورة يوسف .
(٤) من الآية الأولى من سورة الرعد .
(٥) فى الأصل : ما يدريك
(٦) ساقطة من الأصل والتكملة من ابن هشام وابن كثير .
(٧٠) فى الأصل سبعمائة وأربع وستون وحاصل الجمع يوضح الخطأ .
.(٨) سورة آل عمران آية ٧ ..
(٩) زيادة من ابن هشام .
(١٠) علق ابن كثير فى تفسيره (ج ١ ص ٣٨ و ٣٩) على هذا الخبر بقوله؛ فهذا الحديث مداره على محمد بن السائب
الكلبى وهو ممن لا يحتج بما انفرد به ، ثم كان مقتضى هذا المسلك إن كان صحيحاً أن يحسب ما لكل حرف من الحروف
الأربعة عشر التى ذكر ناها وذلك يبلغ منه جملة كثيرة وإن حسبت مع التكرار فأطم وأعظم . والله أعلم ..
- ٥٧١° ح.

تَنْبِهَاتٌ
الأول : روى البخارى فى تاريخه وابن جرير من طريق ابن إسحق عن الكلبى عن
أبى صالح عن ابن عباس عن جابر بن عبد الله فذكر الحديث السابق ، فبَانَ سَنَد ابنِ
إسحق بذلك . ورواه يونس بن بُكَيْرِ عن ابن إسحق عن محمد بن أبى محمد ، عن عِكْرمة ،
عن أبى سعيد . ورواه ابن المنذر من وجه آخر عن ابن جرير مُفَصَّلاً .
الثانى: قال السُّهَيْلى(١): ((وهذا القول من أخبار يهود، وما تَأَوَّلُوه من معانى هذه
الحروف مُحْتَمَل حتى الآن أن يكون من بعض ما دَلَّتْ عليه هذه الحروف المُقَطَّعة،
فإِن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يُكَلِّبهم فيما قالوا من ذلك ولا صَدَّقَهم . وقال فى حديث
آخر: ((لا تُصَدِّقُوا أَهل الكتاب ولا تُكَذِّبوهم ،وقولوا آمَنَّا بالله وبرسوله)). وإذا كان فى
حَدّ الاحتمالِ وَجَبَ أَى يُفْحَص عنه فى الشريعة، هل يُشير إلى كتاب أَو سُنَّة ؟ فوجدنا
فى التنزيل ( وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَّةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ(٢) ) ووجدنا فى حديث زمل
الخزاعى حين قَصَّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم رُؤْيا قال فيها: ((رأَيتُكَ يا رسول
الله على مِنْبر له سَبع درجات، وإلى جَنْبك ناقة عجفاء كأَنك تبعثها)). ففَسَّر له النبى
صلى الله عليه وسلم الناقة بقيام الساعة التى أنذر بها، وقال فى المنبر ودرجاته: ((الدنيا
١٠٦١ت سبعة آلاف سنة / بُعِثْتُ فى آخرها ألفاً)) والحديث وإن كان ضعيف الإِسناد فقد رُوِى
موقوفًا عن ابن عباس من طُرُقٍ صِحَاح أنه قال: ((الدنيا سبعة أيام كل يوم منها .
ألف سنة))، وبُحِث رسول الله صلى الله عليه وسلم فى آخر يوم منها، وقد مضت [ منه] (٣)
سنون أَو قال مئون: [ قال السهيلى(٤) ]: ولكن إذا قلنا: إنه عليه الصلاة والسلام بُعِث
فى الألف الأخيرة بعد ما مضت منه سنون ، ونظرنا بعد إلى الحروف المُقَطَّعة فى أوائل
السور وجدناها أربعة عشر حرفاً يجمعها قولك: ((أَلَم يسطع نَصّ حق كُرِه ))، ثم نأُخذ
العدد على حساب أبى جاد، فنجد ((ق)) مائة و((ر)) مائتين و(س)) ثلثمائة فهذه ستمائة و (( ع )) سبعين،
و((ص) ستين، فهذه سبعمائة وثلاثون، و((ن)) خمسين و((ك)) عشرين، فهذه ثمانمائة و ((م)) أربعين
و((ل)) ثلاثين، فهذه ثمانمائة وسبعون، و((ى)) عشرة و(ط) تسعة و(ا)) واحد، فهذه ثمانمائة وتسعون ،
(٢٠) الروض الأنف (جـ ٢ ص ٣٥ و٣٦).
