النص المفهرس

صفحات 541-560

الكعبة بالمدينة فقد استدبر بيت المقدس ، وهو لو دار كما هو مكانه لم يكنَ خَلْفَه مكان
يَسَع الصفوف، فلما تَحَوَّل الإِمام تحولت الرجال حتى صاروا خَلْفَه ، وتحولت النساء حتى
صِرْنَ خلف الرجال . وهذا يستدعى عَمَلًا كثيرا فى الصلاة . ويُحْتَمَل أَن ذلك وقع قبل
تحريم العمل الكثير ، كما كان قبل تحريم الكلام ، ويحتمل أن يكون اغْتُفِر العمل
المذكور لأَّجل المصلحة المذكورة ، أَو لم يَتَوَالَ الخطأُ عند التحويل بل وقعت متفرقة .
الثانى : اختُلِف فى تاريخ تحويل القِيْلة، فقال البَرَاء بن عازب كما عند البخارى(١):
كان على رأس ستة عَشَر أَو سبعة عشر شهراً. وقال ابن عباس كما عند ابن إسحق(٢)،
وأبى داود فى ناسخه سبعة عشر شهراً . وكذا قال عَمْرو بن عَوْف(٣) كما عند البزارو الطبرانى.
وقال ابن عباس أيضاً كما عند ابن أبى شيبة وأَبى داود فى ناسخه ، والطبرانى والزهرى كما
عند البيهقى ، وسعيد بن المُسيِّب كما عند الإِمام مالك وأبى داود فيه ، وابن جرير وقتادة
كما عند عَبْد بن حُمَيْد، وابن المنذر ((على رأس ستة عَشَر شهراً)). وقال أَنَس بن مالك
كما عند البزار، وابن جرير تسعة عشر شهراً. قال الحافظ : ((فطريق الجمع بين رواية
ستة عشر وسبعة عشر شهراً، ورواية الشَّكّ فى ذلك: أَن من جَزَم بستة عشر لَفَّق من شهر
القدوم وشهر التحويل شهراً وأَلْغَى (٤) الأَيام الزائدة ، ومن جزم بسبعة عشر عَدَّهُما معاً ،
ومن شَكَّ تَدَّد / فى ذلك، وذلك أن القدوم كان فى شهر ربيع الأول بلا خلاف وكان التحويل ١٠٤٣ت
بعد الزوال فى نصف شهر رجب من السنة الثانية على الصحيح ، وبه جزم الجمهور ،
ورواه الحاكم بسَنَّدٍ صحيح عن ابن عباس. وقول ابن حِيَّان: سبعة عَشَر شهراً وثلاثة
أَيام مَبْنِىٌّ على أن القدوم كان فى ثانى ربيع الأول ، وأسانيد رواية ثلاثة عشر وثمانية
عشر وتسعة عشر شهراً ، وعشرة أشهر ، ورواية شهرين ، ورواية سنَتَيْن هى أسانيد ضعيفة،
(١) صحيح البخارى ج ١ ص ١٧٧ ولفظه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى نحو بيت المقدس ستة عشر
أو سبعة عشر شهراً .
(٢) ابن هشام ج ٢ ص ١٧٦ .
(٣) فى الأصل عمرو بن عبود والتصويب من الخزرجى (ص ٢٤٨) وشرح المواهب ( ج ١ ص ٣٩٩)،
والرأوى هو عمرو بن عوف الأنصارى حليف بنى عامر بن لؤى صحابى بدرى روى عنه المسور بن مخرمة .
(٤) فى الأصل ((إلى)) والتصويب من شرح المواهب ( ج ١ ص ٤٠٠).
- ٥٤١ -

والاعتماد على [الثلاثة(١)] الأُوَل.
الثالث: اختُلِف فى أى شهر كان [تحويل القِيْلَة]. فقال محمد بن حبيب (٢): فى
نصف شعبان، وهو الذى ذكره النووى فى الروضة وأَقَرَّه، مع كونه رَجَّح فى شرحه على
صحيح مسلم رواية ستة عشر شهراً لكونها مجزوماً بها عند مسلم(٣). ولا يستقيم(٤) أن يكون
ذلك فى شعبان إلا بإلغاء شَهْرَىْ القدوم والتحويل. وجَزَم [موسى] بن عُقْبَة بأَن التحويل
كان فى جمادى الآخرة(٥) .
الرابع: اخْتُلِف فى أى صلاة كان التحويل، ففى الصحيح(٦) عن البَرَاء بن عازب أَن
أول صلاة صَلَّها رسول الله صلى الله عليه وسلم هى صلاة العصر، والأَّ كثر على أنها صلاة
الظهر. قال الحافظ: والتحقيق أن أوَّل صلاة صَلَّها فى بنى سَلِمَة - بكسر اللام -
الظهر، وأَوَّل صلاة صَلَّها بالمسجد النبوى العصر، وأَما الصبح فهو لأَّهل قُبَاء .
الخامس : اختُلِفٍ فى صلاة النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس وهو بمكة ،
فروى ابن ماجه عن طريق أبى بكر بن عَيَّاش عن البَراءِ أَنه قال: ((صَلَّيْنَا مع رسول الله
صلى الله عليه وسلم نحو بيت المقدس ثمانية عشر شهراً، وصُرِفت القبلة إلى الكعبة بعد
دخول المدينة بشهرين)). وظاهره أنه كان يصلى بمكة إلى بيت المقدس مَحْضاً. وحكى
الزهرى خلافاً فى أنه جعل الكعبة خَلْفَ ظَهْره أَو أَنه جعلها بينه وبين بيت المقدس ،
وعلى الأَول فكان يجعل الميزاب خَلْفَه، وعلى الثانى كان يَصَلِّى بين الرُّكْنَيْن اليمانِيَّيْن.
(١) إضافة من شرح المواهب (ج ١ ص ٤٠٠).
(٢) هو أبو جعفر محمد بن حبيب بن أمية مولى بنى العباس توفى سنة ٢٤٥ هـ وكان من علماء بغداد بالأنساب والأخبار
واللغة والشعر أورد ابن النديم فى الفهرست (ص ١٥٥) ثبتا مطولا بمؤلفاته أكبرها كتاب القبائل والأيام الكبير ويقع
فى نحو أربعين جزءاً فى كل جزء مائتا ورقة، ومنها كتاب مختلف القبائل ومؤتلفها نشره وستنفلد فى سنة ١٨٥٠ م وكتاب
المحبر بالحاء المهملة والموحدة المشددة وهى مصحفة فى الفهرست بالخاء المعجمة وقد طبع فى حيدراباد سنة ١٣٦١ هـ ويشتمل
على خلاصات تاريخية عن السيرة والخلفاء ، وهو الذى يشير إليه المؤلف .
(٣) لم يجزم النووى بذلك فى شرحه على صحيح مسلم وإنما اكتفى بما أخرجه مسلم فى صحيحه من رواية البراء بن عازب
التى نص فيها على ستة عشر شهراً (جـ ٥ ص ٩: ١١).
(٤) هذا كلام الحافظ ابن حجر.
(٥) أفاض الزرقانى فى شرحه على المواهب (جـ ١ ص ٣٩٩: ٤٠٦) فى تمحيص الروايات الخاصة بالتحديد
الزمنى لتحويل القبلة .
(٦) يقصد المؤلف صحيح البخارى والحديث فى جـ ١ ص ١٧٧.
- ٥٤٢ -

