النص المفهرس

صفحات 521-540

قال أوَّلُ: من أَذَّن بالصلاة جبريل فى السماء فسمعه عُمَر وبلال ، فسَبَق ◌ُعُمَر بلالاً، فأخبر
١٠٢٩ت النبي-صلى الله عليه وسلم-، ثم جاء بلال، فقال: ((سَبَقَك بها عُمَر)). وسَنَدُه/ واه جداً،
فى سنده سعيد بن سِنان (١)، قال الذهبى فى المغنى: ((متروك مُتَّهَم)).
السادس : وردت أحاديث تَدُلْ على أَن الأَذان شُرِع بمكة قبل الهجرة ، منها للطبرانى
عن عبد الله بن عُمَر رضى الله عنهما، قال: (( لما أُسْرِىَ برسول الله صلى الله عليه وسلم
أَوحى الله تعالى إِليه: بالأَذان، فنزل به، فعَلَّمه بلالاً، وفى سَنَدِهِ، طَلْحَة بنزيد الرَّقِّى(٢)
هالك . قال الحافظ أبو الفرج بن رجب : (٣) هذا حديث موضوع بهذا الإِسناد بغير شك،
قلت : وبغيره أيضاً . ولابن شاهين(٤) عن على [ بن أبى طالب]: ((عَلِمَ رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - الأَذان ليلةَ أُسْرِى به وفُرِضَتْ عليه الصلاة))(٥) ، وفى سَنّدِهِ حصين بن
مُخَارِقٍ (٦)، وهو وَضاع. وللدار قطنى فى الأَّفراد، وعن أنس رضى الله عنه ((أَن جِبْريل
أَمَر النبى - صلى الله عليه وسلم - بالأَذان حين فُرِضت الصلاة))، وسَنَّده ضعيف .
ولابن مَرْدَوِيه من حديث عائشة رضى الله عنها مرفوعاً: (( لما أُسْرِيَ بى أَذِّن جبريل،
... (١) هو أبو سنان سعيد بن سنان الشيبانى الكوفى نزيل الرى روى عن طاوس والضحاك وروى عنه الثورى وابن
المبارك وأبو نعيم وسمع منه أبو داود الطيالسى فرد حديثه . قال أحمد : ليس بالقوى، وثقه الدار قطنى ويحيى بن معين وأبو
حاتم وقال النسائى ليس به بأس، توفى قبل سنة ١٦٠ م. انظر ميزان الاعتدال (ج ٢ ص ١٤٣ رقم ٣٢٠٧) وخلاصة
الخزرجی،(ص ١١٨).
(٢) فى الأصل طلحة بن يزيد والتصويب من الذهبى والخزرجى، وهو طلحة بن زيد الرقى وقيل الكوفى وقيل الشامى
نزيل واسط، روى عن ثور بن يزيد الكلاعى وهشام بن عروة وإبراهيم بن أبى عبلة والأوزاعى وروى عنه شيبان بن فروخ
وجماعة . قال البخارى منكر الحديث وقال النسائى متروك وقال ابن حبان منكر الحديث جداً لا يحل الاحتجاج بخبره. وقال
أحمد: وعلى بن المدينى يضع. انظر ميزان الاعتدال (جـ ٢ ص ٣٣٨: ٣٣٩ رقم ٤٠٠٠) وخلاصة الخزرجى ( ص ١٥٢).
(٣) هو الحافظ زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن شهاب الدين أحمد بن رجب البغدادى الدمشقى الحنيلى المتوفى
سنة ٧٩٥: « له مصنفات عديدة منها شرح الترمذى والأربعين النووية والبخارى حتى كتاب الجنائز، وكتاب اللطائف فى
الوعظ والقواعد الفقهية وطبقات الحنابلة الذى جعله ذيلا على طبقات أبى يعلى الفراء. ترجم له ابن حجر فى الدرر الكامنة
(جـ ٢ ص ٣٢١) وابن فهد فى لحظ الألحاظ (ص ١٨٠: ١٨٥) والسيوطى فى ذيل طبقات الحفاظ (ص ٣٦٧:
٣٦٨) وابن العماد فى شذرات الذهب (ج ٦ ص ٣٣٩: ٣٤٠).
(٤) هو عمر بن أحمد بن عثمان أبو حفص الواعظ المعروف بابن شاهين (٢٩٧ هـ - ٣٨٥ هـ) له مصنفات فى التفسير
والتاريخ والزهد، ترجم له الخطيب فى تاريخ بغداد ( ج :١١ ص ٢٦٥: ٢٦٧ رقم ٦٠٢٨).
(٥) أخرجه البزار فى مسنده عن محمد بن عثمان بن مخلد عن زياد بن المنذر عن محمد بن على بن الحسين عن أبيه عن
جدم على بن أبى طالب. كما فى المواهب وشرحها (ج ١ ص ٣٧٧: ٣٧٨).
: (٦) هو حصين بن مخارق بن ورقاء أبو جنادة، روى عن الأعمش قال الدار قطنى: يضع الحديث، ونقل ابن الجوزى
أن ابن حبان قال: لا يجوز الاحتجاج به ، قاله الذهبى فى ميزان الاعتدال ( ج ١ ص ٥٥٤ رقم ٢٠٩٧ ).
-٥٢١

فَظَنَّت الملائكة أنه يُصَلِى بهم، فقَدَّمَى فصَلَّيْت)»، وفى سنده من لا يُعْرَف. وقال الذهبى
فى مختصر الإمام، أَصل الإلمام (١) لابن دقيق العيد: ((هذا حديث منكر بل موضوع)).
وللبَزَّار وغيره من حديث قال: (( لما أراد الله عز وجل أن يُعَلِّم رسولَه الأُذَان أَتاه جبريل
بدابَّة يقال لها البُرَاق فركبها [ حتى أَتى الحجاب الذى يلى الرحمن ، فبينما هو كذلك
إذ خرج مَلَكٌ من الحجاب ، فقال : يا جبريل من هذا ؟ قال : والذى بَعَثَك بالحق إِنى
لأقرب الخلق مكاناً وأَن هذا المَلَك ما رأيته منذ خُلِقت قبل ساعتى هذه فقال المَلَك :
الله أكبر، الله أكبر، فقيل من وراء الحجاب: صدق عبدى، أَنا أَكبر، أَنا أكبر (٢)]))
فذكر بقية الأَذان، وفى آخره : ((ثم أَخذ المَلَك بيده فَأَمَّ أهل السماء .. ، وفى إسناده زياد
ابن المنذر (٣) وهو متروك أيضاً. وقال ابن معين: عدو الله كذَّاب. وقال الذهبي: ((هذا
(١) هكذا فى الأصل، وعنوان كتاب ابن دقيق العيد هو: الإلمام الجامع لأحاديث الأحكام ، وهو الذى قال فيه
الإدفوى فى الطالع السعيد : لو كملت نسخته فى الوجود ، لأغنت عن كل مصنف فى ذلك موجود ، وقال صاحب الشذرات :
له كتاب الإلمام فى الحديث وشرحه وسماه الإمام . وابن دقيق العيد هو تقى الدين أبو الفتح محمد بن على بن وهب القشيرى
المنفلوطى المصرى (٨٦٢٥ - ٧٠٢هـ) تفقه على والده بقوص وكان مالكى المذهب ثم تفقه على الشيخ عز الدين بن عبد السلام
الشافعى فحقق المذهبين وأفى فيهما وسمع الحديث وولى القضاء بمصر ، ودرس الحديث فى الكاملية ، ومن مصنفاته عدا كتاب
الإلمام : الاقتراح فى أصول الدين ، وشرح مختصر ابن الحاجب وشرح عمدة الأحكام وغيرها ، وقال ابن عبد السلام :
تفخر ديار مصر برجلين فى طرفيها: ابن منير بالإسكندرية وابن دقيق العيد بقوص. وقال الذهبى فى معجمه: "هو قاضى
القضاة بالديار المصرية وشيخها وعالمها الإمام العلامة الحافظ القدوة الورع شيخ العصر كان علامة فى المذهبين المالكى والشافعى
عارفاً بالحديث وفنونه سارت بمصنفاته الركبان . وقال التاج السبكى : لم ندرك أحداً من مشايخنا يختلف فى أن ابن دقيق العيد
هو العالم المبعوث على رأس السبعمائة .
هذا وقد أورد له السبكى فى طبقات الشافعية ( ٦ ص ٢: ٢٢) ترجمة مطولة وكذلك الإدفوى فى الطالع السعيد
( ص ٣١٧ : ٣٣٨ طبعة القاهرة سنة ١٩١٤ م) وأورد كل منهما خطبة كتاب الإلمام بطولها كما أورد له أشعاراً من نظمه
ومع ذلك فإنهما لم يزودانا بثبت كامل لمصنفاته. ولابن دقيق العيد تراجم مختصرة فى فوات الوفيات ( ج ٢ ص ٤٨٤: ٤٩٢
القاهرة سنة ١٩٥١ م) والبداية والنهاية (جـ ١٤ ص ٢٧) وشذرات الذهب (ج ٦ ص ٥: ٦) وفى النجوم الزاهرة (= ٨
ص٢٠٦ : ٢٠٧ ) قال ابن تغرى بردى فى ترجمته المختصرة له إنه استوفاها فى كتابه المنهل الصافى وهى فى الجزء الخطوط الذى
(٢) تكملة جزء من الحديث نقلا عن المواهب المدنية.
لم ينشر بعد .
(٣) هو أبو الجارود زياد بن المنذر الهمدانى الكوفى الأعمى سرحوب الخراسانى العبدى توفى سنة بعد ١٥٠ ه.
قال ابن معين كذاب ، وقال النسائى وغيره متروك . وقال ابن حبان : كان رافضياً يضع الحديث فى الفضائل والمثالب ،
وإليه ينسب الجارودية، انظر ميزان الاعتدال ( ج ٢ ص ٩٣ : ٩٤ رقم ٢٩٦٥) وأشار إليه ابن النديم فى الفهرست
فى كلامه عن الزيدية ( ص ٢٥٣) وكتبت عنه كتب الفرق مثل النوبختى فى فرق الشيعة ( ص ٢١ طبعة النجف سنة ١٩٣٦ م)
والأشعرى فى مقالات الإسلاميين). جـ ١ ص ٧٣ طبعة استنهول سنة ١٩٢٨ م والفرق بين الفرق البغدادى (ص ٢٢ و٢٣
طبعة القاهرة سنة ١٩٤٨ م ( والشهر ستانى فى الملل والنحل ق ١ ص ٣٢٣ تحقيق بدران القاهرة سنة ١٩٥١ م) وأشار إليه
المقريزى فى الخطط ( ج ٤ ص ١٧٥).
- ٥٢٢ -