(٢) سورة الحج آية ٤٧ .
(٣) زيادة من السهيلى .. (٤) فى الأصل: ثم قال، وهذا مما يوحى القارئ بأن القائل هو راوي الحديث السابق.
٠

و((ح)) ثمانية و (ه) خمسة، فهذه تسعمائة وثلاثة. ولم يُسَمِّ الله عز وجل فى أَوائل السُّوَر إِلا
هذه الحروف، فليس يُّبْعُد أن يكون من بعض مقتضياتها وبعض فوائدها الإِشارة إلى هذا
العدد من السنين لِمَا قدمناه فى حديث الأَلف السابع الذى بُعِث فيه رسول الله صلى الله
عليه وسلم. غير أن الحساب يُحْتَمَلِ أَن يكون من مبعثه أَو من وفاته أو من هجرته ، وكُلُّ
قريبٌ بعضُه من بعض، فقد جاءت أَشراط (١) الساعة ولكن لا تأتيكم إلا بَغْتَة. وقد رُوِى
أن المتو كل العباسى سأَل جعفر بن عبد الواحد القاضى، وهو عناسى أيضاً،عَمَّا بَقِىَ من الدنيا
فحَدَّثَه بحديث رفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن أحسنت أُمتى فبقاؤهٌ
يَوْمٌ من أَيامِ الآخرة وذلك ألف سنة، وإن أساءت فنصف يَوْم ))، ففى هذا الحديث تَتْمِيم
للحديث المتقدِّم وبيانٌ له، إذ قد انقضت الخمسمائة والأُمة باقية والحمد لله(٢))). هذا.
آخر كلام السهيلى ، وفيه مناقشات من الزهر والفتح مع زيادتها من غيرها .
الأُولى : قوله : وجدنا فى حديث زمل الخزاعى إلخ صوابه: ابن زمل، وسَمّاه بعضهم :
عبد الله، وبعضهم: الضَّحَّاك، وبعضهم: عبد الرحمن، وصَوَّب الحافظ فى الإصابة(٣) الأَول،
وقوله الخزاعى صوابُه الجهنى كما ذكره فى الزهر . الثانية : قوله : وإن كان إِسناد هذا
الحديث ضعيفاً . إلخ ، اقتصر على ضّعْفه، قال [ ابن حجر ] فى الفتح: إِسناده ضعيف
جداً، وقال فى الإصابة : ((تَفَرَّد برواية [حديثه] سليمان بن عَطَاءِ القِرشى الحَرَّانى عن
مسلم (٤) بن عبد الله الجُهَنِىّ)). انتهى. قُلْتُ: وسليمان بن عطاء(٥) قال الذهبى فى المغنى:
(١٠) فى الأصل فقد جاء أشراطها
(٢) يقع هذا النص الذى نقله المؤلف عن السهيلى فى ((جـ ٢ ص ٣٧)) من الروض الأنف.
: (٣) فى الإصابة ( ج ٤ ص ٧٣: ٧٤) وفى القاموس المحيط: عبد الله بن زمل بكسر الزاى وإسكان الميم، جهنى
تابعى مجهول غير ثقة . وقول الصغانى : صحابى ، غلط . وقال ابن حجر فى الإصابة : عبد الله بن زمل الجهنى ذكره ابن
السكن وقال: روى حديث ((الدنيا سبعة آلاف سنة)) بإسناد مجهول وليس بمعروف فى الصحابة، ثم ساق الحديث وفى إسناده
ضعف ، قال : وروى عنه بهذا الإسناد أحاديث مناكير .. ويقال اسمه الضحاك ويقال عبد الرحمن والصواب الأول والضحاك
غلط، فإن الضحاك بن زمل (هو رجل) آخر من أتباع التابعين .
(٤) فى الأصل سلمة وأثبتنا ما ذكره ابن حجر فى نهاية ترجمته لعبد الله بن زمل، إذ قال: تفرد برواية حديثه
سليمان بن عطاء عن مسلم بن عبد الله الجهنى ، غير أن الذهبى فى ميزان الاعتدال ذكره باسم مسلمة الجهنى .
(٥) فى ميزان الاعتدال (ج ٢ ص ٢١٤: ٢١٦) قال الذهبى: سليمان بن عطاء الحرانى روى عن مسلمة الجهنى.