وزهم ناسّ أنه لم يزل يستقبل الكعبة بمكة ، فلما قُدِمِ المدينةَ استقبل بيت المقدس ،
ثم نُسِخ. قال الحافظ: ((وهذا ضعيف ويلزم منه دَعْوَى النَّسْخَ مَرَّتَيْن، والأَّول أَصَحّ
لأَّنه يجمع بين القَوْلَيْن. وقد صَحَّحه الحاكم وغَيْرُه. وحَمَل أَبوَ عُمَّر هذا القول على
الثانى ويؤيده [فى] حَمْلِهِ على ظاهره إمامةُ جبريل، ففى بعض طُرُقه أَن ذلك كان عند
البيت . وروى ابن جرير وغيره بسَنَّدٍ جَيِّد قَوِىّ عن ابن عباس قال: ((لما هاجر رسول الله
صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وأمره الله تعالى أن يستقبل بيت المقدس)) إلى آخره /، وظاهِرُه ١٠٤٤ت
أن استقبال بيت المقدس إنما وقع بعد الهجرة إلى المدينة ، لكن روى الإمام أحمد من وجه
:آخر عن ابن عباس قال: ((كان النبى صلى الله عليه وسلم يُصَلِّى وهو بمكة نحو بيت المقدس
والكعبة بين يَدَيْه)). ورواه ابن سعد (١) أَيضاً وسَنَدُه جَيِّد قَوِىّ والجمع بينهما ممكن بأن
يكون أُمِر لما هاجر أن يستمر على الصلاة إلى بيت المقدس .
وقوله فى حديث ابن عباس الأَول: ((أَمره الله)) يَرُدّ قَوْلَ من قال: ((إِنه صلى الله عليه
وسلم صَلَّى إلى بيت المقدس باجتهاد))، كما رواه ابن جرير عن عبد الرحمن بن زيد بن
أَسلم وهو ضعيف. وعن أبى العالية أَنه صَلَّى إلى بيت المقدس يَتَأَلَّفِ [بذلك] أَهْلَ
الکتاب ، وهذا لا ينبغى إلا بتوقيف .
. السادس : الذين ماتوا قَبْل فَرْضٍ الصلاة وقبل تحويل القبلة من المسلمين عشر أنفس:
بمكة من قريش(٢) [١] عبد الله بن شهاب [٢] والمطلب بن أَزهر، الزَّهْرِيّان، [٣] والسكران
ابن عَمْرو العامرى . وبأرض الحبشة منهم: [٤] حَطَّب بن الحارث الجُمَحِىّ - حَطَّاب
بالحاء المهملة - [٥] وعمرو بن أُمية الأَسدى، [٦] وعبد الله بن الحارث السهمي(٣).،
(١) الطبقات الكبرى = ٢ ص٦ وإسناده كما أورده ابن سعد: أخبرنا محمد بن عمر عن إبراهيم بن إسماعيل بن
أبى حبيبة عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس .
(٢) أورد الزرقانى فى شرحه على المواهب (ج ١ ص ٤٠٤) أسماء هؤلاء العشرة وقد وضعنا لهم أرقاما وراجعتا
أسماءهم فى معجمات الصحابة .
(٣) يشترك فى هذا الاسم أربعة عشر رجلا ترجم لهم ابن الأثير فى أسد الغابة و ليس فيهم من هو من بنى منهم سوى
عبد الله بن الحارث بن قيس بن عدى بن سعد بن سهم القرشى السهمی و کان من مهاجرة الحبشة ولگنه لم يمت بها بل استشهد
يوم الطائف وقيل استشهد يوم اليمامة ( أسد الغابة = ٣ ص ١٣٩) هذا ولم نعثر فى تراجم السهميين الذين ذكر ابن إسحق
أسماءهم بين من هاجروا إلى الحبشة (ابن هشام ج ١ ص ٣٥٠: ٣٥١) أحداً من مات بالحبشة منهم.
- ٥٤٣ -

[٧] وغْرْوَة بن عبد العُزَّى، [٨] وعَدِىّ بن نَضْلة - بالنون والضاد المعجمة - العَدَويَّان -
ومن الأَنصار بالمدينة : [٩] البَرَاء بن معرور - بمهملات -، [١٠] وأَسْعَد بن زُرَارة .
فهؤلاءِ العَشَرَة مُنَّفَق عليهم ، ومات فى المدة أيضا إياس بن مُعَاد الأَشهلى لكنه مختلف
فی إسلامه .
السابع : وقع فى رواية زهير بن معاوية فى حديث البراء بن عازب رضى الله عنه
فى صحيح البخارى وغيره : أنه مات على القبلة - أى قبلة بيت المقدس من قبل أن تُحوّل
[قِبَلِ البَيْت(١)] - رجالٌ قُتِلوا [ فلم نَدْرِ ما نقول فيهم(٢)]. قال الحافظ: ((ذِكْرُ القتل
لم أَرَه إلا فى رواية الزهرى وباقى الروايات إنما فيها ذكر الموت فقط، ولم أجد فى شىء
من الأخبار أن أحداً من المسلمين قُتِل قبل تحويل القبلة ، لكن لا يلزم من عدم الذكر
عدم الوقوع ، فإن كانت هذه اللفظة محفوظة فتُحْمل على أن بعض المسلمين مِّن لم يشتهر
قُتِل فى تلك المدة فى غير الجهاد ولم يُضْبط لقلة الاعتناء بالتاريخ إذ ذاك)). قال: (( ثم
وجدت فى التاريخ ذكر رجل اختُلِف فى إسلامه وهو سويد بن الصامت(٣) )) فذكر ما تقدم
فى بدء إسلام الأنصار. ثم قال الحافظ: ((فيُحْتَمل أن يكون هو المراد)) قال: وذكر لى
بعض الفضلاء أنه يجوز أَن يُرَاد من قُتِل بمكة من المُسْتَضْعَفِين كأَبوى عمَّار فقلت يحتاج
١٠٤٥ت إلى ثبوت أن / قتلهما بعد الإِسراء
الثامن: فى بيان غريب ما سبق: ((حجج))، بكسر الحاء المهملة وفتح الجيم الأُولى
وكسر الثانية [أَى سنين] ((قِبَل)) لبيت - بكسر القاف وفتح الموحدة - أى جهته. ((مَعْرُور (٤)
بعين مهملة. ((حانت)) الصلاة دنا وَقْتُها .
(١) زيادة من تفسير القرطبى (جـ ٢ ص ١٤٨).
(٢) زيادة من شرح المواهب. وأضاف الزرقانى (ج ١ ص ٤٠٥): فلم ندر ما نقول فيهم فأنزل الله: وما كان
الله ليضيع إيمانكم)).
(٣) هو سويد بن الصامت بن خالد الأنصارى الأوسى من بنى عمرو بن عوف قدم مكة حاجاً أو معتمراً فتصدى له
رسول الله ودعاه إلى اللّه عز وجل وإلى الإسلام فقال له سويد لعل الذى معك مثل الذى معى فقال له رسول الله وما الذى معك؟
قال مجلة لقمان فقال رسول الله أعرضها على فعرضها عليه فقال إن هذا الكلام حسن والذى معى أفضل منه: قرآن أنزله الله على
ودعاه إلى الإسلام فلم يبعد ثم انصرف وقدم المدينة فلم يلبث أن قتلته الخزرج فكان رجال من قومه يقولون إنا لنراه مات
مسلماً ( أسد الغابة جـ ٢ ص ٣٧٨).
(٤) معناها اللغوى كما ذكره إبن دريد فى الاشتقاق (ص ٤٦٤): معرور مفعول من قولهم عره بشر يعره عرا
إذا لطخه به و فلان یعره الناس أی ینتابونه .
- ٥٤٤ -

جُمَاع أبواب بَعْض أمُورِ دَارَت
بَيْ رَسَول ◌َاللهِ صَلَى الله عَلَيهِ وَسَلَّمْ وَيْنِ الْهُودُ واْنَافِقِينَ
وتُول صَدرِ سُورَةِ الْبِقَرْ وَغيرُ مِنَ الْقُرآنِ فى ذلكٌ
(٣٥ - سبل الهدى والرشاد جـ ٣)