من وَضْعِه)). وقال ابن كثير: ((هذا الحديث الذى زعم السهيلى أنه صحيح هو منكر ،
تَفَرَّد به زياد بن المنذر الذى تُنْسَب إليه الفِرقة الجارودية من الرافضة وهو من المتهمین ،
ولو كان النبى-صلى الله عليه وسلم - سَمِعَه ليلة الإسراء لأُمر به بعد الهجرة)). ولابن شاهين
من طريق زياد المذكور، قال: ((قلت لابن الحنفية : كنا نتحدث أَن الأَذان كان رؤيا ،
فقال : هذا واللهِ الباطل، لكن رسول اللهصلى الله عليه وسلم - لما عُرِجَ به بُعِثَ إليه مَلَك
عَلَّمه الأَذَان)). قال [ الحافظ ابن حجر (١)]: ((هذا باطل ويمكن على تقدير صحته
أَن يُحْمَل على تعدّدِ الإِسراء، فيكون ذلك وقع بالمدينة، وأما قول القرطبى لا يلزم / من ١٠٣٠ت
كونه سمِعه ليلةَ الإِسراء أن يكون مشروعاً فى حقه، ففيه نَظَر لقوله فى أَوله: (( لما أراد
الله أَن يُعَلِّم رسوله الأَذان))، وكذا قول المحب الطبرى ، يُحْمَلِ الأَذَان ليلة الإسراء على
المعنى اللغوى وهو الإعلام، [وهذا] فيه نَظَر أيضاً لتصريحه بكيفيته المشروعة فيه)).
ولابن شاهين من طريق زيادأيضاً عن الباقر عن أبيه عن أبى رافع عن على رضى الله
عنه أنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((ياعلىّ إن الله عَلَّمنى الصلاة والأَذان،
أَتانى جبريل بالبُرَاق؛». وزياد [ رَاوِيه ] كَذَّاب . ولأَبى الشيخ عن ابن عباس رضى الله
عنهما قال: (( نزل الأَذان على رسول الله صلى الله عليه وسلم مع فَرْض الصلاة))، وفى سنده
عبد العزيز بن مروان (٢)، وهو تالف. قال الحافظ: ((والحق أنه لا يَصِحّ شىءٍ من هذه
الأحاديث، وقد جزم ابن المنذر ((أَنه-صلى الله عليه وسلم - كان يُصَلِّى بغير أَذان، منذ
فُرِضَت الصلاة بمكة إلى أَن هاجر إلى المدينة وإلى أن وقع التشاور فى ذلك على ما جاء فى
حديث عبد الله بن عُمَر ثم فى حديث عبد الله بن زيد)) - انتهى كلام ابن المنذر . وقد
حاول السهيلى الجمع بينهما فتكلف وتَعَسَّف والأخذ بما صَحَّ أَوْلَى ، فقال بانياً على صحته
الحكم فى مجىء الأَذان على لسان الصحابى فى المنام فَقَصِّه فوافق ما كان النبى-صلى الله عليه
وسلم - سَيعه فقال: ((إِنها لرؤيا حَقّ))، وعُلِمٍ حينئذ أَن مراد الله بما أُرِيَه فى السماء أن يكون
(١) زيادة من شرح المواهب (ج ١ ص ٣٧٨) ..
(٢) عبد العزيز بن مروان بن الحكم الأموى أبو الأصبغ الأمير، والد الخليفة عمر بن عبد العزيز، روى عن أبى هريرة
وروى عنه ابنه وعلى بن رباح وثقه ابن سعد والنسائى توفى سنة ٨٦ هـ. انظر ميزان الاعتدال ( ج ٢ ص ٦٣٥ رقم ٥١٢٨)
وخلاصة الخزرجى ( ص ٢٠٤) .
- ٥٢٣-

سُنَّةٍ فى(١) الأَرض، وقَوَّى ذلك عنده موافقته [رؤيا] عُمَر [ للأَنصارى] لأَن السكينة.
تنطق على لسان عمر )» .. انتهى.
ويؤخد منه عدم الاكتفاء برؤيا عبد الله بن زيد حتى أضيف إليه عُمَر للتقوية التى
ذكرها. ولكن قد يقال: فلِمَ اقتصر على عُمَر ؟ فيمكن أن يجاب ليصير فى معنى الشهادة.
وقد جاء فى رواية ضعيفة سَبّقت ما ظاهره أَن بلالاً أيضاً رأَى ، لكنها مُؤَوَّلة ، فإِن لفظها:
((سَبَقَكَ بها عُمَر))، يحمل المراد بالسَّبْق على مباشرة التأذين برؤيا عبد الله بن زيد.
السابع: قال السهيلى(٢): ((اقتضت الحكمة الإلهية أَن يكون الأَذان على لسان غير
النبى-صلى الله عليه وسلم- من المؤمنين لما فيه من التنويه من الله تعالى بعبده والرفع لِذِ كْرِه ،
فلأَّن يكون ذلك على لسان غيره أَنْوَهَ به وأَفخَمَ لشأنه ، وهذا معنى بيِّنَ، فإن الله تعالى
يقول : (وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ(٣) )، فمِنْ رَفْعِ ذِكْرِهِ أَنْ أَشار به على لسان غيره)).
انتهى كلام السهيلى - وهذا حَسَن بديع .
١٣٠١ ت الثامن: من أَغرب ما وقع فى بدء / الأذان ما رواه أبو الشيخ من طريق عبد العزيز.
ابن مروان - وهو تالف - عن عبد الله بن الزُّبير قال: ((أُخِذَ الأَذان من أذان إبراهيم عليه
السلام (وأَذِّنْ فِى النَّاسِ بَالحَجِّ)(٤) الآية، قال: ((فَأَذَّن النبى-صلى الله عليه وسلم-) ؛.
وما رواه أبو نُعَيْم بِسَنَدٍ فيه مجاهيل عن عبد الله بن الزبير رضى الله عنهما: ((أن جبريل.
نادى بالأَذان لآدم عليه السلام حين أُهْبِط من الجنة)).
التاسع : ذكر بعضهم مناسبة اختصاص بلال بالأذان دون غيره ، كونه لما عُذِّب
ليرجع عن الإِسلام كان يقول: أَحَد أَحَد، فجُوزِى بولاية الأَذَان المشتمل على التوحيد
من ابتدائه إلى انتهائه .
العاشر : اسْتُشْكِلَ إثبات حُكْمِ الأَذَان برؤيا عبدالله بن زيد ، ورؤيا غير الأنبياء
لاَ يَنْبَنِى عليها حكم شرعى، وأَجيب باحتمال مقارنة الوحى لذلك بأَنَّه-صلى الله عليه وسلم ...
(١) فى الأصل: منه. والتصويب من السياق ومن السهيلى (جـ ٢ ص ٢٠).
ـة: (٢) ما نقله المؤلف عن السهيلى هنا تلخيص المعنى الذى أراده السهيلى وليس بلفظه.
(٣) الآية الرابعة من سورة الشرح.
(٤) سورة الحج آية ٢٧ .
- ٥٢٤ : -