.وقال أبو حاتم: ليس بالقوى واتهمه ابن حبان وغيره. وقال البخارى: فى حديثه بعض المناكير. وعند ابن حبان عن سليمان
ابن عطاء عن مسلمة الجهنى عن أبى مشجعة عن ابن زمل ( ضبطها محقق ميزان الاعتدال بفتح الزاى ) قال .. كان رسول الله
صلى الله عليه وسلم يعجبه الرؤيا فقص ابن زمل ما رآه وعبره رسول اللّه بأن الدرجات السبع: الدنيا سبعة آلاف سنة.
- ٥٧٣ -

١٠٦٢ ت ((هالك اتّهم بالوضع)). وقال الحافظ فى التقريب: ((منكر الحديث))/. وأورده ابن الجوزى
فى الأحاديث الواهية، ووصف بعض رجاله بوضع الحديث. وقال ابن الأثير: (( ألفاظه
مصنوعة ◌ُلَفَّقَة )) .
وروى ابن عدى عن أنس مرفوعاً: ((عُمْر الدنيا سبعة أيام من أيام الآخرة)). وفى
سنده العلاء ابن زَيْدَل))(١) وهو المتهم به. ورواه ابن عساكر من طريق أَبى على الحسين
ابن داود البلخى، قال الخطيب: ((ليس بثقة، حديثه موضوع)). وقال الحاكم :
((روى عن جماعة لا يَحْتَمِل سِنَّه السماعَ منهم، وله عندهم العجائب يُسْتَدَلُّ بها على حاله)).
وفى سَنَدِهِ أَيضاً أَبو هاشم الأَيلى. ورواه الحاكم، والترمذى الحكيم فى نوادره ، (٢) عن
أبى هريرة رضى الله عنه، وفى سَنَّدِهِ صالح بن محمد ، عن يَعْلَى بن هِلَال ، عن ليث بن
مجاهد .
الثالثة: قوله: ((فقد رُوِى موقوفاً عن ابن عباس من طُرُقٍ صِحَاح))، قلت :
لم أقف له إلا من طريقٍ واحد غير صحيح ، رواه ابن جرير(٣) فى مقدمة تاريخه، ومنه
أخذ السهيلى من طريق يحيى بن يعقوب وهو أبو طالب القاصّ(٤) الأنصارى ، قال البخارى :
منكر الحديث ، وقال أبو حاتم: مَحَلُّه الصدق . وذكره ابن حِبَّان فى الثقات وقال:
(١) فى الأصل العلاء بن زندك والتصويب من ميزان الاعتدال (ج ٣ ص ٩٩) وهو: الغلاء بن زيدل الثقفى بصرى
روى عن أنس بن مالك ، يكنى أبا محمد ، تالف .
(٢) الاسم الكامل لكتاب الحكيم الترمذى هو: نوادر الأصول فى معرفة أخبار الرسول طبع فى استنبول سنة ١٢٩٣٠ هـ
وعليه شرح بقلم مصطفى بن إسماعيل الدمشقى عنوانه : مرقاة الوصول إلى نوادر الأصول .
(٣) أوزد ابن جرير الطبرى فى تاريخه (ج ١ ص ٦: ١١) روايات مختلفة عن عمر الدنيا منها ما روى عن كعب
وعن وهب بن منبه وغيرهما وأخرج عن أبى ثعلبة الخشنى أنه سمع النبى صلى الله عليه وسلم يقول: (( لن يعجز الله هذه الأمة
من نصف يوم))، أى نصف اليوم الذى مقداره ألف سنة . ثم أضاف ابن جرير: إن أولى القولين اللذين ذكرت فى مبلغ
قدر مدة جميع الزمان اللذين أحدهما عن ابن عباس والآخر منهما عن كعب بالصواب وأشبههما بما دلت عليه الأخبار الواردة
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قول ابن عباس الذى روينا عنه أنه قال: الدنيا جمعة من جمع الآخرة سبعة آلاف سنة وإذ
كان ذلك كذلك وكان الخبر عن رسول الله صحيحاً أنه أخبر عن الباقى من ذلك فى حياته أنه نصف يوم وذلك خمسمائة ؟
عام كان معلوماً أن الماضى من الدنيا إلى وقت قول النبى عليه السلام مارويناه عن أبى ثعلبة الخشنى عنه وكان قدر ستة آلاف
سنة وخمسمائة سنة أو نحواً من ذلك . والله أعلم .
(٤) جاء فى ميزان الاعتدال ( جـ ٤ ص ٤١٥): يحيى بن يعقوب أبو طالب القاص، روى عن إبراهيم التيمى.