الباب الأول
فى أخذ الله سبحانه وتعالى العهد عليهم فى كُتُبهم أن يؤمنوا بمحمد صلى الله
عليه وسلم ، إِذا جاءهم ، واعتراف جماعة منهم بنُبُوَّتِهِ ،
ثم كُفْر كثير منهم بَغْياً وعِنَاداً
فذكرت أحاديث كثيرة فى أول الكتاب وأَذكر ما لم أذكر هناك . قال الله سبحانه
وتعالى ((يا بَنِى إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِىَ الَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ
وَإِيََّىَ فَارْهَبُونِ(١) )) روى ابن إسحق وابن جرير وابن أبى حاتم ، عن ابن عباس رضى الله
عنهما ، وابن المنذر عن ابن مسعود رضى الله عنه فى الآية ، قال الله تعالى للأحبار من يهود :
((اذْكُرُوا نِعْمَتِىَ الَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ)) أى من بلائى عندكم وعند آبائكم لما كان نجاهم
به من فرعون وقومه: (( وأَوْفُوا بَعَهْدى)» الذى أَخذت فى أعناقكم للنبى محمد صلى الله عليه
وسلم إذا جاءكم ((أُوفٍ بِعَهْدِكُمْ(٢))) يقبول: أَرْضَ عنكم وأُدْخِلْكُم الجنة . وروى ابن جرير
عن أبى العالية فى الآية قال: يقول: (( يا مَعْشَر أَهل الكتاب، آمِنُوا بما أَنزلتُ على محمد
مُصَدِّقاً لما معكم لأنهم يجدونه عندهم مكتوباً فى التوراة والإنجيل ، ولاتكونوا أَوَّلَ كافربه ،
وبمحمد صلى الله عليه وسلم . وروى ابن جرير عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال :
((وَلَا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالْبَاطِلِ(٣))) أَى لاتَخْلِطُوا الصِّدْق بالكذب ((وتَكْتُمُوا الحَقَّّ
وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ(٤))) أَى لاتكتموا الحَقَّ وأنتم قد علمتم أن محمداً صلى الله عليه وسلم رسولُ الله .
وروى عبْد بن حُمَيْد عن قتادة قال: ((لاتلبسوا اليهودية والنصرانية بالإِسلام وأنتم تعلمون
(١) سورة البقرة آية ٤٠.
(٢) أوف بعهدكم أى بوضع ما كان عليكم من الآصار والأغلال التى كانت فى أعناقكم بذنوبكم التى كانت من أحداثكم
وقال أبو العالية : عهده إلى عباده دين الإسلام وأن يتبعوه ( تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٨٣).
(٣) من الآية ٤٢ من سورة البقرة .
(٤) من الآية ٤٢ من سورة البقرة.
- ٥٤٧ -

أَن دين الله الإِسلام، وأَن اليهودية والنصرانية بِدْعَة ليست من الله تعالى: ((وتَكْتُمُوا الحَقّ
وَأَنْتُمْ تَعْلَمُون)» أنه رسول الله (( يَجدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِى الثَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، يَأْمُرُهُمْ
١٠٤٦ت بالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لهُمُ الطَِّّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَائِثَ(١) وروى/
:
ابن جرير عن السُّدِّى فى قوله ((وَتَكْتُمُوا الحَقَّ)» قال : هو محمد صلى الله عليه وسلم .
دروى البيهقى عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: وَصَف الله محمداً فى التوراة، أَكحل
العَيْنِ، رَبْعَة، جَعْد الشَّعَر، حَسَن الوجه ، فلما قَدِم رسول الله صلى الله عليه وسلم حَسَده أَحبار
يهود ، فَغَيَّروا صِفَتَه فى كتابهم وقالوا: لانَجِد نَعْتَه عندنا، وقالوا: نَجِد النبىَّ الأُمِّىَّ
طويلاً أَزرق سْط الشَّعَر، وقالوا للسَّفْلَة: ((ليس هذا نَعْت النبى الذى يُحَرِّم كذا وكذا))
كما كتبوه، وغَيَّروا نَعْتَ هذا كما وُصِف، فلَبَّسوا بذلك على الناس . وإِنما فعلوا ذلك
لأَن الأَحبار كانت لهم مأُكلة يُطْعِمهم إياها السِّفْلَة لقيامهم على التوراة، فخافوا أَن يُؤْمِنَ
السِّفْلة فتقطع تلك المأكلة .
وروى البيهقى عن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة رضى الله عنهم قالوا :
((كانت العَرَبِ تَمُرّ باليهود فيؤذونهم ، وكانوا يجدون محمداً صلى الله عليه وسلم فى التوراة
فيسأَلُون الله تعالى أَن يَبْعَثَه فيقاتلون معه العرب ، فلما جاءهم كفروا به حين لم يكن من
بنى إِسرائيل)). وروى ابن إسحق وابن جرير، وابن المُنْذِر ، وابن أبى حاتم عن ابن
عباس رضى الله عنهما، وأَبو نُعَيْم عنه من طُرُق، وعَبْد بن حُمَيْد ، وابن جرير ،
وأَبو نُعَيْم عن قتادة : أَن يهود أهل المدينة قبل قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كانوا
إذا قاتلوا من يليهم من مُشْرِكى العرب من أَسَد وغَطَفان وجُهَيْنة وعُذْرَةٍ يستفتحون
يَدْعُون الله على الذين كفروا ويقولون: ((((اللهمّ إِنا نستنصر بِحَقّ محمد النبي الأُمِّىّ
إِلا نصرتَنا عليهم))، فيُنْصَرُون. وكانوا يقولون: ((اللهمّ ابْعَث النبىَّ الأُمِّىّ الذى نجده
فى التوراة الذى وَعَدْتَنَا أَنك باعثُه فى آخر الزمان )). فلما جاءهم ما عَرَفُوا ، كفروا به
حَسَداً للعرب ، وهم يعلمون أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال لهم مُعَاذ بن جَبَل،
(١) من الآية ١٥٧ من سورة الأعراف .
- ٥٤٨ -

وبِشر بن البَرَاء أَخو بنى سَلِمَةٍ(١): ((يا معشر يهود اتَّقُوا اللّه وأُسْلِمُوا، فقد كنتم تستفتحون
علينا بمحمد ونحن أَهْلُ شِرْك وتخبروننا أنه مبعوث وتصفونه [لنا] بصفته .
وروى ابن جرير، وابن المُنْذِر عن ابن جُرَيْج عن بعض من أَسْلَم من أهل الكتاب ،
قال: ((والله لَنَحْنُ أَعْرَف برسول الله منا بأبنائنا من أجل الصِفَة والنَّعْت الذى نجده
فى كتابنا، أَما أَبناؤنا فلا نَدْرى ما أَحْدَث النساء)) / وروى ابن إسحق، والبيهقى ، ١٠٤٧ت
وأَبو نُعَيْم عن أم المؤمنين صَفِيَّة بنت حُيَّىّ رضى الله عنها أنها قالت: ((لم يكن أَحَدٌ من
وَلَد أَبِى وَعَمِّى أَبِى ياسِر أَحَبَّ إِليهما مِنِّى، لم أَلْقَهُمَا قَطّ مع وَلَد لهما إِلا أَخذانى دونه .
فلما قَدِم رسول اللّهصلى الله عليه وسلم- قُبَاء قرية بنى عَمْرو بن عَوْف ◌َذَا إِليه أَبى، حُبَىّ
ابْن أَخْطَب وعَمِّى أَبو ياسر بن أَخطب مُعَلِّسَيْن ، فوالله ما جاءانا إلا مع مَغِيب الشمس ،
فجاءانا بأَمر أَبِى كَبْشَة [ كَالَّيْنِ كَسْلَانَيْنِ (٢) ] ساقِطَيْن يمشيان الُهُوَيْنَى فَهَشِشْتُ إِليهما
كما كنت أَصْنَعِ ، فوالله ما نَظَر إِلىّ واحِدٌ منهما، فَسَمِعْتُ عَمِّى أَبا ياسِر وهو يقول لأَّبِى
حُيّى بن أَخْطَب: أَهُوَ هُوَ ؟ قال : نعم . قال: أَتَعْرِفُه بِنَعْتِه وصِفَتِه ؟ قال : نعم والله .
قال : فما فى نفسك منه ؟ قال : عداوته والله ما بَقِيت)).
وذكر ابن عُقْبَة عن الزُّهْرِى قال: ((إِن أَبا ياسر بن أَخْطَب حين قَدِم رسول اللهصلى الله
عليه وسلم-المدينةَ ذهب إليه فَسَع منه وحادثه ثم رَجَع إلى قومه فقال : يا قَوْم اطيعونى
فإن الله تعالى قد جاءكم بالذى تنتظرونه فَاتَّبِعُوه ولا تُخَالفوه. فانطلق أَخوه حُيّى بن
أَخْطَب، وهو يومئذ سَيِّد يهود، وهما من بنى النَّضِير، فجلس إلى رسول اللهصلى الله عليه
وسلم-وسَمِع منه، ثم رجع إلى قومه، وكان فيهم مُطَاعاً. فقال: أَتَيْتُ من عند رجل والله
لا أزال له عَلْوًّا. فقال له أَخوه أَبوياسر: يا ابن [أُم] أَطِعْنى فى هذا الأمر واعْصِنِى فيما شئت
بعد لأمهلك . فقال: والله لا أُطِيعُك. فاستحوذ عليه الشيطان، وتَبِعَه قَوْمُه على رأيه)) .
وروى عبد الله ابن الإمام أحمد فى زوائد المسند عن جابر بن سَمُرَة رضى الله عنه،
(١) فى الأصل: داود بن سلمة وليس فى أسد الغابة ولا فى الإصابة من يسمى بهذا الإسم، والتصويب من ابن هشام
ج ٢ ص ١٧٣ .
(٢) زيادة من ابن هشام حـ ٢ ص ١٤٠.
- ٥٤٩ -