أُمِر بمقتضاها لينظر أَيُقَرُّ على ذلك أَم لا، ولاسيما لما رأَى نَظْمَها يُبْعِد دخول الوسواس
فيه، ويؤيد الأَول حديث عُبَيْد بن عُمَيْر، أَحد كبار التابعين: ((أَن عُمَر لما رأَى (١)
الأَذان جاء ليخبر النبى- صلى الله عليه وسلم- فوجد الوَحْىَ قد ورد بذلك فما راعه إِلا أَذان
(بلال)). فقال له النبي صلى الله عليه وسلم -: ((سَبَقَكَ بذلك الوَحْىْ)). وهذا أَصَحْ كما
حكاه الداودى (٢) عن ابن إِسحق (( أَن جبريل أتى النبي- صلى الله عليه وسلم - بالأَذان قبل
أن يخبره عبد الله بن زيد بثمانية أيام)) .
الحادى عشر: قيل إن الحكمة فى تثنية الأَذان وإفراد الإقامة أَن الأَذان إِعلام
للغائبين مُتَكَرِّر ليكون أَوصل إِليهم، بخلاف الإقامة فإِنها للحاضرين، ومن ثَمَّ اسْتُحِبّ
أن يكون الأَذان فى مكان عالٍ بخلاف الإقامة ، وأن يكون الصوت فى الأَذان أرفع منه
فى الإقامة .
الثانى عشر: فى بيان غريب ما سبق: ((بَدْء)) الأَذان، بفتح الموحدة وسكون الدال
[ المهملة] وبالحمزة، أَى ابتداؤه. ((الحِين)): الزمان قَلَّ أَو كثر (٣). ((يَتَحَيَّنُون))
الصلاة أَى يطلبون حِينَها. ((المواقيت)) جمع ميقات وهو الوقت المضروب للفعل.
((الدَّعْوَة)): بالفتح الأَذان. ((القُنْعِ)): بضم القاف وسكون النون هو البُوق - بضم
الموحدة - شىء مجوف يُنْفَخُ فيه. ((الشَّبَّور)) : بشين معجمة مفتوحة فموحدة مضمومة
(١) الأصوب: أن عمر لما أرى الأذان.
.. (٢) قال ابن فرحون فى الديباج المذهب (ص ٣٥) هو أبو جعفر أحمد بن نصر الداودى الأسدى من أئمة المالكية
فالمغرب كان فقيهاً متقناً له حظ من اللسان والحديث والنظر، انتقل من طرابلس إلى تلمسان، له كتاب النافى فى شرح
الموطأ والواعى فى الفقه والنصيحة فى شرح البخارى والإيضاح فى الرد على القدرية وغير ذلك . لم يتفقه فى أكثر علمه على إمام
مشهور وإنما وصل بإدراكه ، وقد أخذ عنه أبو عبد الملك البونى وأبو بكر بن محمد بن أبى زيد، توفى بتلمسان سنة ٤٠٢ هـ
وقبره عند باب العقبة. وفى شرح الزرقانى على المواهب (ج ١ ص ٣٧٨) أنه توفى سنة ٤٣٠ هـ. وذكر مخلوف الذى نقل
بما جاء فى الديباج أنه توفى سنة ٤٤٠ هـ. انظر شجرة النور الزكية (ج ١ ص ١١٠: ١١١ رقم ٢٩٣).
(٣) الجين بكسر الحاء المهملة هو كما فى القاموس المحيط وقت مبهم يصلح لجميع الأزمان طال أو قصر - أما الحين بفتح
الحاء وإسكان المثناة التحتية فهو الهلاك - وفى تفسير القرطبى (جـ ١ ص ٣٢٢): قال الفراء : الحين حينان: جين لا
يوقف على حده، والحين الذى ذكر الله جل ثناؤه: ((تؤتى أكلها كل حين بإذن ربها))، ستة أشهر، قال ابن العربى
(وهو القاضى أبو بكر بن العربى صاحب أحكام القرآن وليس محيى الدين بن عربى) : الحين المجهول لا يتعلق به حكم (شرعى)
والجين (الوقت) المعلوم وهو الذى تتعلق به الأحكام (الشرعية) ويرتبط به التكليف. وأكثر (الوقت) المعلوم منه . ومالك
يرى فى الأحكام والأيمان أعم الأسماء والأزمنة. والشافعى يرى الأقل وأبو حنيفة توسيط فقال ستة أشهر .. والمعول على
المعنى بعد معرفة مقتضى اللفظ لغة ..
- ٥٢٥ -

مُشَدَّدَة وهو البوق. ((النَّاقُوس)): آلة من النحاس يُضْرَب فيُصَوِّت ((حَىَّ)) على الصلاة:
أَقْبِلُوا. ((الفلاح)): أَى الفَوْزِ، أَى هَلُمُّوا إلى طريق النجاة والفَوْز. ((أَندى)) صوتاً
١٠٣٢ ت منك، أَى أَمَدّ وأَبعد / وأَرفع غاية، وقيل أَحْسَن وَأَعْذَب. ((أَلْقِهِ)) عليه أَى عَلِّمْه إياه.
فما ((رَاعَ)) عُمَر أَى ما شعر عُمَر أَى مَا أَعْلَمه(١) ((لَدَىَّ)): بفتح اللام وتشديد التحتية
أى عندى، وإلىّ بذلك تابع(٢) ((التوقير)): التعظيم. ((الحُصَاص)) بحاء مضمومة
فصادين مهملتين : الضراط ، وقيل شدة العَدْو ، ويفعل ذلك الشيطان لئلا يسمع الأَذان
[ فُيُضْطَر (٣)] إلى الشهادة يوم القيامة. ((الغيلان)): واحدها غول، والغيلان جنس من
الجن كانت العرب تَزْعُم أنها تتراءى للناس فى الفلاة فتَتَمَّثل فى صُوَرَ شَتَّى فَتَغُولُهم أَى
تُضِلُّهم عن الطريق وتُهْلِكُهُمْ، فنفاه صلى الله عليه وسلم بقوله: ((لا غُول [ ولا صَفَر (٤)]))
[ وقيل قوله: لا غول(٤) ]، ليس نَفْيًا [ لعَيْن الغول (٤) ] ووجوده وإِنما فيه إِبطال زَعْم
العرب فى تَلَوُّنِه بالصور المختلفة واغتياله ، فيكون المعنى بقوله: لا غُول أنها لا تستطيع
أَن تُضِلَّ أَحداً (٥). ومنه الحديث: ((إذا تَغَوَّلت(٦) الغيلان فبادروا بالأذان)) ، أَى ادفعوا
شَرّها بذكر [ الله](٧)، وهذا يَدُلَّ على أنه لم يُرِدْ بِنَفِْها عَدَمَها .
(١) فى الأصل: ((أى ما أشعره)) والتصويب من شرح الزرقانى على المواهب (جـ ١ ص ٣٧٨) إذ نقل عبارة
المؤلف ونسبها إليه قائلا : قاله الشامى ، ثم أضاف: فحقيقة الروع هنا منتقية واستعمل فى لازمه لأن من فزع من الشىء
استشعر وجوده ولكن قد لا يحصل من الشعور العلم فتدرج فى البيان ففسره لغة ثم مراداً . هذا والروع الذى ذكره الزرقانى هو"
بفتح الراء بمعنى الفزع أما الروع بالضم فهو القلب والعقل كما فى الصحاح وكليات أبى البقاء (ص١٩٧) وفى القاموس المحيط:
راع لازم متعد ، راع يروع روعاً فزع وراع الأمر فلاناً أفزعه . وفى النهاية ( ج٢ ص ١١١ ): ومنه حديث ابن عباس
فلم يرعى إلا رجل آخذ بمنكبي أى لم أشعر، وإن لم يكن من لفظه كأنه فاجأه بغتة من غير موعد ولا معرفة فراغه ذلك وأفزعه.
هذا ومن معانى راع الإعجاب : راع الشىء فلاناً أعجبه.
(٢) ((إلى بذلك تابع » ، هكذا فى الأصل.
. (٣) بياض فى الأصل بنحو كلمة أو أكثر والتكلة مستمدة من شرح النووي على صحيح مسلم (جـ ٤ ص ٩٢)
حيث جاء فيه : قال العلماء : وإنما أدبر الشيطان عند الأذان لئلا يسمعه فيضطر إلى أن يشهد له بذلك يوم القيامة لقول النبى
صلى الله عليه وسلم: ((لا يسمع صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شىء إلا شهد له يوم القيامة)) ، قال القاضى عياض، وقيل
إنما يشهد له المؤمنون من الجن والإنس، فأما الكافر فلا شهادة له . قال: ولا يقبل هذا من قائلة لما الجاء فى الآثار! من
خلافه . قال: وقيل إن هذا فيمن يضح منه الشهادة ممن يمسع .. إلخ.
(٤) زيادة من النهاية ( جـ ٣ ص ١٧٦).
(( (٥) زاد ابن الأثير فى النهاية: ويشهد له الحديث الآخر: لا غول ولكن السعالى .... والسعالى سحرة الجن أى
ولكن فى الجن سحرة لهم تلبيس وتخييل .
(٦) التغول هو التلون .
(٧) ليست فى الأصل والتكملة من النهاية.
- ٥٢٦ -

الباب الخامس
فى مؤاخاته صلى الله عليه وسلم بين أصحابه رضى الله عنهم
قال أَبو عُمَرَ ، وأَقَرَّه فى العيون، والفتح، ونقله فى كتاب الصيام عن أصحاب
المغازى: (( كانت المؤاخاة مَرَّتَيْن : الأولى : بين المهاجرين بعضهم بعضاً قبل الهجرة
على الحق والمواساة فآخى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أبى بكر وعُمَر ، وبين حمزة
وزيد بن حارثة . وروى أبو يَعْلَى برجال الصحيح عن عبد الرحمن بن صالح الأسدى
وهو ثِقَة عن زيد بن حارثة أنه قال: ((إن رسول اللهصلى الله عليه وسلم- آخى بينى وبين
حمزة بن عبد المطلب ، وبين عثمان وعبد الرحمن بن عوف ، وبين الزبير بن العَوَّام
وابن مسعود ، وبين عبيدة بن الحارث [ بن المطلب بن عبدمناف] وبلال ، وبين مُصْعَب بن
عُمَيْر وسعد بن أبى وَقَّاص ، وبين عبيدة وسالم مولى أبي حذيفة ، وبين سعد بن أبى زيد
[بن عَمْرو بن نُفَيْل] وطلحة بن عبيد الله، وبين على بن أبى طالب ونفسه صلى الله عليه
وسلم . وروى الحاكم والخِلْعى عن ابن عُمَر رضى الله عنهما قال: ((آخى رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - بين أصحابه ، فآخى بين أبى بكر وعُمَر ، وفلاناً، حتى بقى على رضى الله
عنه تَدْمَع عيناه ، فقال : يا رسول الله آخَيْتَ بين أصحابك ولم تؤاخ بينى وبين أَحد ،
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ((أما ترضى أن أَكون أخاك؟ )) قال: بلى يا رسول
الله رَضِيت. قال: ((فأَنت أَخى/ فى الدنيا والآخرة)).
١٠٣٣ت
الثانية: قال أَنَس بن مالك رضى الله عنه: ((حالف رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
بين المهاجرين والأنصار فى دارنا)) رواه الإمام أحمد والشيخان وأبوداود. وروى الإمام أحمد ،
وأبو داود الطيالسى، والبخارى، وأبو داود [السجستانى] وأبو الشيخ، والطبرانى عن
ابن عباس مُخْتَصَراً ، وابن أبى حاتم ، وابن مردويه من طريق عنه مُطَوَّلاً، وابن سعد
والحاكم وصححه عن الزبير بن العَوَّام ، وابن سعد عن الزهرى ، وإبراهيم التيمى ، وضمرة
ابن سعيد ، قالوا : لما قَدِمِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة آخى بين المهاجرين
- ٥٢٧ -