قال أبو حاتم محله الصدق وقال البخارى منكر الحديث ، كوفى روى عن عبد الأعلى عن إبراهيم التيمى وهو خال أبى يوسف
القاضى ، روى عنه أبو تميلة .
- :٥٧٤ -

يُخْطِىء. الرابعة : ما ذكره فى عدد الحروف مبنى على طريقة المغاربة : السين بثلثمائة ،
والصاد بستين ، وعند المشارقة : السين ستون والصاد تسعون . فيكون المقدار عندهم
ستمائة وثلاثة وتسعون، وقد مَضَتْ وزيادة عليها فإِنه فى سنة خمس وثلاثين وتسعمائة (١)
فالجملة على ذلك من هذه الحيثية باطلة .
الخامسة : ثَبَت عن ابن عباس الرَّجْر عن عدد أَبى جاد، والإِشارة إلى أن ذلك من جملة
السُّحْر. قال الحافظ: ((وليس ببعيد فإنه لا أَصْلَ له فى الشريعة)). السادسة: قال القاضى
أبو بكر بن العربى شيخ السهيلى فى قوله صلى الله عليه وسلم: ((بُعِثْتُ أَنا والساعة كهاتَيْن))،
وَأَشار بالسََّّابة والوُسْطَى، قيل الوُسْطَى تزيد على السََّّابة بنصف سُبْعِ إِصْبَعَ(٢)، وكذلك
المباقى من البعثة إلى قيام الساعة))، قال: ((وهذا بعيد، ولا يُعْلَم مقدار الدنيا، فكيف
يَتّحَصِّل لنا نصف سُبْع ◌َمَد مجهول؟ فالصواب الإعراض عن ذلك)). وقال القاضى
فى الإكمال: «حاول بعضهم فى تأويله أن نسبة ما بين الإصبعَيْن كنسبة ما بقى من الدنيا
إلى ما مضى، وأن جملتها سبعة آلاف سنة، واستند إلى أخبار لا تَصِحّ، وذكر ما أُخرجه
أبو داود فى تَأَّخُّر هذه الأُمة نصف يوم وفَسَّرِه بخمسمائة سنة، فَيُؤْخَذْ من ذلك نصف
سُبْع، وهو قريب مما يلى السَّمَابة، والوُسْطَى فى الطول))، قال: ((وقد ظهر / عدم صحة ذلك ١٠٦٣ت
لوقوع خلافه ومجاوزة هذا المقدار ولو کان ذلك ثابتاً لم يقع خلافه». انتهى .
وقد انضاف إلى ذلك منذ عهد القاضى (٣) إلى هذا الحين نحو الأربعمائة سنة. وقال
ابن العربى أيضا فى فوائد رحلته: ((ومن الباطل علم الحروف المُقَطَّعة فى أَوائل السُّورَ، وقد
تَحَصَّل لى فيها عشرون قولاً وأزيد ، ولا أعرف أحداً يحكم عليها بعلم ولا يصل فيها إلى
(١) هذا يدل على أن المؤلف كتب هذا سنة ٩٣٥ « أى قبل وفاته بسبع سنوات».
(٢) فى الأصل: نصف سبعها والزيادة من السهيلى (= ٢ ص ٣٧) وقد أضاف السهيلى قائلا: كما أن نصف يوم
من سبعة نصف صبح، وقد مضت الخمسمائة من وفاته ( أى وفاة الطبرى سنة ٣١٠ هـ) إلى اليوم بنيف عليها. وليس فى
قوله: لن يعجز الله أن يؤخر هذه الأمة نصف يوم ما ينفى الزيادة على النصف، ولا فى قوله: ((بعثت أنا والساعة
كهاتين)) ما يقطع به على صحة تأويله . وقد قيل فى تأويله غير هذا وهو : أن ليس بينه وبين الساعة ذبى غيره ولا شرع غير
شرعه، مع التقريب لحينها كما قال سبحانه: ((اقتربت الساعة وانشق القمر)) (الآية الأولى من سورة القمر) ((أتى أمر
:اللّه فلا تستعجلوه)) (الآية الأولى من سورة النحل).
((٣) القاضى أبو بكر بن العربى ثوفى سنة ٥٤٣ « وإلى وقت كتابة المؤلف كتابه أى قبل وفاته سنة ٩٤٢ هـ".
يحسن به أن يقول إلى ما يقرب من الأربعمائة سنة.