أنه قد جاء جَرْمَقَانِىّ(١) إِلى أَصحاب محمد- صلى الله عليه وسلم-فقال: أَيْنَ صاحِبُكُم هذا
الذى يَزْعُم أَنه نَبِىّ، لئن سَأَلْتُه لِأَعلمنى نِىُّ هو أَو غير نبى. ثم قال الجَرْمَقَانِىّ: ((هذا
والله الذى جاء به موسى)) ، الجَرْمَقَانِىّ بجيم مفتوحة فراء ساكنة فميم مفتوحة فقاف فأَّلف
فنون ، منسوب إلى الجرامقة . قال فى الصحاح : قَوْمٌ بالمَوْصِل أَصلهم من العَعَمَ ، وقال
غيره : وجرامقة الشام أنباطها .
وروى البيهقى عن ابن عباس رضى الله عنهما أَن حَبْراً من أحبار اليهود دخل على رسول
اللّهصلى الله عليه وسلم- فواقفه يقرأ سورة يوسف فقال: ((يا محمد مَنْ عَلَّمَكَها ؟)) قال:
٠٤٨ ١ ت ((الله عز وجل عَلَّمَنِيها))، فعَجِب الحَبْر لِمَا سمع / منه. فرجع إلى اليهود فقال: ((إِن
محمداً ليقرأ القرآن، كما أُنْزِل فى التوراة)». فانطلق جماعةٌ منهم حتى دخلوا عليه
فعرفوه بالصفة ، ونظروا إِلى خَاتَم النبوة بين كَتِفَيْه ، فجعلوا يستمعون إلى قراءته
لسورة يوسف ، فتعجبوا منه وأَسلموا عند ذلك .
وذكر محمد بن عُمَر الأَسلمى أَن النُّعْمَان السَّبَئِىّ (٢) وكان من أحبار يهود اليمن فلما
سمعوا برسول اللهصلى الله عليه وسلم-قَدِم عليه فسأله عن أشياء، ثم قال له: ((إِن أَبى كان
يَخْتِمُ على سِفْر ويقول: ((لا تَقْرَأُهُ على يهود حتى تسمع بنىٌّ قد خرج بيثرب، فإذا
سَمِعْتَ به فافْتَحْهُ)). قال النعمان: ((فلما سمعتُ به فَتَحْتُ السِّفْر فإذا فيه صِفَتُكَ
كما أراكَ الساعة، وإذا فيه ماتُحِلّ وماتُحَرِّم، وإِذا فيه أنك آخر الأنبياء، وأُمَّتُكَ
آخر الأُمَم، واسمُكَ أَحمد ، وأُمَّتُكَ قُرْبَانُهم دِمَاؤُهُمْ، وأَنَاجِيلُهم صدُورُهم ، لا يَحْضُرونَ
قِتَالاً إِلاوجبريل معهم ، وَيَتَحَنَّنُ اللهُ تعالى عليهم كَتَحَنُّنِ الطَّيْر على أَفْرِاخِه ، ثم قال لى : إِذا
سَمِعْتَ به فاخْرُج إِليه وصَدِّقْهُ )). وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُحِبُّ أَن يُسْمِعَ
(١) جرمقانى ضبطت فى القاموس المحيط واللسان: بضم كل من الجيم والميم ، كما وردت أيضاً بهذا الضبط فى
المعرب للجواليقى ( ص ٩٤) وهو مخالف لضبط المؤلف .
(٢) النعمان السبئى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولما عاد إلى قومه قتله الأسود العنسى الذى تنبأ فى حركة
الردة ، نقل هذا ابن الأثير فى أسد الغابة ( جـ ٥ ص ٢٥) عن كتاب الردة الواقدى .
- ٥٥٠ -

أصحابَه حديثَه، فَأَتَاه يوماً فقال: (( يا نُعْمان حَدِّثْنا))، فابتدأَ الحديث من أَوَّلِه ،
فرأَى رسولَ الله-صلى الله عليه وسلم-يبتسم، ثم قال: ((أَشهد أَنى رسولُ الله )). ويُقال إِن
النعمان هذا هو الذى قتله الأسود العَنْسِىّ الكَذَّاب وقَطَّعَه عضواً عضواً، والنعمان يقول :
(( أَشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسولُ الله، وأَنك كَذَّاب مُفْتَرٍ على الله عز وجل )).
ثم حَرَّقه بالنار ، والآثار فى هذا كثيرة لا تُحْصَى .
- ٥٥١ -

الباب الثانى
فى إسلام عبد الله بن سَلَام بن الحارث أَبِى يُوسُف(١)
وهو من ذرية سيدنا يوسف الصِّدِّيق عليه السلام حليف القواقل من الخزرج ، الإِسرائيلى
ثم الأَنصارى رضى الله عنه. كان اسمه الحُصَيْنِ فَغَيَّره النبى-صلى الله عليه وسلم - وكان
عاليمٍ أَهل الكتاب ،وكان إِسلامه فى اليوم الذى دخل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم دار
أَبى أيوب أول ماقدِم، كما فى رواية عبدالعزيز بن صُهَيْب عند البيهقى. وروى ابن إسحق
عن رجل من آل عبد الله بن سَلام رضى الله عنه قال: ((لما قَدِم رسول اللهصلى الله عليه
وسلم-نزل بقباء فى بنى عَمْرو بن عَوْف. فأقبل رجل حتى أَخبر بقدومه .. )) الحديث.
١٠٤٩ت وفيه: ((فخرجتُ إِلى رسول الله/ صلى الله عليه وسلم- فأَسلمت ورجعت إلى أهل بيتى. قال
الحافظ عماد الدين بن كثير (٢): ((فَلَعَلَّه رآه أول ما رآه بقُبَاء واجتمع به بعد ما صار
إلى دار بنى النَّجَّار والله أعلم )) .
وروى البخارى والبيهقى عن أَنَّس، وابن إِسحق عن رجل من آل عبد الله بن سَلَام ،
والإِمام أحمد ، ويعقوب بن سفيان عن عبد الله بن سَلام، والبيهقى عن موسى من عُقْبَة
وعن ابن شهاب ، قال : لما سَمِعْتُ برسول اللهصلى الله عليه وسلم - وعرفت صفته واسمه
وهيئته [ وزمانه ] الذى كنا نَتَوَكَّفُ له(٣)، فكنت مُسِرًّا بذلك صامتاً عليه حتى قَدِمِ
رسول الله -صلى الله عليه وسلم - المدينة، فلما قَدِم نزل بقباء فى بنى عَمْرو بن عوف ، فأقبل
(١) قصة إسلامة فى سيرة ابن هشام (=٢ ص١٣٨ و ١٣٩) وشرح السهيلى (حـ ٢ ص ٢٥ و ٢٦) والبداية والنهاية
(ح ٣ ص ٢١٢:٢١٠) وأخرج البخارى فى صحيحه (= ٥ ص ١١٩: ١٢٠) ثلاثة أحاديث فى مناقبه، وترجم له ابن
الأثير فى أسد الغابة ( ح ٣ ص ١٧٦ : ١٧٧) وابن حجـ فى الإصابة ( = ٤ ص ٨٠: ٨١ رقم ٤٧١٦) وقد
نافح عن عثمان يوم الدار وتوفى بالمدينة سنة ٤٣ هـ .
(٢) فى البداية والنهاية (+٣ ص ٢١٠).
(٣) فى الأصل نتوقع والتصويب من ابن هشام وابن كثير، وتوكف الخبر انتظر وكفه أى وقوعه. قاله فى النهاية
( < ٤ ص ٢٢٨).
- ٥٥٢ -