والأنصار ، أخى بينهم على الحق والمواساة، ويتوارثون بعد الممات دون ذوى الأَرحام .
قال ابن عباس رضى الله عنهما: ((فآخى رسول اللهصلى الله عليه وسلم-بين حمزة بن عبدالمطلب
وزيد بن حارثة، وبين أبى بكر الصديق وخارجة بن زيد بن الحارث(١)، وبين عمر
ابن الخطاب وعِنْبان بن مالك ، وبين الزبير بن العوام وسَلَمة بن سلامة بن وَقْش - ويقال
بينه وبين عبد الله بن مسعود ، وبين طلحة بن عبيد الله وكعب بن مالك، وبين عبد الرحمن
ابن عوف وسعد بن الربيع، وقال لسائر أصحابه: (( تَوَاخُوا وهذا أَخى)) - يعنى على
ابن أبى طالب .
قام المسلمون على ذلك حتى نزلت سورة الأنفال ، وكان مما شَدَّ اللّهَ عَقْدَ نبيه قوله
تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوْا
وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُواوَلَمْ يُهَاجِرُوا مَالَكُمْ مِنْ وَلَّايَتِهِمْ مِنْ شَهْءٍ
حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِى الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ
مِيثَاقٌ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ )) (( وَالَّذِيْنّ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَولِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ
فِى الأَرْضِ وفَسَادٌ كَبِيرٌ)) ((وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِى سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوْا
وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُّ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كريمٌ(٣).
فَأَحْكَمَ اللهُ بهذه الآيات العَقْد الذى عَقَد رسول اللّهصلى الله عليه وسلم -بين أصحابه
من المهاجرين والأنصار ، يتوارث الذين آخوا دون من كان مقيماً بمكة من ذوى الأرحام
والقرابات . فمكث الناس على ذلك العَقْد ما شاء الله . فلما كان بعد بدر أنزل الله تعالى
الآية الأُخرى فنسخت ما كان قبلها، فقال تعالى: ((وَالَّذين آمَنُوا مِن بَعْدُ وَهَاجَرُوا /
١٠٣٤ ت وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهَ إِنَّ اللهَ
بِكُلِّ شَىءٍ عليمٌ (٢))) وانقطعت المؤاخاة فى الميراث ورجع كل إنسان إلى نَسَبِهِ وَوَرَثَه.
ذوُو رَحِمِهِ .
وروى الخرائطى عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: ((قال المهاجرون: (( يا رسول الله
.(١) فى الأصل طلحة بن عبيد الله . والتصويب من سيرة ابن هشام (ج٢ ص ١٢٤) وجوامع السيرة لابن حزم (ص ٩٦).
(٢) الآيات ٧٢ و ٧٣ و٧٤ من سورة الأنفال.
(٣) سورة الأنفال آية ٧٥ .
- ٥٢٨ _

ما رأينا مِثْلَ قَوْمٍ قَدِمْنَا عليهم أَحْسَنَ مواساةً فى قليلٍ ولا أَحْسَنَ بذلاً من كثير ، [لقد]
كَفَوْنَا الْمَثُونَة، وأَشركونا فى المَهْنَأً حتى لقد خَشِينا أَن يذهبوا بالأجر كُلِّه)). قال :
(لا ما أَثْنَيْتُمْ عليهم ودعوتم [الله] لم(١) )).
وروى مسلم والنَّسَائى والخرائطى عن ابن عُمَر رضى الله عنهما قال: ((لقد رأيتنا
وما الرجل المسلم بأحق بديناره ودرهمه من أخيه المسلم )). قال الزهرى ، وإِبراهيم التيمى،
وحمزة بن سعيد ، كما رواه ابن سعد(٢) عنهم: ((كانوا تسعين رجلاً: خمسة وأربعون
رجلاً من المهاجرين وخمسة وأربعون من الأنصار)). ويقال: ((كانوا مائة : خمسون
من المهاجرين وخمسون من الأَنصار )). قال ابن إسحق، وسُنّيْد(٣) بن داود، وأَبو عُمَر،
وأبوالفرج : «آخی رسول الله- صلى الله عليه وسلم - بین على بن أبى طالب رضى الله عنه وبین
نفسه-صلى الله عليه وسلم-))، قال أبو عُمَر: ((وقال له: ((أَنت أَخى فى الدنيا والآخرة)).
وروى أبو بكر الشافعى عن أَبى أُمَامَة رضى الله عنه قال: (( لما آخى رسول الله صلى الله
عليه وسلم بين الناس آخى بينه وبين عَلِيّ، وبين حمزة بن عبد المطلب وأُسَيْد - بضم
الهمزة وفتح السين - ابن حُضَيْر - بضم الحاء المهملة وفتح الضاد المعجمة - ، وبين جعفر
ابن أبى طالب وهو بأَرض الحبشة ومُعَاذ بن جَبَل)). واسْتُشْكِل ذلك ويأتى جوابه فى ثالث
التنبيهات إن شاء الله، (( وبين أبى بكر وخارجة -بالخاء والجيم المعجمة- ابن زيد ، وبين
عمر بن الخطاب وَعِتْبَان بن مالك - بعين مهملة مكسورة ففوقية ساكنة فموحدة
وقد تُضَمّ العين - وبين عثمان بن عَفَّن وأَوْس بن ثابت بن المنذر أَخِى حَسَّن بن ثابت ،
وبين طلحة بن عبيد الله وكعب بن مالك))، وذكر أبو الفَرَج بدل كعب بن مالك ،
أُبَىّ بن كعب، وقيل أُبَىّ بن كعب وسعيد بن زيد، وبين الزبير بن العوام وسَلّمة
ابن سلامة بن وَقْش - بفتح الواو وسكون القاف وبالشين المعجمة - كما ذكروا فى حديث
(١) أخرجه أيضاً الإمام أحمد عن يزيد عن حميد عن أنس.
(٢) فى طبقات ابن سعد (جـ ٢ ص ٣).
(٣) فى الأصل: ((سند أبى داود)) والتصويب من خلاصة الخزرجى (ص ١٣٧) وهو سنيد - بنون مصغراً - ابن
داود المصيصى أبو على المحتسب صاحب التفسير ، روى عن حماد بن زيد وشريك وابن المبارك وروى عنه أبو زرعة وأبو بكر
الأثرم، وجاء فى التهذيب أن أبا حاتم ذكره فى شيوخه وقال بغدادى صدوق وقال ابن أبي عاصم مات سنة ٢٢٠ هـ .
- ٥٢٩ -
(٣٤ - سبل الهدى والرشاد جـ ٣ )