_ ٥٧٥ -

فَهْم )) إلى آخر ما ذكره. وقد ذكرته مع فوائد أخرى فى الكلام على هذه الحروف فى كتابى :
(( القول الجامع الوجيز الخادم للقرآن العزيز)). لا توجد مجموعة فى غيره .
السابعة: قال الحافظ : (( وأما عدد الحروف وإنما جاء عن بعض اليهود ، وعلى تقدير
أن يكون ما ذُكِر فى عدد الحروف فَلْيُحْمَل على جميع الحروف الواردة ولا يحذف المُكرَّر
فإِنه ما من حرف إلا وله سِرٌّ يَخُصُّه، أو يُقْتَصَر على حذف المكرر من أسماء السُّوَر ولو تكررت
الحروف فيها ، فإن السور التى ابتُدِنت بذلك تِسْعٌ وعشرون سورة ، وعدد حروف الجميع
ثمان وستون حرفاً (١) وهى: الّمّ: ستة، وحُمّ: سبعة (٢)، والّر: خمسة، وطمّمَ: ثنتان والمص
وكهيعصّ وطه وطسّ ويس وصّ وقّ ونَ. فإذا حُذِى ١٠ كُرِّر من السُّوَر وهى خمس من
الّمّ وست(٣) من حم، وأربع من الّر وواحدة من طلّمّ ، بقى أربع عشرة سورة (٣) عدد حزوفها
ثمان وثلاثون حرفاً. فإذا حسبت عددها بالجُمَّلَ المَغْرِبى بلغت ألفين وسمائة وأربعة وعشرين،
وأَما بالجُمَّلِ المَشْرِق فتبلغ ألفاً وسبعمائة وأربعة وخمسين. قال الحافظ: ( ولم أذكر
ليُعْتَمَد عليه وإنما ليُتَبَيَّن أن الذى جنح إليه السهيلى لا ينبغى الاعتماد عليه لشدة التخالف
فیه )) .
الثامنة : فى جامع مَعْمَر عن مجاهد وعِكْرِمة فى قوله تعالى: (فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ
خَمْسِينَ ألْفَ سَنَّةٍ (٤)) لا يدرى كم مضى ولا كم بقى إلا الله عز وجل .
التاسعة: ما نقله عن جعفربن عبد الواحد(٥)، فهو شىء موضوع لا أصل له، ولا يُعْرَف
إِلا من جهته، وهو مشهور بوضع الحديث عند الأئمة ، مع أنه لم يسبق له سُنّد بذلك،
والعَجَب من السهيلى كيف سكت عليه مع علمه بحاله ..
(١) جملة الحروف الموجودة فى أوائل السور هى ٧٥ وليست ٦٨ جرفا.
(٢) فى الأصل سبتة وصوابها سبعة فالخواميم هى غافر وفصلت والشورى والزخرف والدخان والجاثية والأحقاف.
(٣) نسى المؤلف أن يذكر المر فى أول سورة الرعد . والجملة فى نظرنا بعد حذف المكرر هى اثنان وثلاثون حرفاً
وليست ٣٨.
(٤) سورة المعارج آية ٤ .
(٥) هو جعفر بن عبد الواحد الهاشمى القاضى توفى سنة ٢٥٧ هـ ـ قال الدارقطى: يضع الحديث وقال أبو زرعة :
روى أحاديث لا أصل لها، وقال ابن عدى: يسرق الحديث ويأتي بالمناكير عن الثقات. قال الخطيب: عزله المستعين عن
القضاء ونفاه إلى البصرة لأمر بلغه عنه ( ميزان الاعتدال ج ١ ص ٤١٢ : ٤١٣ رقم ١٥١١) .