رجل حتى أُخبر بقدومه ، وأنا فى رأس نخلة لى أَعمل فيها ، وعَمَّتِى خالدة بنت الحارث
تحتى جالسة. فلما سَمِعْتُ الخَبَر بقدوم رسول اللّهصلى الله عليه وسلم- كَبِّرْتُ. فقالت
عَمَّى حين سمعت تكبيرى: ((لو كُنْتَ سمعت بموسى بن عمران ما زدْتَ)). قلت لها :
((أَى عَمَّة وهو، الله أَخو موسى بن عمران، وعلى دينه، بُعِث بما بُعِث به)). فقالت له:
((يا ابن أَخى، أهو النبى الذى كُنَّا نُخْبَر أَنه يُبْعَث مع نَفَس (١) الساعة؟)) قلت لها:
((نعم)). قالت: ((فذاك إِذًا)). قال: ((فخرجت إلى رسول اللهصلى الله عليه وسلم- فلما
تَبَيَّنْتُ وَجْهَه عرفت أنه ليس بوجه كَذَّب، فكان أول شىء سمعته يقول: (( افشوا
السلام، وأَطْعِمُوا الطعام، وصِلُوا الأَرحام، وصَلُّوا بالليل والناس نيام ، تدخلوا الجنة بسلام))
[ وعند البيهقى عن أنس قال: سمع عبد الله بن سلام بقدوم النبى-صلى الله عليه
وسلم - فَأَتَى النبى (٢)] فقال: ((إِنى سائلك(٣) عن خلال لا يعلمهن إِلا نبى: ١٠ أول أشراط
الساعة ، وما أَول طعام أهل الجنة ؟ وما بال الولد ينزع إلى أبيه أو إِلى أُمه ؟ وماهذا
السواد الذى فى القمر؟ قال: ((أَخبرنى بِهِنَّ جبريل آنفاً. قال: ((جبريل))؟ قال: ((نعم)).
قال ((عدو اليهود من الملائكة)). ((! ثم قرأ (٤): (قُلْ مَنْ كَانَ حَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ
عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللّهِ مَّصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدَى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ(٥))] قال: ((أَما أَول أَشراط
الساعة : فَنَارٌ تخرج على الناس من المَشْرِق [ تسوقهم (٤) ] إلى المَغْرِب، وأَما أَول طعام
يأكله أهل الجنة : فزيادة كبد حوت ، وأما الولد : فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد
وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزعت الولد ، وأما السواد الذى فى القمر: فإِنهما كانا شَمْسَيْن.
قال الله تعالى: ( وَجَعَلْنَا النَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ(٦) ) فالسواد الذى رأيت
هو المَحْو )). فقال: ((أَشهد أَلا إله إلا الله وأنك رسولُ الله)). ثم رجع إلى أهل بيته
فأمرهم فأسلموا وكتم إسلامه. ثم خرج إلى رسول اللهصلى الله عليه وسلم - فقال: ((يارسول ١٠٥٠ت
(١) فى النهاية (= ٤ ص ١٦٤): بعثت فى نفس الساعة أى بعثت وقد حان قيامها وقرب إلا أن الله أخرها قليلا
فبعثنى فى ذلك النفس ، فأطلق النفس على التقرب .
(٢) زيادة من البداية والنهاية (جـ ٣ ص ٢١١).
(٣) فى الأصل: إنى سائلك عن ثلاث وفى لفظ خلال، وعدتها أربع وليست بثلاث .
(٤) زيادة من البداية والنهاية ( ٣ ص ٢١١).
(٥) من الآية ٩٧ من سورة البقرة.
(٦) من الآية الثانية عشرة من سورة الإسراء.
- ٥٥٣ _
:

الله ، إن اليهود قدعلمت أنى سيدهم وابن سيدهم ، وأعلمهم وابن أعلمهم ، وأَنهم قوم بُهْت،
وأَنْهم إِن يعلموا بإِسلامى قبل أَن تسأَّم عنى بَهَتُونِى ، وقالوا فِىّ ماليس فِىّ ، فأُحب أَن
تُدْخِلَنى بعض بيوتك)). فأَدخله رسول الله بعض بيوته ، وأرسل إلى اليهود فدخلوا عليه
فقال: (( يا معشر يهود يا ويلكم اتقوا الله فوالله الذى لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنى رسول
الله قد جئتكم بالحق فأَّسْلِموا)). فقالوا: ما نعلمه. فقال: ((أَى رجل فيكم الحُصَيْن
ابن سَلام؟ » قالوا: (( خَيْرُنا وابنُ خَيْرِنا وسيدنا وابن سيدنا وأَعلمنا وابن أَعلمنا)).
فقال: ((أَرأيتم إِن أَسلم)) قالوا: ((أَعاذه الله من ذلك)). فقال: ((يا ابن سَلَام اخْرُج إليهم))
فخرج عبد الله فقال: (( أَشهد أَلا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله ، يا معشر يهود
اتقوا الله واقبلوا ماجاء كم به ، فوالله إنكم لتعلمون أَنه لَرَسُولُ الله حقاً ، تجدونه مكتوباً
عندكم فى التوراة: اسمه وصفته ، فإنى أَشهد أَنه رسول الله وأُومِن به وأُصَدِّقُه وأَعْرِفُه.
قالوا: ((كَذَبْتَ أَنت شَرَّنا وابنُ شَرِّنا))، وانتقصوه. قال: ((هذا الذى كنتُ أَخاف
يا رسول الله، أَلَمْ أُخْبِرْكَ أَنْهم قَوْمٌ بُهْت، أَهْلُ غَدْرٍ وكَذِبٍ وفجور؟)) قال: ((وَأَظْهَرْتُ
إِسلامى وإِسلامَ أَهل بيتى، وأَسْلَمت عَمَّتى خالدة بنت الحارث وحَسُنَ إِسلامُها)) .
[ بيان غريب ما سبق(١)]
((نَفَس الساعة)) بفتح النون والفاء، أى بُعِثْتُ وقد حان وقت قيامها وَقَرب، إِلا أَن
الله أَخَّرِها قليلاً، فبَعَثَنِى فى ذلك النَّفَس، فأَطلق النَّفَس على القُرْب. وقيل معناه :
أَنه جَعَل للساعة نَفَساً كَنَفَس الإِنسان، أراد : أَنى بُعِثْتُ فى وقتٍ قريب مِنها أُحِسُّ فيه
بنَفَسها كما يُحَسُّ بنَفَس الإِنسان إِذا قَرُب [المرءُ] منه . يعنى بُعِثْتُ فى وقتٍ بانت أَشرائطُها
فيه وظهرت علاماتها (٢). ((نَزَع)) إلى أبيه فى الشَّبَه أَى ذَهَبَ. ((بُهْت)): جَمْعِ بَهُوت من
. بناء المبالغة فى الْبُهْت مثل صَبُور وصُبُر، ثم سُكِّن تخفيفاً ،والبُهْت الكذب [ والافتراء (٣)].
(١) زيادة عن الأصل جرياً على عادة المؤلف فى شرح غريب ما يذكره .
(٢) هذا الشرح نقله المؤلف عن النهاية ( = ٤ ص ١٦٤) وقد أوردنا جانباً منه فى حاشية سابقة . وأضاف ابن
الأثير: ويروى فى نسم الساعة، وعنده ( = ٤ ص ١٤١) أن النسم أول هبوب الريح الضعيفة أى بعثت فى أول أشراط
الساعة وضعف مجيئها ، وقيل هو جمع نسمة أى بعثت فى ذوى أرواح خلقهم اللّه تعالى قبل اقتراب الساعة كأنه قال فى آخر
النشو من بنى آدم . .
(٣) زيادة من النهاية غير أن كلمة بهت لا تعنى فحسب الكذب أو الافتراء بل الباطل الذى يتحير من بطلانه كما نص
على ذلك الفير وزابادى فى القاموس، وابن الأثير فى النهاية . كما تفيد أيضاً الحيرة والانقطاع .
- ٥٥٤ -