الزبير السابق أَنه وَاخَى بين سعد بن أَبِى وَقَّاص ومحمد بن مسلمة ، وبين سعيد بن زيد
١٠٣٥ت وأُبَىّ بن كعب، وبين عبد الرحمن بن عوف / وسعد بن الربيع )).
وروى البخارى فى أوائل [كتاب] البيوع بَسَند وعَلَّقه فى باب كيف آخى رسول الله
صلى الله عليه وسلم بين أصحابه ، والإِمام أحمد والشيخان عن أنس رضى الله عنه أَن
رسول الله صلى الله عليه وسلم وَاخَى بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع ، فعَرَض
سَعْد على عبد الرحمن أَن يناصفه أَهْلَه ومَالَه . قال سعد: أَنا أَكثر أَهل المدينة مالاً
فَأَقْسِمُ لك نصف مالى وانظر أَىَّ زَوْجَىَّ هَوِيت، نزلت لك عنها، فإذا حُلَّتْ تَزَوَّجْتَها .
فقال عبد الرحمن : بارك الله عَزَّ وجَلّ لك فى أَهلك ومالك دُلُّونِى على السوق(١) ، فاشترى
وباع ، وسيأتى الحديث فى المعجزات إِن شاء الله تعالى. [وَوَاخىاً بين أَبِى عُبَيْدة بن الجراح
وأبى طلحة [زيد بن سهل الأَنصارى النجارى (٢)]، فهذا أَصَحّ مما ذكره ابن إسحق
وأَبو عُمَر إِلا أَن يكون آخى بين أَبى عُبَيْدة وسعد بن مُعَاذ. وذكر سُنَيْد أَنه واخى بين
سعد بن أبى وقاص ومحمد بن مَسْلَمة [ بن خالد بن عدى الأوسی(٣) ] وبین سعد بن زيد
وأُبَىّ بن كعب ، وبين مصعب بن عُمَيْر وأَبى أيوب، وبين عَمَّار بن ياسر وحُذَيْفَة بن اليَمَان،
وقيل بين عَمَّار وثابت بن قيس [بن الشَّمَّاس(٤)] لأَن حذيفة إِنما أَسلم زمان أُحُدُ ، وبين أَبى
حُذَيْفَة بن عُثْبَة [بن ربيعة (٤) ] وَعَبَّاد - بموحدة ودال مهملة - ابن بِشْر - بكسر الموحدة
وبالشين المعجمة - [ابن وَقْش(٤) ]، وبين أَبِى ذَرّ الغِفَارى والمنذر بن عمر [ المُعْنِقِ
لِيَمُوت(٤)] .
وأَنكر ذلك محمد بن عُمَر الأَسلمى لأَن أَبا ذَرّ إِنما قَدِمِ المدينة [بعد بدر وأُحُد(٥)]،
وعنده طُلَيْب - بالتصغير - ابن عُمَيْر والمنذر بن عَمْرو ، وسيأتى الجواب عن ذلك فى ثالث
- التنبيهات إن شاء الله تعالى. [وَوَاخَى ] بين عبد الله بن مسعود وسَهْل بن حُنَيْف ، وبين
(١) صحيح البخارى كتاب البيوع (ج ٣ ص ١١٢ و١١٣).
(٢) زيادة من أسد الغابة ( جـ ٥ ص ٣٣٤).
(٣) زيادة من أسد الغابة (ج ٤ ص ٣٣٠).
(٤) زيادة من ابن هشام ( ج ٢ ص ١٢٥ و ١٢٦).
(٥) بياض بالأصل بنحو كلمتين والتكملة من الإصابة (= ٧ ص ٦٢).
- ٥٣٠ -

سَلْمان [الفارسى(١)] وأبى الدرداء [عُوَيْمِر بن ثعلبة(١) ] كما فى صحيح البخارى عن
أبى جُحْيْفَة [وهب بن عبد الله (٢) ] رضى الله عنه، وأنكر ذلك محمد بن عُمَر لأَن سَلْمَان
إنما أسلم بعد وقعة أُحُد ، وأول مشاهده الخندق ، ويأتى الجواب عن ذلك .
[وَوَاخَى] بين بلال بن رباح مولى أبى بكر (٣)] وأَبى رُوَيْحَة - بضم الراء وفتح
الواو وبعدها تحتية ساكنة فحاء مهملة - واسمه عبد الله بن عبد الرحمن الْخَفْعَمِى ، وبين
حاطب بن أَبِى بَلْتَعَة - بموحدة فلام ساكنة فتموقية فعين مهملة - وعُوَيْم - بلفظ
تصغير عام ــ ابن ساعدة ، وبين عبد الله بن جَحْش وعاصم بن ثابت بن أبى الأَقْلَح -
بفتح الهمزة وسكون القاف فلام فحاء مهملة ، وبين عُبَيْدَة بن الحارث [ ابن المطلب
ابن عبد مناف (٤) ] وعُمَيْر بن الحُمَام - بضم الحاء المهملة - ، وبين الطفيل بن الحارث
أَخِى عُبَيْدَة، وسُفْيان بن نَسْر - بفتح النون وسكون المهملة / كما ضبطه الأمير ، وقيل ١٠٣٦ت
بالتصغير(٥) - ابن زيد [بن الحارث الخزرجى(٦) ]، وبين الحصين بن الحارث أَخى
عُبَيْدة وعبد الله بن جُبَيْر - بلفظ تصغير جبر - (([ ابن النعمان الأَوسى(٧) ]، وبين عثمان
ابن مظعون - بالظاء المعجمة المُشَالة - [ ابن حبيب بن وهب القرشى الجُمَحِىّ(٨)] والعباس
ابن [عُبَادة بن] نَضْلَة - بالنون والضاد المعجمة، وذكر سُنَيْد بَدَل العباس أَبا الهيثم
ابن التَّيِّهان - بفتح الفوقية وكَسْر التحتية المُشَدَّدَةِ ، وبين عُثْبَة بن غزوان - بغين
مفتوحة فزاى ساكنة معجمتين - ومُعَاذ بن مَاعِص - بعين فصاد مهملتين ويقال فيه
ناعص - [ابن قيس بن خُلْدَة بن عامر بن زُرَيْق(٩) ]، وبين صَفْوَانِ [بن وهب بن ربيعة
(١) زيادة من ابن هشام (ج٢ ص ١٢٥ و ١٢٦)
(٢) زيادة من أسد الغابة ( جـ ٥ ص ١٥٧).
(٣) زيادة من ابن هشام جـ ٢ ص ١٢٦ وكتب السيرة.
(٤) فى الأصل: أبى عبيدة والتصويب وسياقة النسب من أسد الغابة (جـ ٣ ص ٣٥٦) وانظر أيضاً ترجمة أخويه:
الطفيل والحصين وورد ذكر الثلاثة فى الإصابة وجوامع السيرة .
(٥) قال فيه محمد بن حبيب بشر بالباء الموحدة والشين المعجمة وعن ابن اسحق أيضاً بشير بزيادة ياء تحتها نقطتان
وقال ابن ماكولا : الصواب : نسر .
(٦) زيادة من أسد الغابة (جـ ٢ ص ٣٢٢).
(٧) زيادة من أسد الغابة ( ج ٣ ص ١٣٠).
(٨) زيادة من جوامع السيرة ص ٤٧ وأسد الغابة ج ٣ ص ٣٨٥.
(٩) زيادة من جوامع السيرة ص ١٤٠ ومن أسد الغابة (جـ ٤ ص ٣٨٣) ولكن فى ماعص وناعص فى الأخيرة مصحفة
بالضاد المعجمة .
- ٥٣١ -
٠٠

القرشى الفهرى وهو المعروف(١) بـ] ابن بيضاء ورافع بن المُعَلَّى - بلفظ اسم المفعول
من العُلُوّ بالعين المهملة - [ ابن لَوْذَان بن حارثة(٢) ]، وبين المقداد بن عمرو وعبد الله
ابن رَوَاحة، وبين ذى الشِّمَالين [بن عبد عَمْرو بن نضلة بن غُبْشَان(٣)] ويزيد بن الحارث(٤)
وبين أَبِى سَلَمَة بن عبد الأَسد - بالمهملة - وسَعْد بن خَيْثَمة - بخاء معجمة فتحتية
فثاء مثلثة ، وبين عامر(٥) بن أَبِى وَقَّاص وخُبَيْب - بخاء معجمة مضمومة فموحدة
مفتوحة - ابن عَدِىّ(٦) ، وبين عبد الله بن مظعون وقُطْبة - بلفظ تأنيث قُطْب -
ابن عامر ، وبين شَمَّاس - بشين معجمة مفتوحة فميم مُشَدَّدَة فَأَلف فسين مهملة - ابن عثمان
وحنظلة بن أبى عامر (٧)، وبين الأرقم بن أبى الأرقم وطلحة بن زيد الأنصارى، وبين
زيد بن الخَطَّاب ومَعْن بن عَدِىّ، وبين عَمْرو بن سُرَاقة وسَعْد بن زيد الأَشهلى ، وبين
عاقِل - بعين مهملة وبعد الأَلف قاف - ابن الْبُكَيْرِ - بموحدة تصغير بَكْر - ومُبَشِّر بن
عبد المُنْذِر ، وبين عبد الله بن{ مَخْرَمة وفَرْوَة بن عَمْرو البياضى، وبين خُنَيْس - بسخاء
(١) زيادة من أسد الغابة (ج ٣ ص ٢٧) وبيضاء أمه اسمها دعد. وقيل آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين
رافع بن العجلان .
(٢) زيادة من جوامع السيرة ص ١٤٠، وقيل اسمه الحارث بن المعلى أبو سعيد الأنصارى. انظر أسد الغابة = ١
ص ٣٤٨).
(٣) ذو الشمالين وأسمه عمير وسياقة نسبه أوردها كل من ابن حزم فى جوامع السيرة (ص ١١٨) وابن الأثير فى أسد
الغابة ( ج ٢ ص ١٤١) وهناك اختلاف بعد غبشان وذو الشمالين خزاعى حليف لبنى زهرة، وهو غير ذى اليدين ذلك يسمى الخرياق
وهو من بنى سليم . وكان ذو الشمالين أعسر ، شهد بدراً وقتل بها .
(٤) هو يزيد بن الحارث بن قيس بن مالك .. الخزرجى وهو المعروف بابن قسحم وهى أمه وأم أخيه عبدالله بن
قسحم ( ضبطت فى القاموس المحيط على وزن قنفذ) ونص ابن الأثير فى أسد الغابة ( جـ ٥ ص ١٠٧ ) على أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم آخی بین یزید بن الحارث وذى الشمالین وأضاف أنه شهد بدراً و قتل بها ولا عقب له .
(٥) فى الأصل عمر والتصويب من الرياض النضرة (ج ٢ ص ٢٩٣) وأسد الغابة ( ج ٣ ص ٩٧) وهو أخو سعد.
ابن أبى وقاص لابیه و أمه .
(٦) هو حبيب بن عدى بن مالك بن عامر أحد بنى جحجبى الأوسى شهد بدراً وأسر فى بعث الرجيع وصلب بالتنعيم بمكة
وهو القائل إذ قرب ليصلب :
ولست أبالى حين أقتل مسلماً على أى جنب كان فى الله مصرعى
من أبيات، وهو أول من سن الركعتين عند القتل. انظر جوامع السيرة ص١٧٦: ١٧٨ وأسد الغابة جـ ٢ ص ١١١ : ١١٣.
(٧) هو حنظلة بن أبى عامر عبد عمرو بن صيفى بن مالك الأوسى ، وكان أبوه أبو عامر قد ترهب فى الجاهلية وتنسك
ولما جاء الإسلام فر إلى مكة ثم قدم مع قريش يوم أحد محارباً ومات كافراً سنة ٩ « أما ابنه حنظلة فكان من سادات المسلمين
واستشهد يوم أحد جنباً، فغسلته الملائكة. ولذلك سمى حنظلة غسيل الملائكة. انظر ابن هشام وجوامع السيرة ( ص ١٥٩ :
١٦١) وأسد الغابة ( جـ ٢ ص ٦٧ : ٦٨).
- ٥٣٢ -