- ٥٧٦ -

الباب السادس
فى سَبَب نزول سورة الإخلاص
روى أبو الشيخ فى العظمة عن أنس بن مالك ، وابن أبي حاتم ، وابن عدى ، والبيهقى
فى الأسماء والصفات عن ابن عباس والطبرانى فى السنة عن الضَّحَّاك، وابن جرير، وابن
المنذر عن قتادة، أَن رَهْطاً من اليهود منهم / كعب بن الأشرف وحُيَىّ بن أخطب ، جاءوا ٥١٠٦٤
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ((يا محمد، هذا اللّه خَلَقَ الخَلْقَ فمن خَلَقِ الله ؟))
فَغَضِب النبى صلى الله عليه وسلم حتى انْتُقِع لَوْنُه، ثم ساوَرَهِم غَضَباً لِرَبِّه، فجاء جبريل
فَسَكَّنَه وقال: (( خَفِّضْ عليك يا محمد)، وجاءه من الله عز وجل بجواب ما سألوه [ عنه ]
فَأُنزل الله تعالى ( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٍ (١))، أَصل أَحَد هنا واحد، لأَّنه بمعنى الواحد، قُلِيَتْ
الواو هَمْزَة ، وهو دَالُّ على جميع صفات الجلال ، كما دَلَّ الله على جميع صفات الكمال ،
إذ الواحد الحقيقى ما يكون مُنَزَّهَ الذات عن اتحاد التركيب والتَّعَدُّد ، وما يستلزمه أحدهما
كالجسمية والَّحَيُّز (اللهُ الصَّمَد ): المقصود فى الحوائج على الدوام ، أوهو الذى قد انتهى فى
سؤدده ، فيصمد الناس إليه فى حوائجهم ، والخلائق يفتقرون إلى رحمته ، أَو هو مَنْ
لا جَوْفَ له ، أو هو الكامل فى جميع صفاته ، أَو الذى لا يطعم ولا يخرج منه شىءٍ ،
(١) جاء فى أسباب النزول للواحدى (ص ٣٤٥: ٣٤٦ طبعة القاهرة سنة ١٣١٥ هـ) قال قتادة والضحاك ومقاتل:
جاء ناس من اليهود إلى النبى صلى اله عليه وسلم، فقالوا: صف لنا ربك فإن الله أنزل نعته فى التوراة، فأخبرتا من أى
شىء هو ومن أى جنس هو ؟ أذهب هو أم نحاس أم فضة وهل يأكل ويشرب وممن ورث الدنيا ومن يورثها ؟ فأنزل الله
تبارك وتعالى هذه السورة .. وعن أبى العالية عن أبي بن كعب أن المشركين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: انسب
لنا ربك. فأنزل الله تعالى هذه السورة. هذا وقد أورد ابن كثير فى تفسيره ( جـ ٤ ص ٥٦٥: ٥٧١ ) مختلف ما روى فى
سبب نزولها وفضلها. وأفرد لها ابن تيمية كتاباً فى ١٤٠ صحيفة عنوانه: تفسير سورة الإخلاص (القاهرة سنة ١٣٢٣ «)
أفاض فيه فى تناول كل ما يتعلق بها. كما صنف كتاباً آخر فى فضلها أسماء: «جواب أهل العلم والإيمان بتحقيق ما أخبر
به رسول الرحمن من أن قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن)). (القاهرة سنة ١٣٢٥ هـ) ود فيه على سؤال عما قيل فى فضلها
مع أن كلام اللّه واحد بالنسبة إليه عز وجل .
- ٥٧٧ -
( ٣٧ - سبل الهدى والرشاد جـ ٣)

أو الباقى بعد فناء خُلْقه، والله تعالى هو الموصوف بهذا على الإطلاق، فإِنه مُسْتَغْنٍ عن غيره
مطلقاً ، وكل ما عداه يحتاج إليه فى جميع جهاته ، وتعريفه بصمديته بخلاف أحديته ...
وتكرر الاسم الكريم للإشعار بأنه من لم يتصف به لم يستحق الألوهية ، وإخلاء الجملة من
العاطف؛ لأنها كالنتيجة للأولى أو الدليل عليها .
( لم يَلِدْ) : المفعول محذوفٍ أَى لم يلد أَحداً ، والأَّصل يَوْلِد ، حُذِفت الواو لوقوعها
بين ياء مفتوحة ولام مكسورة فصار مثل (( يَعِد ). (وَلَمْ يُولَد ) : النائب عن الفاعل
محذوف أَى لم يَلْدِهِ أَحد ، وثبتت الواو فى يُولَد لأنها لم تقع بين ياء مفتوحة وكَسْرة .