الباب الثالث
فى موادعته صلى الله عليه وسَلَّم اليهود، وكَتْبِه بينه وبينهم كتاباً بذلك، ونَصْبِهِم
العداوة له ولأصحابه حَسَدًا وعدوانًا، ونَقْضِهم للعَهْد
قال ابن إسحق(١): ((وكتب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتاباً بين المهاجرين
والأَنصار وَادَع فيه يهود وعاهدهم وأَقَرَّهم على دينهم وأموالهم واشترط / عليهم وشرط لهم)). ١٠٥١ت
أَى لَمَّا امتنعوا من اتباعه، وذلك قبل الإذن بالقتال وأَخْذ الجزية مِمَّن أَبى الإِسلام،
وذكر ابن إسحق نسخة الكتاب وهو نحو ورقتَيْن(٢) بغير إِسناد، ورواه أبو عُبَيْد(٣)
فى كتاب الأموال(٤) بسَنَد جَيِّد عن الزُهرِى، ولعلِّ أَذكره فى أبواب مكاتباته - صلى الله
عليه وسلم - .
(١) سيرة ابن هشام (ج ٢ ص ١١٩).
(٢) من ص ١١٩ إلى ص ١٢٣ من الجزء الثانى من سيرة ابن هشام.
(٣) هو أبو عبيد القاسم بن سلام اللغوى الفقيه الأديب . أورد ابن النديم فى الفهرست (ص ١٠٦) ثبتاً بمؤلفاته. وحبذا
لونشر غريب المصنف وغريب الحديث. توفى بمكة سنة ٢٢٣« أو ٢٢٤هـ فى خلافة المعتصم. ترجم له ابن خلكان (جـ ١
ص ٤١٨: ٤١٩) والقفطى فى إنباه الرواة (ج ٣ ص ١٢ : ٢٣) كما ترجم له الخطيب فى تاريخ بغداد ( جـ ١٢
ص ٤٠٣ : ٤١٦ رقم ٦٨٦٨) والتاج السبكى فى طبقات الشافعية (ج ١ ص ٢٧٠: ٢٧٤).
(٤) فى النسخة المطبوعة من كتاب الأموال التى نشرها المرحوم الشيخ محمد حامد الفقى فى القاهرة ١٣٥٣ هـ يستغرق
نص هذا الكتاب بين المهاجرين والأنصار واليهود الصفحات من ص ٢٠٢ إلى ٢٠٦ وقد راجعناه على ما أورده محمد بن
إسحق فى سيرة ابن هشام وابن كثير فى البداية والنهاية ( ج ٣ ص ٢٢٤: ٢٢٦) وحقق النص بالرجوع إلى مصادر
مختلفة محمد حميد الله الحيدر ابادى فى كتابه : مجموعة الوثائق السياسية فى العهد النبوى والخلافة الراشدة ( القاهرة سنة ١٩٤١م
ص ١ : ٧) وقد رقم ما جاء فيه إلى مواد بلغت عدتها ٤٧ مادة وتوجد بعض الاختلافات والزوائد بين هذه النصوص
فضلا عن أخطاء غير قليلة فيما جاء فى البداية والنهاية طبعة القاهرة سنة ١٩٣١ م .
ونورد فى هذه الحاشية نص هذه الوثيقة الهامة التى هى أولى وثائق التاريخ الإسلامى كما أوردها باسنادها أبو عبيد القاسم
ابن سلام الذى اعتمد عليه حميد الله إلى حد كبير فى تحقيق نصها كما يتضح من الحواشى التى ذيل بها النص .
قال أبو عبيد: حدثنى يحيى بن عبدالله بن بكير، وعبدالله بن صالح قالا : حدثنا الليث بن سعد قال: حدثنى عقيل
ابن خالد عن ابن شهاب (الزهرى) أنه قال: بلغنى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب بهذا الكتاب:
:(( هذا كتاب من محمد النبى رسول اللّه بين المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب ومن تبعهم ، فلحق بهم ، فحل =
- 000 -

وروى ابن عائذ عن عَرْوَة بن الزبير : أَن أول من أَتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
من اليهود أَبوياسر بن أخطب أَخو حُييّ بن أخطب ، فسَمِع منه ، فلما رجع قال لقومه:
== معهم وجاهد معهم: إنهم أمة واحدة دون الناس : المهاجرون من قريش على رباعتهم يتعاقلون بينهم معاقلهم الأولى وهم
يفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين والمسلمين ، وبنوعوف على رباعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طائفة
منهم تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين - ثم ذكر هذا الشرط لكل بطن من بطون الأنصار وأهل كل دار وهم :
بنو الحارث بن الخزرج ، وبنو ساعدة ، وبنوجشم ، وبنو النجار ، وبنو عمرو بن عوف ، وبنو النبيت ، وبنو الأوس
إلى أن قال : - وإن المؤمنين لا يتركون مفرحا ( أى مثقلا بالدين) منهم أن يعينوه بالمعروف فى فداء أو عقل ، وإن
المؤمنين المتقين أيديهم على كل من بغى وابتغى منهم دسيعة [أى عطية] ظلم أو إنما أو عدوانا أو فساداً بين المؤمنين، وأن
أيديهم عليه جميعه ولو كان ولد أحدهم ، ولا يقتل مؤمن مؤمنا فى كافر ، ولا ينصر كافرا على مؤمن . والمؤمنون
بعضهم موالى بعض دون الناس ، وأنه من تبعنا من اليهود فإن له المعروف والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم .
وأن سلم المؤمنين واحد ولا يسالم مؤمن دون مؤمن فى قتال فى سبيل الله، إلا على سواء وعدل بينهم ، وأن كل غازية غزت
يعقب بعضهم بعضاً ، وأن المؤمنين يبىء [أى يكف] بعضهم عن بعض بما نال دماءهم فى سبيل الله [هذه المادة فى ابن
هشام وليست فى كتاب الأموال]، وأن المؤمنين المتقين على أحسن هدى وأقومه ، وأنه لا يجير مشرك ولا نفسا ولا يحول
دونه على مؤمن، وأنه من اعتبط مؤمناً قتلا [عن بينة] فإنه قود به إلا أن يرضى ولى المقتول بالعقل وأن المؤمنين عليه
كافة [ولا يحل لهم إلا قيام عليه]، وأنه لا يحل لمؤمن أقر بما فى هذه الصحيفة أو آمن بالله واليوم الآخر أن ينصر محدثاً
أو يؤويه ، فن نصره أو آواه فإن عليه لعنة الله وغضبه إلى يوم القيامة لا يقبل منه صرف ولا عدل، وأنكم ما اختلفتم
فيه من شىء فإن حكمه إلى الله والرسول، وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ماداموا محاربين، وإن يهود بنى عوف ومواليهم
وأنفسهم أمة مع المؤمنين ، لليهود دينهم وللمؤمنين دينهم إلامن ظلم أو أثم فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته وإن ليهود بنى النجار
مثل ما ليهود بنى عوف - وكذلك ليهود كل من بنى الحارث وبنى جثم وبنى ساعدة؟ والأوس - وإنه لا يخرج أحد منهم
إلا بإذن محمد [وأنه لا ينحجز على ثأر جرح وإنه من فتك فبنفسه فتك وأهل بيته إلا من ظلم وإن الله على أبر هذا وإن على
اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم] وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة [وإن بينهم النصح والنصيحة والبر
دون الإثم وأنه لم يأثم أمرؤ بحليفه] وإن النصر للمظلوم وإن المدينة جوفها حرم لأهل هذه الصحيفة [وأن الجار كالنفس
غير مضار ولا آثم وأنه لا تجار حرمة إلا بإذن أهلها ] وأنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث [أو اشتجار] يخاف
فساده فإن مرده إلى الله وإلى محمد رسول الله [وأنه لا تجار قريش ولا من نصرها، وإن اللّه على أتقى ما فى هذه الصحيفة
وأبره] وإن بينهم النصر على من دهم يثرب وإنهم إذا دعوا اليهود إلى صلح حليف لهم فإنهم يصالحونه وإن دعينا إلى مثل ذلك
فإن لهم على المؤميين إلا من حارب فى الدين وعلى كل أناس حصتهم من النفقة وإن يهود الأوس ومواليهم وأنفسهم [على مثل
ما لأهل هذه الصحيفة ] مع البر المحسن [ وعند حميد اللّه: مع البر المحض] من أهل هذه الصحيفة ، وإن بنى الشطبة بطن من
جفنة وإن البر دون الإثم فلا يكسب كاسب إلا على نفسه وإن اللّه على أصدق ما فى هذه الصحيفة وأبره [وأنه] لا يحول
هذا الكتاب دون ظالم ولا آثم وأنه من خرج آمن ومن قعد آمن [بالمدينة] إلا من ظلم وأثم وأن أولاهم بهذه الصحيفة البر
المحسن. [عند حميد اللّه بدلا من الجملة الأخيرة: وأن اللّه جار لمن بر واتقى ومحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم])).
قال أبو عبيد : قوله بنو فلان على رباعتهم : الرباعة هى المعاقل وقد يقال فلان على رباعة قومه إذا كان المتقلد لأمورهم
والوافد على الأمراء فيما ينوبهم . وقوله : إن المؤمنين لا يتركون مفرخا فى فداء أو عقل ، المفرح : المثقل بالدين . يقول:
فعليهم أن يعينوه إن كان أسيراً فك من إساره وإن كان جنى جناية خطأ عقلوا عنه . وقوله : ولا يجير مشرك مالا لقريش ،
يعنى اليهود الذين كان وادعهم يقول فليس من موادعتهم أن يجيروا أموال أعدائه ولا يعينوهم عليه . وقوله من اعتبط مؤمناً
قتلا فهو قود . الاعتباط أن يقتله بريئاً محرم الدم. وأصل الاعتباط فى الإبل أن تنحر بلا داء يكون بها . وقوله إلا أن يرضى.
أولياء المقتول بالعقل فقد جعل النبى صلى الله عليه وسلم الخيار فى القود أو الدية إلى أولياء القتيل. وهذا مثل حديثه الآخر : =
- ٥٥٦ -
١