معجمة مضمومة ونون مفتوحة فتحتية ساكنة فسين مهملة - ابن حُذَافة ، والمُنْذِر بن محمد
ابن عُقْبَة بن أُحَيْحَة - بممهلتين - تصغير أَحَّة (١)، وبين أَبِى سَبْرَة - بسين مهملة مفتوحة
فموحدة ساكنة - ابن أبى رُهْم - وهو بضَمّ الراء وسكون الهاء، وهُبَادة بن الخَشْخَاش -
بخاءين الأُولى مفتوحة وشينين الأُولى ساكنة مُعْجَمَات، كما ذكره الأمير، وبين مِسْطَح -
بيم مكسورة فسين مهملة فطاء مفتوحة وحاء مهملتين - ابن أُثَاثَة - بالضم ومثلثتين مُخَفَّقَة -
وزيد بن المزين - ضبطه الدارقطنى والأمير بضم الميم وفتح الزاى وآخره نون مُصَغَّر ،
وشَدَّد أَبو عُمَر بِخَطِّه التحتية - والله أعلم، وبين أَبى مَرْقَد- بفتح الميم وسكون الراء فثاء
مثلثة - الغَنَوى - بالغين المعجمة المفتوحة والنون - وعُبادة بن الصامت، وبين عُكَّاشة
بعين مهملة مضمومة فكاف تشديدها أفصح من تخفيفها - ابن مِحْصَن - بكسر الميم ، -
والمُجَذَّر - بضم الميم وفتح الجيم وتشديد الذال المعجمة المفتوحة ثم راء - ابن زياد - بكسر
الذال المعجمة / وتخفيف التحتية فى آخره دال مهملة، وقيل إنه بفتح أوله وتشديد ١٠٣٧ ت
ثانيه - ، وبين عامر بن فُهَيْرَة - بالتصغير - والحارث بن الصِّمَّة - بكسر الصاد المهملة
وتشديد الميم، - وبين مِهْجَع - بكسر الميم وسكون الهاء وفتح الجم - مَوْلَ عُمَر ،
وسُرَاقة بن عَمْرو بن عطية .
تَنْيَهَاتُ
الأول: قال فى الروض(٢): ((آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين
أصحابه حين نزلوا المدينة لتذهب عنهم وَحْشَة الغربة ويؤنسهم من مفارقة الأَهل والعشيرة
ويشد أزر بعضهم ببعض ، فلما عَزَّ الإِسلام واجتمع الشَّمْل وذهبت الوَحْشة [ أَنزل الله
سبحانه: (( وأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِى كِتَابِ اللّه(٣))) أَعنى فى الميراث (٤)]،
ثم جعل المؤمنين كلهم إخوة يعنى فى التوادّ وشمول الدعوة )) .
الثانى : اخْتُلِف فى ابتدائها فقيل بعد الهجرة بخمسة ، أَشهر ، وقيل بتسعة ، وقيل وهو
يبنى المسجد ، وقيل قبل بنائه ، وقيل بسَنَة ، وقيل بثلاثة أشهر وقيل بدر ، وتقدم عن
(١) فى الاشتقاق لابن دريد (ص ٧٨): أحيحة تصغير أحة والأحة هو ما يجده الإنسان فى قلبه من حرارة غيظ
وحزن . وفى القاموس والتاج: الأحاح بالضم العطش والغيظ وحزازة الفم أو حرارته . وقال الفراء فى صدره أحاح وأحيحة من
(٢) الروض الأنف (ج ٢ ص ١٨).
الضغن والغيط والحقد .
(٣) من الآية ٧٥ من سورة الأنفال. (٤) زيادة من السهيلى الذى نقل عنه المؤلف، وفى الأصل: أبطل المواريث.
- ٥٣٣ -

أنس بن مالك أن ذلك كان فى داره ، وذكر أبو سعد النيسابورى فى الشرف أن ذلك
كان فى المسجد . فالله أعلم .
الثالث : أنكر الواقدى مواخاة سَلْمَان لأَبى الدرداءِ لأَن سَلْمان إنما أسلم بعد وقعة أُحُد ،
وأول مشاهده الخندق . وأجاب الحافظ بأَن التاريخ المذكور [هو] للأخوة الثانية وهو
ابتداء الأُخوة ، واستمر صلى الله عليه وسلم يُجَدِّدها بحسب من يدخل فى الإِسلام ويحضر
إلى المدينة ، وليس باللازم أن تكون المؤاخاة وقعت وقعةً واحدة حتى يرد هذا التعقيب .
وبما أجاب به الحافظ يجاب به عن مؤاخاة أَنى ذَرٌ والمنذر بن عَمْرو ، وعن مؤاخاة حُذَيْفة
وعَمَّر، وعن مؤاخاة جعفر ومُعَاذ بن جبل، ويقال بأن مُعَاذ أُرْصِد لمؤاخاة جعفر حتى يَقْدَم.
الرابع : نقل محمد بن عُمَر ، عن الزُّهْرِى أَنه أَنكر كُلَّ مؤاخاة وقعت بعد بدر ،
ويقول : قَطَعَتْ بَدْرُ المواريث . قال الحافظ رحمه الله تعالى: وهذا لا يدفع المؤاخاة من
أصلها ، وإنما يدفع المؤاخاة المخصوصة التى كانت عُقِدَتْ بينهم ليتوارثُوا بها .
الخامس : أَنكر الحافظ أبو العباس بن تيمية المؤاخاة بين المهاجرين وخصوصاً
مؤاخاة النبي صلى الله عليه وسلم لعَلِيّ رضى الله عنه. قال لأَن المؤاخاة شرعت لإِرفاق بعضهم
بعضاً ولتتأَلَّف قلوب بعضهم على بعض ، فلا معنى لمؤاخاته لأحد ولا لمؤاخاة مهاجرى
١٠٣٨ت لمهاجرى. قال الحافظ: ((وهذا رَدِّ لنَّصّ بالقياس وإغفال عن / حكمة المؤاخاة لأَن بعض المهاجرين
كان أقوى من بعض بالمال والعشيرة والقوة، فَوَاخَى بين الأَعلى والأَّدنى ليرتفق الأدنى بالأَّ على
ويستعين الأَعلى بالأَدنى ، وبهذا تظهر [حكمة (١) ] مؤاخاته صلى الله عليه وسلم لعلى رضى
الله عنه، لأنه هو الذى كان يقوم بعَلِيّ من عهد الصِّبَا قبل البعثة واستمرّ ، وكذلك
مؤاخاة حمزة بن عبد المطلب وزيد بن حارثة لأَن زيداً مولاهم ، فقد ثَبَتَتْ إِخونهما وهما
من المهاجرين ، وفى الصحيح فى عُمْرَة القضاء أَن زيداً قال: ((إِن ابنة حمزة ابنة أَخى)).
وأخرج الحاكم وابن عبد البَرّ بسَنَدٍ حَسَن عن أبى الشعثاء (٢) عن ابن عباس رضى الله عنهما
(١) زيادة من شرح المواهب (جـ ١ ص ٣٧٣).
(٢) هو أبو الشعثاء جابر بن زيد البصرى أحد الأعلام وصاحب ابن عباس روى عنه قتادة وأيوب وعمرو بن دينار
وطائفة ، قال أحمد والبخارى توفى سنة ٩٣ هـ وقال الواقدى وابن سعد مات سنة ١٠٣ هـ. وهناك راو آخر له نفس الكنية
وهو سليم بن أسود بن حنظلة المحاربى أبو الشعثاء الكوفى روى عن عمر وابن مسعود وحذيفة وأبى ذر توفى سنة ٨٢ هـ . انظر
فى ترجمة الأول الذى يقصده المؤلف تذكرة الحفاظ (ج ١ ص ٦٧ : ٦٨) وفى ترجمة الثانى خلاصة الخزرجى ( ص ١٢٧ )
- ٥٣٤ -