ولما كان الرَّبّ سبحانه وتعالى واجب الوجود لذاته قديماً، موجوداً قبل وجود الأشياء ،
وكان كل مولود مُحْدَثاً انتفت عنه الوالدية، ولما كان لا يشبهه أَحَدٌ من خَلْقِهِ ولا يجانسه
حتى يكون له من جنسه صاحبة فيتوالد ، انتفت عنه الوالدية ، ومن هذا قوله تعالى :
( أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ(١) )، (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفْواً أَحَدٌ) : أَى لم يكن له
أَحَدُ يكافئه أَى يماثله من صاحبة وغيرها ((وله)) متعلق بـ ((كُفْواً)) وقُدِّم عليه لأَنَّه
مَحَطّ القصد، وأَخَّر ((أَحَد )) وهو اسم ((يَكُنْ)) عن خبرها رعايةً للفاصلةُ(٢). ولاشمال
هذه السورة مع قِصرَها على جميع المعارف الإلهية والرَّدّ على من أَلْحَد فيها ، جاء فى الحديث
أنها تَعْدِلِ ثُلْثَ القرآن فإن مقاصده محصورة فى بيان الأحكام والقصص ، ومن عدلها
١٠٦٥ت اعتبر المقصود بالذات(٣). / قال ابن إسحق: ((فلما تلاها عليهم، قالوا: ((فَّصِفْ لنا
: يا محمد رَبَّك كيف خَلْقُه، كيف ذَرْعُهُ(٤)، كيف عَضُدُه ؟)) فَغَضِب النبى صلى الله عليه
وسلم أَشَدَّ من غضبه الأول، وساورهم غَضَباً لِرَبِّهَ. فتاه جبريل ، فقال له مثل مقالته وجاءه
(١) سورة الأنعام آية ١٠١ .
(٢) قال القرطبى (= ٢٠ ص ٢٤٦) فى تفسير: ((ولم يكن له كفواً أحد)) أى لم يكن له مثلا أحد ، وفيه
تقديم وتأخير ، تقديره ولم يكن له أحد كفؤاً. فقدم خبر كان على اسمها لينساق أواخر الآى على نظم واحد .
(٣٠) قال بعض العلماء: إنها عدلت ثلث القرآن لأجل هذا الاسم وهو ((الصمد)) فإنه لا يوجد فى غيرها من السور
وكذلك «أحد»، وقيل إن القرآن أنزل أثلاثاً: ثلثاً منه أحكام وثلثاً منه وعد ووعيد وثلثاً منه أسماء وصفات وقد جمعت ((قل هو
اللّه أحد. الأثلاث وهو الأسماء والصفات)) ودل على هذا التأويل ما فى صحيح مسلم من حديث أبى الدرداء عن النبى عليه السلام أنه
قال: ((إن الله جل وعز جزأ القرآن ثلاثة أجزاء فجعل قل هو الله أحد جزءاً من أجزاء القرآن)). وبهذا المعنى سميت سورة
الإخلاص. عن تفسير القرطى (= ٢٠ ص ٢٤٧).
(٤) فى ابن هشام : ذراعه ولكن رواية المؤلف أصح فالذرع هو القياس بالذراع .
- ٥٧٨ -
:

من الله تعالى بجواب ما سألوه عنه. ( وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ، وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمٌ
القِيَامَةِ وَالسَّمُوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بَيَمِينِهِ سُبْحَانِه وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ(١) )، أَى ما عرفوه حَقَّ
معرفته وما عَظَّموه حق عَظَمته حين أَشركوا به وشَبَّهُوه بخَلْقِهِ. ((والأَرْضُ جميعاً))،
جميعاً: حال، أَى السَّبْعِ، ((قَبْضَتُه)) أَى مقبوضة له أَى فى مِلْكِهِ وَتَصَرُّفِه يوم القيامة،
((والسمواتُ مَطْوِيَّات)) أَى مجموعات(٢)، ((بيمينه)) أَى بقدرته سبحانه وتعالى عما
يُشْرِکون معه .
تنبيه : كذا ذكر ابن إسحق سبب نزول هذه الآية(٣). وروى الشيخان(٤) وغيرهما
عن ابن مسعود رضى الله عنه فى سبب نزولها غير ذلك .
(١) سورة الزمر آية ٦٧ .
(٢) قال القرطبى (= ١٥ ص ٢٧٨) فى تفسير قوله تعالى: ( والسموات مطویات بيمينه » لیس یرید به طيا
..
بعلاج وانتصاب ، وإنما المراد بذلك الفناء والذهاب . يقال قد انطوى عنا ما كنا فيه وجاءنا غيره، وانطوى عنا دهر بمعنى
المضى والذهاب .