((أَطيعونى فإن هذا هو النبى الذى كُنَّا ننتظره)) وعصاه أَخوه، وكان مطاعاً فيهم ، فاستحوذ
عليهم الشيطان فأَطاعوه .
وروى أبو سعيد النيسابورى فى الشرف عن سعيد بن جبير قال: ((جاء ميمون بن
يامين ، وكان رأس يهود، إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: (( يا رسول الله ابعَثْ
إليهم واجعلى حَكّماً بينهم فإنهم يرجعون لى)) فأَدخله داخلاً، ثم أرسل إليهم، فَأَتَوْه ،
فخاطبوه، فقال: ((اختاروا رجلاً يكون حَكَماً بينى وبينكم)). قالوا: ((قد رَضِينا ميمون
ابن يامين)). فلما خرج إليهم قال: ((أَشهد أَنه رسول الله)). فأبَوْا أَن يُصَدِّقوه. وروى
الإمام أحمد والشيخان عن أبى هريرة رضى الله عنه أنه قال: (( قال رسول الله - صلى الله
عليه وسلم -: ((لو آمن بى عَشَرة من أحبار يهود لآمن بى كل يهودى على وجه الأرض )).
وروى ابن أبى حاتم وأبوسعيد النيسابورى وزاد فى آخره قال: ((وقال كعب : اثنى
((ومن قتل له قتيل فهو بأحد النظرين إن شاء قتل وإن شاء أخذ الدية)). وهذا يرد قول من يقول: ليس للولى فى العمد
أن يأخذ الدية إلا بطيب نفس من القاتل ومصالحة منه له عليها . وقوله : ولا يحل لمؤمن أن ينصر محدثاً أو يؤويه : المحدث:
كل من أتى حدا من حدود الله فليس لأحد منعه من إقامة الحد عليه. وهذا شبيه بقوله الآخر: ((من حالت شفاعته دون حد
من حدود الله فقد ضاد الله فى أمره. وقوله لا يقبل منه صرف ولا عدل: الصرف التوبة والعدل الفدية . قال أبو عبيد :
وهذا أحب إلى من قول من يقول الصرف الفريضة والعدل النافلة لقول الله تبارك وتعالى: ((ولا يؤخذ منها عدل)) فكل شىء قدى
به شىء فهو عدله : وقوله : وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ماداموا محاربين ، فهذه النفقة فى الحرب خاصة فقد شرط عليهم
المعاونة على عدوه ونرى أنه إنما كان يسهم لليهود إذا غزوا مع المسلمين بهذا الشرط الذى شرطه عليهم من النفقة . ولولا
هذا لم يكن لهم فى غنائم المسلمين سهم . وقال أبو عبيد : وقوله : وإن يهود بنى عوف أمة من المؤمنين ، إنما أراد نصرهم
المؤمنين ومعاونتهم إياهم على عدوهم بالنفقة التى شرطها عليهم . فأما الدين فليسوا منه فى شىء ألا تراه قد بين ذلك فقال:
اليهود دينهم وللمسلمين دينهم . وقوله : ولا يوتغ إلا نفسه أى لا يهلك غيرها . يقال: قد وتغ الرجل وتغاً إذ وقع فى أمر
يهلكه ، وقد أوتغه غيره .
[قال أبو عبيد]: وإنما كان هذا الكتاب - فيما نرى - حدثان مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة قبل أن
يظهر الإسلام ويقوى وقبل أن يؤمر بأخذ الجزية من أهل الكتاب . وكانوا ثلاث فرق : بنو قينقاع وكانوا حلفاء عبد الله
بن أبى [بن سلول]. فأجلاهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن المدينة. ثم بنو النضير ثم بنو قريظة. فكان من إجلائه
أولئك وقتله هؤلاء ما قد ذكرناه فى كتابنا هذا . ( انتهى ما ذكره أبو عبيد فى شرح كتاب الموادعة ) .
هذا وما أوردناه بين معقفين هو من رواية ابن إسحق إلا إذا ذكرنا أنه من تحقيق حميد الله للنص. وقد ذكر ابن كثير
فى ختام ما نقله عن ابن إسحق أن أبا عبيد القاسم بن سلام تكلم عليه فى كتاب الغريب وغيره بما يطول . ولعله يقصد كتاب
غريب الحديث . هذا وقد ترجم بعض المستشرقين نص كتاب الموادعة فى مؤلفاتهم ولكنهم أخطأوا فى ترجمة كلمة حرمة
التى وردت فى النص: لاتجار حرمة بغير إذن أهلها أو وليها . كما صنع موير فى حياة محمد ( أدنبرة سنة ١٩٢٤ م ص ١٨٤)
وتلاه مونتجومرى واط فى كتابه محمد فى المدينة ( أكسفورد سنة ١٩٥٦ م ص ٢٢٤) إذ ترجماها : أنثى أو امرأة مع أن
حرمة هنا هو كما فسرها ابن الأثير فى النهاية (ج ١ ص ٢٢٠) . ما لا يحل انتهاكه .
- ٥٥٧ -