قال : آخَى النبى صلى الله عليه وسلم بين الزبير بن العَوَّام وعبد الله بن مسعود ، وهما من
المهاجرين ، وأخرجه الضياء المقدسى فى المختارة، وابن تيمية يُصَرِّح بأَن أَحاديث
المختارة أَصَحّ وأقوى من أحاديث المسْتَدْرَك، قلتُ: يأْتى الكلام مبسوطاً على أُخُوة النبى
صلى الله عليه وسلم فى ترجمة على رضى الله عنه عند ذكر تراجم العشرة إن شاء الله تعالى.
السادس: روى الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والنسائى وابن حِبَّان عن شُعْبَة بن التوأم-
بفتح الفوقية والهمزة - أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا حِلْفَ فى الإِسلام))،
زاد شعبة بن التوأم: ((ولكن تَمَسَّكوا بحِلْف الجاهلية)). انتهى. ((وأَيُّما - وفى لفظ: كل -
حِلْف كان فى الجاهلية لم يَزِذْهُ الإِسلام إلا حِدَّة وشِدَّة، وما يَسُرُّى أَن لِى حُمْر النّعم وأَنِى
نقضتُ الحلف الذى كان فى دار الندوة)).
وروى البخارى فى الكفالة وفى الاعتصام ، ومسلم فى الفضائل ، وأبو داود فى الفرائض
عن عاصم بن سليمان الأَحول قال: ((قلت لأَنس بن مالك: أَبَلَغَكَ أَن النبى صلى الله عليه
وسلم قال : لا حِلْفَ فى الإِسلام ؟ قال : قد حالف النبى صلى الله عليه وسلم بين قريش
والأَّنصار فى دارى(١))). قال الطبرانى : ما استدلّ به أَنَس على إِثْبَات الحلْف لا يُنَافى
الأحاديث السابقة فى نفيه ، فإن الإخاء الذكور كان فى أول الهجرة ، وكانوا يتوارثون
به ، ثم نُسِخَ من ذلك الميراث، وبقى مالم يُبْطِلْه القرآن وهو التعاون على الحق والنصر
والأخذ على يد الظالم ، كما قال ابن عباس: ((إِلا النصر والنصيحة ))، ويوصى به فقد
ذهب الميراث(٢) .
(١) وأخرجه أبو داود بلفظ: فى دارنا مرتين أو ثلاثاً. وروى أحمد والترمذى وحسنه عن عبد الله بن عمرو بن
العاصى رفعه: (( أوفوا بحلف الجاهلية فإن الإسلام لم يزده إلا شدة ولا تحدثوا حلفاً فى الإسلام)).
(٢) لخص الدياربكرى فى تاريخ الخميس (جـ ١ ص ٣٥٣) موضوع المؤاخاة بقوله: نقل ابن حجر فى شرح
صحيح البخارى عن ابن عبد البر أن المؤاخاة كانت مرتين : الأولى قبل الهجرة بمكة بين المهاجرين خاصة . وروى الحاكم
النيسابورى حديثاً يدل على ما قاله ابن حجر وهو حديث أبى عمرو قال: آخى النبى عليه الصلاة والسلام بين أبى بكر وعمر ،
وبين طلحة والزبير ، وبين عثمان وعبد الرحمن بن عوف ، وفى رواية بين حمزة بن عبد المطلب وزيد بن حارثة . فقال على :
يا رسول اللّه آخيت بين أصحابك فمن أخى؟ قال: أنا أخوك. وفى رواية: أنت أخى فى الدنيا والآخرة . وهؤلاء كلهم
من المهاجرين . والثانية المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار وكانت قبل وقعة بدر، وبعد بدر أنزل الله تعالى: ((وأولوا
الأرحام بعضهم أولى ببعض)). فنسخت هذه الآية ما كان قبلها وانقطعت المؤاخاة فى الميراث ورجع كل إنسان إلى نسبه
وور ثه ذوو رحمه .
٠٥٣٥-

وقال الخَطَّبى : قال ابن عيينة : حالف بينهم أَى آخى بينهم ، يريد أن معنى الحِلْف
١٠٣٩ت فى الجاهلية معنى الحلف فى الإِسلام جارٍ على / أحكام الدين وحدوده، وحلف الجاهلية
جارٍ على ما كانوا يتواضعونه بينهم ، فَبَطَلَ منه ما خَالَفَ حُكْمَ الإِسلام وبَقِىَ ما عدا ذلك
على حاله .
والحِلْف -بكسر الحاء المهملة وسكون اللام بعدها فاء.، قال فى النهاية(١): أَصله المُعَاقدة
والمُعَاهدة على التعاضد والتساعد والاتفاق ، فما كان منه فى الجاهلية على الفِتَن والقتال
بين القبائل والغارات ، فذلك الذى وردالنهى عنه [ فى الإِسلام ] بقوله صلى الله عليه
وسلم : ((لا حِلْفَ فى الإِسلام)). وما كان منه فى الجاهلية على نَصْر المظلوم وصِلَة الأَرحام
كحِلْف المُطَيَّبين وما جرى مُجْرَاه فذلك الذى قال فيه صلى الله عليه وسلم: ((وأَيُّما حِلْف
كان فى الجاهلية لم يَزِدْهُ الإِسلام إِلا شِدَّة))، يُرِيد من المُعَاقدة على الخير ونُصْرة الحق
[وبذلك يجتمع الحديثان وهذا هو الحِلْف الذى يقتضيه الإِسلام والممنوع منه ما خالف
حُكْمِ الإِسلام (٢) ] والله سبحانه وتعالى أعلم .
(١) = ١ ص ٢٤٩.
(٢) زيادة من النهاية التى نقل عنها المؤلف، وأضاف ابن الأثير قائلا : وقيل المحالفة كانت قبل الفتح، وقوله :
(( لا حلف فى الإسلام)) قاله زمن الفتح ( أى فتح مكة ) ، فكان ناسخاً .
- ٥٣٦ -

الباب السادس
فى قِصَّة تحويل القِيْلَة
روى ابن إسحق(١) وابن سعد (٢)، وابن أبى شيبة، وعَبْد بن حُمَيْد، والستة (٣)، وأبو
داود فى ناسخه ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبى حاتم ، والدارقطنى ، والبيهقى عن
البَرَاء بن عازب، وابن إسحق وابن أبى شيبة ، وأَبو داود والنحاس فى ناسخهما ، وابن
جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم عن ابن عباس رضى الله عنهما ، وأبو داود فى ناسخه عن
أَبى العالية مُرْسَلاً، ويحيى بن الحَسَن العلوى فى أخبار المدينة عن رافع بن خَدِيج رضى الله
عنه، والإِمام مالك، وعَبْد بن حُمَيْد والشيخان ، وأبو داود فى ناسخه ، والنسائى ، ويحيى
ابن الحَسَن ، عن عثمان بن محمد بن الأَخنس ، وعَبْد بن حُمَيْد ، وابن المنذر عن قتادة ،
والزبير بن بکار عن عثمان بن عبد الرحمن ، وابن سعد عن محمد بن عبد الله بن جحش ،
وابن جرير عن مجاهد، يزيد بعضهم على بعض: ((أَن أول ما نُسِخٍ من القرآن القِبْلَة،
وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلى وهو بمكة نحو بيت المقدس ، والكعبة
بين يديه)). وقال ابن جُرَيْج، كما عند ابن جرير: ((صَلَى النَّبى صلى الله عليه وسلم أول
من صلى إلى الكعبة ثم صُرِف إلى بيت المقدس وهو ممكة فصّلَّى ثلاث حِجّج ثم هاجر)».
ولما هاجر إلى المدينة وكان أكثر أهلها اليهود أمره الله سبحانه وتعالى أن يستقبل صَخْرَة
بيت المقدس ، فعَرَّض اليهود بذلك ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو بيت المقدس.
وكان يُعْجِبه أن تكون قِبْلَته قِبَل البيت، لأَن اليهود قالوا /: ((خالفنا محمد ويتبع ٥١٠٤٠
قِبْلَتَنَا)) .
(١) فى ابن هشام = ٢ ص ١٧٩ و١٧٧.
(٢) فى الطبقات الكبرى ج٢ ص ٦: ٩.
(٣) أحاديث تحويل القبلة أخرجها الستة: البخارى ومسلم وأبو داود والترمذى وابن ماجه والنسائى، كما أخرجها
مالك وأحمد والدارمى . هذا وقد أخرجها البخارى فى صحيحه فى كل من كتاب الصلاة ( ج ١ ص ١٧٦ : ١٧٧) وفى
كتاب التفسير (ج ٦ ص ٤٩: ٥١)، وفى صحيح مسلم (= ٥ ص ٩: ١١ بشرح النووي).
- ٥٣٧ -