(٣) قال الواحدى فى أسباب النزول (ص ٢٧٨): عن أبى الشيخ عن ابن أبى عاصم عن ابن نمير عن أبى معاوية عن الأعمش
عن علقمة عن عبد الله قال. أتى النبى صلى الله عليه وسلم رجل من أهل الكتاب فقال: يا أبا القاسم، بلغك أن الله
يحمل الخلائق على إصبع والأرضين على إصبع والشجر على إصبع والثرى على إصبع؟ فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم:
حتى بدت نواجذه، فأنزل الله تعالى: وما قدروا الله حق قدره. الآية، ومعنى هذا أن الله تعالى يقدر على قبض الأرض وجميع
ما فيها من الخلائق قدرة أحدنا ما يحمله بأصبعه فخوطبنا بما نتخاطب فيما بيننا لنفهم ألا ترى أن الله تعالى قال : والأرض
جميعاً قبضته يوم القيامة . أى يقبضها بقدرته .
(٤) فى صحيح البخارى فى كتاب التفسير (ج ٦ ص ٢٢٥).
-٥٧٩-

الباب السابع
فى إرادة شأس بن قَيْس إيقاع الفتنة بين الأُّوْس والخزرج
لَمَّا رَأَى كَلِمَتَهم مُجْتَمِعَة
روى ابن إسحق وابن جرير وابن المنذر وغيرهما عن زيد بن أسلم مُطَوّلاً ، والفريابى
وابن جرير وغيرهما عن ابن عباس مُخْتَصَراً ، وابن المنذر عن عِكْرِمة ، وابن جرير وابن
أَبى حاتم عن السُّدِّى كذلك واللفظ للأول، قال: كان شأس بن قَيْس شيخاً قد عَسَا (١)،
عظيمَ الكُفْر ، شديدَ الضُّغْن على المسلمين، شديدَ الحَسَد لهم، فَمَرَّ على نَفَرٍ من أَصحاب
رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأوس والخزرج فى مجلس قد جَمَعهم يَتَحَدَّثُون فيه ،
فغاظه ما رأَى من أُلْفَتِهِم وجماعتهم وصَلاَح داتِ بَيْنِهم على الإِسلام ، بعد الذى كان
بينهم من العداوة فى الجاهلية . فلما أن جاء الإِسلام اصطلحوا وأَلَّف الله بين قلوبهم .
فقال: ((لقد اجتمع مَلاّ بنى قَيْلَة بهذه البلاد، لا والله مالنا معهم إذا اجتمع مَلَومُمْ" [ بها]
من قرار )). فأَّمَرَ فَتِىَ شابًّا من يهود كان معه فقال: ((اعمد إليهم فاجلس معهم ، ثم اذكر
يوم بُعَاث وما كان قَبْلَه (٢) وأَنْشِدْهُم بَعْضَ ما كانوا تَقَاوَلوا فيه من الأَشعار (٣). ففعل،
فَأَنشدهم بعض ما قاله أحد الحَيَّيْن فى حَرْبهم(٤)، فكنّهم دَخَلَهُمْ من ذلك [شىءٍ(٥) ]
(١) فى النهاية (جـ ٣ ص ٩٦) عسا - بالسين المهملة أى كبر وأسن. وفى القاموس كذلك: ما الشيخ يعسو عسواً
وحسواً وعساء وعسياً أسن وكبر، وعلى ذلك فليس صحيحاً ما كتبه ناشر سيرة ابن هشام فى التجارية سنة ١٩٣٧ م ج ٢ ص
١٨٣: عسا: اشتد وقوى، يريد أنه تمكن فى كفره قصعب إخراجه عنه .
(٢) فى الواحدى (ص ٨٥): وما كان فيه.
(٣) زاد ابن إسحق (ابن هشام = ٢ ص ١٨٣) وكان يوم بعاث يوماً اقتلت فيه الأوس والخزرج وكان الظفر
فيه يومئذ للأوس على الخزرج وكان على الأوس يومئذ حضير بن سماك الأشهلى أبو أسيد بن حضير ، وعلى الخزرج عمرو بن
الثمان البياضى فقتلا جميعاً .. وهناك تفصيل أوفى عن يوم بعاث فى الأغانى ( = ١٧ ص ١١٨ وما بعدها، القاهرة سنة.
١٩٧٠ م) وفى وفاء الوفا السمهودى (ج ١ ص ١٥٢: ١٥٦).
(٤) فى الأصل: فى ذلك. ونظراً لورود كلمة ذلك فيما بعد، أثبتنا عبارة الواحدى.
(٥) زيادة من تفسير القرطبى (= ٤ ص ١٥٥).
- ٥٨٠٠ -