عشر)، وتصديق ذلك فى [ سورة [ المائدة: (وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثنَىْ عِشَر نَقِيبًا (١) قال الحافظ:
فعلى هذا فالمُراد عشرة مختصة ، وإلاَّ فقد آمن به صلى الله عليه وسلم أَكثر من عشرة ،
وقيل المعنى : ((لو آمن فى الزمان الماضى كالزمن الذى قبل قدوم النبى - صلى الله عليه
وسلم - المدينة أو حال قدومه.)) قال الحافظ: ((والذى يظهر أنهم [ وهم] الذين كانوا
حينئذ رؤساء فى يهود، ومن عداهم كان تَبَعاً لهم ، فلم يُسْلِمِ منهم إلا القليل كعبد الله بن
سلام ، وكان من المشهورين بالرياسة فى يهود [ بنى قينقاع ] عند قدوم النبى صلى الله عليه
وسلم. ومن بنى النَّضير: أبو ياسر - بتحتية وسين فراءَ مهملتين - ابن أَخْطَبْ - بخاءً
مجعمة فطاءَ مهملة فمُوحَّدة - وأَخوه خُيّىّ ابن أَخطب ، وكعب بن الأشرف وأبو رافع
١٠٥٢ت سلام بن الربيع بن أبى الحُقَيْق(٢) - بقافين مُصَغَّر. ومن بنى قَيْنُقَاعِ: سعد بن حُنَيْف، (٣)
وفِنْخَاص - بناءً مكسورة فنون ساكنة فحاءً مهملة فألف فصاد مهملة - ورفاعة بن زيد
[ ابن التابوت] (٤). ومن بنى قُرَيْظَة: الزَّبِير - بفتح الزاى - ابن بَاطَى (٥) [بن وَهْب ]،
وكعب بن أَسد (٦) [وهو صاحب عقد بنى قريظة الذى نقض عام الأحزاب](٧) وشمويل
ابن زيد ، فهؤلاء لم يثبت أحد منهم ، وكان كل منهم رئيساً فى اليهود ، لو أَسْلم لتَبِعه
جماعة ، فيحتمل أن يكونوا المراد. وروى أَبو نُعَيْم فى الدلائل من وجه آخر عن أبى هريرة
رضى الله عنه بلفظ: ((لو آمنبى الزَّبِير بن بَاطَى وذووه من رؤساءَ لأَسلموا كلهم. ))
وأغرب السهيلى فقال: لم يُسْلِمٍ من أحبار اليهود إِلَّ اثنان: عبد الله بن سَلام، وعبد الله
ابن صورى. قال الحافظ : كذا قال ، ولم أَرَ لعبد الله بن صورى إسلاماً من طريق صحيحة ،
فإِنما نسبه السهيلى فى موضع آخر لتفسير النَّقَّاش .
(١) من الآية ١٢ من سورة المائدة.
(٢) فى الأصل رائع ابن أبى الحقيق. وفى ابن هشام (ج ٢ ص ١٣٦) ذكر ابن إسحق من بنى النضير اليهود الذين
كانوا يحقدون على النبى : كنانة بن الربيع بن أبى الحقيق وأخاه سلام . قال ابن إسحق وهو أبو رافع الأعور الذى قتله
أصحاب رسول اللّه بخيبر، وهذا الأخير هو الذى يقصده المؤلف .
(٣) فى الأصل: عبد الله بن حنيف وليس بين يهود بنى قينقاع سوى: سعد بن حنيف وعبد الله بن صيف من تقارب
أسماؤهم ما ذكره المؤلف .
(٤) زيادة من ابن هشام ( جـ ٢ ص ١٣٧).
(٥) فى الأصل بالطا وكتبناها بالياء كما فى القاموس المحيط .
(٦) فى الأصل كعب بن أسعد والتصويب من ابن هشام.
(٧) زيادة من ابن هشام.
- ٥٥٨ -

قال ابن إسحق: ((ونصَبَت بعد ذلك أحبار يهود لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - العداوةَ
بَغْياً وحَسَداً وضِغْنًا لما خَصَّ اللّه تعالى به العرب من اصطفاء رسوله منهم . وكانت أحبار
يهود ، هم الذين يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم وَيَتَعَنَّتُونَه ويأُتونه باللَّبْس ليَلْبِسوا
الحَقَّ بالباطل، وكان القرآن ينزل فيهم وفيما يسألون عنه، إلا قليلاً من المسائل فى الحلال
والحرام كان المسلمون يسألون عنها)).
وذكر ابن إسحق وغيره أسماء اليهود ، ولا حاجة بى هنا إلى ذكرهم ، بل من جاء
ذِكْرُه فى كتابى تكلمت عليه، وكانوا ثلاث قبائل : قَيْنُقاع - بفتح القاف وتثليث
النون وبالعين المهملة، ويجوز صَرْفُه على إرادة الحَىّ وتَرْك صَرْفِه على إرادة القبيلة أَو
الطائفة - وهم الوسط من يهود المدينة . وإِذا قلت : بنو قينقاع فالوجه الصَّرْف، وقُرَيْظَة-
بقاف مضمومة فظاء معجمة مشَالة ، وهو أُخو النضير والوسط من يهود المدينة، والنَّضِير -
بضاد معجمة ساقطة وزن كريم . وحاربته الثلاثة ، ونقضوا العهد الذى بينه وبينهم ، فَمَنَّ
على بنى قينقاع ، وأَجلى بنى النضير ، وقتل بنى قُرَيْظة، وسَبَى ذريتهم ، ونزلت سورة
الحشر فى بنى النضير، وسورة الأحزاب فى بنى قُرَيْظَة، وسيأتى بيان ذلك مُفَصَّلاً فى
المغازى إن شاء الله تعالى .

الباب الرابع
١٠٥٣ت
فى سؤال اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الروح
روى الإمام أحمد والشيخان والترمذى والنسائى وابن جرير وابن / المُنْذِر وغيرهم
عن ابن مسعود رضى الله عنه أنه قال: (( كنتُ أَمشى مع رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - فى حَرْث المدينة - وفى لفظ حرث الأَنصار وفى لفظ فى نخل - وهو مُتَوَكِّىء على عَسيب-
وفى لفظ ومعه جريدة - إِذ مَرَّ اليهود - وفى لفظ إِذ مَرَّ بنَفَرٍ من اليهود - فقال بعضهم
لبعض : سلوه عن الروح، وقال بعضهم لا تسألوه، لا يُسْمِعكم ما تَكْرَهون - وفى لفظ
لا يستقبلكم بشىء تكرهونه - فقال بعضهم لبعض: لنسألَنَّهْ، فقام إليه رجل - وفى لفظ:
فقاءوا إِليه فقالوا: ((يا محمد)) - وفى لفظ ((يا أبا القاسم ما الروح؟)) - وفى لفظ:
((فأَخْبِرْنَا عن الروح، كيف تُعَذَّب الروح الذى فى الجَسَد؟ وإنما الروح من الله عزَّ
وجَلَّ)) فسكَت - وفى لفظ: فما زال مُنْكِنًا على العسيب، فعلمت أنه يُوحَى إِليه، فتأخرت(١)
فلما نزل الوحى قال: ( وَيَسْأَلُونَكَ عنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمِرِ رَبِّى وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ
العِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً(٢) ). وفى رواية عند ابن جرير بسَنَّدٍ رجاله ثقات عن مغيرة(٣) عن إِبراهيم
عن علقمة عن ابن مسعود رضى الله عنه: فقالوا: ((هكذا نجده فى كتابنا. فقال بعضهم
لبعض: ((قد قلنا لكم: لا تسألوه)).
تَنْيَهَاتٌ
الأول: دَلَّ حديث ابن مسعود على أن نزول هذه الآية كان بالمدينة
وروى الإمام أحمد والترمذى وصحّحَه، والنسائى وابن حِبَّان عن ابن عباس قال : قالت
قريش ليهود : أعطونا شيئاً نسأل عنه هذا الرجل. فقالوا : سلوه عن الروح. فنزلت :
ی
(١) فى رواية: فقمت مقامى.
(٢) سورة الإسراء آية ٨٥ .
(٣) إسناد الحديث عن الإمام أحمد: حدثنا وكيع حدثنا الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد اللّه هو ابن مسعود.
- ٥٦٠ -