وقال صلى الله عليه وسلم لجبريل: ((وَدِدْتُ أَن الله عزَّ وجَل صرفنى عن قِبْلَة يهود إِلى
غيرها))، فقال جبريل عليه السلام: ((إِنما أَنَا عَبَّدٌ مثلك لا أَمْلِك لك شيئاً إلا ما أُمِرْتُ به ،
فادعُ الله تعالى)). فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الله تعالى ويُكْثِرِ النَّظَرَ إلى السماء
ينتظر أمر الله تعالى ، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم زائراً أُمَّ بِشْر بن البَرَاء بن
مَعْرُور، فى بنى سَلِمَة - بكسر اللام - فصنعت له طعاماً، وحانت صلاة الظهر، فصَلَّى
رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بأَصحابه فى مسجد هناك الظهر ، فلما صلى ركعتين نزل
جبريل فأشار إليه أَن صَلِّ إِلى البيت ، وصلى جبريل إلى البيت فاستدار رسول الله صلى الله
عليه وسلم إلى الكعبة ، واستقبل الميزاب . فَتَحَوَّل النساء مكان الرجال والرجال مكان
النساء، فهى القبلة التى قال الله تعالى (فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِيْلَةً تَرْضَاهَا(١)) فسُمِّى ذلك المسجد
مسجد القِيْلَتَيْن. وكان الظُّهْر يومئذ أربعاً: اثنتان إلى بيت المقدس واثنتان إلى الكعبة ،
فخرج عَبَّادبن بشر(٢) رضى الله عنه، وكان صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمر على قوم من الأنصار
ببنى حارثة - بالحاء المهملة والثاء المثلثة - وهم راكعون فى صلاة العَصْر، فقال: ((أَشهد
بالله لقد صَلَّيْت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قِبَل البيت)). فاستداروا .
قال رافع بن خَدِيج: ((وأَنانا آتٍ ونحن نصلى فى بنى عبد الأَشهل فقال: إِن رسول
الله صلى الله عليه وسلم قد أُمِرَ أن يوجه إلى الكعبة، فأَدارنا إِمَامُنَا إِلى الكعبة ودُرْنا معه)).
قال ابن عُمَر : ((وبينما الناس بقُبَاء فى صلاة الصبح إذ جاءهم آت ـ قال ابن طاهر المقدسى
هو عَبَّاد بن بشر أيضاً - فقال: ((إِن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أُنْزِل عليه قرآن ،
وقد أُمِرَ أَن يستقبل الكعبة فاسْتَقْبِلوها(٣)، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إِلى
الكعبة )).
وكانت اليهود قد أعجبهم إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُصَلِّى قِبَل بيت المقدس
(١) من الآية ١٤٤ من سورة البقرة.
(٢) ترجم إبن الأثير فى أسد الغابة ( ح ٣ ص ٩٩ و ١٠٠) لاثنين بهذا الاسم: عباد بن بشر بن قيظى وهو الذى
ورد إسمه فى حديث نويلة بنت أسلم ، والآخر عباد بن بشر بن وقش والأول من بنى حارثة والثانى من بنى عبد الأشهل
وكلاهما من الأنصار وينسب إلى كل منهما حديث تغيير القبلة وإبلاغه إلى قولهما .
(٣) روى فاستقبلوها بكسر الباء وفتحها والكسر أصح وأشهر وهو الذى يقتضيه تمام الكلام بعده، قاله النووى
فى شرحه على صحيح مسلم ( جـ ٥ ص ١٠).
- ٥٣٨ -

وأَهْلُ الكتاب فلما وَلَى وَجْهَه قِبل البيت أنكروا ذلك. وقال المنافقون: ((خَرَّ محمد إلى
أرضه)). وقال المشركون: ((أَراد محمد أَن يجعلنا قِيْلَةٌ له ووسيلة، وعرف أن ديننا أَهْدَی
من دينه ، ويوشك أن يكون على ديننا)).
وقال اليهود للمؤمنين: ما صرفكم عن قِيْلة موسى ويعقوب وقبلة الأنبياء ؟ والله
إِن أَنتم إِلا قوم تفتنون . وقال المؤمنون: لقد ذهب مِنَّا قومٌ ماتوا وما ندرى أَكُنَّا نحن / ١٠٤١ت
وهم على قِيْلة أو لا. وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رفاعة بن قيس، وكَرْدَم(١) بن
عَمْرو ، وكَعْب بن الأشرف ، ورافع بن أبى رافع ، والحَجَّاج بن عَمْرو حليف كعب بن
الأَشرف ، والربيع وكِنَانة ابنا [الربيع بن] أبى الحُقَيْق - بلفظ تصغير حق - فقالوا :
((يا محمد ما وَلَأَكَ عن قِبْلَتِك التى كنت عليها وأنت تَزْعُم أَنك على مِلَّة إِبراهيم ودينه ؟
إرجع إلى قبلتك التى كنت عليها نَشَِّعك ونُصَدِّقُك)). وإِنما يريدون بذلك فِتْتَتَه عن دينه ،
فأَنزل الله عز وجل: (سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ) - الجُهَّال واليهود وَالمشركون [ والمنافقون(٢)]
(مَا وَلَّاهُمْ) - أَى صرفهم - (عَنْ قِبْلَتِهِم) - التى كانوا على استقبالها فى الصلاة وهى بيت
المقدس، والإِتيان بالسين الدَّالَّة على الاستقبال من الإِخبار بالغيب - (الَّتِى كَانُوا عَلَيْهَا
قُلْ لِلهِ المَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ) - أَى الجهات كلها، فيأُمر بالتوجه إلى أى جهة شاء لا اعتراض
عليه - (يَهْدِى مَنْ يَشَاءُ) - هدايته ــ (إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(٣) ) - دين الإِسلام ، أى ومنهم
أنتم، دَلَّ على هذا ( وَكَذَلِكَ) أَى كما هديناكم إليه ( جعَلْنَاكُمْ) يا أمة محمد
( أَمَّةً وَسَطاً.) خياراً عدولاً (لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) يوم القيامة أَن رَسُلَهم
بلَّغَتْهُم ( وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) أَنه بَلَّفَكُم ( وَمَا جَعَلْنَا) صَيِّرنا (القِيْلَةَ
أَّتِى كُنْتَ عَلَيْهَا ) أَولاً وهى جهة بيت المقدس وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم
يُصَلّى إِليها تَأَلُّفاً لليهود فصلّى إليها ستة أو سبعة عشر شهراً ثم حُوِّل (إِلاَّ لِنَعْلَمَ) عِلْم
ظهور (مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ) فَيَصَدِّقه (مِمَّن يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ) أى يرجع إلى الكفر شَكًّا
(١) فى الأصل فردم بالفاء وكذلك فى سيرة ابن هشام ( جـ ٢ ص ١٧٦ طبعة التجارية) والتصويب من الاشتقاق
( ص ٢٨١) والكردمة عدو بفزع فيه ثقل وبطء .
(٢) زيادة من تفسير القرطبى (جـ ٢ ص ١٤٨).
(٣) سورة البقرة آية ١٤٢.
- ٥٣٩ -

فى الدين وظَناً أَن النبيَّ فى حيرة من أَمْرِهِ، وقد ارْتَدَّ لذلك جماعة (وَإِنْ) مُخَفَّفَة من
الثقيلة واسمها محذوف ، أَى وإِنَّها(١) ( كانت) التولية إِليها - (لَكَبِيرَةً) شَاقَّة على الناس
(إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ) منهم (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) أَى صَلَاتَكُم إلى بيت
المقدس بل يثيبكم عليها لأَن سبب نزولها السؤال عَمِّن مات قبل التحويل (إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ)
المؤمنين (لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٢) ) فى عدم إضاعة أعمالهم، والرأفة شِدَّةً الرحمة وقَدَّم الأَّبلغ
للفاصلة .
(قَدْ) للتحقيق (نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِى السَّمَاءِ) أَى تَصَرُّف وجهك فى جهة السماء
تَطَلُّعاً إلى الوَحْى، وتَشَوُّقاً للأَمر باستقبال الكعبة وكان يَوَد ذلك لأَّنها قِبْلة إبراهيم ولأَّنه
أَدْعَى إِلى إِسلام العرب ( فَلَنُوَلِّيَنَّكَ) نُحَوِّلَنَّك ( قِبْلَةٌ تَرْضَاهَا) تُحِبُّها (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ
المَسْجِدِ الحَرَامِ ) استقبل فى الصلاة ناحية المسجد الحرام أَى الكعبة (وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ)
٠٤٢ ١ ت خطاباً للأمة / (فَوَلُوا وَجُوهَكُمْ) فى الصلاة (شَطْرَهُ) (وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ
أَنَّهُ) أَى التَّوَلِّ إلى الكعبة (الحَقُّ) الثابت (مِنْ رَبِّهِمْ) لِمَا فِى كُتُبهم من نَعْت النبى صلى
الله عليه وسلم من أَنه يَتَحَوَّل إليها (وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ(٣)) [قرئت] بالتاء أى
أيها المؤمنون من امتثال أمره ، وبالياء أَى اليهود من إِنكار القِيْلَة .
(وَلَئِنْ) لام قَسَم (أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ) على صِدْقِك فى أَمر القِيْلَة
(مَا تَبِعُوا) أَى لم يَتَّبِعوا (قِبْلَتَكَ) عِناداً (وَمَا أَنْتَ بِتَابع قِبْلَتَهُمْ) قَطْعٌ لِطَمَعِه فى إِسلامهم
وطَمَّعِهِمْ فِى عَوْدِهِ إِليها (وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِيْلَةَ بَعْضٍ ) أى اليهودقبلة النصارى وبالعكس
(وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءُهُمْ) التى يدعونك إِليها (مِنْ بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ العِلْمِ) الوَحْى (إِنَّكَ
إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ(٤) ) أَى إِن اتَّبَعْتَهم فَرْضاً .
تَنْبِهَاتٌ
الأَول : تصوير ما ذُكِر من تحويل الرجال مكان النساء وتحويل النساء
مكان الرجال أن الإِمام يتحول من مكانه فى مُقَدَّم المسجد إِلى مُؤَخَّره ، لأَن من استقبل
(١) ذهب الفراء إلى إن ((أن)) واللام بمعنى ما وإلا، والبصريون يقولون هى إن الثقيلة خففت. وقال الأخفش
أى وإن كانت التولية لكبيرة ( تفسير القرطبى ج ٢ ص ١٥٧).
(٢) سورة البقرة آية ١٤٣.
(٤ ) سورة البقرة آية ١٤٥ .
(٣) سورة البقرة آية ١٤٤.
- ٥٤٠ -